عند حلول الصباح، حمل ألبرت الطفل بين ذراعيه وغادر منزله متجهًا نحو طرف القرية. كان الرضيع نائمًا بهدوء، وقد غطت خصلات شعره البرتقالية جزءًا من جبينه الصغير.
وما إن ابتعد خطواتٍ قليلة حتى سمع وقع أقدامٍ خلفه.
التفت ليجد زوجته تلحق به.
"إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟" سألها بوجه صارم.
عقدت ذراعيها وقالت:
"قضى هذا الطفل ليلته في منزلي، ومن حقي أن أعرف إن كان طفلًا عاديًا أم روحًا من أرواح الضفة الأخرى."
لم يجادلها ألبرت، فتابعا الطريق معًا.
بعد مسيرٍ قصير وصلا إلى طرف الغابة، حيث يقف كوخٌ حجري صغير بدا وكأنه أقدم من القرية نفسها. كانت جدرانه مغطاة بالطحالب، بينما تصاعد من نافذته دخانٌ رقيق يحمل رائحة بخورٍ غريبة لم يشما مثلها من قبل.
شعرت زوجة ألبرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
لطالما كان كوخ روجينا يبعث شعورًا لا يمكن تفسيره، وكأن أسرارًا كثيرة تختبئ بين جدرانه العتيقة.
اقترب ألبرت من الباب الخشبي وطرقه برفق.
ولم تمضِ سوى لحظات حتى انفتح الباب ببطء.
ظهرت روجينا، العجوز ذات الشعر الفضي الطويل والعينين الحادتين اللتين بدتا وكأنهما تقرآن ما في النفوس.
ألقت نظرةً سريعة على ألبرت وزوجته، ثم توقفت عيناها على الطفل.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء:
"لقد كنت في انتظاركما... تفضلا بالدخول."
تبادل الزوجان نظرة دهشة، لكنهما لم يقولا شيئًا.
دخلا الكوخ وهما يحملان الطفل، بينما أغلقت روجينا الباب خلفهما.
في الداخل كانت عشرات الأعشاب المجففة تتدلى من السقف، وامتلأت الرفوف بقوارير زجاجية وكتبٍ قديمة مغطاة بالغبار. وفي وسط الغرفة موقد صغير تتراقص فوقه ألسنة النار.
جلست روجينا ببطء على مقعدها الخشبي، ثم مدت يدها نحو الطفل.
لكن قبل أن تلمسه، اتسعت عيناها فجأة.
وكأنها رأت شيئًا لم يره أحد غيرها.
تجمدت في مكانها...
وارتسم على وجهها تعبيرٌ لم يعرفه أهل القرية عنها قط.
تعبير صدمه.
من دون أي سابق إنذار، تغير وجه روجينا بالكامل. اتسعت عيناها للحظة، وشحب لونها حتى ظن ألبرت وزوجته أنها رأت شبحًا أمامها.
تبادل الزوجان نظرة سريعة.
لم تكن هناك حاجة للكلمات.
فملامح العجوز أخبرتهما أن هذا الطفل ليس عاديًا.
لكن ما إن مرت ثوانٍ قليلة حتى استعادت روجينا هدوءها المعتاد، وعادت ملامحها الصارمة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.
سحبت يدها ببطء وقالت:
"لا داعي للقلق... هذا الطفل بشري، كأي إنسان آخر."
عقد ألبرت حاجبيه.
أما زوجته فلم تستطع إخفاء شكوكها.
"بشري؟" قالت مستغربة. "وهل يملك البشر شعرًا كهذا؟ وعيونًا بهذا اللون؟ ثم كيف انتهى به الأمر في الضفة الأخرى من النهر؟"
أطلقت روجينا تنهيدة طويلة، ثم نظرت نحو النافذة الصغيرة.
"هناك أمور كثيرة لا نفهمها في هذا العالم."
ساد الصمت داخل الكوخ.
ثم أضافت:
"الأرواح قادرة على تحريك الأشياء أكثر مما يظن الناس. ربما وجد هذا الطفل نفسه في خطرٍ ما، فقامت إحدى الأرواح بإنقاذه ووضعته هناك حيث يمكن لأحد أن يجده."
لم يبدُ ألبرت مقتنعًا تمامًا.
