الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

15 0

عندما اقتربا من السيارة، كان جسد تاليا منهكًا، متراخيًا كأن الروح قد أُنهكت بما يكفي لسنين قادمة. فتح مراد باب السيارة الأمامي برفق، ثم مال بجسدها المتعب وأجلسها بحذر كأنها زجاج هشّ قد يتكسر إن حُرّك بعنف، وأسند ظهرها إلى المقعد بحنو. كانت ترتجف، أنفاسها قصيرة متقطعة، وعيناها تتفادى النظر إلى الفراغ المظلم حولها. أراد أن يدور حول السيارة ليصعد إلى مقعد السائق، لكن ما إن تحرّك خطوتين حتى أحسّ بيدها تمسك بمعصمه.

نظرت إليه نظرة منكسرة، مليئة بالرجاء والقلق، وكأنها تتوسل إليه ألا يبتعد ولو للحظة.

فانحنى بجسده فورًا إلى مستواها، وعيناه تحاولان أن تبثّا الطمأنينة في روحها المرتعشة وهمس برقة:

"ماتخافيش... أنا مش هسيبك،أنا هلف عشان أركب جنبك."

ارتخت قبضتها عن معصمه، لكنها لم تحرّك عينيها عنه حتى جلس بجوارها.

كانت تنظر أمامها دون أن ترى، وضعَت رأسها على مسند المقعد وأغمضت عينيها، وكأنها تحاول محو العالم الخارجي، كأن الظلام الذي يلفّ السماء يهدد بابتلاعها إن فتحت عينيها أكثر.

أما مراد، فجلس جوارها ينظر إليها بصمتٍ، يتأمل ملامح وجهها الذي بدا متعبًا كطفلٍ بكى حتى غفا.

كان داخله يموج بالغضب... عادل. الاسم فقط يثير بداخله رغبة في الفتك. كيف تجرأ؟! كيف سوّلت له نفسه؟

لكنه كتم غضبه، وأخفى حقده، لأنه كان يعلم أن انفعاله لن يفيدها الآن، وأن أولويته الوحيدة أن يُخرجها من صدمتها، أن يطوّقها بالأمان الذي سُرق منها.

قاد السيارة بهدوء، يتفقدها بين حينٍ وآخر، يراقب أنفاسها، ارتعاشات أصابعها، وقبضتها على طرف الفستان، وكأنها تستمسك بشيء يثبت وجودها في الواقع.

وحين وصلا إلى المنزل، نزل أولًا وسارع بفتح بابها، ثم مدّ ذراعيه ليسندها، وأخذها بخطوات متأنية إلى الداخل، حتى أوصلها إلى سريرها.

وضعها فوق الفراش كما يُوضع الورد فوق وسادة من حرير، وسحب الغطاء عليها، جلس جوارها للحظات، يطمئن أن لون وجهها عاد إلى طبيعته، وأن أنفاسها بدأت تستقر، وما إن همّ بالنهوض حتى شعر بيدها تمسك به من جديد.

كانت عيناها نصف مفتوحة، ويدها تحكم على كفه بقلق، كأنها خافت أن يكون رحيلُه مقدمة لفقدان جديد.

قالت بصوت خافت، مهتزّ:

"ماتسيبنيش... أنا خايفة."

عاد للجلوس دون تردد، ثم استلقى بجوارها فوق الفراش، وأدار جسده نحوها، مدّ يده إلى شعرها وبدأ يداعبه بأصابعه بلطفٍ بالغ، كأن كل خصلةٍ فيه تستحق عناية وحنانًا.

أما هي، فاستسلمت لذلك الإحساس بالأمان، وغرقت أخيرًا في نومٍ مضطرب.

ظلّ مراد يحدّق في ملامحها، يرى خطوط الألم على وجهها، والهالات تحت عينيها، كانت جميلة حتى وهي متعبة، بل ربما بدت له الآن أكثر جمالًا، لأنها بدت حقيقية، منكشفة، بلا أي أقنعة.

ومع كل نظرة يزداد غضبه منها... نعم، غضب، لأنه يراها الآن ضحية، وكان بإمكانها ألا تكون كذلك.

لِمَ ذهبت؟

لِمَ استقلت سيارة عادل وهي تعلم أنه ليس بخير؟!

لقد حذّرها مرارًا... نظراته، صوته، اهتمامه المبالغ فيه، حتى حسن تحدّث معه ذات مرة عنه.

لكنه دائمًا كان يُقابل رفضها لتحذيراته...

