في صباحٍ عاديٍّ يملؤه الصمت، استيقظت القرية على هدوءٍ ثقيل يشبه ذلك الهدوء الذي يأتي بعد العواصف. ورغم أن ماتيو ووالدته سندرا قد تصالحا في الليلة الماضية، إلا أن التعب النفسي لم يغادر قلبيهما بعد. كانت الكلمات التي قيلت، والمخاوف التي مرّا بها، لا تزال عالقة في أعماقهما كظلالٍ يصعب طردها.
ومع اقتراب موعد عودة الدراسة، حاولت سندرا أن تتصرف وكأن الحياة عادت إلى طبيعتها. أنهيا روتينهما الصباحي المعتاد، ثم غادرا المنزل متجهين إلى أسواق القرية لشراء مستلزمات السنة الدراسية الجديدة.
كان السوق مزدحماً على غير العادة. أصوات الباعة، وضحكات الأطفال، وحركة الناس المتواصلة ملأت المكان بالحياة. لكن ماتيو لم يكن قادراً على الاستمتاع بأيٍ من ذلك.
فبين الحشود لمح الرجال الذين كانوا يجمعون الناس حولهم، أولئك الذين يتبعون كيروس وينشرون كلماته في أنحاء القرية. شعر بانقباضٍ في صدره.
لقد كان يعرف الحقيقة.
يعرف المصير الذي ينتظر الكثيرين ممن يصدقون تلك الوعود.
لكن من يكون هو حتى يصدقه الجميع؟
حتى لو تحدث، هل سيستمع إليه أحد؟
خفض رأسه وهو يغرق في أفكاره، قبل أن يقطعه صوت مجموعة من النساء اندفعن مباشرة نحو سندرا.
— "سندرا! كيف حالك بعد ما حدث؟"
— "سمعنا أن الأمور كانت مخيفة جداً!"
— "الحمد لله أنك بخير."
ابتسمت سندرا ابتسامة متعبة وهي تجيب عن أسئلتهن، لكن ماتيو لاحظ شيئاً آخر.
تلك النظرات.
كانت كلها تتجه نحوه.
نظرات خوف.
ونفور.
وهمسات لم يحاول أصحابها حتى إخفاءها.
— "ذلك الفتى خطير."
— "سمعت أنه ملعون."
— "لا أفهم لماذا ما زالت تحتفظ به."
— "لو كان ابني لما سمحت له بالبقاء يوماً واحداً."
تجمد ماتيو في مكانه.
كان الكلام مؤلماً.
ليس لأنه يكرهه فقط، بل لأنهم لم يروا شيئاً مما رآه.
يرون كيروس رجلاً طيباً يساعد القرية.
ويرونه هو الشر الذي يهدد ذلك الرجل.
أنزل عينيه إلى الأرض وهمس في نفسه:
*"أنا فقط... أردت حماية أمي."*
استمرت النساء في الحديث فترة طويلة، حتى بدأ الملل يتسلل إليه.
وفجأة قالت إحداهن:
— "بالمناسبة، جئنا البارحة للاطمئنان عليك."
ثم عقدت ذراعيها وأكملت:
— "لكن هيلين وجان طردانا."
نظرت إلى ماتيو بنظرة مقصودة.
— "حاولنا فقط أن نشرح لهما أن ابنك هو من تسبب بكل تلك الضجة."
ساد الصمت للحظة.
ثم تابعت بنبرة تحمل الكثير من الانتقاد:
— "أليس من المفترض أن يتعلم طفل في عمره الأدب أولاً قبل أن يهدد الكبار الطيبين بالمسدس؟"
قبض ماتيو على يديه بقوة.
لكنه لم يتكلم.
وقبل أن يفعل، ردت سندرا بهدوء:
— "ماتيو أراد فقط حمايتي."
نظرت إلى النساء ثم أكملت:
— "ربما تكون نية كيروس جيدة تجاه الجميع، لكن بيني وبينه خلاف بسيط تفاقم أكثر مما يجب. لهذا تسرع ماتيو وتصرف بطريقة خاطئة."
تنهد ماتيو بصمت.
كانت هناك كلمات كثيرة يريد قولها.
كلمات ظل حبيسة صدره.
أراد أن يخبرهم أن كيروس ليس كما يظنون.
