تراجع خطوة، ثم اصطدمت ساقه بحافة السرير وسقط جالسًا عليه.
ظل
وفي الخارج، بعيدًا عن المنزل، كانت الرياح قد بدأت تتحرك بين الأشجار.
أما في الطابق السفلي، فلم يكن أحد يعلم بما يحدث في الأعلى.
كانت هيلين جالسة مع جان، تحاول إخفاء غضبها، بينما كان جان منشغلًا بأفكاره حول ماتيو وما حدث خلال الأيام الماضية.
قالت هيلين فجأة:
"جان."
رفع رأسه.
"ماذا؟"
"هل ستخبرني بالحقيقة؟"
قطب جان حاجبيه.
"أي حقيقة؟"
نظرت إليه طويلًا.
"ماذا حدث لماتيو؟"
ساد الصمت.
خفض جان عينيه للحظة.
كان هذا السؤال تحديدًا هو الذي حاول تجنبه.
قال أخيرًا:
"لا أعرف."
ضحكت هيلين بسخرية خفيفة.
"لا تعرف؟"
"هذا ما قلته."
"وأين كان طوال تلك الأيام؟"
لم يجب.
اقتربت هيلين منه قليلًا.
"جان، القرية كلها تتحدث عن الأمر. الناس يقولون أشياء كثيرة، وأنت الوحيد الذي يبدو وكأنك يحاول إخفاء شيء."
رفع جان عينيه إليها.
"أنا لا أخفي شيئًا."
لكن صوته لم يكن واثقًا كما أراد.
فقد كان يعلم أن هناك أمورًا لا يستطيع حتى هو تفسيرها.
أشياء رأها.
أشياء سمع عنها.
وأشياء جعلته يشعر أن اختفاء ماتيو لم يكن حادثًا عاديًا.
قالت هيلين:
"إذن لماذا كنت مصرًا على منعه من التحقيق؟"
صمت جان.
لم يجد إجابة مناسبة.
وفي النهاية قال:
"لأنه طفل."
"هذا ليس سببًا كافيًا."
وقبل أن يجيبها...
سمعا صوتًا من الطابق العلوي.
صوت ارتطام قوي.
رفع جان رأسه فورًا.
تجمدت هيلين.
"ماذا كان ذلك؟"
نهض جان بسرعة.
"ماتيو."
اندفع نحو الدرج.
ولم تكن هيلين بعيدة عنه.
في الأعلى، كانت سندرا قد خرجت من غرفتها بعد سماع الصوت، ووقفت أمام بابها.
"ماتيو؟!"
لم يجبها أحد.
فتحت الباب بسرعة.
كان ماتيو واقفًا في منتصف الغرفة، شاحب الوجه، ينظر إلى النافذة.
اقتربت منه سندرا.
"ماذا حدث؟"
لم يجب.
"ماتيو!"
التفت إليها فجأة.
كانت عيناه ممتلئتين بالخوف.
نظر خلفها مباشرة.
"أمي..."
اقتربت منه أكثر.
"ماذا هناك؟"
رفع يده وأشار نحو النافذة.
"كان هنا."
نظرت سندرا إلى النافذة.
لم ترَ شيئًا.
"من؟"
فتح ماتيو فمه...
كان يريد ان اتي معه مره اخرى.
تنفس بصعوبه حاول ان يفسر .
لكن الكلمات لم تخرج.
دخل جان إلى الغرفة في تلك اللحظة، وخلفه هيلين.
"ماذا حدث؟"
نظر ماتيو إليه.
وبدون أن يعرف السبب، شعر بأن وجه جان تغير للحظة عندما سمع كلماته التالية:
"لقد رأيته مرة أخرى."
ساد الصمت.
توقفت سندرا عن الحركة.
أما جان...
فبقي يحدق في ماتيو.
"رأيت ماذا؟"
قال ماتيو بصوت مرتجف:
"ذلك الشيء..."
اقترب جان خطوة.
