جلس ماتيو في الشرفة من جديد، مطوّقاً ركبتيه بذراعيه، بينما كانت الرياح الليلية الباردة تعبث بخصلات شعره البرتقالية. لم يكن يشعر بالبرد بقدر ما كان يشعر بذلك الفراغ الثقيل داخل صدره.
لأول مرة منذ أن أصبح يتذكر الأشياء، شعر أنه لا يعرف ماذا يفعل.
كان دائماً يجد جواباً.
دائماً يجد سبباً.
أما الآن فلم يجد شيئاً.
خفض رأسه وهو يحدق في أرضية الشرفة الخشبية.
*"ليتني لم أخف عليها..."*
ترددت الكلمات داخل رأسه مرة أخرى.
لكن ما إن قالها حتى شعر بالندم.
فهو لم يكن يقصدها حقاً.
لو عاد الزمن إلى الوراء لفعل الأمر نفسه.
كان سيحميها مجدداً.
حتى لو انتهى به الأمر وحيداً.
في الداخل، بقيت سندرا جالسة على الكرسي.
كانت تنظر إلى الفراغ أمامها دون أن ترى شيئاً.
عقلها كان غارقاً في أفكار كثيرة.
الخوف.
الغضب.
الصدمة.
والذنب.
خصوصاً الذنب.
عندما سمعت صوت طرقاته على الباب كانت مستيقظة بالفعل.
سمعته يناديها.
سمعته مرة بعد مرة.
لكنها لم تستطع أن تتحرك.
لم تستطع مواجهة نفسها قبل أن تواجهه.
وضعت يديها على وجهها وتنهدت ببطء.
ثم رفعت رأسها نحو الباب المؤدي إلى الشرفة.
كان الظلام يخفيه.
لكنها كانت تعرف أنه ما يزال هناك.
ينتظر.
ربما ينتظر كلمة واحدة فقط.
"آسفة."
لكنها لم تستطع قولها.
---
مرت ساعة كاملة.
هدأت الرياح قليلاً.
وسكنت أصوات الليل.
وفجأة...
سمع ماتيو صوت خطوات خفيفة خلفه.
لم يلتفت.
كان يعرف صاحبها.
توقفت الخطوات.
ثم شعر بشيء دافئ يوضع فوق كتفيه.
بطانية.
رفع رأسه ببطء.
كانت سندرا تقف خلفه.
عيناها محمرتان من البكاء.
وشعرها بدا فوضوياً وكأنها لم تمشطه منذ ساعات.
جلسَت بجانبه بصمت.
، لم يكن هناك غضب بينهما.
فقط صمت متعب.
مرت دقائق دون أن يتكلم أي منهما.
ثم قالت أخيراً:
— الجو بارد.
نظر إليها.
وكان واضحاً أنها لم تأتِ لتتحدث عن الطقس.
لكنه لم يعلق.
بعد لحظة أخرى أضافت بصوت منخفض:
— آسفة.
اتسعت عينا ماتيو قليلاً.
فنادراً ما كانت سندرا تعتذر.
بل ربما لم يسمعها تعتذر من قبل.
تنهدت وهي تحدق في السماء.
— لم أكن غاضبة منك.
سكتت قليلاً.
— كنت غاضبة من نفسي.
نظر إليها باستغراب.
فأكملت:
— لأنني شعرت بالخوف.
شعرت بالخوف بطريقة لم أشعر بها منذ سنوات.
وحين خفت... أخرجت غضبي عليك.
انخفض صوتها أكثر.
— ولم يكن ذلك عدلاً.
بقي ماتيو صامتاً.
لم يعرف ماذا يقول.
فأكملت وهي تبتسم ابتسامة متعبة:
— عندما لم أفتح الباب كنت أعاقب نفسي أكثر مما أعاقبك.
نظر إليها طويلاً.
ثم قال بهدوء:
— كنت أظن أنكِ لم تعودي تريدينني هنا.
تجمدت سندرا في مكانها.
ثم التفتت نحوه بسرعة.
— لا تقل هذا أبداً.
وهذه المره، منذ بداية الحديث ظهر الخوف الحقيقي على وجهها.
— لا تقل هذا أبداً يا ماتيو.
مدت يدها وأمسكت كتفه.
— قد أغضب.
قد أصرخ.
قد أخطئ.
لكن لا تظن أبداً أنني لا أريدك.
خفضت رأسها قليلاً.
— لأن هذا غير صحيح.
شعر ماتيو بشيء دافئ يذيب تلك العقدة التي كانت تضغط على صدره منذ ساعات.
لكنه تردد للحظة قبل أن يسأل:
— حتى لو سببت لك المشاكل دائماً؟
ابتسمت سندرا أخيراً.
ابتسامة صغيرة وحقيقية هذه المرة.
— أنت المشكلة الوحيدة التي لا أريد التخلص منها.
رمش ماتيو عدة مرات.
ثم ضحك ضحكة قصيرة رغم نفسه.
فضحكت هي الأخرى.
وبدا وكأن البيت أخيراً تذكر كيف يكون الهدوء الطبيعي.
لكن بينما كان الاثنان يجلسان هناك...
بعيداً خلف نوافذ البيوت النائمة...
في الطرف الآخر من القرية...
كان هناك شخص يراقب منزلهما من بعيد.
شخص يقف وسط الظلام.
وعيناه مثبتتان على الشرفة.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجهه.
ثم همس لنفسه:
— يبدو أن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً مما توقعت...
واختفى بين الظلال.
بينما لم يكن ماتيو وسندرا يعلمان أن ما حدث اليوم .
Yara yara alaa yara