لم يجب الشرطي مباشرة.
ظل ينظر إلى المدير لثوانٍ، محاولًا أن يقرأ ما يدور خلف تلك الابتسامة الباردة التي لم تغادر وجهه. كان يعلم أن موافقة هذا الرجل لا تأتي مجانًا، وأن كل كلمة ينطق بها تخفي وراءها مصلحة لا تظهر للعلن.
نهض المدير ببطء من مقعده، واتجه نحو النافذة المطلة على ساحة المركز. وقف واضعًا يديه خلف ظهره، يراقب رجال الشرطة وهم يتحركون في الخارج، ثم قال دون أن يلتفت إليه:
— أخبرني... هل تثق بذلك الرجل إلى هذه الدرجة؟
أجاب الشرطي بثبات:
— أكثر مما أثق بكثير من الناس.
ابتسم المدير ابتسامة خافتة.
— إجابة جريئة.
— إنها الحقيقة يا سيدي.
ساد الصمت من جديد، ولم يكن يُسمع داخل الغرفة سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط.
تنهد المدير تنهدًا خفيفًا، ثم استدار ببطء حتى واجه الشرطي مرة أخرى.
— إن كنت تعرفه كما تقول، فلا بد أنك تعلم أن الطفل أصبح الآن تحت حماية القانون، وليس من حقي أن أسمح لأي شخص بالدخول إليه.
أومأ الشرطي برأسه.
— أعلم ذلك جيدًا، ولذلك لم آتِ لأجادلك في القانون، بل لأطلب استثناءً إنسانيًا.
تقدم المدير خطوة واحدة، ثم استند إلى حافة مكتبه.
— وما الذي يجعلني أمنحه هذا الاستثناء؟
تنفس الشرطي بعمق وقال:
— لأن الطفل لا يعرف أحدًا في هذه القرية. أما ذلك الرجل، فقد خاطر بنفسه وهو يحمله باحثًا عن مكان آمن له. لم يتركه في الطريق، ولم يتخلَّ عنه رغم أنه لم يكن ملزمًا بذلك. أعتقد أن أقل ما يستحقه هو أن يطمئن عليه بنفسه او على الاقل اترك امهامه.
ظل المدير صامتًا.
ثم قال بصوت منخفض:
— يبدو أنك تدافع عنه وكأنه أحد أفراد عائلتك.
ابتسم الشرطي ابتسامة بسيطة.
— ليس قريبًا لي... لكنه رجل يستحق أن أقف إلى جانبه.
اقترب المدير من مكتبه مرة أخرى، وأخرج سيجارة فاخرة من علبتها الفضية، ثم أشعلها ببطء، قبل أن ينفث دخانها في أرجاء الغرفة.
راقب الشرطي المشهد بصمت، بينما كان يدرك أن الرجل يتعمد إطالة الوقت، وكأنه يستمتع بجعله ينتظر.
وبعد لحظات قال المدير:
— حسنًا... سأسمح له بالدخول.
ارتسمت على وجه الشرطي ملامح ارتياح واضحة، لكنه لم يكد يتحدث حتى رفع المدير إصبعه مقاطعًا إياه.
— لكن بشروط.
عاد التوتر إلى ملامح الشرطي.
— أستمع إليك يا سيدي.
قال المدير وهو ينظر إليه مباشرة:
— أولًا، ستكون الزيارة قصيرة جدًا، ولن تتجاوز بضع دقائق.
أومأ الشرطي.
— موافق.
— ثانيًا، لن يتحدث مع الطفل في أي شأن يتعلق بالتحقيق، ولن يحاول معرفة أي تفاصيل مما حدث.
— هذا مفهوم.
ثم اقترب المدير أكثر، وانخفض صوته حتى أصبح أشبه بالهمس.
— أما الشرط الثالث... فهو الأهم.
تصلبت ملامح الشرطي.
ابتسم المدير ابتسامة جانبية وقال:
— إذا سأل أحد كيف حصل على هذا الإذن... فلن يُذكر اسمي، ولن يُقال إنني خالفت التعليمات. ستبدو الزيارة وكأنها تمت بإجراء اعتيادي لا أكثر.
فهم الشرطي المقصود.
كان المدير يريد أن يحافظ على صورته أمام الجميع، حتى وإن خالف القانون من أجل مصلحته الخاصة.
أجاب بهدوء:
— لن يعلم أحد بذلك.
هز المدير رأسه راضيًا.
— ممتاز.
فتح أحد أدراج مكتبه، وأخرج ورقة صغيرة، ثم كتب عليها بضعة أسطر، وختمها بختم المركز الرسمي.
ناولها للشرطي قائلًا:
— أعطِ هذه للحارس الموجود أمام غرفة الطفل، وسيسمح له بالدخول.
أخذ الشرطي الورقة بكلتا يديه.
— أشكرك يا سيدي.
وقبل أن يغادر، أوقفه المدير مرة أخرى.
— لحظة.
التفت الشرطي نحوه.
قال المدير وهو يحدق في عينيه:
— أخبر ذلك الرجل... أنني لا أحب أن أكرر معروفًا مرتين.
فهم الشرطي الرسالة جيدًا.
لم يكن ذلك تهديدًا مباشرًا، لكنه كان تحذيرًا واضحًا بأن الفرصة لن تتكرر.
أدى التحية العسكرية مرة أخيرة، ثم استدار نحو الباب.
فتح الباب بهدوء، وغادر المكتب دون أن يلتفت خلفه.
ما إن خرج إلى الرواق حتى أطلق زفرة طويلة كان يحبسها منذ دخوله.
نظر إلى الورقة المختومة بين يديه، ثم قبض عليها بحذر، وكأنها أصبحت أثمن ما يملكه في تلك اللحظة.
لم يضيع ثانية واحدة.
أسرع في السير عبر الممر الطويل، ثم خرج من باب المركز الرئيسي.
في الخارج، كانت أعين جان وسندرا معلقة بباب المبنى منذ لحظة دخوله.
وما إن لمحاه يخرج حتى نهض جان من مكانه بسرعة، بينما اتجهت إليه سندرا بخطوات مترددة، تحاول قراءة ملامحه قبل أن تسمع منه كلمة واحدة.
توقف الشرطي أمامهما، ونظر إليهما للحظات دون أن يتحدث.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة، ومد يده بالورقة المختومة نحو جان قائلًا:
— يبدو أن الطريق أصبح مفتوحًا... لكن لا تضيعا هذه الفرصة.
Yara yara alaa yara