مرّت ساعات أخرى ثقيلة، حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد أصابه الإرهاق.
في أنحاء القرية، كان التعب قد نال من الجميع. خفّت حركة البحث شيئًا فشيئًا، خاصة بعدما اشتدّ الحر فجأة، وكأن الشمس قررت أن تزيد من قسوة ذلك اليوم.
كان ذلك اليوم أيضًا بداية العام الدراسي، لكن أحدًا لم يعد يفكر في المدارس أو الحقائب الجديدة أو ضحكات الأطفال في الطرقات.
كان ماتيو مفقودًا منذ ثلاثة أيام متواصلة.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة البحث؛ فقد تدخلت محميات عدة من قبائل أخرى، وجاء أشخاص من القرى والمناطق المجاورة للمساعدة. ومع ذلك، لم يظهر أي أثر له.
وفي مكان بعيد عن كل ذلك، كان ماتيو ينتقل من مكان إلى آخر برفقة الرجل الغامض.
وبعد رحلة طويلة، وصلا أخيرًا إلى مكان لم يتخيل يومًا أنه قد يراه.
كانت تلك أرض آرڨون.
اتسعت عينا ماتيو بدهشة وهو يتأمل المشهد أمامه. كانت الأرض شاسعة ومزدحمة بالحياة؛ منازل كبيرة وأنيقة تصطف في أحياء منظمة، وسيارات فاخرة تعبر الشوارع الواسعة المزينة بالأشجار المشذبة بعناية.
المتاجر الراقية تملأ المكان، والأضواء تلمع في كل زاوية.
والمطاعم التي تطلق روئح الطعام الشهي.
بدا كل شيء مختلفًا.
مختلفًا تمامًا عن قريته الكبيره دون فائده.
التفت إلى الرجل وقال بصوت خافت:
— هذا المكان... يبدو وكأنه عالم آخر.
نظر إليه الرجل بهدوء قبل أن يجيب:
— إنه بالفعل عالم مختلف.
ثم أردف بعد لحظة صمت:
— وبالحديث عن ذلك... ألم تشتق إلى القرية؟
تجهم وجه ماتيو فورًا.
في خضم كل ما رآه، كان قد نسي للحظة واحدة فقط.
لكن السؤال أعاد إليه كل شيء.
أمه والبيت.
والأشخاص الذين تركهم خلفه.
تمتم بصوت متردد:
— كم مرّ من الوقت منذ غادرنا؟
رمقه الرجل بعينيه المخيفتين، ثم قال:
— تذكرت أمرًا مهمًا.
صمت قليلًا قبل أن يكمل:
— نحن ننتقل بين الأماكن بطريقة تجعل الوقت يمر بشكل مختلف. بالنسبة لك، لم تبتعد عنهم سوى يوم واحد.
توقف للحظة، ثم أضاف:
— أما بالنسبة للقرية... فأنت غائب منذ ثلاثة أيام ونصف.
سقطت الكلمات على ماتيو كالصاعقة.
شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، وأن جسده كله أصبح أثقل فجأة.
ارتجفت ساقاه، وتجمعت الأسئلة والمخاوف في رأسه دفعة واحدة.
كيف ستكون أمه الآن؟
هل ما زالت تبحث عنه؟
هل تعتقد أنه تخلى عنها؟
رفع الرجل رأسه نحو الأفق، حيث كان قصر ضخم يلوح من بعيد.
ثبت نظره عليه لثوانٍ طويلة قبل أن يقول أخيرًا:
— لا تقلق... سأساعدك.
رفع ماتيو رأسه نحوه بسرعة.
— ماذا تقصد؟
أجابه الرجل بصوت هادئ:
— سأساعدك على العودة وكأن شيئًا لم يحدث.
ثم اقترب منه قليلًا وأردف:
— لذلك، اتبع ما سأفعله تمامًا.
