حلّ الصباح أخيرًا، وكان الجو جميلًا على نحوٍ غير معتاد. نسيمٌ لطيف يتسلل عبر نوافذ العلّية الخشبية، وصمت هادئ لا يقطعه سوى زقزقة الطيور البعيدة.
استيقظ ماتيو على صوت طرقات خفيفة على الباب.
فتح عينيه بتثاقل، بينما كانت سندرا قد سبقت إلى الباب.
وما إن فتحته حتى ظهرت إيما خلفه.
قالت الفتاة الصغيرة:
— أمي تناديكِ إلى الأسفل.
تنهدت سندرا بخفة.
— حسنًا، سأأتي حالًا.
أغلقت الباب ثم استدارت نحو ماتيو الذي كان قد استيقظ بالفعل وجلس على سريره يفرك عينيه.
ابتسمت له ابتسامتها المعتادة.
وفجأة أمسكت بيديه وسحبته من مكانه.
— هيا أيها الكسول!
بدأت تدور به في أرجاء العلية وهي تضحك.
لم يكن ماتيو مستغربًا من تصرفاتها، فقد اعتاد على حماسها الغريب منذ زمن.
وفي تلك اللحظة انبعثت من الراديو أغنية قديمة تحبها كثيرًا.
اتسعت عيناها فورًا.
— أوه! هذه الأغنية!
وبدأت تتحرك يمينًا ويسارًا وهي تحمل ماتيو بين ذراعيها وكأنها ترقص في مهرجان كبير.
أما ماتيو فاكتفى بالتنهد.
لقد اعتاد على هذا الجنون الصباحي.
بعد دقائق وضعتْه على الكرسي.
ثم أمسكت إبريق العصير وأخذت تصبّه في الكوب بطريقة استعراضية مبالغ فيها، تدور وتلتف وكأنها طاهية في عرض مسرحي.
أحضرت له الخبز الدافئ ووضعته أمامه.
وبينما كان يأكل بهدوء، ظل يراقب حماسها.
ابتسم دون أن يشعر.
في تلك اللحظات كان يحس أن الحياة ما زالت بخير.
رغم كل الأمور الغريبة التي بدأت تحدث مؤخرًا.
رغم كلام إيلييات.
ورغم القلق الذي استقر في قلبه منذ الليلة الماضية.
أخيرًا قالت سندرا وهي ترتب شعرها:
— سأذهب إلى الأسفل. يبدو أن هيلين تريدني في أمر ما.
توقف ماتيو عن المضغ فورًا.
وارتسمت على وجهه ملامح عبوس طفولية.
ضحكت سندرا.
— لا تنظر إليّ هكذا، ما زال بعض الضيوف هنا.
— سألحق بكِ.
— حسنًا.
نزلت سندرا أولًا.
وبعد أن أنهى طعامه، تبعها ماتيو إلى الطابق السفلي.
وما إن وصل إلى غرفة الجلوس حتى تجمد في مكانه.
كانت إيلييات هناك.
تجلس بجانب والدها بهدوئها المعتاد.
وفور أن وقعت عيناه عليها، لمع بريق غريب في عينيه.
وكأنه وجد شخصًا كان يبحث عنه منذ ساعات.
لاحظ والدها ذلك فورًا.
فابتسم ابتسامة بدت لماتيو مستفزة للغاية.
وقال:
— هل تريد التعرف على ابنتي؟
ارتبك ماتيو بشدة.
بل إن ملامح الاشمئزاز ظهرت على وجهه من الإحراج أكثر من أي شيء آخر.
أما سندرا التي كانت تراقب الموقف، فوضعت يدها على فمها محاولة إخفاء ابتسامة تجمع بين الصدمة والحرج.
في تلك الأثناء التقت عينا إيلييات بعيني والدها.
وفهمت الرسالة فورًا.
لذلك وقفت وقالت بهدوء:
— ماتيو، هل نلعب في الخارج كما لعبنا البارحة؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ضحك والدها بخفة.
— يبدو أنكما تعرفتما على بعضكما مسبقًا.
أليس هذا أمرًا جميلًا؟
ثم تابع بنبرة ماكرة:
— لم أتوقع أن إصرار ابنتي على مرافقتي هذا الصباح كان كله من أجل مقابلة الروجي الصغير.
التفتت سندرا إلى ماتيو.
— لم تعرفني على صديقتك.
احمر وجهه فورًا.
— أممم... حسنًا...
تلعثم قليلًا قبل أن يكمل:
— البارحة عندما ناديتِني كنا نتحدث... وبعدها نسيت.
لم يكن يعرف لماذا يشعر بالخجل أصلًا.
لكن حرارة وجهه كانت تزداد كل ثانية.
أما إيلييات فلم يظهر على ملامحها أي تغير.
كانت هادئة كعادتها.
رفع ماتيو رأسه بحذر نحو والدته.
فوجدها بالكاد تستطيع كتم ضحكتها.
وهنا شعر أن وجهه أوشك على الانفجار من الإحراج.
وفجأة...
أمسكت إيلييات بذراعه.
وسحبته خارج المنزل دون أي إنذار.
