حلّ المساء أخيرًا، وحان الوقت الذي طال انتظاره.
كان ماتيو سيغادر المشفى أخيرًا.
بعد الأيام التي قضاها بين الجدران البيضاء ورائحة الأدوية والأصوات المتكررة للأجهزة، بدا له الخروج وكأنه عودة إلى الحياة الطبيعية. لم يكن يعلم أن تلك الحياة لن تكون طبيعية كما يتخيل، وأن الطريق القصير الذي سيسلكه مع والدته سيكون بداية شيء آخر لم يكن مستعدًا له.
خرجت سندرا من الغرفة وهي تحمل بعض أغراضهما، بينما كان ماتيو يسير إلى جانبها ببطء. بدا عليه التعب، لكنه كان أفضل بكثير مما كان عليه في الأيام السابقة.
في الأسفل، كان جان ينتظرهما.
فتح لهما باب السيارة، وساعد سندرا في وضع الأغراض، ثم نظر إلى ماتيو.
"هل تستطيع الصعود وحدك؟"
أومأ ماتيو.
"نعم."
جلس في المقعد الخلفي، وجلست سندرا إلى جانبه. وما إن تحركت السيارة حتى ألقى ماتيو نظرة أخيرة على المشفى من خلال النافذة.
لم يكن يشعر بالحزن لمغادرته.
بل شعر بشيء آخر...
راحة ممزوجة بقلق لم يستطع تفسيره.
تحركت السيارة في شوارع القرية الهادئة، وكانت أضواء المنازل تمر أمام النافذة واحدة تلو الأخرى. لم يتحدث أحد.
كان جان يركز على الطريق، وسندرا بدت مرهقة، أما ماتيو فكان يراقب الخارج بصمت.
كان الطريق طويلًا، والليل قد غطى كل شيء تقريبًا.
وبعد فترة، بدأ النعاس يتسلل إليه.
أسند رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه.
لم يمض وقت طويل حتى بدأ يغفو.
لكن...
"ماتيو..."
فتح عينيه.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى والدته.
كانت سندرا جالسة إلى جانبه، وعيناها مغمضتان.
ظل ينظر إليها لحظات.
ربما كانت قد قالت شيئًا وهي نصف نائمة.
أعاد رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه من جديد.
ثم سمع الصوت.
"ماتيو..."
كان همسًا خافتًا جدًا.
فتح عينيه مرة أخرى.
هذه المرة كان أكثر وضوحًا.
التفت نحو والدته.
كانت لا تزال نائمة.
قطب حاجبيه.
"أمي؟"
لم تجبه.
نظر إلى جان من خلال المرآة الأمامية، لكنه كان يركز على الطريق.
لم يقل أحد شيئًا.
ابتلع ماتيو ريقه، ثم أدار رأسه نحو النافذة.
الظلام في الخارج كان كثيفًا، والأشجار التي تصطف على جانبي الطريق تمر كظلال سريعة.
ثم جاء الهمس مرة أخرى.
"ماتيو..."
تجمد.
كان الصوت أقرب هذه المرة.
ليس من الخارج...
بل بدا وكأنه يأتي من مكان قريب منه.
أخذ ينظر حوله.
لم يجد شيئًا.
"من هناك؟"
خرج السؤال من فمه بصوت منخفض.
فتح جان عينيه قليلًا عبر المرآة.
"ماذا قلت؟"
نظر إليه ماتيو بسرعة.
"لا شيء."
رفع جان حاجبه، لكنه لم يعلق.
عاد ماتيو إلى مكانه، إلا أن جسده لم يعد مرتاحًا.
بدأ الهمس يتكرر.
كلمات غير واضحة، متقطعة، كأن شخصًا يتحدث من مكان بعيد جدًا.
حاول أن يفهمها.
لم يستطع.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
كان الصوت يناديه.
بدأ اضطرابه يزداد.
رفع يديه ووضعهما فوق أذنيه، ثم ضغط عليهما بقوة، محاولًا حجب الصوت.
تدريجيًا...
خفت الهمسات.
تنفس ماتيو براحة بسيطة.
ظل على تلك الحالة، ويداه فوق أذنيه، بينما أغمض عينيه محاولًا تجاهل كل شيء.
لم يرد التفكير.
لم يرد رؤية شيء.
ولم يرد سماع شيء.
كان يريد فقط العودة إلى المنزل.
ومع مرور الوقت، بدأ جسده يستسلم للإرهاق، وغلبه النعاس أخيرًا.
---
بعد وقت ليس بالقصير، توقفت السيارة أمام المنزل.
كان الليل قد أصبح أكثر هدوءًا، والشارع شبه خالٍ.
في الخارج، كانت هيلين تنتظر.
كانت واقفة بالقرب من الباب، وملامحها باردة، وعيناها تحملان ضيقًا واضحًا.
لكن ما إن رأت السيارة حتى تغير وجهها.
وحين خرج جان منها، أشرقت ملامحها فجأة.
تقدمت نحوه بسرعة.
"جان!"
نظر إليها جان، ثم أغلق باب السيارة.
"هيلين."
لم تستطع إخفاء سعادتها بعودته.
طوال الفترة التي بقي فيها جان بجوار سندرا وماتيو، كانت تشعر بأن وجوده بعيدًا عنها أمر لا تحتمله. وكلما طال غيابه، تراكم في داخلها شيء من الغضب والغيرة.
أما سندرا وماتيو...
