أخفض ماتيو رأسه نحو العشب.
لم يكن يفكر كطفل في تلك اللحظة.
كان يحاول جمع كل ما سمعه وربطه ببعضه.
نظرات الضيوف.
همسات الليلة الماضية.
الرجل الغريب.
وكلمات إيلييات.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع فهمه.
رفع رأسه أخيرًا.
— إذا كان الأمر بهذه الخطورة... لماذا لا نهرب فقط؟
رمشت إيلييات.
ثم قالت بهدوء:
— إلى أين؟
فتح فمه ليجيب.
لكنه لم يجد جوابًا.
لأول مرة أدرك أن الهروب ليس بتلك السهولة التي كان يتخيلها.
تنهدت إيلييات وهي تنظر إلى السماء بين أغصان الشجرة.
— المشكلة ليست في أن والدتك لا تعرف.
المشكلة أنها قد لا تصدق أصلًا.
سكت ماتيو.
لأنها كانت محقة.
لو ذهب الآن إلى سندرا وأخبرها أن فتاة تعرفها منذ يوم واحد أخبرته بوجود مخطط سري، فغالبًا ستضحك وتربت على رأسه وتطلب منه التوقف عن تخيل القصص.
مرت لحظات من الصمت.
ثم سمعا صوتًا بعيدًا قادمًا من المنزل.
كان صوت ضحكات.
وحركة أقدام.
بدأ الضيوف يتجمعون مجددًا.
نهضت إيلييات أولًا.
— لنعد.
— هل انتهينا؟
— لا.
قالتها وهي تنفض الغبار عن ثيابها.
— لكننا إذا اختفينا طويلًا سيبدأون بالسؤال.
وافقها ماتيو على مضض.
وسارا نحو المنزل.
---
عندما وصلا، كان معظم الكبار مجتمعين حول المائدة الكبيرة في غرفة الجلوس.
امتلأت الطاولة بأكواب الشاي والحلوى.
وكان الجو يبدو طبيعيًا للغاية.
طبيعيًا أكثر مما يجب.
جلست سندرا بالقرب من النافذة.
وعندما رأت ماتيو ابتسمت فورًا.
— كنت أبحث عنك.
اقترب منها دون تردد.
وجلس بجانبها.
كعادته.
وضعت يدها فوق شعره وربتت عليه برفق.
شعر ماتيو بشيء من الراحة.
لكن القلق لم يختفِ.
بل ازداد.
لأنه كان ينظر إلى والدته الآن وهو يعرف شيئًا لا تعرفه هي.
أو على الأقل هذا ما يظنه.
في تلك الأثناء دخل والد إيلييات إلى الغرفة.
كان يبتسم كعادته.
ابتسامة مهذبة.
لكنها لم تكن مريحة أبدًا.
جلس مقابل سندرا مباشرة.
وبعد عدة دقائق من الحديث العادي قال فجأة:
— بالمناسبة يا سندرا...
رفعت نظرها إليه.
— نعم؟
— فكرتِ في الأمر الذي تحدثنا عنه؟
تجمد ماتيو في مكانه.
أما سندرا فابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ما زلت أفكر.
— لا يوجد ما يدعو للتردد.
أجاب الرجل بهدوء.
— ستكون فرصة جيدة لكِ.
راقب ماتيو الحوار بصمت.
كان يشعر أن كل كلمة مهمة.
لكن الكبار كانوا يتحدثون بطريقة مبهمة للغاية.
كأنهم يتعمدون إخفاء المعنى الحقيقي.
أكمل الرجل:
— مجرد زيارة قصيرة لعائلتك.
استراحة من كل المسؤوليات.
لن تخسري شيئًا.
نظرت سندرا إلى فنجانها.
ولأول مرة بدا عليها التردد فعلًا.
أما ماتيو فشعر بانقباض في صدره.
لقد كان هذا هو الأمر الذي تحدثت عنه إيلييات.
تمامًا.
رفع عينيه نحوها.
فوجدها تقف في زاوية الغرفة بهدوء.
وحين التقت نظراتهما هزت رأسها بخفة.
وكأنها تقول:
**"أرأيت؟"**
ابتلع ماتيو ريقه.
ثم اقترب أكثر من سندرا دون أن يشعر.
حتى التصق بذراعها تقريبًا.
انتبهت هي لذلك.
فنظرت إليه باستغراب.
— ماذا هناك؟
هز رأسه بسرعة.
— لا شيء.
لكن يده الصغيرة تشبثت بكم ثوبها دون وعي.
ابتسمت سندرا ظنًا منه أنه يشعر بالملل أو النعاس.
فربتت على رأسه مجددًا.
بينما كان والد إيلييات يراقب المشهد بصمت.
وللحظة قصيرة جدًا...
اختفت ابتسامته.
ثم عادت من جديد.
لكن ماتيو لاحظها.
ولم تعجبه تلك النظرة أبدًا.
---
في وقت لاحق من ذلك اليوم بدأ الضيوف بالمغادرة واحدًا تلو الآخر.
أصبحت الأجواء أكثر هدوءًا.
وكانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب.
وقفت سندرا أمام المنزل تودع آخر الزائرين.
أما ماتيو فكان يراقب من بعيد.
إلى أن لمح إيلييات تقف قرب السياره التي جاء بها والدها.
اقترب منها بسرعة.
— هل سترحلين؟
أومأت برأسها.
— نعم.
ساد الصمت بينهما للحظة.
ثم قال:
— وماذا سنفعل الآن؟
نظرت إليه.
— سنراقب.
— فقط؟
— حاليًا نعم.
ثم أضافت:
— الأشخاص الكبار يرتكبون أخطاء عندما يظنون أن الأطفال لا يفهمون شيئًا.
فكر ماتيو في كلامها.
وكانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة تبدو حكيمة من فتاة في عمره.
أو ربما...
من فتاة لا تتصرف كمن هم في عمرها أصلًا.
صعدت إيلييات إلى السياره.
لكن قبل أن تجلس التفتت نحوه مجددًا.
— ماتيو.
— ماذا؟
— لا تترك والدتك وحدها هذه الأيام.
اختفت الابتسامة الصغيرة من وجهه.
وأومأ ببطء.
— لن أفعل.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ.
وكأنها تريد قول شيء آخر.
لكنها تراجعت في النهاية.
وجلست داخل السياره.
وبدأت السياره بالتحرك.
ظل ماتيو واقفًا يشاهدها حتى اختفت في الطريق الترابي الطويل.
ثم عاد بنظره نحو المنزل.
حيث كانت سندرا تضحك مع إحدى الجارات دون أن تعلم شيئًا مما يدور حولها.
وحينها فقط...
اتخذ ماتيو قرارًا صغيرًا.
قرارًا طفوليًا وبسيطًا.
لكنه بالنسبة له كان مهمًا للغاية.
إذا كان هناك من يحاول إبعاد والدته...
فسيعرف من هو.
وإذا كان هناك سر يخفونه عنها...
فسيكتشفه بنفسه.
حتى لو كان آخر شخص يتوقعه الجميع هو طفل صغير مثله.
Yara yara alaa yara