الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

15 0

تركته تاليا وانصرفت، وكأن قدميها تقودانها دون وعي، فالهروب منه في تلك اللحظة كان أكثر أمانًا من مواجهته. لم تكن قادرة على النظر إليه، خشيت أن يرى دموعها المتراكمة في عينيها، أو أن يلمح الغصة المتحجرة في حلقها. كانت تخشى أن يكشف بصره ما كانت تحاول إخفاءه بقوة إرادتها.

لِمَ لا تكتمل سعادتها يومًا؟ لماذا حين تفتح الحياة لها بابًا صغيرًا للفرح، يغلق فجأة دون رحمة؟

لقد ظنّت –بل أوهمت نفسها– أن الحياة ابتسمت لها أخيرًا. صدّقت أن قلب مراد قد لان، وأنها أخيرًا ستذوق دفء حبه بعد أن لسعتها قسوته.

لكنها الآن، في تلك اللحظة، تتساءل: هل كانت تتخيل؟ هل كل ما شعرت به في الأيام الماضية لم يكن سوى أوهام نسجها قلبها المتعب؟ أكان قربه واهتمامه بها مجرد تعويض مؤقت؟ وسيلة للهروب من حنينه لامرأة أخرى؟

كانت تحدث نفسها بألف سؤال حتى وصلت إلى سيارة عادل، التي ما زالت مكانها لم تتحرك.

حين رآها عادل فتح نافذة سيارته، وقال وهو ينظر إليها بدهشة بسيطة:

"تاليا؟! انتي لسه مامشيتيش؟! ومراد راح فين؟! انتوا زعلتوا مع بعض ولا ايه؟!"

وقفت تاليا أمام نافذته، يحركها الضياع والارتباك، وقالت بصوت خافت:

"لا، مازعلناش ولا حاجه... بس أنا كنت عايزه مها ورنا، هما فين؟!"

عادل، وقد عقد حاجبيه قليلاً، أجابها:

"مها ورنا مشيوا بعد ياسمين على طول، تلاقيهم قربوا يوصلوا أصلاً."

تنهدت تاليا بصوت مسموع، كأنها تلفظ شيئًا عالقًا داخلها، ثم تمتمت:

"أنا كنت فاكراهم معاك... مش هما جايين معاك؟!"

قال عادل وهو يهز كتفيه بلا مبالاة:

"أيوه، بس رجعوا مع حد من قرايب رنا، أنا ماكنتش عايزهم يركبوا معايا أصلاً، بيدايقوني."

قالت تاليا بحيرة واستسلام:

"طيب... أعمل ايه دلوقتي؟!"

نظر إليها للحظة، ثم أشار إلى المقعد المجاور له قائلاً:

"تعالي بس اركبي... وقوليلي كنتي عايزاهم ليه."

فتحت تاليا الباب لتجلس، ولم تلاحظ أن عادل أخفى شيئًا ما أسفل مقعده بسرعة خاطفة. لم تعره انتباهًا، فقد كان عقلها مزدحمًا أكثر مما يسمح له بملاحظة التفاصيل الصغيرة. جلست بصمت، ووضعت حقيبتها الصغيرة على قدميها، وأسندت ظهرها إلى المقعد وهي تنظر من النافذة دون أن تتكلم.

سألها عادل بعد لحظة صمت:

"انتي كنتي عايزاهم ف إيه؟!"

أجابت دون أن تحوّل وجهها إليه:

"كنت عايزة نروح نِبات عند ياسمين، نحتفل بيها كده كلنا مع بعض."

ضحك عادل بسخرية خفيفة وقال:

"وانتي فاكرة إن ياسمين هتبقى فاضية لكم؟! أكيد هتقعد تكلم حسن طول الليل. هتروحوا تقطعوا عليهم ولا إيه؟!"

لم ترد عليه، كانت كلماته تمر على سمعها كضوضاء بعيدة لا معنى لها، ثم قالت بصوت خافت:

"طيب... انت هتعمل إيه دلوقتي؟ هترجع البيت ولا هتروح فين؟!"

عادل وهو يشعل سيجارة دون اكتراث:

"لا، أنا هلف بالعربية شوية... مش عاوز أروح دلوقتي."

صمتت لثوانٍ ثم قالت:

"طيب خدني معاك... أنا كمان مش عاوزة أروح دلوقتي."