فلم تولهما اهتمامًا يذكر.
ألقت نظرة عابرة نحو السيارة، ثم أعادت عينيها إلى جان.
"لقد تأخرت."
قال جان وهو يخرج آخر الأغراض:
"كان الطريق مزدحمًا قليلًا."
ثم سألته:
"كيف حال ماتيو؟"
نظر جان نحو المقعد الخلفي.
"أفضل."
في تلك اللحظة، تحركت سندرا في الداخل، ثم فتحت عينيها.
استغرقت لحظات حتى أدركت أنهم وصلوا.
نظرت إلى جانبها.
كان ماتيو نائمًا بعمق.
ابتسمت سندرا ابتسامة صغيرة.
لم ترد إيقاظه.
كان وجهه هادئًا بصورة لم ترها عليه منذ أيام، وكأن جسده أخيرًا وجد فرصة للراحة.
فتحت باب السيارة بحذر، ثم انحنت نحوه.
"ماتيو..."
لم يتحرك.
مدت ذراعيها وحملته بحذر.
كان جسده لا يزال ضعيفًا، لذلك حرصت على ألا تحركه بعنف.
وما إن خرجت من السيارة حتى رأت هيلين واقفة بجوار جان.
توقفت سندرا للحظة.
تلاقت عينا المرأتين.
كانت نظرة هيلين باردة.
لم تقل شيئًا.
ولم تقل سندرا شيئًا أيضًا.
لكن جان لاحظ التوتر، فقال:
"سندرا، اصعدي به. يحتاج إلى النوم."
أومأت سندرا.
"حسنًا."
تحركت نحو الدرج وهي تحمل ماتيو بين ذراعيها.
مرّت بجانب هيلين دون أن تنظر إليها.
لكن هيلين ظلت تتابعها بعينيها.
وعندما اختفت سندرا في أعلى الدرج، تغيرت ملامح هيلين.
التفتت إلى جان.
"يبدو أنك اعتدت البقاء معها."
توقف جان.
نظر إليها.
"ماذا تقصدين؟"
ابتسمت هيلين ابتسامة صغيرة لم تحمل أي دفء.
"لا شيء."
ثم استدارت ودخلت المنزل.
بقي جان واقفًا للحظات.
كان يعرف هيلين جيدًا.
وكان يعرف أن كلمة "لا شيء" التي قالتها لم تكن تعني شيئًا على الإطلاق.
---
في الطابق العلوي، دخلت سندرا غرفتها وأغلقت الباب بهدوء.
وضعت ماتيو على السرير، ثم سحبت الغطاء فوقه.
بقي نائمًا.
جلست إلى جانبه، وأخذت تتأمل وجهه.
مرت أصابعها على شعره برفق.
"لقد عدنا أخيرًا..."
همست بها وكأنها تحدث نفسها.
لكنها لم تكن مطمئنة تمامًا.
منذ أن رأته في المشفى، كان هناك شيء غريب في تصرفاته.
كان يخفي شيئًا.تنهدت، ثم وقفت.
كان عليها أن تتركه يرتاح.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
وبمجرد أن أُغلق الباب...
فتح ماتيو عينيه.
كان مستيقظًا.
منذ اللحظة التي حملته فيها سندرا من السيارة.
لم يكن نائمًا.
ظل مستلقيًا دون حركة، ينظر إلى السقف.
كان الهمس قد توقف منذ فترة، لكنه لم يستطع نسيانه.
ثم تذكر ما حدث في الطريق.
"ماتيو..."
أغمض عينيه.
لماذا يناديه ذلك الصوت؟
فتح عينيه مجددًا.
وفجأة...
سمع صوتًا.
طَق.
تجمد.
كان الصوت قادمًا من النافذة.
التفت ببطء.
لم يتحرك.
ثم جاء الصوت مرة ثانية.
طَق.
جلس ماتيو على السرير.
حدق في النافذة.
كان الستار يتحرك قليلًا.
"الريح..."
قالها لنفسه.
لكنه لم يقتنع.
نهض ببطء، واقترب من النافذة.
كل خطوة كان يخطوها جعلت قلبه يخفق أكثر.
حتى وصل إليها.
مد يده نحو الستار.
وتوقف.
لم يكن يريد أن يفتحه.
شيء داخله كان يخبره بألا يفعل.
لكن الفضول غلب خوفه.
أمسك الستار وسحبه جانبًا.
لم يكن هناك أحد.
الشارع خالٍ.
الأشجار ساكنة.
والليل هادئ.
أطلق ماتيو زفرة ارتياح.
ثم...
انعكس شيء خلفه على زجاج النافذة.
تغير وجهه.
توقف قلبه للحظة.
رفع عينيه إلى انعكاس الزجاج.
كان هناك...
هيئة طويلة سوداء تقف خلفه.
لم يتحرك ماتيو.
لم يلتفت.
كانت الهيئة واقفة على مسافة قريبة جدًا.
طويلة...
ساكنة...
ولا تظهر لها ملامح واضحة.
بدأت أصابع ماتيو ترتجف.
"لا..."
همس بها.
ثم أغلق عينيه.
ربما كان انعكاسًا.
ربما كان مجرد ظل.
ربما...
سمع الهمس.
لكن هذه المرة لم يأتِ من بعيد.
جاء مباشرة من خلفه.
"لقد عدت..."
فتح ماتيو عينيه.
اتسعت حدقتاه.
ثم استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
اختفى كل شيء.
Yara yara alaa yara