أما زوجته فظلت تراقب العجوز بعينين ضيقتين.
كانت متأكدة أن روجينا تخفي شيئًا.
لاحظت روجينا ذلك، فأخفضت بصرها نحو الرضيع النائم.
ثم قالت بصوت أخفض من السابق:
"لكن هناك أمرًا واحدًا مختلفًا فيه."
رفع الزوجان رأسيهما فورًا.
"ما هو؟"
صمتت العجوز للحظة وكأنها تزن كلماتها بعناية.
"هذا الطفل... قادر على رؤية ما لا يراه معظم البشر."
تسارعت دقات قلب زوجة ألبرت.
"ماذا تقصدين؟"
أجابت روجينا:
"بعض الناس يولدون بعيون تستطيع إدراك وجود الأرواح وسماع همساتها. إنها قدرة نادرة للغاية، وقد تكون نعمة أو لعنة."
ثم نظرت إلى الطفل مجددًا.
"ولهذا السبب أخشى أن يكون قد لفت انتباه أشياء لا ينبغي لها أن تلتفت إلى البشر."
ساد الصمت في الكوخ مرة أخرى.
لم يفهم ألبرت كل ما قيل، لكنه أدرك شيئًا واحدًا.
حياة هذا الطفل لن تكون عادية أبدًا.
وفي تلك اللحظة، فتح الرضيع عينيه ببطء.
فارتجف جسد روجينا للحظة قصيرة.
لأن اللون النيلي اللامع في عينيه لم يكن أكثر ما أخافها...
بل الشيء الذي لمحته يتحرك داخل انعكاسهما.
لم تستطع روجينا إبعاد عينيها عن الطفل.
فداخل تلك العينين النيليتين لمحت شيئًا غريبًا... ومضةً صغيرة تتحرك في الأعماق، كأنها شظية بلورية تسبح داخل بحرٍ من الضوء. لم تدم الرؤية سوى لحظة، لكنها كانت كافية لتوقظ ذكرياتٍ قديمة كانت تتمنى ألا تراها مجددًا.
أخفضت العجوز رأسها وهي تفكر.
لقد فهمت شيئًا مهمًا.
إذا كبر هذا الطفل وتعلم التحكم بقدرته الفطرية، فقد يصبح قادرًا على إخفاء بعض ملامحه غير المألوفة. وربما يستطيع يومًا جعل عينيه تبدوان عاديتين كعيون بقية البشر.
لكن ذلك اليوم ما زال بعيدًا.
كان الطفل جميلًا على نحوٍ غير طبيعي. جمالٌ يلفت الانتباه فورًا ويثير التساؤلات والخوف في قلوب البعض.
تنهدت روجينا أخيرًا وقالت:
"يجب ألا يراه الكثير من الناس في الوقت الحالي."
نظر إليها ألبرت وزوجته باستغراب.
"ولماذا؟" سأل ألبرت.
أجابت العجوز:
"لأن أهل القرى يخشون ما لا يفهمونه. وإذا ظهر بهذا الشكل أمام الجميع، فسيبدأون بطرح الأسئلة، وعندما لا يجدون إجابات سيصنعونها بأنفسهم."
ساد الصمت.
ثم تابعت:
"احتفظوا به بعيدًا عن الأنظار لبعض الوقت. ومع نموه ستبهت زرقة عينيه تدريجيًا، أو على الأقل ستصبح أقل لفتًا للانتباه."
ترددت للحظة قبل أن تضيف:
"وعندما يحين الوقت، يمكنكم أخذه إلى القرية الكبرى وعرضه للتبني هناك. ستكون فرصته في عيش حياة طبيعية أكبر بكثير."
نظرت زوجة ألبرت إلى الطفل النائم بين ذراعيها.
لم يعد يبدو مخيفًا لها كما كان في البداية.
بل بدا ضعيفًا ووحيدًا.
طفلًا وجد نفسه في هذا العالم دون أن يختار ذلك.
مدت يدها ولمست خده برفق.
أما روجينا فبقيت صامتة.
كانت تعلم أن ما قالته لم يكن سوى نصف الحقيقة.
أما النصف الآخر...
فكان سرًا خطيرًا لا ينبغي لأحد أن يعرفه بعد.
Yara yara alaa yara