ظل ماتيو صامتًا لعدة ثوانٍ، يحاول استيعاب ما سمعه.
كان النهر يواصل جريانه بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كانت كلمات إيلييات تتردد داخل رأسه بلا توقف.
"احرس والدتك جيدًا.
"لم تكن تعرف التفاصيل.
ولم تخبره بخطر محدد.
لكن الطريقة التي قالت بها تلك الكلمات جعلت قلبه ينقبض.التفت نحوها مجددًا.
إلا أنه وجدها منشغلة بالحلوى التي أعطاها لها، وكأن الحديث السابق لم يكن سوى أمر عادي بالنسبة إليها.
— هل أنت متأكدة؟رفعت عينيها إليه.
— متأكدة من ماذا؟
— مما قلتِه.
تنهدت إيلييات.
— أنا متأكدة أن شيئًا ما يحدث.
ثم أضافت:
— أما ما هو ذلك الشيء بالضبط...
فلا أعرف.
عض ماتيو شفته السفلى.
كان صغيرًا على فهم الكثير من الأمور، لكنه لم يكن غبيًا.
لقد لاحظ هو الآخر بعض التصرفات الغريبة طوال اليوم.نظرات متبادلة بين الكبار.
همسات تنقطع بمجرد اقترابه.
وتلك المرأة التي جاءت مع والد إيلييات، والتي كانت تراقب الجميع بابتسامة لم تعجبه أبدًا.
أخفض رأسه مفكرًا.فجأة نهضت إيلييات من مكانها.
— إلى أين؟
سألها بسرعة.
أشارت نحو سياره بعيده تقع امام باب المدخل العريض للبيت .
— سأعود.
ثم توقفت قليلًا وأضافت:
— وأنت أيضًا عد إلى الداخل.
— لماذا؟
— لأنهم بدأوا يبحثون عنك.
رفع ماتيو رأسه باستغراب.
وفي اللحظة التالية سمع صوت والدته يناديه من بعيد.
— ماتيو!
اتسعت عيناه.
التفت نحو مصدر الصوت.ثم عاد لينظر إلى إيلييات.
لكنها كانت قد بدأت بالابتعاد بالفعل.
— انتظري!صرخ خلفها.
توقفت.
— ماذا؟
تردد قليلًا.
ثم سأل:
— هل سنلتقي مجددًا؟
بقيت صامتة لثوانٍ.
وكأنها تفكر في الإجابة.
ثم قالت:
— ربما.
وبدون كلمة أخرى أكملت طريقها.
راقبها ماتيو حتى اختفت بين الأشجار المظلمة.
وعندها فقط عاد مسرعًا نحو المنزل.
ما إن دخل حتى استقبلته سندرا بنظرة عاتبة.
— أين كنت؟
حك مؤخرة رأسه بتوتر.
— كنت بالخارج فقط.
تنهدت والدته.
ثم وضعت يدها فوق رأسه وربتت على شعره.
— لا تبتعد وحدك ليلًا.
أومأ برأسه.
لكنه بالكاد كان يسمعها.
فكلام إيلييات ما زال يشغل تفكيره.
جلس الجميع بعد ذلك في غرفة الجلوس.
كان الكبار يتحدثون حول أمور لا يفهمها الأطفال عادة.
أما ماتيو فجلس بصمت بالقرب من والدته.
يراقب الوجوه.
ويحاول اكتشاف أي شيء غير طبيعي.
مر الوقت ببطء.
حتى لاحظ أمرًا غريبًا.
الرجل الذي جاء مع المرأة الغريبة كان ينظر إلى والدته باستمرار.
ليس بنظرة ودية.
ولا حتى بنظرة فضول.
بل بنظرة جعلت ماتيو يشعر بعدم الارتياح.
وحين التقت أعينهما للحظة، ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
لكن تلك الابتسامة لم تطمئن ماتيو أبدًا.
بل زادت قلقه.
خفض رأسه قليلًا.
وتظاهر بالانشغال بلعبة خشبية كانت فوق الطاولة.
بينما بقي يراقب الجميع من طرف عينه.
ثم...سمع جملة جعلت جسده يتصلب.
— سنبدأ غدًا إذن.
قالها الرجل بهدوء.
فأجابت المرأة:
— نعم، لم يعد هناك داعٍ للتأجيل.
تبادل الاثنان نظرة سريعة.
وكأنهما يتحدثان عن أمر يفهمانه وحدهما.
أما سندرا فلم تقل شيئًا.
بل بدت شاردة الذهن للحظة.
لاحظ ماتيو ذلك فورًا.
شعر وكأن والدته تعلم شيئًا لا تريد إخبار أحد به.
أو ربما...
شيئًا لا تريد إخباره هو تحديدًا.
ازدادت الأسئلة داخل رأسه.
لكن قبل أن يتمكن من التفكير أكثر، نهض أحد الحاضرين معلنًا انتهاء السهرة.
وبدأ الجميع بالتفرق تدريجيًا.
بعد دقائق قليلة، خيم الهدوء على المنزل.
وأطفئت معظم الأضواء.
واستعد الجميع للنوم.
أما ماتيو فكان مستلقيًا على سريره، محدقًا في السقف.
عقله يرفض الراحة.
صوت إيلييات ما زال يتردد في أذنيه.
"كل شيء مخطط له."
استدار نحو النافذة.
كانت الأشجار تتمايل بهدوء تحت ضوء القمر.
لكن شيئًا ما لفت انتباهه فجأة.
تجمد في مكانه.
فوق التل المقابل للنهر...
وقف شخص ما.
مجرد ظل أسود وسط الظلام.
لا يتحرك.
ولا يبتعد.
وكأنه يراقب المنزل.
نذكره ماتيو مباشره.
نعم انه نفس الشيء الذي يرسل له تلك الاصوات.
شعر ماتيو بقشعريرة باردة تسري في جسده.
فرك عينيه بسرعة.
ثم نظر مجددًا.لكن الظل...
لم يكن هناك.
اختفى.
وكأنه لم يوجد أصلًا.
إلا أن الشعور الغريب الذي تركه خلفه بقي عالقًا في قلب ماتيو طوال تلك الليلة.
Yara yara alaa yara