وضع ماتيو يده الصغيرة في يد الرجل الطويلة، ثم أغلق عينيه بقوة.
في البداية، لم يشعر بشيء.
لكن بعد لحظات، أحس بأن الأرض الترابية والعشب تحت قدميه قد اختفيا تماماً.
ورغم ذلك، لم يسقط.
كانت قدماه ثابتتين، وكأنه يقف فوق فراغٍ غير مرئي.
تسارعت أنفاسه، وشعر ببرودة خفيفة تحيط بجسده من كل جانب، بينما أخذت الأصوات من حوله تتلاشى تدريجياً.
اختفى خرير النهر.
واختفى صوت الرياح.
حتى نبضات قلبه بدت بعيدة.
وفجأة...
عاد الإحساس بالأرض من جديد.
لكنها لم تكن الأرض نفسها.
كانت أكثر نعومة وكثافة.
عشب قصير ورطب يلامس قدميه الحافيتين.
فتح ماتيو عينيه ببطء.
واتسعتا بدهشة.
وجد نفسه في سهلٍ واسع يمتد إلى ما لا نهاية.
أعشاب خضراء تغطي الأرض بأكملها، تتخللها أشجار ضخمة تفصل بينها مسافات منتظمة، وكأن أحداً زرعها بعناية فائقة.
لكن أكثر ما جذب انتباهه لم يكن الأشجار.
بل تلك الأضواء الصفراءالصفراء الصغيرة التي ملأت المكان.
كانت تحلق فوق العشب بهدوء.
صغيرة جداً.
تشبه النجوم التي سقطت من السماء واستقرت على الأرض.
أضاءت المكان بضوءٍ خافت منح المشهد جمالاً ساحراً ومخيفاً في الوقت نفسه.
استدار ماتيو نحو الرجل وقال بصوتٍ يحمل دهشة طفلٍ يرى العالم لأول مرة:
"هذا المكان... جميل."
لكن الرجل لم يُبدِ أي اهتمام.
ظل ينظر إلى الأفق البعيد بعينيه البنفسجيتين الهادئتين.
ثم قال ببرود:
"لا تتحرك كثيراً."
توقف ماتيو ونظر إليه باستغراب.
أكمل الرجل:
"هذا المكان ليس كما تظن."
انعقد حاجبا ماتيو.
"إذاً... لماذا أحضرتني إلى هنا؟"
صمت الرجل للحظة.
ثم أجاب:
"العرض الذي أحضرتك من أجله لم يبدأ بعد."
لم يفهم ماتيو معنى كلماته.
لكن فضوله كان أكبر من خوفه.
بدأ يتحرك ببطء فوق العشب، يتأمل الأضواء الزرقاء والأشجار الغريبة من حوله.
شعر بالراحة. لم يكن هناك من يحدق به أو يهمس عنه بسوء
فجأة، ناداه الرجل.
التفت إليه ماتيو.
وسأله الرجل:
"هل تؤمن بالسحر؟"
فكر ماتيو قليلاً.
ثم نظر إلى المكان من حوله.
وقال بابتسامة خفيفة:
"بعدما رأيت هذا... أظن أنني أؤمن به."
أشار الرجل بصمت نحو قدميه.
أنزل ماتيو بصره.
واتسعت عيناه بدهشة.
لم يعد حافي القدمين.
كان يرتدي حذاءً جديداً لم يره من قبل.
تراجع خطوة وهو يحدق فيه بعدم تصديق.
وقبل أن يتمكن من طرح أي سؤال...
دوى صوت أجراس عميق في الأرجاء.
تجمد ماتيو في مكانه.
رنّ الصوت مرة أخرى.
ثم تبعته ألحان هادئة وغامضة، كأنها تنبع من الهواء نفسه.
لم يستطع تحديد مصدرها.
كانت جميلة.
وحزينة.
ومخيفة.
في آنٍ واحد.
ثم بدأت أصواتٌ أخرى تتعالى.
أصوات أشخاص يغنون معاً.
لكن دون كلمات.
مجرد ألحان شجية تحمل في طياتها حزناً عميقاً.
شعر ماتيو بقشعريرة تسري في جسده.
رفع نظره نحو الرجل.
فوجده يسير إلى الأمام بهدوء.
أسرع خلفه.
وبعد صمتٍ طويل، تحدث الرجل أخيراً:
"إنها أصوات أرواح."
توقف ماتيو عن السير.
أما الرجل فأكمل:
"أرواح تغني لمن عبروا إلى الحياة الأخرى."
رفع بصره نحو السماء.
"ولمن نسيهم الأحياء."
ساد الصمت للحظة.
ثم تابع:
"يفعلون ذلك ليخففوا عن أنفسهم ألم الوحدة."
أخفض رأسه قليلاً.
"لكن أحياناً... تدرك بعض الأرواح أن لا أحد سيعود من أجلها."
خفت صوته أكثر.
"عندها يبدأ الظلام بالتسلل إليها."
شعر ماتيو بالانقباض.
وسأل:
"وماذا يحدث بعدها؟"
أجاب الرجل:
"تتحول إلى أرواح شريرة."
مرت الأضواء الزرقاء حولهما ببطء، بينما تابع:
"تبقى عالقة في منازلها القديمة."
"أو تصبح خطراً حقيقياً على البشر."
ظل ماتيو صامتاً للحظات.
ثم سأل:
"وهل يوجد حل لإنقاذها؟"
توقف الرجل عن السير.
وأخذ نفساً عميقاً.
ثم سأله دون أن يلتفت إليه:
"ما رأيك أنت؟"
فكر ماتيو قليلاً.
لكنه لم يجد جواباً.
عندها قال الرجل:
"لكل شيء حل."
ساد الصمت.
ثم أضاف بنبرة باردة:
"لكنني لا أحب ذلك الحل."
التفت ببطء نحو ماتيو.
وفي تلك اللحظة...
تغيرت ملامحه.
أصبح وجهه أكثر شحوباً.
وتوهجت عيناه البنفسجيتان بضوءٍ مخيف.
بدت حدقتاه أضيق.
وأطول.
وكأنهما عينا مفترس يراقب فريسته.
أما أنيابه، فقد أصبحت أكثر وضوحاً وحدة.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة.
ابتسامة شخصٍ يستمتع بشيء لا ينبغي لأحد أن يستمتع به.
قال بصوتٍ منخفض:
"لأنني... أستفيد من ذلك الظلام."
شهق ماتيو.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
ثم أخرى.
شعر بالبرد يتسلل إلى أطرافه.
ومنذ لقائهما...
شعر بالخوف منه حقاً في تلك اللحظة.
لكن الرجل لم يتحرك.
اكتفى بالنظر إليه بتلك العينين المتوهجتين.
Yara yara alaa yara