بعد يومٍ متعبٍ مليءٍ بالمشاق، أخيرًا انتهى كل شيء، والآن كانت بداية حكاية ماتيو.في قريةٍ كبيرة تُدعى "أورهان"،
وهو اسمٌ منسوب إلى شخصيةٍ كانت تمثل بها منذ القدم، فهو من أول سكان القرية ومن الأشخاص الذين ساهموا في ازدهارها.
ومن أبطال حرب الأراضي، ومع ذلك أحب العيش في الهدوء بعيدًا عن أي شيءٍ يعيق أيامه الأخيرة.عند دخول سندرا إلى البيت، ضمّت ماتيو إلى صدرها أكثر كي لا تراه هيلين، والتي هي زوجة جان الثانية.
كانت شخصًا شبه حقود، ولا تحب أصغر الأشياء التي تُقدَّم لها.
وإذا رأت وجه ماتيو...
أسرعت مباشرة، ومن دون أي كلام، إلى الطابق العلوي، المكان الذي تقيم فيه.
أصلًا كان عبارة عن علية، لكنه مرتب وصالح للعيش، لأنها مكثت فيه مدة طويلة وكانت متفرغة لإصلاح المكان الذي تعيش فيه.
وعند دخولها الغرفة، وضعت ماتيو برفقٍ على سريرها، ثم هرعت إلى خزانتها وأخرجت صندوقًا.
كانت قد أخفت فيه مسبقًا ملابس كانت تراها في الأسواق، وكلما أعجبها لباس اشترته لأطفال زوجة زوجها، لكنهم كانوا يعيدونه لها بالرفض.
كانت سندرا تحاول إقناع هيلين بلمس أطفالها بطرقٍ غير مباشرة، إلا أنها كانت أكثر من متسلطة وحقودة.
ووسط تفكيرها...
دق باب غرفتها.
وعندما وقفت لتفتح الباب، انفتح بمفرده.اتضح أن هيلين لم تكن سعيدة بدخول فردٍ جديد إلى العائلة، وقالت إن ابنتها إيما طفلة أيضًا، وإن إحضار طفلٍ آخر إلى البيت يعني عبئًا أكبر عليهم، فمن الأفضل إحضار طفلٍ في وقتٍ آخر.
لم تجبها سندرا.
ونطقت بكلمةٍ واحدة فقط
:"غادري غرفتي."
نظرت إليها هيلين بنظرة استغرابٍ وانزعاجٍ في الوقت نفسه.
إلا أنها سمعت صوتًا أعلى بكثير حينها نطقت سندرا وهي تقول
:"غااادري غرفتي
."تصلبت هيلين في مكانها للحظة، ثم غادرت الغرفة وهي تغلق الباب بقوة.بعدها نظرت سندرا إلى ماتيو، الذي لم يُبدِ أي ردة فعل رغم الضوضاء التي كانت موجودة.
حينها تذكرت كلام ألبرت عندما قال إنه هادئ ولن يزعجها.
مرت الأيام...
ومرت الأشهر...
وبدأ ماتيو يكبر.
ومع ذلك، بدأت تلاحظ سندرا شيءٍ غريب عنه.فالفتى كان يلاحظ تحركاتٍ غريبة، ويتبع بعينيه أمورًا لا يبدو أن الإنسان العادي قادرٌ على رؤيتها بالكاد.
لكن مع تقدم الوقت، لاحظت سندرا ذلك.لاحظت لون عينيه.
ولاحظت أيضًا أشياء لم تكن تتوقعها.
كانت ترى أشخاصًا يقفون فوقه في الليل عند حلول الظلام.
وإذا أصيب بخدشٍ أو ندبةٍ خفيفة، كانت تشفى في وقتها من دون أي سبب.
لم تكن تشعر بالخوف.
كان قلبها باردًا تجاه ما يحدث.
كان همها الوحيد أن يكون بخير، وألا يفعلوا له أي شيء.
خصوصًا أنها كانت تعلم أن ماتيو تم أخذه سابقًا إلى العجوز روجينا، وتم إطلاق سراحه بشكلٍ عادي من دون أي إجراءات، كما كانت تفعل مع أي شيءٍ غريب.ولذلك لم تكن منزعجة.
حتى...أخيرًا مرت سنتان.
بدأ ماتيو يجيد المشي والنطق بكلماتٍ طفيفة.
كانت خطواته الصغيرة تتردد في أنحاء العلية كل يوم، بينما تراقبه سندرا بابتسامةٍ هادئة كلما تعثر ثم نهض من جديد وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي أحد الأيام، كانت تعد الطعام كعادتها، بينما كان ماتيو يجلس بالقرب منها يراقب ما تفعله بعينين مليئتين بالفضول.
وفجأة ناداها:
"أمي."
التفتت إليه سندرا بسرعة، فما زالت تشعر بالسعادة كلما سمعت تلك الكلمة تخرج من فمه.
ثم سألها بصوته الطفولي
:"لماذا لا نبقى مع العم والعمة اللذين في الطابق السفلي؟
"توقفت يدها عن التحريك للحظة.
وتنهدت سندرا بهدوء قبل أن تجيب
:"لأنني لا أحبهم."
مال ماتيو رأسه الصغير باستغراب، ثم قال:
"ولماذا لا تحبينهم؟"
وبعد لحظة صمت أضاف:
"هل آذوكِ بشيء؟"
...لم تجب سندرا مباشرة.
اكتفت بالنظر إليه.
إلى عينيه اللتين كانتا تراقبانها ببراءةٍ كاملة.
ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة.
وانحنت قليلًا نحوه قبل أن تقول:
"من لا يحب ابني... فأنا لا أحبه."
رمش ماتيو عدة مرات وهو يحاول فهم كلامها.
أما سندرا فعادت إلى إعداد الطعام، بينما بقيت ابتسامتها الصغيرة على وجهها.
كانت تلك الحقيقة البسيطة كافية بالنسبة لها.
لم يهمها ما يقوله الآخرون.
ولم يهمها ما الذي يخفيه ماتيو من أسرارٍ غريبة.
كل ما كانت تعرفه...
أن هذا الطفل أصبح ابنها.
Yara yara alaa yara