مرّ كل شيء على خير، ولم يتوغّل ماتيو في الحديث أكثر حتى لا تشعر والدته بالانزعاج.
كان يلاحظ التعب المختبئ خلف ابتسامتها، لذلك فضّل الصمت، مكتفيًا بمراقبة ما يجري حوله.
ومع حلول المساء، حان وقت العشاء.
اجتمع الجميع حول المائدة وسط أحاديث متفرقة وضحكات خافتة، لكن ماتيو لم يكن جائعًا كما اعتقد الآخرون.
في الحقيقة، كان قد التهم في المطبخ كل ما وقعت عليه يداه أثناء مساعدته لوالدته، حتى فقد شهيته تمامًا.
وبينما كان الجميع منشغلين بالطعام، تسلل بهدوء إلى خارج المنزل.
كان الهواء المسائي لطيفًا، يحمل معه رائحة النهر القريب وصوت المياه المتدفقة في الظلام.
جلس ماتيو على الدرج الخشبي أمام المنزل، يراقب الأفق بشرود، قبل أن تقع عيناه على فتاة صغيرة تجلس غير بعيد عنه.
بدت في مثل عمره تقريبًا.
كانت جالسة وحدها، تنظر نحو النهر بصمت تام، وكأن العالم بأسره لا يعنيها.
عقد ماتيو حاجبيه باستغراب.
ثم نهض وتقدم نحوها بخطوات مترددة.
— أيتها الفتاة... ماذا تفعلين هنا؟
لم تجبه.
بقيت تحدق في النهر وكأنها لم تسمع شيئًا.
لكن ذلك لم يمنع ماتيو من المتابعة.
— ألا تسمعينني؟
عندها فقط التفتت إليه.
كانت نظرتها باردة وخالية من أي مشاعر، الأمر الذي جعل ماتيو يتوقف لوهلة.
ثم قالت بصوت هادئ:
— أنت ثرثار جدًا.
اتسعت عينا ماتيو من الصدمة.
لم يكن يتوقع هذا الرد إطلاقًا.
وبدل أن ينزعج، شعر بفضول أكبر نحوها.
جلس بجانبها بكل جرأة، وكأنه قرر أن يكتشف سر تلك الفتاة الغريبة مهما كلف الأمر.
رمقته بطرف عينها قبل أن تدير رأسها مجددًا نحو النهر.
قال ماتيو بعد لحظة صمت:
— عندما أشعر بالانزعاج من شيء ما... أفعل العكس تمامًا.
التفتت إليه هذه المرة بعينين ذابلتين، وقد مالت رأسها قليلًا وكأنها تسأله عما يقصده.
ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل:
— أفعل شيئًا أحبه... أو آكل.
بقيت تحدق فيه لثوانٍ قبل أن تقول:
— تتحدث وكأنك شخص شره... لكنك تبدو هزيلًا.
نظر ماتيو إلى نفسه.
ثم أجاب بثقة:
— أظن أن هذا أفضل من أن أكون سمينًا.
توقفت قليلًا قبل أن يضيف:
— ثم إنني أتحدث فقط عن الأشياء التي أحبها.
— وما الذي تحبه؟
أشرق وجهه قليلًا.
— الأشياء الحلوة... الشوكولاتة مثلًا.
لم تبدِ أي رد فعل.
فسألها:
— وماذا عنك؟
ساد الصمت.
ثم قالت أخيرًا:
— أنا؟
— نعم.
— لا أحب أي شيء.
رمش ماتيو عدة مرات.
— ولا حتى نوعًا معينًا من الطعام؟
— لا.
— ولا أي شيء؟
فكرت قليلًا.
ثم هزت رأسها.
— لا.
أدخل ماتيو يده في جيبه وأخرج قطعة حلوى صغيرة ملفوفة بورق لامع.
مدها نحوها قائلاً:
— تناوليها وأخبريني مجددًا.