انطلق عادل بالسيارة، والهدوء يلفهما. وضعت تاليا رأسها على النافذة، تنظر إلى الشوارع التي تمر بجانبهما دون أن تراها فعلاً، كأنها ترى شريط ذكرياتها بدلًا منها. كانت شاردة، قلبها معلق، مشاعرها فوضى لا تُرتّب. أما عادل، فكان يرمقها بين الحين والآخر بطرف عينه، يتأمل شرودها وشرخ الحزن في عينيها دون أن ينبس بكلمة.

بعد دقائق طويلة من السير، توقفت السيارة فجأة. رفعت تاليا رأسها ونظرت من حولها، المكان بدا خاليًا ومُظلِمًا، لا ضوء سوى من أعمدة الإنارة القليلة والنجوم التي تتلألأ في السماء.

قالت بتوجس:

"انت وقفت هنا ليه؟!"

ابتسم عادل وهو يفتح باب السيارة:

"انزلي بس معايا وشوفي جمال المكان... وانتي هتشكريني إني جبتك هنا."

ترددت تاليا لوهلة. المكان يبدو غريبًا، مظلمًا وخاليًا، وهي تكره الظلام. لكن جزءًا منها كان يحتاج للهروب، للهروب من كل شيء… حتى من عقلها. فتحت الباب ببطء ونزلت خلفه، وهي تتأمل المكان بعينين تملؤهما الريبة.

كان المكان مرتفعًا بعض الشيء، يطل على المدينة من بعيد، والسماء كانت صافية، مرصعة بالنجوم وكأنها لوحة أبدعها فنان حالم. الهواء كان باردًا قليلاً، يداعب وجهها فينعش روحها المتعبة.

نظرت إلى الأعلى، إلى السماء الممتدة كحضن مفتوح، وتمتمت بداخلها: سبحان الخالق… كم هو الجمال هادئ حين لا يشاركه أحد.

لكن رغم ذلك، ظل قلبها قلقًا. شيء ما بداخلها لم يكن مطمئنًا… لم تكن تعلم ما إذا كان ذلك بسبب خوفها من الظلام، أم من شيء آخر لا تزال تجهله…

وقف عادل بجانبها، يضع يديه في جيبه، وعيناه تتأملان السماء المليئة بالنجوم، ثم قال بصوت خافت يحمل شيئًا من الحنين:

"ايه رأيك ف المكان؟... أنا دايمًا باجي هنا لما بكون متدايق."

نظرت إليه تاليا وهي تضم ذراعيها كأنها تحاول احتضان نفسها من بردٍ مفاجئ أو خوف دفين، ثم تمتمت بصوت خافت:

"المكان هادي... بس حساه مخيف، يعني ضلمة، لو مش نور العربية موجود، ماكناش هنشوف حاجة."

ضحك عادل بخفة وقال وهو يرفع حاجبيه:

"دي أحسن حاجة! ولا حد يشوفك، ولا تشوفي حد... تحسي إنك مع نفسك بس."

هزّت تاليا رأسها بلا اقتناع وقالت بتوتر واضح في نبرتها:

"أيوه... بس أنا خايفة. يلا نرجع، أو نلف بالعربية زي ما كنا."

اقترب منها قليلًا وقال مطمئنًا:

"ما تخافيش... أنا معاكي. وبعدين عنيكي بس على ما تاخد على المكان، وهتحسي بالراحة."

لم ترد. فقط استندت إلى مقدمة السيارة وهي تحدّق في السماء. كان ضوء القمر يتسلل بخفة بين غيوم خفيفة، كأن السماء تحاول أن تواسيها، أن تخبرها أن ليل الحزن لن يطول، وأن الصباح قادم لا محالة.

كانت تنظر للنجوم، ولكن قلبها كان في مكان آخر تمامًا، كان هناك… مع مراد، يحاول أن يفهمه، أن يعيد قراءة كل ما حدث، أن يميز بين الحقيقة والوهم.

طال الصمت بينهما، وكأن الهواء صار أثقل، وكأن الوقت جُمد حولهما للحظة.

عادل لم يتحمل هذا الصمت أكثر، فاستدار نحوها، وقف أمامها مباشرة، وقال بنبرة جادة:

"قوليلي بقى مالك؟ إيه اللي حصل؟!"

نظرت إليه تاليا بعينين دامعتين، ولكنها أخفتهما سريعًا، وابتسمت بتكلف وهي تقول:

"ولا حاجة... متدايقة بس عشان ياسمين هتتجوز وتسيبنا."

