****************
بعد أن انتهت سندرا من إعداد الطعام، وضعت الأطباق فوق الطاولة بعناية. كانت قد طهت كمية أكبر من المعتاد، تكفي لأكثر من شخصين، حتى تتمكن من تسخين الباقي على العشاء دون أن ترهق نفسها مجددًا.
في ذلك الوقت، كان ماتيو قد غرق في نوم عميق، بينما جلست هي قرب الشرفة، مستمتعة بهدوء المساء وهي تقلب صفحات كتاب استعارته مؤخرًا.
لكن السكون لم يدم طويلًا.
فجأة دوى صوت ارتطام قوي في الخارج، تبعته أصوات تكسير وصراخ مرتفع. انتفضت سندرا من مكانها وهرعت نحو الباب، ثم ألصقت أذنها به محاولة معرفة ما يحدث.
يبدو أن جان وهيلين كانا يتشاجران.
وليس مجرد خلاف عابر هذه المرة.
كان شجارًا حقيقيًا، أعنف بكثير مما اعتادت سماعه منهما.
مع ذلك لم تهتم كثيرًا. فمنذ زمن طويل قررت ألا تتدخل في شؤون ذلك المنزل.
عادت إلى مقعدها، لكن الأصوات استمرت بالتصاعد.
وبعد دقائق قليلة فقط...
دق.
دق.
طرقات خفيفة ومترددة على بابها.
عقدت حاجبيها بدهشة، ثم نهضت وفتحت الباب بحذر.
لتتفاجأ بأربعة أطفال يقفون أمامها.
أطفال جان وهيلين.
بدوا مذعورين للغاية، وكأنهم هربوا للتو من قلب العاصفة.
قبل أن تسألهم عن سبب مجيئهم، تنحت جانبًا وسمحت لهم بالدخول.
تقدم أكبرهم سنًا، وكان فتى في الحادية عشرة تقريبًا، وانحنى بخجل.
— آسف على الإزعاج... وربما على وقاحتي بالمجيء إلى هنا، لكن إخوتي الصغار كانوا خائفين جدًا.
نظرت سندرا إلى الأطفال الآخرين.
كان اثنان منهما متشبثين بأخيهم الأكبر، أحدهما في التاسعة والآخر في الثامنة، بينما كانت الطفلة الصغيرة، إيما، التي تقارب ماتيو في العمر، تستند إلى كتفه نصف نائمة من شدة الخوف.
تنهدت سندرا بهدوء، ثم رسمت ابتسامة دافئة على وجهها.
— هل تناولتم شيئًا؟
هز الجميع رؤوسهم بالنفي.
أشارت لهم نحو الطاولة.
— اجلسوا إذًا.
وبعد دقائق، كانت أوعية الحساء الدافئة موضوعة أمامهم، إلى جانب أكواب العصير الطبيعي.
أما إيما الصغيرة، فقد جلست في حضن سندرا التي أخذت تطعمها بنفسها.
وفي تلك الأثناء...
كان ماتيو، الذي كان من المفترض أن يكون نائمًا، يراقب المشهد من طرف عينه.
منزعجًا.
بشدة.
"ألم تقل إنها تكرههم؟"
"هل تستضيفهم كلما نمت؟"
"أم أنها تنتظر استيقاظي لتفعل ذلك؟"
وعندما لاحظت سندرا أنه استيقظ، التفتت إليه مبتسمة.
— هل استيقظت؟
لكن ماتيو لم يجب.
كانت عيناه حادتين بصورة غير مألوفة.
ثم رفع يده ببطء وأشار نحو الأطفال.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
أربعة...
راقبهم وهو يعدهم بصمت.
في البداية لم تفهم سندرا ما الذي يفعله.
لكنها شهقت فجأة.
عينا ماتيو بدأتا تتوهجان من جديد.
ذلك البريق الغريب الذي لم تكن ترتاح لرؤيته أبدًا.
توقف نظره عند الفتى الأكبر.
— ما اسمك؟
ارتبك الفتى قليلًا.
— أنا؟ اسمي أريوس.
ساد الصمت.
صمت جعل الهواء نفسه يبدو أثقل.
لم يكن في نظرات ماتيو أي شيء مطمئن.
حتى أريوس شعر بقشعريرة تسري في جسده.
