مرّت عدة أيام هادئة على القرية، أيام خلت من الأحداث الغريبة والمفاجآت، حتى بدأ الجميع يظن أن كل شيء قد عاد إلى طبيعته أخيرًا.
وفي صباح أحد الأيام، وصلت إلى القرية مجموعة من الشبان يرتدون زِيًّا رسميًا غريبًا لم يألفه السكان من قبل. كان حضورهم كافيًا لإثارة فضول الجميع، فتوقفت الأحاديث وانشغلت الأنظار بمراقبتهم.
في ذلك الوقت، كان ماتيو برفقة والدته سندرا، التي كانت منهمكة في حديث طويل مع بيث، المرأة التي اعتنت به في أيامه الأولى. أما ماتيو فكان يقف بجوار ألبرت، يتأمل أنواع الأسماك الطازجة التي يعرضها عليه الرجل بفخر.
وفجأة...
سمعها مجددًا.
تلك الهمسات التي طالما زارته في أوقات الخوف.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
كانت أوضح من أي وقت مضى.
"لقد أتى الهدف."
تجمد جسده الصغير في مكانه.
أخذ يتنفس بسرعة، محاولًا استيعاب ما سمعه.
لاحظ ألبرت التغير المفاجئ في ملامحه، فانحنى نحوه بقلق.
— ماتيو؟ هل أنت بخير؟
لكن الطفل لم يجب.
ابتعد عنه بخطوات متعثرة وكأن شيئًا ما يجذبه بقوة.
كانت أشعة الشمس حارقة، والساحة مزدحمة بالناس، ومع ذلك لمح وجهًا واحدًا فقط.
إيلييات.
وقفَت وسط الغرباء بوجه متورم وكدمات واضحة على ذراعيها. بدت وكأنها بالكاد قادرة على الوقوف، ومع ذلك كانت تحاول التظاهر بالقوة.
اتسعت عينا ماتيو بصدمة.
حاول أن يمنع نفسه من الاقتراب.
حاول فعلًا.
لكن شيئًا داخله رفض التراجع.
فاندفع نحوها مسرعًا.
وحين رأته، عضّت شفتيها بقوة، وبدأت تشير بعينيها أن يبتعد.
أن يهرب.
أن لا يقترب أكثر.
فتوقف مكانه أخيرًا.
وفي تلك اللحظة وصلت سندرا، وما إن رفعت رأسها حتى تجمدت هي الأخرى.
لأن كيروس كان قد وصل.
تقدم الرجل بخطوات واثقة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي أخفت خلفها الكثير.
قال بصوت هادئ:
— يبدو أنكِ سعيدة برؤيتي يا سندرا.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
كانت تعرف جيدًا مدى خطورته.
ابتسم أكثر وأردف:
— ألم تحزمي أمتعتك بعد؟
ثم أمال رأسه قليلًا نحو الجانب، ونظر إليها بعينيه الحمراوين اللتين أثارتا الرعب في كل من يحدق فيهما.
ردت سندرا بصوت متردد:
— ليس عليّ فعل شيء لا أريده.
ثم استدارت بصمت واتجهت نحو المنزل.
لكنها لم تبتعد سوى خطوات قليلة حتى أمسك كيروس بمعصمها.
تصلبت في مكانها.
وحاولت الإفلات منه دون جدوى.
أما ماتيو...
فلم يفهم ما الذي ينبغي عليه فعله.
وعندها عادت الهمسات.
أوضح من السابق.
أقرب من أي وقت مضى.
"خذ السلاح من جيبه."
اتسعت عينا الطفل.
ثم تكررت الكلمات.
مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
حتى وجد نفسه يتحرك دون تفكير.
وفي لحظة خاطفة سحب السلاح من جيب كيروس.
ارتفعت شهقات الناس من حوله.
وتراجع سكان القرية الذين تجمعوا للمشاهدة خطوة إلى الخلف.
نظر كيروس إلى الطفل بذهول حقيقي هذه المرة.
ثم ابتسم.
— يا لجرأتك أيها الروجي الصغير.
لكن قبل أن يكمل حديثه، عاد الصوت نفسه.
أسرع.
أقوى.
وأكثر إلحاحًا.
"ارفع السلاح إلى السماء."
تردد ماتيو.
كان خائفًا.
فهو مجرد طفل في السادسة من عمره.
جسد صغير لا يمكنه تحمل قوة ارتداد الرصاص.
لكن شيئًا ما تبدل فجأة.
بردت ملامحه.
واشتعل ذلك الوميض الأزرق داخل عينيه.
رفع السلاح نحو السماء.
وأطلق رصاصتين متتاليتين.
دوّى الصوت في أنحاء القرية.
فارتعب الجميع.
أما ماتيو فلم يتحرك.
وقف ثابتًا وكأنه يعرف تمامًا ما يفعله.
وعندها حدث ما لم يتوقعه أحد.
تجمد كيروس في مكانه.
حرفيًا.
وأفلت يد سندرا فورًا.
فاندفعت المرأة نحو ابنها بسرعة.
أمسكت كتفيه وهي تحاول إيقاظه من تلك الحالة التي تعرفها جيدًا.
كلما سيطر عليه الخوف...
بدأ يسمع الأصوات.
ويتصرف وكأنه شخص آخر.
لكن ما أرعبها حقًا لم يكن صمته.
بل عيناه.
كانت عيناه الزرقاوان قد تحولتا إلى لون رمادي باهت.
تراجعت أنفاسها.
ونظرت إليه بصدمة.
أما ماتيو فلم يبدُ وكأنه يسمعها أصلًا.
حاولت تهدئته.
لكنه أبعدها برفق.
ثم رفع رأسه ونظر مباشرة إلى كيروس.
نظرة طويلة وثابتة.
نظرة لم تشبه طفلًا في السادسة من عمره.
رفع السلاح قليلًا وقال:
— أتريد هذا؟
كان يقصد السلاح.
ظل كيروس صامتًا.
فألقى ماتيو السلاح بعيدًا ليسقط على الأرض أمامه.
ثم قال بهدوء بارد:
— خذه.
وساد الصمت.
لكن ماتيو أكمل:
— قبل أن تحاول لمس أمي مرة أخرى...
انظر إلى نفسك في المرآة.
وتذكر من تكون انت.
كانت الكلمات بسيطة.
إلا أنها سقطت كصفعة أمام الجميع.
خصوصًا أمام الرجل الذي اعتاد أن يخضع له الآخرون.
اختفى الخوف من ملامح ماتيو تمامًا.
وحلّت مكانه ثقة غريبة لم يعتدها أحد منه.
وفي تلك اللحظة اختفت الهمسات.
لكن شعورًا جديدًا حلّ محلها.
شعور بوجود شخص آخر.
شخص يقف إلى جواره.
رفع عينيه نحو فراغ خالٍ لا يوجد فيه أحد.
وكأنه ينظر إلى شيء لا يراه سواه.
لاحظت سندرا ذلك، فازداد ذعرها.
أعادت نظرها إلى وجهه بسرعة.
أما هو فتنهد أخيرًا.
وعادت عيناه إلى هدوئهما المعتاد.
ثم أمسك بيدها.
ودون أن ينطق بكلمة واحدة...
أخذها معه نحو المنزل، تاركًا خلفه قرية كاملة غارقة في الصدمة، وكيروس واقفًا في مكانه يتابع ابتعادهما بنظرات يصعب فهم ما يدور خلفها.
Yara yara alaa yara