كانت تقول له:

"أنت سيء الظن... هو بيحبنا كلنا زي بعض، هو اهتمامه عشان أصدقاء مش أكتر."

كم كانت ساذجة.

كان يتمزق بين رغبة في ضمها بقوة، ورغبة في إيقاظها ليصرخ بها: "انتبهي لنفسك يا مجنونة!"

لكن حين رأى جفنها يرتعش، وساقيها تتحركان لا إراديًا، علم أن نوبة جديدة تقترب.

وفعلاً...

انتفض جسدها فجأة، كانت تلهث، وكأنها تفرّ من وحشٍ يطاردها في حلم.

فمدّ يده يربت على ظهرها وهمس مطمئنًا:

"ماتخافيش يا تاليا... أنا جنبك، مش هسيبك."

وبينما عيناها مغمضتان، وشفتيها ترتعشان، خرجت كلماتها كأنها من عالمٍ آخر، كأنها تحادث شبحًا يهددها بالخذلان:

"ليه كلكوا بتمشوا... ليه بتسيبوني؟أنا مش عايزاك تمشي انت كمان...أنا مش عايزة أكون لوحدي."

تجمد قلبه.

أدرك أن الجرح أعمق من الليلة، وأن الخوف ليس وليد اللحظة، بل تراكمات عمر،

ألم الفقد، الوحدة، الغياب، كلها اجتمعت في تلك العبارة الموجعة.

اقترب منها أكثر، وطبع قبلة على جبينها، وقال بصوت متحشرج:

"أنا مش هسيبك تاني...انتي مش عارفة انتي بقيتي ايه بالنسبة لي.أنا مابقتش بعرف يومي يعدي من غير ما تكوني فيه.أنا سايب شغلي وكل حاجة، وقاعد معاكي،عشان مش عايز أضيع لحظة ماكونش فيها جنبك.انتي اللي مش حاسة بيا... أو مش واثقة فيا طول الوقت،بس مقدرش أنكر... انتي عندك حق،أنا سيبتك كتير لوحدك، بس مش هسيبك تاني."

ظلّ بجوارها طوال الليل، وكلما انتفض جسدها بفزع، عاد يربت على ظهرها وشعرها،

همس لها بكلمات لا يسمعها سواها،

حتى هدأ جسدها في النهاية، وسكنت أنفاسها.

وبينما كانت تغرق في نومٍ متقطع،

كان هو قد استسلم للنوم أخيرًا، وهو يحتضنها...

كأن حضنه لها بات سلاحه ضد كل ما يخيفها.

في تلك الليلة، لم يعد مراد الرجل الذي كانت تعرفه،

لقد أصبح البيت...

وأصبحت هي الوطن.

استفاق مراد من نومه على صوت السكون يملأ الغرفة، التفت ناحيتها فوجدها لا تزال نائمة، يغمرها هدوء وهميّ أشبه بحالة من البرزخ بين الواقع والحلم، جسدها مسترخٍ على الفراش، ووجهها شاحب يحمل آثار معركة عاطفية ونفسية مريرة خاضتها ليلًا. لم يشأ أن يزعجها، فغادر الغرفة بخفة، وتوجه إلى المطبخ، قرر أن يُعدّ لها فطورًا بسيطًا، شيء دافئ يواسي روحها المنهكة ويبدد بعضًا من الصقيع العالق بينهما.

وفي الداخل، كانت تاليا قد بدأت تستيقظ شيئًا فشيئًا، أزاحت الغطاء عن جسدها ثم جلست متكئة، تنفست ببطء قبل أن تعود بها ذاكرتها القريبة لتنهال فوقها كالمطر... أو كالسياط.

كل شيء عاد فجأة؛ عناق عادل القسري، كلماته الغاضبة، ارتجافها بين ذراعيه، ثم... مراد. ظهوره في اللحظة الأخيرة، إنقاذه، احتواؤه، ثم نومه إلى جوارها كدرعٍ بشريّ يحجب عنها كوابيس الليل.

أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول أن تنفي ما حدث، أن تنكر الحقيقة الموجعة، لكنها لم تستطع.

عادل... صديقها، أخيها الذي كانت تراه دومًا سندًا، ما الذي تغيّر؟!

كيف خانت ثقتها تلك النظرات التي تجاهلتها كثيرًا؟

كيف لم ترَ فيه ذلك الرجل الذي ينتظر لحظة ضعف ليُظهر وجهًا آخر؟

لقد كانت تظن أنه يحب مها، كما كانت تحبه بصمتٍ شديد.