ثم سأل ماتيو ببرود غريب على طفل في عمره:
— ولماذا أنت هنا؟
ابتلع أريوس ريقه.
— جئت لأحمي إخوتي... لقد كانوا خائفين.
ظل ماتيو يحدق فيه.
ثم قال بصوت منخفض:
— غريب...
لم تتذكر هذه الغرفه إلا عندما احتجت إليه.
اتسعت عينا سندرا من الصدمة.
منذ متى يتحدث بهذه الطريقة؟
هذا ليس أسلوبه.
ليس كلمات طفل صغير.
ولا حتى طريقة تفكير طفل.
دائمًا كان كلامه بريئًا، بسيطًا، يناسب عمره.
اقتربت منه بسرعة وربتت على كتفه.
— ماتيو... إنهم مجرد ضيوف.
لكن وجهه ازداد تصلبًا.
وازداد التوهج في عينيه.
حتى شعرت هي نفسها بشيء من الخوف.
ولحسن الحظ...
دق الباب مجددًا.
هذه المرة كان جان.
بدا عليه القلق الشديد، لكنه تنفس الصعداء فور أن رأى أطفاله بخير.
شكر سندرا مرارًا على استقبالهم أثناء الفوضى التي حدثت في المنزل.
ثم ألقى نظرة داخل الغرفة.
وكأنه يبحث عن شيء.
أو شخص.
أدركت سندرا فورًا أنه يبحث عن ماتيو.
فالرجل لم ير وجه الطفل بوضوح تقريبًا طوال السنوات الماضية.
لم يكن بينهما أي تواصل حقيقي.
مجرد جارين يفصل بينهما باب واحد وعالم كامل.
لكن ماتيو كان يقف في زاوية بعيدة من الغرفة، مختبئًا في الظلال.
تردد جان قبل أن يسأل عنه، ثم التقت عيناه بعيني سندرا.
ولأول مرة منذ سنوات...
لاحظ شيئًا مختلفًا فيها.
بدت أكثر حيوية.
أكثر إشراقًا.
منذ أن دخل ماتيو حياتها، كانت قد انعزلت عن الجميع تقريبًا.
توقفت عن زيارة الطابق السفلي.
وتجنبت الاختلاط بأي شخص.
أما الآن...
فقد عاد شيء من الحياة إلى ملامحها.
تنحنح جان وقال:
— لماذا لم تعودي تنزلين إلى الطابق الأول كما كنتِ سابقًا؟
تنهدت سندرا.
— لم يعد هناك داعٍ لذلك.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لدي عائلتي الخاصة منذ زمن طويل... هل نسيت؟
وفي زاوية الغرفة، كان ماتيو يستمع لكل كلمة.
طلب جان من أطفاله النزول إلى الأسفل أولًا.
ثم بقي مع سندرا بمفردهما.
على الأقل... هذا ما كان يظنه.
فهو لم يعلم أن ماتيو ما يزال موجودًا في الغرفة.
وفي تلك اللحظة بالتحديد...
سمع ماتيو الهمسات مجددًا.
ذلك الصوت الغامض الذي لم يفارقه منذ مدة.
تغيرت ملامحه.
وبرد وجهه شيئًا فشيئًا.
بينما كانت نظراته تزداد قسوة.
ضغط على أسنانه بصمت وهو يستمع.
قال جان:
— هيلين أصبحت ترهقني كثيرًا... وأفكر بالابتعاد عنها لفترة.
ارتبكت سندرا.
— وما الذي يفترض بي أن أفعله بهذا الكلام؟
تنهد جان.
— أعتقد أن الوقت قد حان لأضع حدًا لما يحدث.
ثم تابع:
— من الآن فصاعدًا... أريدك أن تستخدمي الطابق الأرضي أيضًا.
حدقت فيه بدهشة.
— ماتيو لا يحب النزول إلى الأسفل أصلًا، ولا أستطيع تركه وحده هنا.
أجاب فورًا:
— سيبقى مع إخوته هناك. سيتأقلم مع الوقت.
وفي اللحظة التي أنهى فيها جملته...
ظهر ماتيو من خلفه بهدوء.
خرج من زاوية الغرفة المظلمة.
ببطء.
ودون أن يصدر أي صوت.
لكن النظرة التي كانت في عينيه...
جعلت الهواء داخل الغرفة أثقل من أن يُحتمل.
****************
Yara yara alaa yara