امرة منذ وقت طويل...
شعر ماتيو بالخوف.
لم يكن ذلك الخوف الذي يشعر به الأطفال عند سماع صوت مرتفع أو رؤية كابوس مزعج.
بل كان شعورًا مختلفًا.
شعورًا عميقًا ينبض في أعماقه كما لو أن جزءًا منه يتذكر شيئًا لا تستطيع ذاكرته الوصول إليه.
بقي واقفًا أمام الشرفة.
عيناه مثبتتان على المكان الذي ظهرت فيه تلك الهيئة.
كان الشارع فارغًا.
هادئًا.
لا أثر لأي شخص.
ولا حتى ظل.
ومع ذلك لم يستطع التخلص من الإحساس بأن أحدًا ما كان هناك قبل لحظات فقط.
يراقبه.
وينتظر.
ضغط على سور الشرفة الصغير بيديه.
ثم أغلق عينيه.
كانت الهمسات لا تزال مستمرة.
لكنها تغيرت.
لم تعد تكرر الكلمات نفسها.
بل أصبحت متداخلة، وكأن عشرات الأصوات تتحدث في الوقت نفسه.
لم يستطع فهم معظمها.
إلا كلمة واحدة.
كلمة تكررت مرارًا.
"تعال..."
فتح عينيه فورًا.
تعال؟
ما الذي يفترض أن يعنيه ذلك؟
حاول الإنصات أكثر.
لكن الأصوات بدأت تضعف تدريجيًا.
ثم اختفت.
واحدة تلو الأخرى.
حتى عاد الليل إلى سكونه المعتاد.
ظل ماتيو واقفًا لعدة دقائق.
قبل أن يلتفت نحو سريره.
إلا أن شيئًا ما لفت انتباهه.
شيء لم يكن موجودًا من قبل.
على أرضية الشرفة.
بالقرب من الحائط.
اقترب بحذر.
ثم انحنى ببطء.
كانت هناك ريشة سوداء.
طويلة.
لامعة.
وكأنها سقطت للتو.
التقطها بين أصابعه.
وفي اللحظة التي لمسها فيها...
ارتجف جسده.
وانفجرت صورة خاطفة داخل عقله.
سماء حمراء.
أشجار سوداء ضخمة.
وظلال تسير بين الضباب.
ثم...
صرخة بعيدة.
اختفت الرؤية بنفس السرعة التي ظهرت بها.
فتراجع ماتيو خطوة إلى الخلف وهو يلهث.
لم يفهم ما حدث.
لكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
هذه الريشة ليست عادية.
خبأها بسرعة داخل جيبه.
ثم عاد إلى سريره.
لكن النوم لم يزره تلك الليلة.
مع بزوغ الفجر...
استيقظت سندرا على غير عادتها باكرًا.
لاحظت فورًا أن ماتيو كان مستيقظًا.
يجلس قرب النافذة صامتًا.
حدقت فيه باستغراب.
— ألم تنم جيدًا؟
التفت إليها.
ثم هز رأسه ببطء.
اقتربت منه.
وجلست بجواره.
— هل عادت الهمسات؟
لم يجب مباشرة.
بل أخرج الريشة السوداء من جيبه ووضعها أمامها.
تجمدت يد سندرا.
واختفت ابتسامتها فورًا.
رفعت الريشة ببطء.
وكأنها تعرفها.
أو تخشاها.
لاحظ ماتيو ذلك.
— هل تعرفين ما هي؟
ارتجفت أصابعها قليلًا.
ثم وضعت الريشة على الطاولة بسرعة.
— أين وجدتها؟
— في الشرفة.
شحب وجهها.
ولم تستطع إخفاء ذلك هذه المرة.
مرت عدة ثوانٍ قبل أن تتكلم.
— إذا وجدت شيئًا مشابهًا مرة أخرى...
أخبرني فورًا.
— لماذا؟
رفعت عينيها إليه.
ثم ابتسمت ابتسامة متكلفة.
— فقط افعل ذلك.
لكن ماتيو أدرك أنها تكذب.
تمامًا كما أدرك بالأمس أن جان كان يكذب.
كانت تلك إحدى الأمور التي أصبح يشعر بها مؤخرًا.
كلما أخفى شخص الحقيقة.
كان هناك شيء داخله يخبره بذلك.
في الطابق السفلي...
كانت هيلين تقف في المطبخ تعد الإفطار.
لكنها بدت شاردة الذهن.
حتى إن أريوس لاحظ ذلك.
اقترب منها وسأل:
— أمي؟
انتبهت إليه.
— نعم؟
— هل تعرفين ماتيو؟
تجمدت للحظة.
ثم وضعت الكوب الذي كانت تمسكه.
— لماذا تسأل؟
فكر أريوس قليلًا.
ثم قال:
— لا أعلم...
لكنه ليس مثل بقية الأطفال.
شحب وجه هيلين.
ولمعت في عينيها مشاعر غريبة.
خوف.
وتردد.
مشاعر لم يفهمها الفتى.
جلست على الكرسي القريب.
وكأن السؤال سحب منها قوتها فجأة.
— لا تقترب منه كثيرًا.
قالتها بصوت خافت.
تفاجأ أريوس.
— لماذا؟
أغمضت عينيها.
لكنها لم تجب.
لأنها لم تكن تعرف كيف تشرح شيئًا لا تفهمه هي نفسها.
شيئًا بدأ قبل سنوات طويلة.
قبل أن يصل ماتيو إلى هذا المنزل.
وقبل أن تختفي تلك المرأة العجوز التي كانت تسكن في أطراف البلدة.
المرأة التي حذرت الجميع ذات يوم قائلة:
"عندما يعود صاحب العينين المضيئتين...
لا تختلطو معه كثيرا."
وفي ذلك الوقت...
ظن الجميع أنها فقدت عقلها.
لكن هيلين لم تنسَ كلماتها أبدًا.
خصوصًا بعد أن رأت ماتيو لأول مرة.
أما في الطابق العلوي...
فكان ماتيو ينظر من النافذة نحو الغابة البعيدة خلف القريه.
دون أن يعلم...
أن شخصًا آخر كان ينظر إليه في تلك اللحظة.
من بين الأشجار.
ومن خلف الضباب الكثيف.
عينان باهتتان فتحتا ببطء.
ثم ارتسمت ابتسامة باردة على وجه مجهول.
وكأن صاحبها...
انتظر هذه اللحظة لسنوات طويلة.
يبدو ان ليو فعلها.......
Yara yara alaa yara