مرت الساعات بطيئة، حتى بدأ ضوء النهار يميل قليلًا، وكأن الزمن نفسه أصبح يراقب ما يجري في تلك القرية الصغيرة. كان الهدوء يلف المكان، إلا من أصوات متفرقة لرجال الشرطة والمتطوعين الذين لم يتوقفوا عن الحركة منذ الصباح.
في تلك الأثناء، ظهرت سيارة رسمية قادمة من الجهة الشمالية للقرية. تقدمت بثبات حتى توقفت أمام مركز الشرطة الجنوبي. وما إن انفتح بابها حتى نزل منها شرطي شاب يرتدي زيًا رسميًا أنيقًا، تعلو كتفيه شارات توحي بأنه يشغل منصبًا مهمًا في مركز الشمال.
كانت ملامحه هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الجدية التي تجعل من يراه يدرك أنه لم يأتِ في زيارة عابرة.
داخل إحدى السيارات المتوقفة غير بعيد، كان جان وسندرا يتابعان المشهد بصمت. تبادلا نظرة سريعة عندما رأيا الشرطي، لكنه لم يلتفت إليهما، ولم يحاول حتى التعرف على هويتهما. بدا وكأنه جاء لهدف محدد لا يريد أن يشتت تركيزه عنه.
أغلق باب السيارة خلفه، ثم اتجه بخطوات ثابتة نحو مدخل مركز الشرطة.
كان عدد من رجال الأمن يقفون أمام الباب الرئيسي، يتبادلون الأحاديث بصوت منخفض، لكن ما إن لمحوا الشرطي القادم من الشمال حتى تغيرت تعابيرهم قليلًا. لم يعترض أحد طريقه، ولم يسأله عن سبب حضوره، بل اكتفى الجميع بإلقاء التحية العسكرية احترامًا لمكانته.
بادلهم التحية بإيماءة بسيطة، ثم واصل سيره داخل الممر الطويل للمركز.
كانت خطواته موزونة، تعكس ثقة اكتسبها من سنوات العمل، إلا أن قلبه لم يكن هادئًا كما بدا على ملامحه. فقد كان يعلم أن الرجل الذي سيقابله ليس سهل المراس، وأن أي كلمة غير محسوبة قد تنهي الاجتماع قبل أن يبدأ.
توقف أمام باب المكتب الأكبر في نهاية الرواق.
تنفس بعمق، ثم طرق الباب ثلاث طرقات هادئة، لكنها حملت وقار رجل جاء يحمل قضية لا تحتمل المزاح.
لم يطل الانتظار.
جاءه صوت خشن من الداخل، يقول باقتضاب:
— تفضل.
فتح الباب بهدوء، ثم دخل بخطوة واحدة فقط قبل أن يغلقه خلفه بعناية.
تقدم خطوتين إلى الأمام، ثم أدى التحية العسكرية بكل احترام.
خلف المكتب الخشبي الفاخر جلس مدير مركز الشرطة الجنوبي.
كان رجلًا تجاوز الخمسين من عمره، ممتلئ الجسد، يرتدي ملابس باهظة الثمن بعناية لافتة، بينما امتلأت الغرفة برائحة دخان السجائر الفاخرة والتبغ الثقيل، حتى بدا الهواء نفسه مثقلًا بها.
لم يكن الرجل يخفي طبيعته المتعجرفة. كانت نظراته الباردة توحي بأنه اعتاد أن تُلبى أوامره دون نقاش، وأن المال بالنسبة إليه أصبح لغة يفهمها أكثر من أي شيء آخر. أما هموم سكان القرية، فلم تكن تشغل من وقته إلا القدر الذي يضمن له الحفاظ على منصبه ومصالحه.
رفع عينيه نحو الشرطي القادم من الشمال، وتأمله لثوانٍ طويلة قبل أن يشير إلى الكرسي المقابل.
— اجلس.
شكره الشرطي بإيماءة بسيطة، ثم جلس محافظًا على استقامة ظهره، محاولًا أن يبدو هادئًا رغم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى داخله.
ساد صمت قصير.
ثم مال المدير إلى الخلف، وشبك أصابعه فوق بطنه، وقال بنبرة تحمل شيئًا من السخرية:
— أخبرني... ما الذي جاء بك إلى هنا؟ هل عدتم تطلبون تعاونًا جديدًا بين الشمال والجنوب؟ أم أنك حضرت لتستفسر عن الطفل الذي عُثر عليه مؤخرًا؟
ابتلع الشرطي ريقه بصعوبة، لكنه لم يسمح لتوتره بأن يظهر على ملامحه.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب بصوت هادئ وواضح:
— في الحقيقة يا سيدي... لم آتِ لأيٍ من هذين السببين.
رفع المدير حاجبه باهتمام.
أكمل الشرطي:
— صحيح أن سبب زيارتي يتعلق بالطفل، لكن ليس للحصول على معلومات عنه، ولا للتدخل في مجريات التحقيق.
توقف لحظة، وكأنه ينتقي كلماته بعناية، ثم تابع:
— الرجل الذي تكفل برعاية الطفل معروف لدي منذ سنوات. أعرف طباعه جيدًا، وأعرف أنه رجل صادق، كريم، ولا يتردد في بذل أي جهد من أجل من يحبهم. وربما سمعتم من الناس أنه لا يعرف الاستسلام إذا تعلق الأمر بحماية شخص يعتبره فردًا من عائلته.
ظل المدير صامتًا يراقبه.
فقال الشرطي بصوت أكثر جدية:
— لذلك جئت أطلب منكم طلبًا واحدًا فقط... أن تسمحوا له برؤية الطفل، ولو لمرة واحدة. أعلم أن القانون قد لا يسمح بذلك في الظروف الحالية، لكنني أرجو أن تنظروا إلى الأمر بعين الإنسانية قبل النصوص.
سكت قليلًا، ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى المدير:
— وهو مستعد، مقابل هذه اللفتة، لأن يقدم لكم ما تطلبونه... أيًا كان.
ساد الصمت داخل المكتب.
لم يكن الشرطي يحبذ قول تلك الكلمات، لكنها كانت الوسيلة الوحيدة التي ظن أنها قد تفتح بابًا مع رجل كهذا.
ظل المدير يحدق فيه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يصعب معرفة معناها.
قال ببطء:
— أتقول... إنه مستعد لأن يمنحني ما أريد؟
شعر الشرطي بشيء من الانقباض في صدره، لكنه أجاب بثبات:
— نعم، هذا ما أبلغني به بنفسه.
ثم أضاف سريعًا:
— وإذا رغبتم، أستطيع إحضاره إلى هنا ليتحدث معكم مباشرة.
لكن المدير رفع يده، مقاطعًا إياه قبل أن يكمل.
ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال:
— لا داعي لذلك.
مال بجسده إلى الأمام، ونقر بأصابعه على سطح المكتب، قبل أن يردف بنبرة هادئة تخفي الكثير:
— هذا يكفي... فأنا لست من محبي الأحاديث الطويلة.
توقف لحظة، ثم نظر إليه بثقة وقال:
— أعتقد أننا أصبحنا متفقين.
Yara yara alaa yara