مرت بضع دقائق ثقيلة، بينما بقي ماتيو ساكنًا في مكانه دون أن يتحرك.
كان الصمت يحيط به من كل جانب، وكل دقيقة تمر عليه بدت وكأنها ساعة كاملة.
لم يتركه التفكير لحظة واحدة، وظلت الأسئلة تدور في عقله بلا توقف.
في النهاية عقد حاجبيه بتردد، ثم نهض متجهًا نحو الطابق السفلي.
عندما وصل، أدرك أن هذا اليوم لم يكن يومًا عاديًا. كان هناك أمر مهم يُحتفل به، لكنه لم يكن يعلم ما هو بالضبط.
لم يسبق له أن شهد تجمعًا كهذا من قبل.
كان المنزل ممتلئًا بأشخاص لا يعرفهم، إلى جانب أفراد القرية والجيران الذين توافدوا تباعًا.
ورغم اتساع المنزل، إلا أنه بدا مكتظًا حتى كاد لا يرى شيئًا بوضوح بين الحشود.
وبينما كان ينظر حوله بدهشة، لمحته سندرا.
أسرعت نحوه فورًا، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة لم يرَ مثلها منذ أيام.
توقفت أمامه ونظرت إليه بعينين تملؤهما السعادة.
في تلك اللحظة تردد سؤال في عقل ماتيو.
هل أسألها؟
كان الفضول ينهشه من الداخل، لكنه تردد.
كانت أمه تبدو سعيدة للغاية، فهل يفسد مزاجها بأسئلته؟
لكن سندرا سرعان ما لاحظت أن وجهه ما زال متجهمًا.
اختفت ابتسامتها قليلًا وسألته بلطف:
— أأنت بخير يا ماتيو؟
رفع عينيه نحوها وسكت للحظات.
— أمي...
تعثرت الكلمات في حلقه، وكأنها ترفض الخروج.
— هل أنا...
توقف مجددًا، ثم هز رأسه وقال:
— لا شيء.
فقط...
آسف لأنني أبدو متجهمًا هذه الأيام.
تنفست سندرا براحة واضحة، ثم ضمته إلى صدرها بحنان.
— لا داعي للقلق.
لم أنزعج منك، ولن أفعل أبدًا.
ثم أمسكت بيده وقادته معها نحو المطبخ.
كان الجميع يعلم أن سندرا ماهرة في الطهي، بل إن كثيرين كانوا يرونها أفضل طاهية في القرية بأكملها.
وما إن دخلا المطبخ حتى قالت إحدى النساء مبتسمة:
— أنت تعيش مع أفضل طاهية في العالم.
نظر إليها ماتيو، وشعر بأن العبوس الذي كان يثقل ملامحه بدأ يتلاشى تدريجيًا، لتحل مكانه ابتسامة خجولة.
ضحكت سندرا وقالت بثقة:
— عندما يبلغ ماتيو العاشرة من عمره، سأفتتح مطعمًا كبيرًا.
تذكر ماتيو الأحلام الكثيرة التي كان يبنيها مع أمه عن المستقبل، فارتسمت على وجهه ابتسامة حقيقية هذه المرة.
وقال بفخر:
— وأنا أيضًا تعلمت الطبخ معها.ابتسمت المرأة له بإعجاب ثم قالت:
— بعد مدة ليست طويلة ستدخل المدرسة.
اتسعت ابتسامته لتتحول إلى تعبير مليء بالحيرة.
— ولماذا علي الذهاب؟في تلك اللحظة دخلت إيما إلى المطبخ وقالت:
— لأن أبي سجلنا كلينا في مدرسة القرية. سندرس هناك، فهي قريبة من المنزل.
قالت ذلك بنبرة متعالية قليلًا.
كانت إيما مختلفة عن بقية أشقائها بطريقة يصعب تجاهلها.
بدا الأمر وكأنها ابنة سندرا أكثر من كونها ابنة هيلين.
