في ذلك الصباح الهادئ، استيقظت سندرا على غير عادتها قبل شروق الشمس بقليل.
كانت السماء خلف النوافذ مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم الرمادية، حتى إن الضوء الذي تسلل إلى العلية بدا باهتاً وكئيباً.
نهضت بهدوء حتى لا تزعج ماتيو، لكنها وجدته قد استيقظ هو الآخر، جالساً على سريره ينظر عبر النافذة وكأنه غارق في أفكار لا تناسب طفلاً في الرابعة من عمره.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة ودعته إلى تناول الإفطار.
لم يتبادلا الكثير من الكلمات أثناء الأكل، فقد كان الصمت يملأ المكان بطريقة غريبة.
حتى أصوات الملاعق والأطباق بدت أوضح من المعتاد وسط ذلك السكون الثقيل.
بعد الانتهاء، حمل كل منهما طبقه إلى المغسلة كعادتهما اليومية.
بدأت سندرا بغسل الأواني، بينما خرج ماتيو إلى الشرفة الصغيرة ليسقي النباتات التي اعتنى بها .
كانت قطرات الماء تنساب على أوراق النباتات بهدوء، بينما وقف الطفل يتأمل السماء الرمادية الممتدة فوق القرية.
لم يكن يفكر في شيء محدد، لكنه كان يشعر أن ذلك الصباح مختلف.
وفجأة...
انفتح باب العلية الكبير بقوة دون أي طرق أو استئذان.
التفتت سندرا بسرعة، وكادت تسقط إحدى الصحون من يدها من شدة المفاجأة.
دخل جان بخطوات ثابتة وكأن المكان ملك له.عبست سندرا فوراً وقالت ببرود:
— ليس من الاحترام أن تدخل دون إذن.لم يبدُ على جان أنه اهتم بكلامها.
نظر حوله للحظة ثم قال:
— ألا تنوين النزول إلى الأسفل؟
أمالت رأسها باستغراب.
— لا أنوي النزول إلى الطابق السفلي، ولا أنوي مقابلة هيلين.
تنهد جان وكأنه توقع هذا الرد.
— هيلين هي من اقترحت الفكرة.
عرفت سندرا فوراً أنه يكذب.
لقد كان يقنع زوجته دائماً بما يريد، ثم يأتي متظاهراً أن القرار لم يكن قراره.
قالت بعد لحظة:
— مع ذلك، لن أنزل.
ثم أضافت وهي تبحث عن عذر آخر:
— وماتيو لا يحب ذلك.
ابتسم جان ابتسامة صغيرة.
— ماتيو سينسجم قريباً.
لا داعي للقلق.
إنه طفل، ومع مرور الوقت سيحب النزول أكثر من البقاء هنا
أليس عليه التعامل مع الآخرين حتى يتعلم؟ثم أضاف بنبرة ساخرة قليلاً:
— أم أنك تنوين حبسه هنا طوال حياته؟
شعرت سندرا أن كلماته أصابت نقطة ضعف فيها.
كانت تعرف ماتيو أكثر من أي شخص آخر، وتعرف أن الاختلاط بالآخرين ليس سهلاً بالنسبة له.
ألقى جان نظرة سريعة حول العلية.
لم يكن هناك أي أثر للطفل.
فتح فمه ليسأل عنه، لكن سندرا سبقته قائلة:
— حسناً...
سأفكر بالأمر.
ثم وبعد لحظات من التردد:
— سننزل.
ارتسمت على وجه جان ابتسامة منتصرة.أشارت له بالخروج ثم رفعت صوتها:
— ماتيو!
وصل صوتها إلى الشرفة.
كان الطفل لا يزال واقفاً هناك، يحدق في السماء الحزينة.
— انزل إلى الأسفل بعد قليل.
سمعها جيداً.
لكنه تجاهلها.
هز جان كتفيه وقال:
— انزلي أنت أولاً، سيلحق بك لاحقاً.
وبالفعل، غادرت سندرا مترددة.
أما جان فبقي داخل العلية.
تأمل المكان بصمت.
كانت العلية واسعة بحجم البيت كله تقريبا.