وصمت للحظة قبل أن يضيف بنبرة جادة:
— ونصيحة لك... في يوم من الأيام، إياك أن تقترب من ذلك القصر.
تبع ماتيو اتجاه نظره نحو القصر البعيد، لكنه لم يهتم كثيرًا.
لم يكن يشغل تفكيره سوى شيء واحد.
أمه.
كان متأكدًا أنها تعيش أسوأ أيام حياتها.
تنفس بعمق وقال:
— أنا أثق بما ستفعله.
في تلك اللحظة، شعر بنعاس غريب يتسلل إلى جسده.
بدأت رؤيته الصافية تصبح ضبابية شيئًا فشيئًا، حتى اختفت ملامح المكان من حوله تمامًا.
وفي الجهة الأخرى، كانت سندرا تقف وحدها داخل العلية الفارغة.
بدا المكان مختلفًا بشكل مؤلم.
خاليًا من الكلمات.
خاليًا من السعادة التي كانت تملؤه دائمًا.
لا ضحكات عفوية، ولا أصوات أقدام صغيرة تركض بين الزوايا.
ساد الصمت كل شيء.
جلست بصمت وهي تشعر بثقل هائل فوق صدرها.
كانت تخشى أن يعرف ماتيو الحقيقة.
كانت تخشى أن يعلم أنها ليست أمه الحقيقية.
لكنها أدركت الآن، وبمرارة قاسية، أنها خسرته بالفعل قبل أن يعرف.
لقد تحمل الكثير...
أكثر مما يجب لطفل في عمره.
تنهدت ببطء، ثم أخرجت الكاميرا التي كانت تخفيها.
تلك الكاميرا نفسها التي التقط بها ماتيو صور الخرائط والمستندات والصور الغامضة.
تأملتها للحظات قبل أن تنهض.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم نزلت إلى الطابق السفلي وهي تحملها بيد مرتجفة.
بدأت تنادي على جان.
وبعد لحظات، ظهر أمامها.
كان القلق واضحًا على وجهه.
مدت يدها نحوه وأعطته الكاميرا.
طلبت منه أن يرى الصور الموجودة بداخلها.
ما إن بدأ بتفقدها حتى تجمدت ملامحه تمامًا.
بدا وكأنه رأى شبحًا.
ثم قال بصوت منخفض:
— لقد أخرجت نفسي من هذا الأمر منذ أن علمت أنه سيسبب المشاكل للآخرين.
وبدأ يبرر موقفه محاولًا تفسير ما حدث.
أما هيلين، فبقيت صامتة.
لم تستطع التدخل.
كان الخوف يسيطر على الجميع.
وأخيرًا، تنهد جان وأشار لسندرا أن تتبعه.
قادها نحو الباب وفتحه.
اتسعت عيناها بصدمة.
كان كل شيء في الخارج محترقًا.
نظر إليها جان وقال بحزم:
— لن أشارك مرة أخرى في أي شيء قد يؤذي أحدًا.
ثم صمت قليلًا قبل أن يسألها:
— لكن كيف دفعك الفضول إلى دخول ذلك المكان؟
أخفضت سندرا رأسها للحظات، ثم قالت بصوت مرتجف:
— أنا لم أفعل أي شيء من هذا.
رفعت الكاميرا قليلًا وأكملت:
— القصة أنني لاحظت في أحد الأيام أن ماتيو كان يتصرف بغرابة.
توقفت للحظة، ثم أضافت:
— وعندما التفتُّ إليه، وجدت هذه الكاميرا تحت وسادته.
أخذتها دون أن أخبره.
وبعدها لاحظت أنه كان يبحث عنها كثيرًا.
تنهدت بصعوبة قبل أن تكمل:
— وعندما فتحتها لأرى ما بداخلها... وجدت كل هذه الصور.
ارتجف صوتها وهي تقول:
— في الحقيقة، لم يخبرني بشيء... ولم يسألني .
لقد فعل كل شيء بنفسه.
Yara yara alaa yara