.
في تلك الأثناء، كانت القرية بأكملها قد انقلبت رأساً على عقب.
مرّت ساعات طويلة منذ اختفاء ماتيو، وبدأ التعب يتسلل إلى الجميع. انخفضت أصوات المناداة باسمه، وبات القلق يزداد مع اقتراب منتصف الليل.
وفجأة، ظهر فتىً كبير السن نسبياً يركض بين الناس وهو يلهث بشدة.
توقف في وسط الحشد، وانحنى ممسكاً بركبتيه محاولاً التقاط أنفاسه، ثم صرخ بصوت مرتفع:
"أعتقد أن ماتيو سقط في النهر!"
ساد الصمت.
تجمع الجميع حوله بوجوه شاحبة ومصدومة.
تقدم أحد الرجال وسأله بحدة:
"ماذا تقول؟"
رفع الفتى يده المرتجفة، وأخرج منها فردة حذاء مغطاة بالطين ومبللة بالكامل، وكانت قطرات الماء لا تزال تتساقط منها.
وقال:
"وجدتها عالقة بين الصخور أثناء بحثي قرب النهر."
حدق الجميع في الحذاء.
كان صغيراً.
وصغيراً جداً.
قال رجل آخر محاولاً التمسك بالأمل:
"قد يكون حذاء طفل آخر."
وأضاف شخص آخر:
"أو ربما ألقاه أحدهم في النهر لإثارة الذعر."
لكن امرأة كانت تعرف سندرا جيداً تقدمت خطوة إلى الأمام وقالت بحزن:
"لن نعرف الحقيقة إلا إذا عرضناه على والدته."
ساد الصمت مجدداً.
ثم هز الجميع رؤوسهم بالموافقة.
وانطلقوا نحو المكان الذي بقيت فيه سندرا.
---
رفضت سندرا العودة إلى المنزل.
جلست قرب الساحة الرئيسية للقرية، بينما كانت بيث وزوجها ألبرت يحاولان تهدئتها.
أما ألبرت، فمنذ اللحظة الأولى التي سمع فيها باختفاء ماتيو، لم يتوقف عن البحث ولو لدقيقة واحدة.
وحين لمح مجموعة من القرويين يقتربون، توقف مكانه.
تسارعت نبضات قلبه.
ورفع رأسه بأملٍ خافت.
وقفت سندرا ببطء، تستند إلى بيث التي أمسكت بكتفيها خوفاً من سقوطها.
وصل أحد الرجال أمامها وهو يلهث، ثم مد يده بالحذاء وسأل بصوت متردد:
"هل هذا يخص ماتيو؟"
تجمدت سندرا في مكانها.
لم تبكِ.
ولم تصرخ.
حملت الحذاء بيدين مرتجفتين، وحدقت فيه لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر كامل.
ثم أغمضت عينيها وهزت رأسها ببطء.
"نعم..."
خرج صوتها بالكاد مسموعاً.
"هذا حذاء ماتيو."
تجمد الجميع.
لم يعد الحذاء مجرد قطعة مبللة بالطين.
بل أصبح دليلاً مخيفاً.
احتمالاً مرعباً لم يجرؤ أحد على نطقه.
أما ألبرت، فاستدار دون أن يقول كلمة واحدة.
وشد قبضتيه بقوة.
ثم عاد يركض نحو النهر.
كان يردد في نفسه بإصرار:
"لن يحدث له شيء..."
"لن أسمح بذلك."
---
وصل الخبر سريعاً إلى جان وهيلين.
شعر جان بانقباض حاد في صدره.
لم تكن علاقته بماتيو جيدة.
بل كانت مليئة بالتوتر والخلافات.
لكن رغم ذلك، لم يستطع تجاهل شعوره بالذنب.
عادت إليه الذكريات دفعة واحدة.
تذكر غضبه من الطفل.
وتذكر اليوم الذي أخبره فيه بأن سندرا ليست والدته الحقيقية.
وتذكر اخر لقاء عندما اراد صفعه رغم معرفته ان صديقه الذي كان ينوي الشر لزوجته الاولى وهو دافع عنها بطريقه شجاعه بدل من ان يطلق عليه.
وتذكر تهديدات كيروس الأخيرة.
ثم تذكر شيئاً آخر...
صديقه المقرب يريد التخلص من ذلك الطفل ايضا.
انعقد حاجباه.
ونهض من مكانه بسرعة.
كان يعرف تماماً إلى أين يذهب.
وجد كيروس قرب النهر، يتظاهر بالبحث مع الآخرين.
اقترب منه بخطوات غاضبة.