نظرت إلى الحلوى بنظرتها الباهتة المعتادة.
ثم أخذتها منه.
نزعت الغلاف الرقيق ببطء، ووضعت القطعة في فمها.
كانت شوكولاتة محشوة بالبندق والكراميل.
وفي اللحظة التالية...
حدث شيء لم يتوقعه ماتيو.
اختفت تلك الملامح الجامدة فجأة.
واتسعت عينا الفتاة بدهشة حقيقية.
بل إن وجهها العابس بدا وكأنه أشرق للمرة الأولى.
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت كافية.
كافية ليشعر ماتيو بأنه انتصر.
قالت وهي تنظر إلى قطعة الحلوى:
— فهمت.
ابتسم بدوره.
ثم سألها بفضول:
— ما اسمك؟
تجمدت في مكانها.
واختفت الابتسامة فورًا.
عاد ذلك الوجه المظلم الذي رآه في البداية.
قالت بعد تردد:
— إنه اسم غريب... لا يهم.
لكن فضول ماتيو ازداد أكثر.
وظل يلح عليها بلا توقف.
حتى تنهدت أخيرًا وقالت:
— سأخبرك باسمي...
ثم توقفت قليلًا.
— بشرط.
— ما هو؟
احمر وجهها قليلًا، وكأنها تخجل من طلبها.
وقالت بصوت منخفض:
— أن تعطيني قطعة أخرى من تلك الحلوى.
ضحك ماتيو.
ومن دون أي مماطلة، أخرج قطعتين هذه المرة ووضعهما في يدها.
حدقت فيهما لثوانٍ.
ثم قالت أخيرًا:
— اسمي إيلييات.
ابتسم ماتيو.
— وما الغريب فيه؟
هزت كتفيها.
— ربما لأنه نادر فقط.
ثم أضافت وهي تسحق الشوكولاتة الطرية بين أسنانها:
— وليس له معنى... على عكس بقية الأسماء.
لم يجد ماتيو ما يقوله.
فاكتفى بالصمت.
وبينما كان يفكر في كلامها، فتحت إيلييات فمها فجأة وسألته:
— هل تلك الشقراء أمك؟
رفع رأسه نحو المنزل.
ثم أجاب:
— نعم.
تغيرت ملامح إيلييات قليلًا.
وقالت بنبرة أكثر جدية:
— أبي وتلك المرأة التي جاءت معه... لم يأتيا صدفة.
تجمد ماتيو.
وأكملت وهي تحدق في الظلام أمامها:
— كل ما يحدث اليوم مخطط له.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
— ماذا تقصدين؟
— لا أعلم التفاصيل.
ثم التفتت إليه.
— لكن احرس والدتك جيدًا.
ابتلع ريقه.
— من ماذا؟
— لا أعرف.
— وإذا كنت لا تعرفين، فلماذا تقولين ذلك؟
أطرقت برأسها قليلًا.
ثم قالت:
— لأنني سمعت أشياء لم يكن يفترض بي سماعها.
ساد الصمت بينهما.
ولم يعد صوت النهر كافيًا لإخفاء التوتر الذي بدأ يتسلل إلى قلب ماتيو.
قال بعد لحظة:
— ولماذا لم تخبريني منذ البداية؟
نظرت إليه مطولًا.
ثم أجابت:
— لأنني لا أعرف من أثق به.
انخفض صوتها أكثر وهي تكمل:
— لو أخبرت والدتك مباشرة... فقد تتصرف بتهور.
رفعت رأسها نحو المنزل الذي تتراقص أضواؤه في الظلام.
ثم قالت:
— ووقتها قد أكون أنا أول من يدفع الثمن.
شعر ماتيو بأن كلماتها لم تكن مزحة ولا محاولة لإخافته.
كانت تتحدث بجدية كاملة.
و منذ أن جلس بجانبها...
شعر أن اللقاء لم يكن صدفة أبدًا.
Yara yara alaa yara