ماتيو واقفًا في مكانه حتى اختفت السياره تمامًا خلف المنعطف الحجري والترابيواتساب.
كانت الغبار التي أثارتها العجلات ما تزال عالقة في الهواء، بينما بقيت كلمات إيلييات تتردد داخل رأسه.
**"لا تترك والدتك وحدها هذه الأيام."**
خفض نظره إلى الأرض.
ثم استدار ببطء نحو المنزل.
كانت سندرا ما تزال تتحدث مع إحدى الجارات قرب السور الخشبي، تضحك بين الحين والآخر وكأن العالم بخير تمامًا.
راقبها ماتيو للحظات.
ثم تنهد.
لو أخبرها الآن بكل ما سمعه، فلن تصدقه.
بل ربما تظن أنه تأثر بقصص الأطفال أو أن إيلييات كانت تمزح معه.
لهذا قرر أن يحتفظ بالأمر لنفسه.
في الوقت الحالي على الأقل.
---
مرّ باقي اليوم بهدوء.
غادر الضيوف جميعًا تقريبًا.
وعادت الحياة داخل المنزل إلى طبيعتها المعتادة.
كانت سندرا تنظف بعض الأكواب المتبقية في المطبخ بينما كان ماتيو يجلس على الطاولة يراقبها.
وبين الحين والآخر كان ينهض ليساعدها في حمل شيء أو إعادته إلى مكانه.
توقفت سندرا فجأة عن العمل.
ثم نظرت إليه بعينين ضيقتين.
— ماتيو.
انتفض قليلًا.
— نعم؟
— لماذا تتبعني منذ ساعتين؟
تجمد في مكانه.
— أنا لا أتبعك.
رفعت حاجبها.
— حقًا؟
— نعم.
— إذن لماذا دخلت المطبخ خمس مرات؟
فكر للحظة.
ثم أجاب بثقة:
— كنت عطشانًا.
— خمس مرات؟
— الجو حار.
حدقت فيه لثوانٍ.
ثم انفجرت ضاحكة.
أما هو فأشاح بوجهه متظاهرًا بالانزعاج.
لكنه شعر بالارتياح عندما رأى ضحكتها.
---
في المساء، وبعد انتهاء الأعمال المنزلية، صعدت سندرا إلى العلية.
وكان ماتيو خلفها مباشرة.
جلست قرب النافذة وبدأت تمشط شعرها الطويل.
أما هو فجلس على الأرض قرب السرير.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت فجأة:
— هل أعجبتك إيلييات؟
كاد ماتيو يختنق بالهواء.
— ماذا؟!
ازدادت ابتسامتها اتساعًا.
— مجرد سؤال.
— لا!
— حقًا؟
— نعم!
ضحكت وهي تكمل تمشيط شعرها.
— إذن لماذا كنت تنظر إليها طوال الوقت؟
احمر وجهه فورًا.
— كنت أتحدث معها فقط!
— بالطبع.
أجابت بنبرة جعلته يعرف أنها لا تصدقه إطلاقًا.
فألقى الوسادة عليها بغضب.
لتنفجر ضاحكة أكثر.
ولأول مرة منذ يومين شعر أن الأمور عادت طبيعية قليلًا.
لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.
---
في منتصف الليل تقريبًا...
استيقظ ماتيو فجأة.
لم يعرف السبب.
لم يكن هناك صوت مرتفع.
ولا كابوس.
فقط شعور غريب.
جلس على سريره ببطء.
كانت العلية مظلمة.
والقمر يرسل خيوطًا فضية عبر النافذة.
نظر نحو سندرا.
كانت نائمة بسلام.
تنفس الصعداء.
ثم همّ بالعودة للنوم.
لكن شيئًا جذب انتباهه.
صوت.
صوت خافت جدًا.
قادم من الأسفل.
عقد حاجبيه.
واستمع جيدًا.
كانت هناك خطوات.
خطوات بطيئة وحذرة.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
في هذا الوقت؟
من يكون مستيقظًا؟
نزل من سريره بهدوء شديد.
ثم اقترب من باب العلية.
وأخذ يفتحه ببطء حتى لا يصدر أي صوت.
كانت السلالم المؤدية للأسفل مظلمة.
لكن الضوء القادم من الطابق السفلي كان كافيًا ليرى جزءًا من الممر.
وبعد لحظات...
ظهر شخص ما.
كان رجلًا.
يتحرك بحذر شديد وكأنه لا يريد إيقاظ أحد.
حبس ماتيو أنفاسه.
وحاول رؤية وجهه.
لكن الظلال أخفته.
ظل الرجل يتلفت حوله.
ثم اتجه نحو إحدى الغرف الجانبية التي نادرًا ما يدخلها أحد.
توقف أمام الباب.
وأخرج شيئًا من جيبه.
ثم فتح القفل بهدوء.
اتسعت عينا ماتيو.
لأن ذلك الباب لم يكن يُقفل عادة.
دخل الرجل إلى الغرفة.
وأغلق الباب خلفه.
ساد الصمت.
أما ماتيو فبقي واقفًا على الدرج.
وقلبه ينبض بقوة.
شيء ما أخبره أن ما رآه الآن...
مرتبط بكل ما حذرته منه إيلييات.
وللمرة الأولى منذ بدء هذه الأحداث...
وجد أمامه خيطًا حقيقيًا يمكن أن يقوده إلى الحقيقة.
Yara yara alaa yara