---
حالما ابتعدا عن الأنظار، أخذ ماتيو نفسًا عميقًا.
— ما كان ذلك بحق السماء؟
نظرت إليه إيلييات باستغراب.
— ماذا؟
— الجميع كان ينظر إلينا وكأننا شخصان فع!لنا شيء خطاء وتم كشفنا!
رمشته مرة واحدة.
— لا أفهم المشكلة.
تنهد باستسلام.
لا فائدة من شرح الأمور لشخص مثلها.
ثم تغيرت ملامحه.
— حسنًا... ماذا اكتشفتِ؟
أخيرًا وصل الحديث إلى ما كان يشغل تفكيره طوال الليل.
تنهدت إيلييات.
— أولًا...
نظرت حولها بحذر.
— لنتظاهر باللعب.
كاد ماتيو يصرخ من الانزعاج.
لكن بعد لحظة وافق.
— حسنًا...
ثم نظر إليها.
— ماذا نلعب؟
بادلتْه نظرة فارغة.
— لا أعلم.
— ماذا تقصدين؟
— لم ألعب من قبل.
حدق بها وكأنه سمع أمرًا مستحيلًا.
— لم تلعبي أبدًا؟
— لا.
— ولا مرة؟
— لا.
أشار إليها بإصبع الاتهام.
— ماذا تفعلين في حياتك إذًا؟
فكرت قليلًا.
— أنام غالبًا.
رمش عدة مرات.
ثم قال بسخرية:
— أنتِ أسوأ من دمية.
ردت ببرود كامل:
— شكرًا.
نظر إليها بطرف عينه ثم ابتسم.
— لا بأس.
ثم أمسك بيديها وسحبها معه.
— سأعلمك.
أحضر كرة صغيرة وأشار إلى باحة بعيدة عن المنزل.
— هناك. سنلعب مباراة بين شخصين.
نظرت إلى الكرة.
— أليست هذه لعبة للأولاد؟
رفع حاجبه.
— وهل تريدين أن أقيم معك حفلة شاي؟
تنهدت.
— خمس دقائق فقط.
لكن المفاجأة كانت أن إيلييات لم تكن سيئة أبدًا.
بل على العكس.
كانت سريعة الحركة وتتعلم بشكل مذهل.
حتى إن ماتيو بدأ يشك بأنها كذبت بشأن عدم اللعب من قبل.
وقتها ظهرت سندرا، وهي تصور تلك اللحظه وكأنه كنز تشهد بيه لأجيال ولكنها اسرعت في الانهاء كي تعود لداخل.
وبعد مدة قصيرة سقط على العشب وهو يلهث.
— هذا غير معقول...
نظر إليها.
— ألم تقولي إنك لم تلعبي من قبل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تمسح العرق عن جبينها.
— لم ألعب فعلًا.
ثم أشارت إليه.
— انهض أيها الطفل المدمر.
تأفف لكنه وقف.
وتبعها إلى مكان بعيد عن المنزل.
جلسا تحت ظل شجرة كبيرة.
تفحصت إيلييات المكان جيدًا.
ثم بدأت الكلام.
اختفت نبرة المزاح تمامًا من صوتها.
— البارحة...
عندما عدنا إلى المنزل تظاهرت بالنوم.
لكنني كنت أستمع لما يقوله الكبار.
أصغى ماتيو باهتمام.
— يبدو أن والدي يقود جماعة سرية.
جماعة تستغل الناس وتجعلهم تابعين لها.
عقد ماتيو حاجبيه.
فواصلت:
— جاء إلى هذه القرية من أجل الشباب الفقراء ومن لا يملكون عملاً أو مالًا.
سيغريهم بالمال أولًا.
ثم يجعلهم يعملون لصالحه.
شيئًا فشيئًا.
حتى يصبحوا غير قادرين على تركه.
شعر ماتيو بعدم الارتياح.
بختصار يصبحون عبيد.
لكن السؤال الذي كان يهمه أكثر خرج من فمه مباشرة:
— وما علاقة أمي؟
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت إيلييات:
— لأن سندرا هي المشكلة الوحيدة بالنسبة لهم.
تجمد ماتيو.
— ماذا؟
— زوج والدتك يريد إرسالها بعيدًا إلى عائلتها الأصلية.
ولو لفترة.
لكن والدي لا يريد أن تعود أصلًا.
اتسعت عينا ماتيو بصدمة.
وأكملت:
— هو يحاول إقناع الجميع أن الأمر مجرد سفر مؤقت.
لكن الحقيقة...
أنه يريد إبعادها نهائيًا.
خفضت صوتها أكثر.
— لأن سندرا إذا بقيت هنا ستلاحظ ما يحدث.
وحينها ستبلغ رئيس قبيلة أروس.
وعندها سينهار كل شيء.
ساد الصمت.
وأحس ماتيو أن قلبه بدأ يخفق بقوة.
منذ سماعه لكلام إيلييات...
بدأ يدرك أن الأمر أخطر بكثير مما ظن.
وأن والدته ربما كانت تسير نحو فخ كبير...
من دون أن تعلم ذلك.
Yara yara alaa yara