أما الآن... فكل شيء تكسّر، والصداقة ماتت، ماتت بطريقة مخزية مؤلمة لا تليق حتى بعدوّ.

لكنها أيضًا، لا تستطيع النظر في عيني مراد، تشعر بالخجل، بالعار، بالخديعة... لقد حذّرها مرارًا، لكنها ظنّت أنه يغار، أنه يشكك بلا داعٍ، فلم تستمع.

خرجت من غرفتها على استحياء، خطواتها مترددة، تكاد تذوب في الأرض من ثقل الصمت بينها وبينه، دخلت المطبخ فوجدته منشغلًا بإعداد شيء على الطاولة، اقتربت بتردد وقالت:

"انت بتعمل ايه؟!"

رفع رأسه، نظر إليها بعينين خاليتين من التعبير وقال:

"بجهز فطار."

كلماته كانت جافة كنسمة باردة في صباح شتوي، لا دفء فيها، ولا حتى ترحيب.

أحست تاليا بشيء يشبه الطعنة، فتابعت محاوِلة التقرّب:

"تحب أساعدك في حاجه؟!"

أجاب دون أن ينظر إليها:

"لا متشكر."

تراجعت خطواتها، ضمت شفتيها بقوة وهي تحبس مشاعرها، ثم توجهت إلى الصالة وجلست أمام التلفاز بلا اهتمام، تحدّق في الشاشة دون أن ترى شيئًا، كانت تنتظر... تنتظر أن يتحدث، أن يقترب، أن يعاملها كالسابق، لكنه لم يفعل.

بدأ الشكّ يتسلل إلى صدرها، أهو يعاملها بهذا الجفاء لأنه عاد لحبيبته؟

هل حقًا سمعته بالأمس يتحدث عن ذلك؟

إذن، فكل شيء انتهى...

كانت فقط تسلية، شيء عابر، يملأ وقته، ومتى عادت من أحبها، قرر الرحيل!

نهضت من مكانها بانفعال لم تستطع السيطرة عليه، وخرجت إلى الحديقة، كانت تحتاج الهواء، تحتاج مساحة تبعدها عن ضيق صدرها.

جلست على أحد المقاعد المطلة على حمام السباحة، عيناها تائهتان في صفحة الماء، وذهنها يغلي بأفكار مسمومة.

"ياللرجال... يا لهم من أنانيين... وقحون... لا يعرفون إلا أن يأخذوا ثم يرحلون."

قطع شرودها صوت خطوات تقترب، ثم صوت ارتطام أطباق صغيرة على الطاولة أمامها، فانتفضت وقالت بحدة:

"في ايه؟!انت جايب الأكل هنا ليه؟!"

أجاب مراد بهدوء دون أن يظهر عليه التأثر بانفعالها:

"عشان نفطر، شوفتك خرجتي قولت نفطر هنا في الهوا."

قالت وهي تزيح نظرها عن الأطباق:

"بس أنا مش عايزة أفطر، افطر انت."

جلس قبالتها، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

"لا ما هو بصي، أنا ماجهزتش كل الفطار ده وفي الآخر تقولي مش هفطر، دي أول مرة ليا في المطبخ ولازم تدوقي طبخي، حتى لو وحش هتاكليه بردو ماليش دعوه."

رفعت نظرها إليه، ونظرت إلى الإصرار في وجهه ثم قالت مازحة، تحاول كسر جدار الجفاء:

"انت عايز تسممني بقى عشان تتخلص مني."

ضحك وهو يشير إلى طبقه:

"يا ستي مانا هاكل معاكي منه، لو عايز أسممك كنت خليتك كلتي لوحدك، بس ماكذبش عليكي... احنا ممكن نتسمم احنا الاتنين، الله أعلم."

ابتسمت رغما عنها، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة، لم تستطع منعها.

أمسكت بقطعة صغيرة من الطعام، ووضعتها بفمها، مضغتها ببطء، وراقبها هو بشغف، ثم أخذ قطعة ووضعها في فمه... لكنه ما إن مضغها حتى بصقها بسرعة وهو يقول:

"ايه القرف ده؟!"

انفجرت تاليا ضاحكة:

"لما انت مش بتعرف تطبخ، عامل نفسك طباخ ليه؟!"

قال وهو يشرب كأس ماء بسرعة:

"معرفش، أنا قولت انتي تعبانه أجهزلك فطار... قولت ده فطار سهل يعني، ما توقعتش يكون طعمه كده،أنا مش عارف البيض ده ماله، طعمه عامل كده ليه؟!"