شعرها الأشقر الباهت وعيناها العسليتان ورثتهما عن أمها، لكنها كانت تحمل في تصرفاتها شيئًا مختلفًا يجعلها تبدو وكأنها خليط من شخصيتين.
أما ماتيو فلم يلتفت إليها حتى، وأكمل حديثه مع المرأة وكأن إيما لم تكن موجودة من الأساس.
مر الوقت ببطء، واستمر الضيوف في الوصول.
والمثير للانتباه أن معظم من يدخل المنزل كان يتوجه أولًا إلى سندرا، حتى وهي منشغلة بالطهي واستقبال الجميع.
عندها أدرك ماتيو شيئًا مهمًا.
سندرا كانت محبوبة جدًا.
لم يشعر بالغيرة أو الانزعاج، بل شعر بسعادة خفية وهو يرى الناس يحيطون بأمه ويتحدثون عنها بمحبة واحترام.
كما أن كثيرين منهم كانوا يثنون على شكله كلما رأوه، مما كان يدفعه إلى خفض رأسه خجلًا.وفجأة خفتت الأحاديث قليلًا.
اتجهت أنظار الجميع نحو باب المنزل.
دخلت امرأة ذات شعر فضي متوسط الطول، ترتدي ملابس أنيقة وتتحرك بخطوات واثقة.
وإلى جانبها كان يسير رجل طويل القامة، ذو شعر أسود مجعد وهيئة مرتبة تلفت الانتباه وعيناه تبدو مخيفتان نوعا ما، سرعان ماغطى عيناه بالنظارات.
ورافقتهما طفلة صغيرة بدت نسخة مصغرة من الرجل بشكل مدهش، حتى إن من يراها يعلم فورًا أنها ابنته.
ساد الصمت لثوانٍ بينما تبادل الحاضرون النظرات متسائلين عن هوية الوافدين.
لكن جان تقدم نحوهما مبتسمًا وكأنه كان ينتظرهما.
رحب بهما بحرارة، ثم اتضح للجميع أن الرجل صديق قديم له منذ سنوات طويلة.
بدأ جان يعرفهما على الحاضرين واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى سندرا.
ابتسم وقال:
— وأعرفك على أول شخص دخل هذا البيت... زوجتي العزيزة الأولى، سندرا أرووس.
إنها من قبيلة أرووس.
ما إن سمع الرجل ذلك حتى اتسعت عيناه بدهشة.
كان اسمه كاريووس.
من نفس القبيله لكن من الحدود، اهله عاشو هناك واكملو حياتهم بعد ولادته في عاصمه ارض ارغون.
تقدم نحو سندرا مباشرة، ثم حياها بالطريقة التقليدية الخاصة بقبيلتهم.
تجمدت سندرا في مكانها للحظة من شدة المفاجأة، فلم تكن تتوقع أن يقابل أحدًا يعرف تلك التحية القديمة.
بعد ذلك واصل جان التعارف حتى وصل إلى ماتيو.وما إن وقع نظر كاريووس عليه حتى بدت الصدمة واضحة على وجهه.
ظل يحدق فيه لثوانٍ طويلة قبل أن يقول:
— هذا الطفل...
توقف قليلًا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
— يبدو وكأنه ليس من هذا المكان أبدًا.نظرت سندرا إليه بصدمة واضحة، وسارعت لمحاولة تغيير الموضوع.
لكن كاريووس كان ذكيًا بما يكفي ليفهم الرسالة من نظرات الحاضرين، فصمت.
إلا أن ماتيو كان قد سمع ما قاله.
رفع رأسه وسأل بهدوء:
— وإذا لم أكن من هذا المكان...
فإلى أي مكان أنتمي؟
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه كاريووس.
ثم قال وهو ينظر إليه بعينين متفحصتين:
— لأنك تشبه كثيرًا عائلة مشهورة تعيش في عاصمة أرض أرغوون.
ساد الصمت في أرجاء الغرفة.
وقتها تأكد ماتيو من وجود شيء في حياته يخفيه عنه الجميع
Yara yara alaa yara