مرت ثلاثة أيام منذ أن دخل الطفل منزل ألبرت وبيث، ثلاثة أيام فقط، لكنها كانت كافية ليعتاد الجميع وجوده بينهم وكأنه كان فردًا من العائلة منذ سنوات.
وفي صباح اليوم الرابع، وصل أمر من سيد القرية يطلب حضورهما إلى الساحة الرئيسية.
لم يرق الأمر لألبرت، لكنه لم يجد سببًا للرفض.
حمل الطفل بين ذراعيه، وسارت بيث إلى جانبه حتى وصلا إلى وسط القرية.
وهناك...
فهم كل شيء.
كان عدد غير معتاد من الناس متجمعين في الساحة، يتبادلون النظرات والهمسات. بدا وكأن القرية بأكملها قد حضرت.
وسط الحشد لمح ألبرت امرأة استوقفت أنفاسه للحظة.
شعر أشقر باهت ينسدل على كتفيها، وعينان خضراوان زيتونيتان هادئتان.
كانت طويلة القامة ورقيقة البنية، لكنها لم تكن بذلك الضعف الذي صوره الناس في أحاديثهم. بدت أشبه بزهرة نجت بصعوبة من عاصفة طويلة.
إلى جوارها وقف رجل ضخم البنية.
لم يكن سمينًا ولا ممتلئ العضلات، لكن حضوره وحده كان كافيًا ليشعر من حوله بالضغط. شعر أسود لامع، ولحية مهذبة، وملابس نظيفة لا يرتديها عادة إلا المقتدرون.
حينها أدرك ألبرت أن ذلك لا بد أن يكون جان.
وتذكر ما قيل له عن عمله في التجارة الخارجية.
لكن فجأة، تسلل إلى ذهنه شيء آخر.
كلمات روجينا.
"قبل أن تسمحا لأحد بتبنيه... تأكدا أولًا من أن لون عينيه أصبح أزرق عاديًا."
شعر بقشعريرة خفيفة.
خفض بصره نحو الطفل.
كانت عيناه بالفعل زرقاوين عاديتين.
لا أثر لذلك البريق الغريب الذي رآه سابقًا.
إلا أن ملامحه...
ما زالت جميلة بطريقة تثير الفضول والريبة معًا.
رفع رأسه مجددًا نحو سيد القرية، فشعر بشيء من الاشمئزاز.
كان واضحًا بالنسبة له أن الرجل قد حُسم رأيه مسبقًا.
وبضعة أكياس من النقود كانت كافية لتوجيه ذلك الرأي حيث يشاء أصحاب النفوذ.
قبض ألبرت على الطفل بقوة أكبر دون أن يشعر.
وفي المقابل، بدأ سيد القرية بالكلام:
"ألبرت... أشكرك على اهتمامك بالطفل أنت وزوجتك، وعلى ما فعلتماه من أجله."
ثم أشار إلى صندوق صغير بجواره.
"ولهذا أقدم لك هذه الهدية المتواضعة."
شعر ألبرت وكأن الدم تجمد في عروقه.
هدية؟
لا...
بل ثمن.
ثمن لطفل.
رفع عينيه نحو سيد القرية وقال ببرود مخيف:
"هل تحاول شراءه مني؟"
ساد الصمت.
لكن سرعان ما قطعه صوت ضحكة ساخرة.
التفت ألبرت.
كان جان.
نظر إليه الرجل بازدراء واضح وقال:
"وهل الذي تحمله بين يديك يخصك أصلًا؟"
نزلت الكلمات كقطع من الحديد الساخن.
ثقيلة...
جارحة...
ومهينة.
الأشد إيلامًا أن كثيرًا من الحاضرين بدوا وكأنهم يوافقونه.
بعضهم نظر إلى جان بإعجاب.
وبعضهم نظر إلى ألبرت وكأنه مجرد فلاح عنيد يقف في طريق ما يرونه أمرًا منطقيًا.
اشتعل الغضب داخل صدره.
فضم الطفل أكثر إلى صدره.
وفي تلك اللحظة...
عم السكون.
سكون مفاجئ وغريب.
كأن نسمة هادئة مرت فوق الحشد كله دفعة واحدة.
ثم انطلق صوت ناعم أشبه بلحن يسبق النوم.
"أرجوك... اغفر لزوجي على كلماته الوقحة."
كانت سندرا.
اتسعت أعين الحاضرين.
حتى جان نفسه التفت إليها بدهشة.
أما هي فلم تنظر إلى أحد.
كانت عيناها مثبتتين على الطفل.
وكأن العالم كله اختفى من حولها.
تقدمت خطوة صغيرة.
ثم أخرى.
وقالت بصوت مرتجف:
"أتمنى أن تثق بي فيما سأقوله."
سكتت لحظة محاولة السيطرة على دموعها.
ثم تابعت:
"إن سمحت لي بتربيته... فسأكون أمًا له بكل ما أملك."
بدأ صوتها يختنق شيئًا فشيئًا.
"سأحبه كما لو كان جزءًا من روحي... سأمنحه كل ما حُرمت من منحه لطفل يومًا..."
تجمعت الدموع في عينيها.
لكنها أكملت رغم ذلك.
"لن أجعله يشعر بالنقص أبدًا... ولن أفرق بينه وبين نفسي."
ثم انخفض رأسها ببطء.
ولأول مرة منذ وصولها...
توسلت.
"أرجوك... تنازل عنه لي."
ارتجف صوتها في آخر الكلمات.
"وأي شيء تريده... سأقدمه لك."
شعر ألبرت وكأن شيئًا حادًا انغرس في قلبه.
لم ير أمامه امرأة ثرية أو زوجة تاجر.
بل رأى إنسانة أنهكتها السنوات.
امرأة شاهدت أطفالًا يكبرون أمام عينيها دون أن يسمح لها حتى بمد يدها إليهم.
امرأة حُرمت من الأمومة حتى أصبحت تتوسل من أجل طفل غريب لا تعرف عنه شيئًا.
ولأول مرة...
بدأت قناعته الصلبة تتصدع.
لكن في اللحظة نفسها، شعر بأصابع صغيرة تتشبث بثوبه.
نظر إلى الأسفل.
كان الطفل ينظر إليه.
بهدوء غريب.
وكأنه ينتظر قراره...
هو وحده.
Yara yara alaa yara