قالت وهي تحاول السيطرة على ضحكتها:

"طعمه عامل كده عشان انت تقريبًا حطيت سكر بدل الملح."

ضرب رأسه بيده متأففًا:

"سكر! وانتي ليه تحطي السكر في المطبخ؟!"

أجابت بدهشة:

"أمال أحطه فين؟! ما هو لازم يكون في المطبخ!"

قال بلهجة غاضبة مازحة:

"معرفش، بس انتي السبب، كان المفروض تحذريني."

قالت وهي ترفع حاجبيها:

"وانا هعرف منين إنك مش عارف السكر من الملح؟! وبعدين مش أنا قولتلك أساعدك وقولتلي لا؟!"

أجاب مستنكرًا:

"وانتي ما صدقتي، قولتلك لا، خدتي بعضك ومشيتي وسيبتيني!"

قالت بتهكم:

"المهم إنك تطلعني غلطانة وخلاص، ماتعرفش تعترف بغلطك!"

قال بتنهيدة درامية:

"أنا غلطان يا ستي، ارتحتي كده؟! هناكل إيه بقى دلوقتي؟ أنا جعان أوي."

نهضت من مقعدها وقالت بابتسامة واسعة:

"أنا هعمل فطار ينفع يتاكل."

ثم دخلت إلى المنزل، بينما ظلّ مراد جالسًا ينظر خلفها بابتسامة خفية،

يبدو أن الصباح بدأ يُغني لحنًا مختلفًا...

أقل ألمًا...

وأقرب إلى الحياة.

دخلت تاليا إلى المطبخ بخفة، تجر خلفها بقايا لحظة دافئة حاول مراد أن يصنعها رغم مرارة البارحة. تبعها هو دون أن يصدر صوتًا، وقف هناك يراقبها عن كثب، كأن الزمن تباطأ خصيصًا لتمنحه فرصة التأمل.

رآها تتحرك بخفة، كأنها ترقص على نغمة لا تُسمع إلا له وحده. كانت ترتدي فستانًا أصفر قصيرًا، ينساب حول جسدها كقطعة ضوء، وشعرها معقوص بكعكة مهملة تتسلل منها بعض الخصلات المتمردة لتستقر على عنقها ووجهها. لم يكن ينظر إليها كمن يرى امرأة جميلة فقط، بل كمن يرى مخلوقة تتقاطع فيها كل تفاصيل الفتنة والحنان والضعف.

استغرق لحظات في شروده، حتى أيقظته نبرتها الناعسة وهي تقول:

"مراد، ممكن تجيب لي طبق من جنبك؟"

كأن صوته خرج من حلم، أجابها دون تفكير، أسرع وأحضر ما طلبت، اقترب منها، وفجأة...

استدارت تاليا دون أن تنتبه لاقترابه، فاصطدمت بصدره العريض، كادت أن تفقد توازنها، فأمسكها من خصرها ليثبّتها، ثم نظر إلى عينيها مباشرة.

كانت لحظة عالقة في الزمن. لم تكن تجرؤ على النظر طويلًا، لكنه لم يشأ أن يشيح بعينيه.

نظراته لم تكن فقط مشبعة بالقلق أو الحنان، بل بشيء آخر... شيء لا اسم له، شيء يشبه الرغبة في أن تبقى هناك، قريبة بهذا الشكل دائمًا.

أخفضت تاليا بصرها بسرعة، ثم تحررت من بين يديه بخجل، وتراجعت للخلف وهي تحاول استجماع أنفاسها المتناثرة، أما هو فبقي واقفًا، وكأن شيئًا داخله لم يسمح له بالحركة بعد.

قطعت صوتها الصمت وهي تقول:

"انت عرفت مكاني امبارح ازاي؟!"

أجلى صوته وقال ببساطة:

"كنت ماشي وراكوا من ساعة ما لقيتك ركبتي معاه وهو لوحده."

رفعت حاجبيها بدهشة وسألت:

"ليه؟! كنت فاكرنا هنروح فين؟!"

استند مراد على حافة الطاولة، وعقد ذراعيه أمام صدره وقال:

"مافكرتش هتروحوا فين، بس كنت قلقان عليكي منه، لأنه ما بطلش شرب من أول ما وصلنا. كنت خايف يعمل حادثة وانتي معاه ويحصلّك حاجه، عشان كده مشيت وراكوا ووقفت بعيد عنكم شويه... عشان لو حصل حاجه، أعرف ألحقك."

تألقت في عيني تاليا لمعة اندهاش حزين، ثم قالت:

"طيب ليه ماقولتش من الأول إنه شارب؟! عشان ما أركبش معاه؟ أنا ما شوفتوش وهو بيشرب."