ضحك عادل ضحكة حقيقية، ملأت المكان بقليل من الدفء، ثم قال:

"تتجوز وتسيبنا؟! ليه هي هتتجوز مين؟ دي هتتجوز حسن... أكتر واحد بيحب الخروج فينا وبيجبرنا نخرج معاه كمان! متخيلة إنه لما يتجوز هيبطل يخرج يعني؟! اهي دي حاجة مستحيل أصدقها."

توقف للحظة، ثم أضاف وهو ينظر مباشرة في عينيها، كأنه يقرأ ما وراءها:

"وبعدين يعني... حتى اختاري كدبة تتصدق! مالك يا تاليا؟! انتي من ساعة ما اختفيتي انتي ومراد ورجعتوا ورا بعض وانتي مش طبيعية. انتي أول ما وصلتي كنتي مبسوطة بجد، بس من بعدها... وانا حاسس إن فيكي حاجة."

كان صوته يحمل دفئًا نادرًا، ونظراته مليئة بالقلق الحقيقي، تلك النظرة التي لا يستطيع أي كاذب أن يقلدها.

أما تاليا، فلم تستطع السيطرة على نفسها أكثر.

كأن كلماته كانت المفتاح الذي كسر السدود التي بنتها حول مشاعرها، وكأنها كانت تنتظر فقط من يسألها بصدق، من يرى ما تحاول جاهدة إخفاءه.

وفجأة… انهمرت دموعها.

غطّت وجهها بكفيها وانهارت في بكاء مرير، بكاء لم يكن فقط على مراد، بل على كل الخيبات، على كل الأمل الذي بَنته داخليًا وانهدم دفعة واحدة. كانت تبكي بقوة، بشدة، وكأنها تطرد من داخلها كل ما لم تستطع قوله.

كل المشاعر التي كبتتها منذ الحفل، منذ أن سمعت صوته يذكر بسنت، وكل الأسئلة التي لم تجد لها إجابة، وكل مخاوفها من التعلق، من التكرار، من الخذلان… انفجرت الآن، بلحظة ضعف حقيقية، أمام شخص لم تتوقع أن تكون معه بهذا الشكل.

عادل لم يتكلم. وقف مذهولًا للحظة، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة، ووقف جوارها بصمت، لم يحاول تهدئتها بكلمات معتادة، فقط ترك لها مساحة لتبكي، ليهدأ قلبها قليلًا، وكأنه أدرك بفطرته أن هذه اللحظة ليست لحظة نصيحة، بل لحظة احتواء… صامت، وصادق.

لكن في تلك اللحظة باغتها عادل بعناق مفاجئ، ابتعدت تاليا سريعاً عنه وتراجعت للخلف خطوتين بتوتر ، كان قلبها يخفق بذعر لا يوصف. لم يكن عناق صديقٍ يواسي، بل جسدٌ مثقلٌ بالخطيئة يضغط على روحها. أحست بأنفاسه الساخنة تتسلل إلى رقبتها، فارتجف جسدها، وتراجع قلبها في صدرها كما لو كان يحاول الفرار من قفصه.

تراجعت بخوف، مسحت دموعها بسرعة، ونظرت بعيدًا محاولة كتم كل ارتباكها. لكنها لم تكن تعلم أن القادم أشد.

قال عادل بصوت أجش وقد اختلطت أنفاسه برائحة الخمر:

"هو اتخانق معاكي؟ أو زعلك؟"

أجابته بصوت واهن، محاولة أن تغلق على الحكاية وتغادر:

"لا محصلش حاجه... صدقني. أنا بس حاسة إني متدايقة من غير سبب... بس بقيت أحسن دلوقتي، يلا نروح بقى عشان الوقت اتأخر."

وما إن التفتت لتتحرك حتى شعرت بجسده يسحبها من الخلف بقوة!

كان عناقه هذه المرة أشد، كأنما يحاول أسرها لا احتضانها.

تجمدت للحظة، ثم دفعت صدره بقوة حتى تعثر بخطاه قليلًا.

صرخت فيه بذهول وغضب:

"انت شارب يا عادل، صح؟! ريحتك باينة أوي! احنا مش اتفقنا إنك ماتشربش تاني؟! ليه بتشرب القرف ده؟! انت بتضر صحتك وبتدمر نفسك مش أكتر!"

