ساد صمت قصير داخل الغرفة، لم يقطعه سوى صوت جهاز مراقبة النبض المنتظم.
وقف جان بجوار السرير وهو يتأمل ماتيو بصمت. بدت على وجهه علامات التعب بوضوح، وكأن الأيام الماضية سلبته النوم والراحة. أما ماتيو، فقد ظل يحدق فيه باستغراب، فقد كان من النادر أن يرى جان بهذه الهيئة.
ابتسم جان ابتسامة خافتة، ثم قال:
"كيف تشعر الآن؟"
أجاب ماتيو بعد تردد:
"أفضل... لكن جسدي لا يزال يؤلمني."
أومأ الطبيب برأسه وهو يقلب صفحات الملف الطبي، ثم اقترب من السرير وبدأ يفحصه بعناية. استمع إلى نبضات قلبه، واطمأن إلى تنفسه، ثم طلب منه أن يحرك ذراعيه وقدميه. نفذ ماتيو ما طلبه بصعوبة، قبل أن يعقد الطبيب ذراعيه ويقول:
"حالته مستقرة، ولا يوجد ما يدعو للقلق. سيحتاج إلى بعض الراحة فقط، وإذا استمر كل شيء على هذا النحو، فيمكنه مغادرة المستشفى هذا المساء."
أطلقت سندرا زفرة طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدرها.
"شكرًا لك يا دكتور."
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، ثم ودعهم وغادر الغرفة، تاركًا جان معهم.
أغلق الباب خلفه، فعاد الهدوء يملأ المكان.
تنحنح جان بخفة، ثم سحب كرسيًا وجلس مقابل ماتيو.
"هناك أمر أريد أن أتحدث معك بشأنه."
رفع ماتيو رأسه نحوه، بينما جلست سندرا تراقبهما بصمت.
قال جان بنبرة هادئة:
"لا تقلق... لن أسألك عن أي شيء لا تريد الحديث عنه."
ظل ماتيو صامتًا.
تابع جان:
"لقد بذلت جهدًا كبيرًا حتى أمنع فتح تحقيق رسمي معك. كان الجميع يريد معرفة أين كنت، وماذا حدث لك طوال الأيام الماضية."
اتسعت عينا ماتيو قليلًا.
أكمل جان:
"لكنني استطعت إقناعهم بأنك كنت في حالة صدمة، وأن استجواب طفل في مثل حالتك لن يفيد أحدًا."
خفض ماتيو رأسه.
لم يكن يعرف ماذا يقول.
قال بصوت خافت:
"شكرًا..."
ابتسم جان ابتسامة بسيطة.
"لا تشكرني. كنت سأفعل ذلك لأي طفل."
ساد الصمت مجددًا.
وبينما كان جان يهم بالنهوض، لاحظ أن نظرات ماتيو شاردة نحو نافذة الغرفة.
تبع نظره دون أن يرى شيئًا غير الأشجار التي تتمايل مع نسيم الصباح.
"بماذا تفكر؟"
انتفض ماتيو قليلًا، ثم هز رأسه.
"لا شيء."
لكن جان لم يقتنع.
كانت تلك النظرة مألوفة بالنسبة له... نظرة شخص رأى شيئًا لا يستطيع تفسيره.
إلا أنه فضل عدم الضغط عليه.
نهض من مكانه وقال:
"سأترككما لبعض الوقت. إذا احتجتما إلى أي شيء، فأنا في الخارج."
غادر الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
اقتربت سندرا من ابنها وجلست بجواره، ثم أمسكت يده برفق.
"ماتيو..."
نظر إليها.
"أعلم أنك تخفي شيئًا."
لم يجب.
"ولن أجبرك على الكلام."
ابتسمت ابتسامة دافئة، ثم أضافت:
"لكن تذكر دائمًا... مهما كان الأمر الذي رأيته أو مررت به، فلن أتركك تواجهه وحدك."
ارتجفت شفتا ماتيو قليلًا.
كان يريد أن يخبرها بالحقيقة...
أن ذلك الظل لم يكن حلمًا.
وأن الهمسات التي سمعها في ذلك المكان لا تزال تتردد داخل رأسه حتى الآن.
وأنه في الليلة الماضية رآه مرة أخرى، يقف في الشارع قبل أن يختفي في غمضة عين.
لكن الكلمات بقيت حبيسة صدره.
اكتفى بهز رأسه ببطء.
وفي اللحظة نفسها...
هبّت نسمة باردة عبر نافذة الغرفة، رغم أنها كانت مغلقة بإحكام.
توقفت الستائر عن السكون، وبدأت تتحرك ببطء، كأن شيئًا مر بجوارها.
رفع ماتيو رأسه تلقائيًا نحو النافذة.
شعر بانقباض في قلبه.
لم يرَ أحدًا...
لكن إحساسًا غريبًا أخبره بأنه لم يعد وحده.
وفي مكان بعيد، عند طرف الغابة التي تفصل القرية عن الأراضي المجهولة، كانت هيئة سوداء طويلة تقف بين الأشجار دون حراك.
لم تكن لها ملامح واضحة، سوى عينين تتوهجان بلون بنفسجي باهت لماع نوعا ما.
ظلت تحدق بصمت في اتجاه القرية.
ثم انطلقت من حولها همسة خافتة، بالكاد سُمعت بين حفيف الأشجار:
"لقد استيقظ..."
وساد الصمت من جديد.
Yara yara alaa yara