ردّ مراد بوضوح:

"وانتي كنتي ادتيني فرصة؟! أنا اتفاجئت، ولما اتكلمت ماعجبكيش الكلام."

سادت لحظة صمت خفيفة، ثم قالت تاليا بأسف:

"آسفة إني عرضتك لمشكلة زي دي."

نظر إليها نظرة تحمل من الحدة بقدر ما تحمل من القلق وقال:

"عرضتيني لمشكلة؟! انتي عارفة أنا لولا حالتك اللي كنتي فيها... أنا كنت هقتله."

لم تملك الرد، شعرت بالخجل مرة أخرى، ألقت بعينيها إلى الأرض، لكن بعد لحظة من الصمت قالت بصوت متهدج:

"شكراً لأنك كنت موجود... مش عارفة بجد أقولك إيه، بس أنا ممتنة ليك أوي، ومش عارفة أشكرك ازاي."

اقترب منها مراد خطوة، ثم قال بصوت منخفض يشوبه الحزن:

"ما تشكرنيش ياتاليا... أنا بس عايز أعرف ليه؟!

ليه اتغيرتي كده امبارح؟! احنا كنا كويسين جدًا مع بعض، أنا عايز أعرف ايه اللي حصل خلاكي مش طايقة تركبي معايا العربية، ولا حتى تبصيلي؟!"

أجابت تاليا دون تردد، لكن بصوت خافت:

"محصلش حاجه... أنا بس حسيت إني متدايقة من غير سبب."

هزّ رأسه ثم قال:

"طيب ليه لما اتدايقتي لجأتي له هو؟! ليه ما جتيش ليا وحكيتيلي؟ ولو أنا زعلتك، ليه ما قولتليش انت زعلتني؟ ليه بتعتبريني مش موجود؟!"

تأملته للحظة، كانت في عينها مرارة حياة كاملة، ثم قالت:

"عشان أنا اتعودت على كده... ومش عايزة أتعود على وجودك، وأرجع أتعود على وحدتي لما تسيبني، لازم أفضل متعودة إنك مش موجود."

اقترب منها أكثر، بدا وكأنه لا يريد أن يكون هناك مسافة بينهما بعد الآن، ونظر مباشرة إلى عينيها وقال:

"بس أنا مش هسيبك، وهفضل معاكي، أنتي ليه مش عايزة تصدقيني؟"

قالت فجأة، بصوت متوتر يخفي ما لا يُقال:

"مراد... انت عاوز مني ايه؟!"

اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه على وجهها، وقال بصوت صادق:

"عاوزك... عايز أبقى معاكي، عايز يبقى جوازنا بجد، مش اتفاق وقوانين."

نظرت إليه مباشرة، وكأن سؤالها كان السكين:

"طيب وبسنت؟! انت لسه بتحبها؟!"

تردد مراد لحظة ثم قال بصوت نزيه، خالٍ من المجاملة:

"مش عارف."

كان صادقًا... لكنها لم ترَ في كلماته سوى الخذلان، لم تسمع سوى ما أرعبها.

تحركت اندفاعًا، ضربته بصدره ثم ابتعدت عنه قائلة بغضب مكتوم:

"ولما هو مش عارف، عايزنا نبقى متجوزين بجد ازاي؟!لما انت لسه بتحبها، قاعد معايا هنا ليه؟!

انت شخص أناني...عايز تملك كل حاجه!

عايزني تتسلى بيا شوية على ما تبقى تصالحها!

أنا بالنسبالك استبن! قولت يلا أقعد مع الهبلة دي أضحك عليها بكلمتين، واهو تبقى ضيعت وقت فراغك لحد ما الهانم ترجعلك!"

كانت صرخاتها كالرصاص، كل كلمة تلطم قلبه بقسوة لم يحتملها.

"بس أنا مش استبن لحد! أحسن لك روحلها، عشان مش هتلاقي عندي اللي انت عايزه!"

وفي لحظة عاصفة، مرت بجانبه مسرعة، اصطدمت بذراعه لكنها لم تتوقف، ولم تلتفت، فقط اتجهت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف، كأنها تغلق باب الثقة إلى الأبد.

أما مراد... فظل واقفًا، لا يستطيع الحراك، ينظر إلى الباب المغلق، وقلبه يسأل:

"لماذا فهمت كل شيء هكذا؟!"

"كيف أشرح لها ما بداخلي، إن كنت لا أفهمه أنا؟!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة