ظل ألبرت ينظر إلى الطفل طويلًا.ثوانٍ مرت...ثم دقائق.
حتى بدا للحاضرين وكأن الزمن نفسه توقف منتظرًا قراره.
رفع بصره أخيرًا نحو سندرا.كانت عيناها معلقتين به، ممتلئتين بالخوف والأمل في آن واحد.
إلى جواره، وضعت بيث يدها على كتفه برفق.لم تقل شيئًا.لم تحاول التأثير على قراره.
كانت قد استسلمت بالفعل، وتركت الاختيار له.
أخذ ألبرت نفسًا عميقًا.ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة شاحبة.
ابتسامة رجل يحاول أن يبدو قويًا بينما ينكسر شيء داخله.وقال بهدوء
:"سأسلمك هذا الطفل."
للحظة لم يحدث شيء.
ضاعت كلماته وسط همسات الحشد وأصوات الناس المتداخلة.لكن سندرا سمعتها.سمعتها بوضوح.
واتسعت عيناها حتى كادت لا تصدق.أحقًا؟هل تحقق حلمها أخيرًا؟سنوات طويلة من الوحدة...سنوات طويلة وهي تشاهد الأطفال يكبرون من حولها بينما تبقى ذراعاها فارغتين.كل تلك السنوات كانت تحمل أمنية واحدة فقط
...أن تصبح أمًا.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إلى الطفل.أما ألبرت فاقترب منها ببطء ومد ذراعيه.
كانت تلك أصعب لحظة مر بها منذ سنوات.وكأنه يسلم قطعة من قلبه.وضع الطفل بين يديها بحذر.
ثم انحنى قليلًا ونظر إلى الصغير.وقال بصوت منخفض
:"يبدو أن مهمتي انتهت هنا."ابتسم بحزن."لكننا نعيش في القرية نفسها...
لذا من المحتمل أن نلتقي مجددًا يومًا ما
."لم يفهم الطفل الكلمات.
لكنه حدق فيه بعينيه الزرقاوين الهادئتين.نظرة جعلت قلب ألبرت يزداد ثقلًا.ثم رفع رأسه نحو سندرا.
وقد بدت أكثر حياة مما كانت عليه قبل دقائق.وكأن الضوء عاد إلى روحها فجأة.
فقال لها:"اعتني به جيدًا."
ثم أضاف مبتسمًا
:"لن يتعبك كثيرًا كما تظنين."تنهد بخفة
."إنه هادئ للغاية... لا يبكي إلا إذا جاع أو احتاج إلى التنظيف.
"ضحكت سندرا وسط دموعها.
أما ألبرت فشعر وكأن الأيام الثلاثة التي قضاها مع الطفل كانت أشهرًا كاملة.
استدار أخيرًا.ولحقت به بيث.كان قلباهما مثقلين بالحزن.
لكن كليهما كان يعلم الحقيقة.ألبرت بالكاد كان يستطيع توفير الطعام لأطفاله الثلاثة وزوجته.
عمله كبائع للأسماك لم يكن يدر عليه الكثير من المال، خصوصًا مع تناقص الأسماك في النهر عامًا بعد عام.
وكان يعلم أن الطفل سيحظى مع سندرا بحياة أكثر راحة مما يستطيع هو تقديمه.
وفجأة دوى صوت خلفه.
"يا سيدي ألبرت!"
التفت.
كانت سندرا.
تضم الطفل إلى صدرها وكأنه أثمن كنز في العالم.
وقالت بصوت مرتفع
:"يمكنك زيارته متى شئت.
"ابتسمت من خلال دموعها."
وأنا أيضًا سأزور متجرك. أعرف مكانه جيدًا في السوق.
"نظر إليها ألبرت.
ثم إلى الطفل.
ابتسم ابتسامة هادئة.لكنه لم يجد الكلمات.
فاكتفى بإيماءة صغيرة.
ثم استدار مجددًا.
ومضى نحو منزله، ذلك المنزل الذي بدا الآن أكثر هدوءًا.أكثر ظلمة.وكأن نورًا صغيرًا كان يملأ أركانه قد غادره للتو.
أما سندرا...فلم تكن ترى شيئًا من ذلك.
كانت إجراءات التبني قد بدأت.
وكان كل شيء يبدو سهلًا على نحو لا يصدق.
ستعود أخيرًا إلى منزلها ومعها طفل.
إلى غرفتها ومعها ابن.
ولن تضطر إلى مواجهة الوحدة مجددًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...شعرت أنها تملك مستقبلًا تنتظره.
وبعد انتهاء الإجراءات الرسمية كلها...بقي أمر واحد فقط.
أمر لم يفكر فيه أحد وسط كل تلك الأحداث.
الطفل...لم يكن يملك اسمًا.
نظر جان إلى زوجته وكأنه غير مهتم بالأمر.
أما هي فحدقت في وجه الصغير النائم بين ذراعيها.
كان غارقًا في نوم عميق.
هادئًا...كأنه لا يعلم أن حياته قد تغيرت بالكامل خلال ساعات قليلة.
مررت أصابعها برفق فوق شعره.ثم ابتسمت.
ابتسامة أم رأت ابنها لأول مرة.
وقالت بصوت خافت مليء بالدفء:
"اسمه سيكون..."توقفت للحظة.
ثم أكملت
:"ماتيو."
ساد الصمت.
وكأن الاسم كان ينتظر صاحبه منذ ولادته.
وفي تلك اللحظة...أصبح للطفل اسم.
وأصبحت لسندرا عائلة.
أما الطفل المجهول الذي جاء من أرض بعيدة تحمل الأسرار...فقد بدأ أخيرًا أول فصل حقيقي من حياته.
ماتيو.
Yara yara alaa yara