وقبل أن يتمكن كيروس من قول أي شيء، أمسكه جان من قميصه ودفعه بعنف نحو الجدار الحجري القريب.
صرخ في وجهه:
"أنت السبب، أليس كذلك؟!"
تجمد من حولهما.
أما جان فأكمل بغضب:
"إذا كنت فعلت له شيئاً، فأعده حالاً ودون أي ألعاب أخرى!"
أبعد كيروس يديه عنه بهدوء مرتبك، ثم عدل ملابسه وقال:
"لم أصل إلى تلك المرحلة بعد."
ثم ابتسم ضاحكاً.
ضحكة باردة أزعجت جان أكثر.
"ماذا يا جان؟"
مال برأسه قليلاً وأضاف:
"هل أصبحت تنظر إلى ذلك الفتى كفرد من العائلة؟"
توقف قليلاً.
ثم قال بابتسامة خبيثة:
"أم أن الأمر يتعلق بسندرا؟"
ازداد غضب جان، لكنه صمت.
أما كيروس فتابع:
"استمع جيداً."
اقترب منه وهمس:
"قد أكون أخطط لأمور كثيرة، لكن ذلك الطفل لم يكن ضمنها."
رفع كتفيه بلا مبالاة.
"واختفاؤه يضر بخططي أساساً."
ثم نظر إليه ببرود.
"لا فائدة من إضاعة وقتي مع طفل في السادسة من عمره."
لم يقتنع جان بكلامه.
لكنه لم يجد دليلاً يكذبه.
استدار وغادر المكان ليبدأ البحث بنفسه.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل...
كان خائفاً حقاً على ماتيو.
راقبه كيروس وهو يبتعد.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
وأخرج هاتفه من جيبه.
نظر إلى الشاشة للحظات قبل أن يجري اتصالاً.
وما إن رد الطرف الآخر، حتى تغيرت نبرة صوته إلى الجدية.
وقال:
"يبدو أن الأمور بدأت أسرع مما توقعنا."
---
في تلك اللحظات، كان ماتيو لا يزال في ذلك العالم الغريب.
ورغم الموقف المرعب الذي حدث قبل قليل، عاد الرجل الغامض إلى هدوئه المعتاد، وكأن شيئاً لم يحدث.
نظر إلى ماتيو وقال:
"أظن أن العودة ستكون غريبة بعض الشيء."
نظر إليه ماتيو باستغراب.
"ماذا تقصد؟"
أجاب الرجل بهدوء:
"لا تقلق."
ثم أضاف:
"لن تشعر بألم."
رفع ماتيو رأسه نحو السماء.
كان القمر الضخم معلقاً فوقهما، بينما بدأت خيوط الفجر الأولى تظهر في الأفق.
لقد اقتربت الساعة من الرابعة صباحاً.
شعر بالتعب الشديد، رغم أنه لم يبذل أي مجهود.
بدأ يسير ببطء خلف الرجل.
لكن شيئاً غريباً لفت انتباهه.
مع كل خطوة يخطوها، كانت دوائر شفافة تتموج تحت قدميه.
توقف للحظة وتأملها.
كانت تموجات بيضاء تميل إلى الأزرق الخافت.
وكلما اتسعت، ظهرت داخلها وجوه غريبة.
وجوه شاحبة وشفافة.
لم تتكون لديهم اي مشاعر واضحه في وجوههم، ارجلهم شفافه اكثر.
أدرك ماتيو الحقيقة أخيراً.
إنها الأرواح التي كان يسمع غناءها.
تردد قليلاً.
ثم ضرب الأرض بقدمه بقوة أكبر.
اتسعت التموجات أكثر.
وعندها ظهر المشهد كاملاً.
آلاف الأرواح تسير في صفوف منتظمة نحو الأفق البعيد.
كانت تتحرك ببطء وهدوء.
دون خوف.
دون تردد.
وكأنها تعرف طريقها جيداً.
رفع ماتيو بصره نحو القمر العملاق.
وبدا له للحظة وكأنه بوابة هائلة تعبر إليها تلك الأرواح قبل اختفائها مع اقتراب شروق الشمس.
توقف عن السير.
ونسي كل شيء.
نسي القرية.
ونسي الحشود.
ونسي خوف والدته عليه.
حتى آلامه اختفت.
بقي واقفاً يراقب ذلك المشهد المهيب.
كان مخيفاً.
وحزيناً.
وجميلاً بطريقة لا يمكن وصفها.
والأغرب من ذلك كله...
أنه شعر بالأمان.
Yara yara alaa yara