"أي شيء؟"
رفع ماتيو عينيه إليه.
"الذي كان هناك في المشفى والذي كنت معه اثناء اختفائي ايضا."
تغير وجه جان.
لاحظت سندرا ذلك.
وللمرة الأولى، أدركت أن جان لم يكن متفاجئًا من كلام ماتيو...
بل كان خائفًا منه.
قال جان بسرعة:
"ماذا رأيت بالضبط؟"
نظر ماتيو إلى النافذة.
ثم قال:
"كان طويلًا... وأسود."
سكت لحظة.
"وكان يقف خلفي."
تبادل جان وسندرا النظرات.
أما هيلين فبقيت في مكانها، غير فاهمة لما يجري.
ثم حدث شيء جعل الجميع يتجمد.
صدر صوت خافت من خارج المنزل.
همسة...
لم يسمعها سوى ماتيو في البداية.
رفع رأسه.
ثم اتسعت عيناه.
كانت الهمسة تأتي من الخارج.
لكن هذه المرة لم تنادِ اسمه.
بل قالت:
"اسكت ."
تراجع ماتيو خطوة إلى الخلف.
اقتربت منه سندرا بسرعة وأمسكت كتفيه.
"ماتيو؟"
لم يجب.
كان ينظر إلى النافذة فقط.
جان أيضًا التفت نحوها.
وظل الجميع صامتين.
وبعد لحظات، اتجه جان نحو النافذة، وفتح الستار.
لم يكن هناك أحد.
لكن على زجاج النافذة، من الخارج، ظهرت آثار غريبة.
ثلاثة خطوط طويلة تمتد على الزجاج.
نظر إليها جان.
ثم شحب وجهه.
سألته سندرا:
"ما هذا؟"
لم يجب.
اقتربت منه.
"جان؟"
ظل يحدق في العلامات.
ثم قال بصوت خافت:
"هذا ليس طبيعيًا..."
نظر إليه ماتيو.
كان الخوف قد عاد إلى عينيه.
أما جان، فقد أغلق الستار بسرعة، ثم التفت إلى الجميع.
"لا أحد يخرج من هذه الغرفة."
قالت هيلين بحدة:
"ماذا تقول؟"
لكن جان لم يجبها.
كانت عيناه مثبتتين على ماتيو.
وعندها فقط فهم ماتيو شيئًا واحدًا...
جان يعرف شيئًا.
شيئًا لم يخبره به أحد.
وقبل أن يستطيع سؤاله، انطفأت الأنوار.
غرق المنزل في الظلام.
صرخت هيلين من الأسفل.
أما سندرا فأمسكت بماتيو فورًا.
ثم جاء صوت خافت من الخارج.
مرة أخرى...
ثلاث طرقات على النافذة.
طَق...
طَق...
طَق...
لم يتحرك أحد.
ثم ظهرت خلف الستار...
هيئة طويلة.
كانت واقفة في الخارج رغم أن الغرفة تقع في الطابق العلوي.
رفع ماتيو عينيه إليها.
وتوقفت أنفاسه.
لكن هذه المرة...
لم تختفِ عندما رمش.
بل بقيت هناك.
ساكنة.
تحدق إليه.
ثم ارتفع طرف رأسها قليلًا، وكأنها تعرف أنه يراها.
وفوق كل ذلك، جاء الهمس للمرة الأخيرة:
"لم تنتهِ رحلتك يا ماتيو..."
ثم اختفت الهيئة.
وعادت الأنوار فجأة.
ظل الجميع في أماكنهم.
لكن شيئًا ما كان قد تغير.
فقد أدرك جان أن ما حدث لم يكن مجرد اختفاء غامض لطفل.
وأدركت سندرا أن ابنها لم يعد يواجه الأمر وحده.
أما ماتيو...
فقد أدرك أن عودته إلى المنزل لم تكن نهاية ما حدث له في ذلك المكان.
بل كانت بدايته الحقيقية.
Yara yara alaa yara