مرت الساعات ببطء، وانقضى النهار حتى أرخى المساء المظلم ستاره على المدينة. خيم الصمت على المستشفى، ولم يعد يُسمع سوى الأزيز الخافت للأجهزة الطبية وهمسات الرياح التي كانت تتسلل من بين النوافذ.
في حدود الساعة العاشرة مساءً، فتح ماتيو عينيه ببطء. كانت رؤيته ضبابية في البداية، ثم أخذت ملامح الغرفة تتضح أمامه شيئًا فشيئًا. أدار رأسه نحو الجانب، فرأى والدته، سندرا، غارقة في نوم متعب فوق الكرسي المجاور لسريره. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، إلا أن آثار الإرهاق بدت واضحة على وجهها، وكأنها لم تغادر مكانها منذ ساعات طويلة.
كانت إضاءة الغرفة خافتة ودافئة، تضفي على المكان هدوءًا غريبًا.
حاول ماتيو النهوض، لكنه ما إن حرك جسده حتى اجتاحه ألم حاد، فتجهم وجهه وهمس في نفسه:
"لماذا أشعر بكل هذا الألم...؟ أنا لم أتعرض لشيء."
ظل يحاول تذكر ما حدث، لكن ذاكرته كانت مشوشة، وكأن جزءًا منها قد مُحي تمامًا.
تنفس ببطء، ثم جلس على حافة السرير بحذر شديد. مد يده نحو المغذي المثبت في ذراعه، وأخذ ينزعه ببطء شديد، محاولًا ألا يؤذي نفسه أو يصدر صوتًا قد يوقظ والدته.
ما إن انتهى حتى وقف متكئًا على السرير للحظات، قبل أن يتقدم بخطوات بطيئة نحو باب الشرفة.
فتح الباب برفق.
استقبلته نسمات باردة، بينما امتدت أمامه سماء صافية بلون أزرق داكن يكاد يلامس السواد، يتوسطها قمر مكتمل يفيض بضوء باهت يغمر الشوارع الخالية. كانت الرياح خفيفة، والهدوء يلف المكان بصورة مؤلمة.
وما إن وقعت عيناه على ذلك المشهد، حتى تدفقت الذكريات إلى عقله دون استئذان.
تذكر تلك الليلة...
الليلة التي لا يزال عاجزًا عن فهمها.
كيف امتلك كل تلك الجرأة ليطلب من ذلك الكائن الغامض أن يأخذه معه؟ وكيف استطاع أن يخطو خلفه نحو ذلك المكان المجهول دون أن يتردد؟
أغمض عينيه للحظات، وأطلق زفرة طويلة، محاولًا تهدئة أفكاره المضطربة.
بدأ يتحرك يمينًا ويسارًا في الشرفة، والتوتر يزداد داخله شيئًا فشيئًا، حتى شعر بأنه لم يعد قادرًا على التماسك.
وفجأة...
تجمد في مكانه.
في الطرف الآخر من الشارع، لمح هيئة طويلة سوداء تقف وسط الظلام.
اتسعت عيناه وهو يحدق فيها بكل تركيز.
لكن...
في اللحظة التي رمش فيها بعينيه مرة واحدة، اختفت الهيئة تمامًا، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
شحب وجهه، وشعر بثقل غريب يجثم على صدره.
تمتم بصوت منخفض:
"لماذا يحدث لي كل هذا...؟ إذا استمر الأمر هكذا، فلن أصل إلى العاشرة من عمري إلا وقد فقدت عقلي."
ظل ينظر إلى الشارع للحظات، لكنه لم ير شيئًا آخر.
في تلك الأثناء، كان جان يبذل كل ما في وسعه لإيجاد طريقة يعيد بها ماتيو إلى حياته الطبيعية دون أن يخضع لتحقيق رسمي. وبعد سلسلة من المحاولات، بدأ يحقق بعض التقدم، وإن كان الطريق لا يزال طويلًا.
أما ماتيو، فقد غلبه الإرهاق أخيرًا، فعاد إلى سريره واستسلم للنوم مرة أخرى.
---
حل الصباح التالي، وتسربت أشعة الشمس برفق عبر نافذة الغرفة.
فتحت سندرا عينيها ببطء، ثم التفتت مباشرة نحو ابنها.
كان نائمًا بسلام، يتنفس بهدوء، لكن ما لفت انتباهها فورًا هو المغذيات الملقاة على الأرض بجانب السرير.
اتسعت عيناها بفزع.
نهضت بسرعة، وأخذت تتأمل ذراع ماتيو بقلق شديد.
لم تكن تعلم إن كان نزعه لها قد أضر بحالته أم أنه لم يسبب أي مشكلة، لكن مجرد رؤيتها لذلك المشهد كان كافيًا ليزرع الخوف في قلبها.
في تلك اللحظة، دخلت إحدى الممرضات إلى الغرفة وهي تحمل ملفًا طبيًا.
ابتسمت ابتسامة مهنية خفيفة وقالت:
— صباح الخير، سيدتي.
رفعت سندرا رأسها نحوها، ولا يزال القلق واضحًا على ملامحها، ثم أجابت بصوت خافت:
— صباح الخير.
أومأت الممرضة برأسها، وتقدمت بخطوات ثابتة نحو السرير.
لكن ما إن وقع بصرها على المغذيات الملقاة على الأرض حتى عقدت حاجبيها.
التفتت إلى سندرا وسألت:
— هل أنتِ من نزعتها من يده؟
هزت سندرا رأسها نفيًا وقالت بسرعة:
— لقد استيقظت لتوي... ولم أنتبه إلى أنه نزعها.
لم تعلق الممرضة، واكتفت بإعادة فحص ماتيو بعناية، ثم أعادت تثبيت المغذيات في يده بحركات هادئة ومتقنة.
بعد أن انتهت، نظرت إلى سندرا وقالت بنبرة جادة:
— لا تسمحي له بنزعها مرة أخرى.
ثم وجهت نظرها نحو ماتيو واقتربت من السرير.
وفي تلك اللحظة...
تحركت أصابع الصبي قليلًا، ثم فتح عينيه ببطء، معلنًا استيقاظه من جديد.
Yara yara alaa yara