رفع عادل صوته بانفعال، وانهالت كلماته المرتبكة كطلقات نار وهو يقول:

"بشرب... عشان مش قادر أتحمل! وانتي مش حاسة بيا!مش قادر أتحمل إني أشوف نظراتك له... ليه؟!هو عنده الحق يلمسك وأنا لا؟انتي بتحبيه ليه؟!رغم بعده عنك... بردو بتحبيه ومتمسكة بيه ليه يا تاليا؟! أنا بحبك أكتر منه وهسعدك أكتر منه!

على الأقل مش هسيبك وأسافر... هفضل معاكي دايمًا!"

تراجعت تاليا إلى الخلف، تجر خطواتها وكأن الأرض تنهار تحت قدميها، وقالت بصوت مرتجف:

"إيه اللي انت بتقوله ده يا عادل؟انت عارف إننا أصحاب... انت بالنسبة لي أخ، وانت عارف كده كويس!أنا بعتبركم كلكم إخواتي... وعمري ما فهمت كلامك وحرصك عليا غير كده."

لكن عادل، وقد أعمته الغيرة وغياب العقل، صاح بغضب:

"عشان مابتفهميش!أنا من الأول دخلت شلتكم دي عشانك انتي!بخرج معاهم عشانك! بكلمهم عشانك!

أنا بحبك يا تاليا... ليه مش عايزة تفهمي؟!"

قالت بتوتر ممزوج بالذهول:

"انت مش ف حالتك الطبيعية يا عادل،اللي انت شاربه ده مخليك تقول كلام هتندم عليه بعدين!

احنا من يوم ماعرفنا بعض وانا بعاملك كأخ... وانت كمان، بس عشان شارب، انت شايف الأمور بطريقة مختلفة!"

فجأة اقترب منها مجددًا، أسرع من ردة فعلها، وعانقها بعنف.

كان صدره يضغط عليها، وهي تحاول دفعه بكل ما أوتيت من قوة، تصرخ وتبكي:

"يا عادل... ماتخليش الصداقة اللي بينا تنتهي بالطريقة دي! فوق يا عادل... عشان خاطري!"

لكن عادل لم يكن يسمع، كان قد فقد السيطرة تمامًا،

شفاهه تهبط على عنقها، وعلى وجهها، وهي تدفعه وتبكي وتصرخ:

"سيبني يا عادل!عشان خاطر ربنا سيبني!"

كانت كلماتها كطلقات استغاثة في ليلٍ موحش.

تحركت بألم، جسدها يتملص، وعقلها يبحث عن أي وسيلة للفرار، ولكن صوت خطوات سريعة قطع الهواء، وملأ الفضاء بصدى الأمل.

صرخت من أعماقها، بكل ما تملك من وجع:

"ساعدونييي!!"

كان صوتها تلك اللحظة يشق الليل، يشق الظلام، يشق الغدر.

أمل أخير في أن هناك من سيسمع، من سيتدخل، من سيوقف الكارثة قبل أن تكتمل.

وسط الظلام الدامس الذي لفّ المكان كالضباب الثقيل، ومع اختلاط مشاعر الخوف والدموع في عينيها، لم تستطع تاليا أن ترى بوضوح من ذاك الذي اندفع فجأة كالسهم ليجذب عادل من فوقها ويلقيه أرضًا. ارتطم جسد عادل بالأرض بقوة، وبدأ الرجل المجهول يكيل له اللكمات الواحدة تلو الأخرى، وكأن الألم الذي يسد به وجهه الآن لا يكفي ليُكفّر عمّا حاول أن يفعله.

كان الضارب لا يتوقف، يتحرك بغضب، وكأن بينه وبين عادل حسابٌ قديم، لكن الحقيقة أن ما يراه أمامه لا يُغتفر، ولا يستحق سوى الغضب. أما عادل، فقد بدا تائهًا، تتعثر خطواته وتخور قواه، فالكحول في دمه جعله هشًّا لا يقوى على صد الضربات، حتى فقد وعيه تمامًا، وسقط خامل الجسد.

توقفت الأيدي الغاضبة عن الضرب، وتحوّل ذلك الشخص نحوها.

كانت تاليا تقف متسمّرة في مكانها، تجاور باب السيارة، تتنفس بصعوبة، دموعها لا تزال تتساقط، وارتعاشة جسدها لم تهدأ.

لم تستطع أن ترى ملامحه جيدًا، فقد كان الظلام كثيفًا، ونظرها غائمًا كأن العالم حولها سحابة من ضباب.