أراد أن يصرخ بالحقيقة.
لكنه خاف أن يسبب لوالدته مزيداً من المشاكل.
فاكتفى بالصمت.
وعندما رفع رأسه أخيراً...
وجد الجميع ينظرون إليه.
ليس بخوف هذه المرة.
بل بحقد.
تجمدت ملامحه.
وشعر بشيء بارد يمر في جسده.
أخفض رأسه سريعاً، وترك شعره البرتقالي الطويل نسبياً ينسدل فوق عينيه ليخفيهما.
لكن ذلك لم يكن كافياً.
لم يعد يحتمل.
استنشق نفساً عميقاً ثم استدار فجأة.
وركض.
ركض دون أن يعرف إلى أين يذهب.
بعيداً عن السوق.
بعيداً عن الناس.
بعيداً عن تلك النظرات.
لم يتوقف إلا عندما وجد نفسه في مكان هادئ لم تطأه قدماه منذ مدة طويلة.
كانت هناك أشجار ضخمة تجاوز عمرها مئات السنين.
أغصانها العريضة حجبت معظم ضوء الشمس، تاركة أشعة ذهبية رقيقة تتسلل بينها كخيوط من النور.
وأمامها جرى نهر واسع بمياه صافية لدرجة أنه استطاع رؤية الأسماك المختلفة وهي تتحرك في الأعماق.
رفع بصره نحو الضفة الأخرى.
تلك الضفة البعيدة.
المكان الذي نسجت حوله الأساطير والخرافات.
المكان الذي كان سبباً في خوف سكان القرية لعقود طويلة.
تنهد ببطء وبدأ يتجول بين الأشجار.
وأثناء سيره لاحظ وجود فتحات صغيرة عند قواعد بعض الأشجار القديمة.
اقترب من إحداها ومرر يده فوقها.
بدا واضحاً أنها صُنعت بواسطة أشخاص.
وفجأة تذكر كلام ألبرت ذات يوم.
*"عندما نذهب للصيد، نبحث عن شجرة قديمة بعيدة قليلاً عن النهر، ثم نصنع فتحة صغيرة لنخزن فيها بعض أغراضنا."*
ابتسم ماتيو ابتسامة خافتة.
ثم واصل السير.
حتى وصل إلى شجرة ضخمة بدت أكبر من جميع الأشجار المحيطة بها.
كانت جذورها العتيقة تخرج من الأرض كأنها أذرع عملاقة تحتضن المكان.
اقترب منها.
ثم استلقى على ظهره فوق العشب.
وأراح رأسه على جذعها الكبير.
رفع عينيه نحو الأعلى.
كانت الرياح تحرك الأوراق برفق، فيصدر عنها صوت هادئ يشبه الهمسات.
لطالما أحب ذلك الصوت.
بالنسبة إليه، كانت الطبيعة الروح الثانية التي تعيد إليه أنفاسه كلما اختنق بين الناس.
هنا فقط...
كان يشعر أنه حي.
هنا فقط...
لم يكن أحد يحدق به أو يخشاه.
أغمض عينيه ببطء.
وبعد أن هدأ قلبه ونسي كل ما حدث في السوق، بدأ النعاس يتسلل إليه.
تمتم بصوت خافت:
— "فقط بضع دقائق..."
ابتسم بتعب.
— "لن أتأخر كثيراً."
ثم استسلم للنوم.
وفي تلك الأثناء...
كانت سندرا قد انتبهت إلى هروبه منذ اللحظة الأولى.
صرخت باسمه ولحقت به وسط الحشود.
لكن أثناء اندفاعها تعثرت بأحد الصناديق الخشبية وسقطت أرضاً.
وعندما نهضت مجدداً...
كان ماتيو قد اختفى.
ابتلعه بحر الناس.
بدأت تبحث عنه بين الأزقة والمتاجر.
سألت هذا وذاك.
ركضت من مكان إلى آخر.
لكن دون فائدة.
لم تجد له أي أثر.
ومع مرور الدقائق، بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها.
لأنها كانت تعرف ابنها جيداً.
وعندما يهرب ماتيو بهذه الطريقة...
فهذا يعني أن شيئاً في داخله قد انكسر بالفعل.
Yara yara alaa yara