ظل الصمت يسيطر على الغرفة.
لم يكن صمتًا ثقيلًا، بل كان أشبه بالهدوء الذي يأتي بعد عاصفة طويلة، حين تعجز الكلمات عن التعبير عما يشعر به القلب.
بقيت سندرا تحدق في وجه ماتيو، وكأنها تحاول أن تحفظ كل تفصيلة فيه من جديد.
كانت عيناه مغمضتين، وأنفاسه منتظمة، وشعره البرتقالي المبعثر فوق الوسادة أعاد إليها عشرات الذكريات؛ ضحكاته في الصباح، ركضه بين الأشجار، وأسئلته التي لم تكن تنتهي.
مدت يدها ببطء شديد.
توقفت قبل أن تلامس خصلات شعره.
تذكرت تعليمات الطبيب، فتراجعت قليلًا، ثم ضمت يدها إلى صدرها وهي تغلق عينيها للحظة.
كانت تقاوم رغبة جارفة في احتضانه.
أما جان، فقد بقي واقفًا مكانه، يراقب المشهد بصمت.
لم يكن يجيد التعبير عن مشاعره، ولم يكن من النوع الذي يذرف الدموع، لكنه شعر بشيء ينقبض داخل صدره وهو يرى سندرا تقف بهذه الصورة.
لأول مرة منذ اختفاء ماتيو، شعر بأن القلق الذي لازم المنزل طوال الأيام الماضية بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا.
اقترب خطوة من السرير.
خفض بصره نحو الطفل النائم، ثم قال بصوت منخفض حتى لا يوقظه:
— يبدو أنه يتلقى عناية جيدة.
أومأت سندرا دون أن ترفع عينيها عنه.
— نعم...
خرجت الكلمة منها بصعوبة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.
— كنت أخشى أن أراه في حالة أسوأ من هذه.
ساد الصمت مجددًا.
وفجأة...
تحركت أصابع ماتيو حركة خفيفة فوق الغطاء.
تجمد الاثنان في مكانيهما.
ثم مالت رأسه قليلًا إلى الجانب، وبدأت جفونه ترتعش ببطء.
اتسعت عينا سندرا، وانحبست أنفاسها.
همست دون شعور:
— ماتيو...
فتح الصغير عينيه بتثاقل، وكأنه عاد من نوم عميق.
استغرق بضع ثوانٍ حتى اعتادت عيناه ضوء الغرفة، ثم أخذ ينظر حوله ببطء، حتى توقفت نظراته عند المرأة الواقفة أمامه.
قطب حاجبيه قليلًا.
بقي يحدق فيها بصمت، وكأنه يحاول التأكد مما يراه.
لم تتحرك سندرا.
كانت تخشى أن يكون ما يحدث مجرد حلم، وأن يختفي بمجرد أن تخطو خطوة واحدة.
وفجأة...
ارتخت ملامح ماتيو.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، ثم خرج صوته ضعيفًا ومتعبًا:
— ...أمي؟
لم تستطع سندرا احتمال تلك الكلمة.
انهمرت دموعها من جديد، لكنها هذه المرة ابتسمت وسط بكائها.
اقتربت خطوة واحدة فقط، ثم انحنت قليلًا حتى أصبحت أقرب إليه، وقالت بصوت مرتجف:
— نعم يا صغيري... أنا هنا.
رفع ماتيو يده بصعوبة، وكأنه يريد أن يلمسها ليتأكد أنها ليست خيالًا.
نظرت سندرا إلى يده، ثم ترددت للحظة وهي تتذكر التعليمات.
لكنها لم تستطع مقاومة قلبها.
أمسكت أطراف أصابعه برفق شديد، وكأنها تخشى أن تؤلمه.
ابتسم ماتيو ابتسامة صغيرة، وأغلق عينيه للحظة وهو يشعر بدفء يدها.
ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع:
— كنت أعرف... أنك ستأتين.
لم تستطع الرد.
اكتفت بإيماءة بسيطة وهي تضغط على يده برفق.
وقف جان يراقب المشهد بصمت، ثم صرف بصره نحو النافذة.
لم يشأ أن يقاطع تلك اللحظة.
وفي الخارج، كان صوت الرياح يداعب أوراق الأشجار، بينما بقيت الغرفة ساكنة، وكأن العالم كله توقف احترامًا للقاء أم استعادت طفلها بعد أيام من الخوف والانتظار.
Yara yara alaa yara