بقي ماتيو جالسًا تحت الشجرة حتى اختفت هيلين عن ناظريه.
كان عقله منشغلًا بكلماتها الأخيرة.
"كن حذرًا يا ماتيو."
لم تكن تبدو كتحذير عادي.
ولا كنصيحة من شخص أكبر سنًا.
بل وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه هو.
زفر بضيق وألقى رأسه إلى الخلف مستندًا إلى جذع الشجرة.
ثم أغلق عينيه للحظات.
وفجأة...
سقطت حبة جوز صغيرة على رأسه.
فتح عينيه بسرعة.
ثم سقطت أخرى.
وثالثة.
رفع رأسه بغضب.
فوجد تانيا مختبئة بين الأغصان وهي تحاول كتم ضحكتها.
— أصبتك!
حدق بها ماتيو ببرود.
— انزلي.
— لا.
— انزلي.
— لا.
سقطت حبة أخرى فوق كتفه.
فنهض أخيرًا.
عندها اتسعت عينا تانيا.
— انتظر... انتظر... لا تصعد!
وبالطبع صعد.
وبعد أقل من دقيقة كانت تانيا تهرب فوق الأغصان بينما يحاول الإمساك بها.
— ماتيو! لا تهز الغصن!
— انزلي إذًا.
— لن أفعل!
ثم انكسر أحد الأغصان الصغيرة تحت قدمها.
أطلقت صرخة قصيرة.
لكن ماتيو أمسك بذراعها قبل أن تسقط.
توقفت للحظة.
ثم نظرت إليه.
ونظر إليها.
وبعد ثانيتين فقط...
بدأ الاثنان بالضحك.
ضحكًا حقيقيًا هذه المرة.
من النوع الذي يجعل البطن تؤلم صاحبه.
---
عندما عادا إلى المنزل كانت سندرا تحضر بعض الكعك الصغير.
وما إن دخلت تانيا حتى قالت:
— أمي! ماتيو حاول رميي من فوق الشجرة!
رفع ماتيو رأسه بصدمة.
— ماذا؟
— نعم!
— هذا كذب!
— لكنه أمسك بي قبل أن أسقط.
توقفت سندرا عن العمل.
نظرت الي هيلين خوفا منها ان تفعل شيء كانت تانيا الابنه الاخيره الصغرى لجان وكانت اكثر واحده تتوغل اليها بصمت كي تلعب مع ماتيو.
— لحظة... إذًا أنقذك؟
كان رد هيليين البارد كافيا لتهدأه الوضع.
فكرت تانيا قليلًا.
— نعم.
— إذًا لماذا تتهمينه؟
صمتت تانيا.
ثم قالت بثقة كاملة:
— لأن هذا الجزء يجعل القصة أكثر إثارة.
انفجرت سندرا ضاحكة.
بينما حدق بها ماتيو وكأنه فقد القدرة على الكلام.
---
بعد الظهر بقليل بدأت سندرا تحضير مربى الفاكهة.
وكانت المهمة بسيطة.
غسل الفاكهة.
تقطيعها.
ووضعها في القدر.
لكن وجود تانيا جعل المهمة مستحيلة تقريبًا.
كانت تسرق قطع الفاكهة كلما استدارت سندرا.
قطعة.
ثم أخرى.
حتى التفتت سندرا فجأة.
فوجدت خدي تانيا منتفخين.
— ماذا يوجد في فمك؟
هزت رأسها بسرعة.
— لا شيء.
— افتحي فمك.
أغلقت فمها أكثر.
— لا شيء.
عندها أشارت سندرا إلى ماتيو.
— فتشها.
ابتعدت تانيا فورًا.
— خائنة!
قالت ذلك لسندرا وكأنها تعرضت لأكبر مؤامرة في التاريخ.
أما ماتيو فبدأ يضحك بصوت خافت لأول مرة منذ أيام.
---
ومع اقتراب المساء بدأت أجواء المنزل تصبح أكثر هدوءًا.
جلس الجميع في غرفة الجلوس.
كانت سندرا تخيط قطعة قماش.
وتانيا مستلقية على الأرض ترسم شيئًا مجهولًا.
أما ماتيو فكان يقرأ كتابًا.
أو يتظاهر بذلك.
لأن عقله كان لا يزال يفكر في الصور التي رآها.
وفي الاحداث السابقه.
وفي الكاميرا المفقودة.
رفع عينيه قليلًا.
فوجد سندرا تنظر إليه.
سرعان ما أشاحت نظرها عندما انتبه.
ثم بعد دقائق عادت لتنظر إليه مجددًا.
وكأنها تريد أن تقول شيئًا.
لكنها لا تعرف كيف تبدأ.
في النهاية وضعت الإبرة جانبًا.
وقالت:
— ماتيو.
رفع رأسه.
— نعم؟
ابتسمت له بلطف.
— شكرًا لأنك أمسكت بتانيا اليوم.
رمش عدة مرات.
لم يكن يتوقع ذلك.
أما تانيا فرفعت رأسها من الرسم.
— نعم، شكرًا لأنك لم تدعني أتحول إلى فطيرة.
نظر إليها ببرود.
— لم أكن لأدعك تسقطين أصلًا.
ابتسمت تانيا.
ثم عادت للرسم.
لكن سندرا لاحظت شيئًا صغيرًا.
زاوية فم ماتيو ارتفعت قليلًا.
ابتسامة قصيرة جدًا.
تكاد لا تُرى.
لكنها كانت موجودة.
ولأول مرة منذ أن اكتشفت ما في الكاميرا...
شعرت سندرا ببعض الراحة.
مهما كانت الأسرار التي تحيط بهم.
ومهما كانت المخاطر القادمة.
فما زال هناك مكان للضحك.
وما زال هذا المنزل قادرًا على أن يكون منزلًا.
ولو لساعات قليلة فقط.
Yara yara alaa yara