لم تكن فيها غرف كثيرة سوى الحمام المنعزل في أحد الزوايا.
أما الباقي فكان مساحة مفتوحة يغمرها الضوء والدفء.
رفوف طويلة ممتلئة بالكتب غطت أحد الجدران.
ومقابل المدخل كان المطبخ الصغير المرتب بعناية.
تنهد جان.
ثم تذكر سبب صعوده.
في تلك الأثناء، كان ماتيو لا يزال في الشرفة.انفتح الباب خلفه.
لكنه لم يلتفت.
اقترب جان حتى وقف بجانبه.
وقال بصوته الخشن:
— ادخل إلى الداخل، الجو بارد جداً.
رفع ماتيو عينيه إليه.
كانت نظرته باردة على نحو لا يليق بطفل.
لكنه دخل دون اعتراض.
بعدها قال جان:
— اتبعني.
قاد الطفل إلى أعلى المنزل، نحو السطح.
وبمجرد وصولهما، عقد ماتيو حاجبيه.
— ألم تخبرني أن أدخل لأن الجو بارد؟
تنهد جان.
— أردت التحدث معك فقط.
ساد الصمت للحظات.
ثم سأل ماتيو:
— وعن ماذا؟
نظر إليه جان مباشرة.
وقال بثقة غريبة:
— هل أنت حقاً طفل؟
تجمد ماتيو لثانية.
ثم أجاب:
— كانت أمي محقة.
رفع جان حاجباً.
— بشأن ماذا؟
قال ماتيو بازدراء واضح:
— أن هذه القرية مليئة بالمتخلفين.
كل ما تسمعونه تصدقونه.
لو كنت مكانك لخجلت من نفسي.
ماذا أبدو لك أنا؟
أجاب جان دون تردد:
— شيطان.
ظل الصمت بينهما للحظة.
ثم تابع:
— شيطان متجسد في جسد طفل.
ضحك ماتيو ضحكة قصيرة ساخرة.
— وما دليلك؟
— كلامك بالأمس.
وتصرفاتك.
وحتى شكلك.
أنت لست طبيعياً.
هز ماتيو رأسه.
— أنت حقاً لا تفكر.
ثم تابع ببرود:
— كل ما فعلته بالأمس أنني قلت ما أفكر به عنك.
أنت رجل يسمع كلام زوجته الثانية فقط لأنها أنجبت له الأطفال الذين أرادهم.
ثم نظر في عينيه مباشرة.
— أنا أكرهك.
أكرهك كما تكره أمي رؤية وجهك.
تجمد جان مكانه.
لكن بدلاً من الغضب، ابتسم.
ثم تحولت ابتسامته إلى ضحكة قصيرة.
— ومن تظن نفسك أيها الفتى؟اقترب خطوة.
— هل صدقت حقاً أن سندرا أمك؟
اتسعت عينا ماتيو قليلاً.ولأول مرة بدا عليه الارتباك.تابع جان:
— يبدو أنك مجرد طفل جاهل.
هل سألت نفسك يوماً من يكون والدك؟
سندرا زوجتي.
وأنا لست والدك الحقيقي.
رد ماتيو بسرعة:
— أعلم ذلك.
لكن جان لم يتوقف.
بل قال بصوت بارد:
— وهل تعرف الحقيقة كاملة؟
أنت مجرد طفل تخلى عنه أهله.
طفل رفضه الجميع.
وسندرا قامت بتربيتك ليس أكثر.
شعر ماتيو وكأن الكلمات تحولت إلى سكاكين باردة تغرس في صدره.
لكنه تماسك.
ورفع رأسه قائلاً:
— ولماذا عليّ أن أصدقك؟
ابتسم جان.
ثم استدار نحو الدرج.
— لا تصدقني.
اذهب واسأل أمك العزيزة بنفسك.
شاهد تعبير وجهها عندما تسألها.
ثم أخبرني بالنتيجة.
وغادر السطح تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً.
أما ماتيو فبقي واقفاً في مكانه، ينظر إلى الفراغ.
ولأول مرة منذ وقت طويل...
شعر بالخوف من معرفة الحقيقة.
Yara yara alaa yara