بدأ يقترب منها، بخطوات وئيدة، فدبّ فيها الخوف مجددًا، وتراجعت بخطوات قلقة، التقطت ذيل فستانها ورفعت قدمها تحاول نزع حذائها ذا الكعب العالي لتفرّ، لكنها توقفت فجأة حين سمعت الصوت... ذاك الصوت المألوف:

"ماتخافيش يا تاليا... أنا مراد."

كأن صوته اخترق رعبها كسيف يشقّ ستار الخوف.

نظرت إليه بارتباك، قلبها يتردد بين التصديق والريبة.

صوتها خرج مبحوحًا، مشحونًا بكل التوجس:

"مراد!!... إنت جيت إزاي هنا؟!"

أراد التقدم منها، لكنها تراجعت خطوة أخرى، ما تزال أسيرة الصدمة.

رفع كفّيه أمامه كما يفعل من يهدّئ حصانًا خائفًا، وقال بلطف وطمأنينة:

"ماتخافيش... أنا مش هعملك حاجة.وعادل مش هيقدر يعملك حاجة... أنا مراد يا تاليا، والله العظيم أنا مراد."

وبدأ يقترب منها من جديد، هذه المرة لم تتراجع، فقط ظلت تنظر إليه في ذهول، تحاول التأكد من ملامحه.

وحينما أصبح أمامها تمامًا، ورأته بوضوح تحت ضوء السيارة الخافت...

ارتمت في حضنه، بقوة.

دفنت وجهها في عنقه، كأنها تختبئ من كل الظلال التي كانت تلاحقها.

انهارت بالبكاء، كانت تبكي بكل ألمها، بكل قهرها، بكل ما شعرت به في تلك الليلة.

قالت بصوت مخنوق:

"مراد... أنا خايفة.أنا عايزة أروح... عايزة أمشي من هنا."

ضمّها مراد إلى صدره كما لو كان يضم طفلًا مكسورًا.

ربت على شعرها بنعومة، وهمس في أذنها:

"اهدي يا تاليا... أنا معاكي.ماتخافيش، أنا هروحك، بس اهدي أرجوكي."

كان يشعر بارتعاش جسدها، بأنفاسها اللاهثة، بضربات قلبها التي تضرب صدره كطرق الباب في منتصف الليل.

أدرك فورًا أنها دخلت نوبة هلع، تشبه تلك التي رآها من قبل،

فبدأ يفعل كما رأى ياسمين تفعل تمامًا.

ظل يربت على رأسها، يتحدث لها بصوت ثابت دافئ:

"أنا جنبك... أنا هنا، مفيش حاجة هتحصلك،

محدش هيقدر يقربلك وأنا معاكي،أنا مش هسيبك،

أنا معاكي يا تاليا، وهفضل دايمًا معاكي...

اهدي وخليكي معايا عشان نروح سوا بيتنا."

ظلّ يُكرر تلك الكلمات بلا كلل، ساعة إلا قليلًا، وهي بين ذراعيه، تنكمش كعصفور مبتل بالمطر.

حتى بدأت أنفاسها تهدأ، وأخذ قلبها يستعيد إيقاعه البشري بعد أن كاد ينفجر من الرعب.

حين رفعت رأسها، ورآها، كادت عيناه تدمعان.

كان وجهها قرمزيًّا من فرط البكاء، عيناها حمراء، منتفخة، تحملان آثار كل الدموع التي لم تسقطها منذ طفولتها.

أراد في تلك اللحظة أن يقتل عادل بيديه. أن يضربه مرة ومرتين ومئة، لا على فعلته فقط، بل على الألم الذي زرعه في قلبها.

همّت بالتحرك، ولكن قدماها خانتاها، فكانت على وشك السقوط.

فدون تفكير، مدّ مراد ذراعيه، ورفعها بين يديه.

كان يحملها وكأنها شيء لا يجوز أن يمسه أحد بسوء.

كأنها قلبه هو.

تعلقت ذراعاها بعنقه، ورأسها على صدره، لا تقوى على شيء سوى البكاء الهادئ.

اتجه بها نحو سيارته بخطى ثابتة، لا يلتفت للخلف.

لم يُعِر اهتمامًا للجسد الملقى أرضًا، للفم الذي ينزف، للعين المغلقة، للعقل الغائب.

كل ما تمناه حينها أن يعبر من هنا حيوان مفترس...

يفعل به ما يستحق.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة