مرّ الطريق إلى المنزل ثقيلاً على كلٍّ من سندرا وماتيو.
فبعد الأحداث التي وقعت قبل دقائق قليلة، بدا العالم من حولهما وكأنه فقد صوته.
لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما الخافتة وهدير الريح البعيد. لكن رغم هدوء المكان، لم يكن الخوف قد غادر قلب سندرا.
ما إن دخلا البيت حتى جلست على حافة السرير، ويداها ترتجفان دون إرادة منها. كلما تذكرت ما حدث، عاد ذلك الشعور البارد ليقبض على صدرها من جديد.
لاحظ ماتيو اضطرابها فوراً.
ظل يراقبها لثوانٍ قبل أن يتقدم ببطء نحوها. جلس إلى جانبها على السرير، ثم أحاطها بذراعيه في محاولة بسيطة ليمنحها بعض الطمأنينة.
قال بصوت خافت:
— آسف...
رفعت سندرا رأسها نحوه.
تابع وهو يشيح بنظره قليلاً:
— لكنني لا أثق به... وأعرف أنه يخطط لشيء كبير. أعلم أنني أشعرك بالتوتر، لكنني أحاول حمايتك.
توقف لحظة ثم أضاف بجدية أكبر:
— وهناك شيء أخير أريد قوله... لا تذهبي معه أبداً، ولا تسمعي كلامه. أنتِ باب نحو تغيير كبير في هذه القرية، وإذا خرجتِ منها فسيحدث أمر لا أفهمه بالكامل... لكنه لن يكون جيداً.
ساد الصمت.
كانت الدموع متجمدة في عيني سندرا، عاجزة عن السقوط، وكأن الحزن نفسه لم يعد يعرف طريقه للخروج.
وأخيراً قالت:
— لا تقلق... لن أفعل ذلك.
ثم تنهدت وأكملت:
— لكن في المرة القادمة أخبرني فقط. لا تتصرف من تلقاء نفسك. إذا أردت أن تسأل أحداً أو تعرف شيئاً، تعال إليّ أولاً.
هز ماتيو رأسه.
وفي تلك اللحظة بالذات، ظهرت في ذهنه فكرة ظلّت تطارده منذ مدة طويلة.
*"هل أنا ابنك الحقيقي؟ أم أنني متبنّى كما أخبرني جان ذات مرة؟"*
كادت الكلمات تخرج من فمه.
شعر بها ترتفع حتى وصلت إلى حلقه، لكنها توقفت هناك، عالقة كشوكة صبار خشنة لا يستطيع ابتلاعها ولا إخراجها.
في النهاية اكتفى بالابتسام وقال:
— لا تقلقي فقط.
كانت ابتسامة صغيرة، لكنها حملت كل ما عجز عن قوله.
هدأت سندرا قليلاً، ثم نهضت واتجهت نحو المغسلة لتغسل وجهها.
وفي تلك الأثناء...
دوّى طرق عنيف على الباب.
التفت الاثنان في الوقت نفسه.
وما إن فُتح الباب حتى ظهر جان.
كان وجهه شاحباً ومشدوداً، وعيناه ممتلئتين بالصدمة والغضب. نظر إلى سندرا أولاً، ثم أخذ يمسح الغرفة بعينيه حتى وقع بصره على ماتيو.
عندها تبدلت ملامحه بالكامل.
اندفع نحوه بخطوات سريعة ورفع يده.
لكن قبل أن تصل إليه، وقفت سندرا بينهما.
— توقف!
صاحت بقوة.
— ماذا تفعل؟!
حاول جان تجاوزها.
— ابتعدي.
— من تظن نفسك حتى ترفع يدك عليه؟! هل لأنّه أبعد صديقك القذر عني؟
لم يهتم جان بكلامها.
كان الغضب قد أعماه.
حاول دفعها جانباً للوصول إلى ماتيو، لكنها هذه المرة دفعته بكل قوتها حتى تراجع خطوة إلى الخلف.
وأشارت نحو الباب وهي تصرخ:
— اخرج!
ارتفع صوتها أكثر:
— اخرج حالاً!
ظل جان يحدق فيهما للحظات.
أما ماتيو فكان ينظر إليه بنظرة غريبة.
نظرة باردة...
ومليئة بالاحتقار.
وأخيراً، وبعد دقائق بدت أطول من اللازم، استدار جان وغادر المنزل.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى أسرعت سندرا وأحكمت إغلاقه.
ثم استندت إليه.
شهقت.
واحدة...
ثم أخرى...
قبل أن تنفجر بالبكاء.
شعر ماتيو بشيء ثقيل يضغط على صدره.
شعر أنه السبب.
أنه جلب لها كل هذا الألم.
وفجأة...
سمع تلك الهمسات مجدداً.
الهمسات نفسها التي كانت ترافقه أحياناً.
قالت له بصوت خافت:
*"ابتعد..."*
هذه المرة لم يعترض.
بل نفذ ما سمعه.
اتجه نحو الشرفة وجلس هناك بصمت.
رفع رأسه إلى السماء.
كانت مغطاة بالغيوم الرمادية، حزينة وثقيلة كقلبه تماماً.
ظل يتأملها طويلاً.
وطويلاً جداً...
حتى بدأ يشعر بشيء من الراحة.
ثم دون أن ينتبه، غلبه النعاس.
وغرق في نوم عميق.
---
عندما استيقظ، كان كل شيء مظلماً.
حلّ الليل.
نهض ببطء وهو يشعر بألم في جسده من النوم على الأرض الباردة.
تثاءب ثم توجه نحو الباب المؤدي إلى الداخل.
أدار المقبض.
لكنه لم يتحرك.
تجمد في مكانه.
الباب مغلق.
رفع نظره نحو النافذة.
حتى الستار كان مغلقاً.
رمش عدة مرات غير مصدق.
هل وصلت والدته إلى هذه الدرجة من الغضب؟
طرق الباب بخفة.
— أمي؟
لا رد.
طرق مرة أخرى.
— أمي؟
ما زال الصمت.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه.
ازدادت الطرقات قوة.
ومع كل ثانية تمر كانت الأفكار السيئة تتكاثر في رأسه.
ربما أغمي عليها...
ربما عاد جان مرة أخرى...
أو ربما...
غادرت حقاً.
لأول مرة في حياته، قرر أن يفعل شيئاً لم يفكر به من قبل.
استنجد بتلك الأصوات.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم مرات كثيرة.
أغمض عينيه بقوة.
وفجأة شعر بنسيم بارد يمر بجانبه.
كأن شيئاً ما يقف بالقرب منه.
تسارعت أنفاسه.
ثم قال بصوت مرتجف:
— أرجوك... ساعدني على الدخول.
لم يحدث شيء.
ساد الصمت.
لكن بعد لحظة قصيرة جداً، سمع صوتاً واحداً فقط.
صوتاً واضحاً هذه المرة.
*"افتح الباب."*
فتح ماتيو عينيه.
ودفع الباب بحذر.
فُتح فوراً.
تجمد للحظة من شدة المفاجأة.
ثم اندفع إلى الداخل.
ركض نحو الغرفة المضاءة.
وهناك...
وجد سندرا.
كانت مستيقظة.
جالسة على الكرسي.
ومتكئة عليه بهدوء.
توقف مكانه.
إذن...
كانت تسمعه طوال الوقت.
وكانت قادرة على فتح الباب.
لكنها لم تفعل.
شعر بوخزة مؤلمة في قلبه.
أول مرة تتركه وحيداً في البرد هكذا.
أول مرة لا تأتي إليه.
رفع رأسه نحوها وسأل بصوت خافت:
— أما زلتِ غاضبة مني؟
لم تنظر إليه.
ولم تجب إلا بكلمة واحدة:
— اتركني.
ساد الصمت بينهما.
شعر ماتيو وكأن تلك الكلمة كانت أثقل من أي صراخ.
خفض رأسه.
وفي تلك اللحظة، تمنى لو أنه لم يستيقظ من نومه أصلاً.
تمنى لو بقي نائماً تحت تلك السماء الرمادية.
قال بصوت بالكاد سُمع:
— ليتني لم أخف عليك...
ثم استدار.
وعاد نحو المكان الوحيد الذي كان يشعر فيه ببعض السكينة.
الشرفة.
راقبته سندرا وهو يبتعد.
التفتت نحوه للحظة قصيرة.
بدت وكأنها تريد أن تناديه.
أن توقفه.
أن تقول شيئاً.
لكن الكلمات لم تخرج.
فعادت تنظر إلى الأمام بصمت.
بينما اختفى ماتيو في ظلام الشرفة، وحيداً تحت سماء الليل الباردة.
Yara yara alaa yara