واحد و أربعون

واحد و أربعون

14 0

رمــضان جــانا و فــرحنا بـه

بـعد غـيابـه وبـقالوا زمـان

غـنوا وقــولوا

شهـر بـطولـه، غـنوا وقــولوا

اهـلًا رمــضان

رمــضان جــانا

اهـلًا رمــضان

بــعد أسبـوع فـقط صـدحت هـذه الكلمات في جميع المنـازل لتنذر بـقدوم أفضل شـهر في السنة..

شـهر الخير والكـرم

شهـر الرحـمة والعتق من النيران

شهـر به افضل الليالي وأجمـل العبادات..

ومعـه بدأت ايضًا حـماس الجميع لأستقبـال هذا الشـهر مـثل كـل عـام

_لا يـا جـاد مش متساويـة، أرفعها تـاني..

صدح صوت جـود داخل الحديقة قائلًا تلك الكلمات لـ جاد، الذي كان يقف فوق السلم يضبط عُقد النـور حـول الشـجرة..

لـيجادله الأخر قائلًا بـغرور وسـخط:

_مش متساويـة ايـــه؟! انت بتـكلم مهـندس يـلا، يعنـي اكـيد مظبوطة!

_يـا عـم هي عمارة؟! ارفـع الشريط الله يهديدك..

رد عليه بتهكم وسأم، لينظر جـاد نحو زوجته التي تجلس على الأرض، تحاول فك الباقي من بعضهم، يسألها هي:

_آيــلا العقد مظبوط ولا لا، عشان الواد ده احـول ومش واثق فيـه!

نظرت المعنية لفوق ثم اعطته ابتسامة جـذابة، قائلةً برقـة:

_مظبوطة يا روحـي، كـفاية ان انت اللي عامـلها..

انكمش وجه جـود بأستنكار مشمئز، ليتمتم قائلًا بسخط:

_واضـح ان رمضان ده هـيكون محـتاج صـبر وهيكون في ضغط على المرارة كـتير..

بالقـرب منهم وبداخل الشرفـة

جهـر الشيخ صابر لـ جبران الذي يجلس امامه قائلًا بـهدوء:

_تـاخد العربيات دلوقتي وتلف على المحلات تجيب كل السلع عـشان توزيعات كل سـنة ومـرعي راح هو والرجالة يجيبوا عـجلين، لحد ما تـرجع هتلاقيهم ادبـحوا..

وقف جبران ثم اقترب منه يمسك كفه ويقبله بـأحترام وحـب، قائلًا بـخفوت:

_ربـنا يجـعله في ميـزان حـسناتك يا حـج وميقطعها عـادة ابدًا..

_آمــين يا ابنـي، ويرجع الغايب بألف سـلامة يارب...

دعى لـ غائبه ولجزء من قلبه بالرجوع، فهو حتى الآن لا يعلم كيف صامد دون ان يعلم اين هو او هل بخير ام لا..

ليجيبه جبران قائلًا بتمني:

_يارب يا بابا، يارب..

تحـرك بعدها نحـو الخارج ليجد جاد وجـود ينتظرانه بالفعل، ليصعد الثلاثـة إلى العربات منطلقين بها نحو سـوق القـرية..

والذي كـان يضج بالناس كبيرًا وصغيرًا ومن بينهم صدح صوت مـيمو في المكان قائلةً لـ شقيقها الذي يـعلق الزينـة فوق المحل:

_لا عـيزاها اعـلى كمان، عشان تـلعلع اكتـر واللي مش شايف أسم عبد الغفور يـشوفـه اوضـح..

انهت كلماتها وهي تنظر نحو المحل المقابل والذي كـان الجميع يقف امامه بالفعل يفعلون المثـل، لتنبس شغـف قائلةً بـغيظ:

_استغفرالله العظيم يارب، الواحد داخل على شـهر مـبارك ومـش عايـز يفـطر فـيه..

اجابتها أمنـية قائلةً بنصح وتـعقل:

_اتجاهليها يا شـغف، هـي أول ما تلاقيكي مش معبراها هـتسكت وتـحل عن دماغـنا... وعلى رأي المثل "سيب العبيط يـظيط"..

التمعت مقلتي شغـف بالفخر نحوها تترك السلم الذي تمسكه من أجل ياسر الواقف عليه من الأعلى وتقترب من شقيقتها، تمسكها من وجنتيها، تُقبل رأسها بقوة ثم تبتعد قائلةً بفخر:

_بـسم الله ما شـاء الله..

ابتسمت أمنية بسعادة ظنًا منها ان الأخرى ستعمل بنصيحاتها وسعيدة بكلماتها الأولى ولكن صدمتها حين تفوهت، تُكمل بنفس النبرة:

_بقـيتي بتـعرفي تقولي أمـثال وهنحرق دمـها احنا الأتـنين مع بعـض..

تغيرت ملامحها للأحباط، ليصدح صوت ياسر عندما نظر للأسفل ولم يجدها قائلًا بتوبيخ:

_أنتِ سايبـة السـلم وبتعملي ايـــه؟ هـقع ياللي تنشكي..

اسرعت بالفعل نحـو السلم،تُمسك به مجددًا، ليظهر نادر من الشرفة في الأعلى، قائلًا بنبرة عاديـة:

_ادينـي اول الشريـط، هنعلقـه بالطول..

_لا بالـعرض..

جادله الاخـر دون سبب، ليتنفس نادر بصبر قائلًا:

_بالطول شـكله احـسن واحـلى يا ياسـر، بلاش تعاند وخـلاص..

جهرت شغـف قائلةً بسأم وسخط من جدالهم المستمر:

_بقـولكم ايـــه احنا داخلين على شهـر مـبارك، صفـوا مشاكلكم ونـفوسكم دي فيه، مفيش حاجة مستاهـلة..

تنهد ياسر بـضيق يعطيه الشريط بالفعل، ليصدح بالمكان صوت النقشبندي وهـو يقـول بتضرع في المذياع مبتهلًا:

رمضان أهلًا مرحبًا رمضان..

رمضان أهلًا مرحبًا رمضان..

الذِكر فيكَ يطيب والقرآن..

رمضان أهلًا، مرحبًا رمـضـان..

تهللت القـلوب وارتسمت على الوجوه الراحـة والأبتسامات من جمال الصوت الذي جعل النفوس تهدأ والحزن ينجـلي..

لتأخـذ شغـف مقدمـة الشريط الطويل وتذهب به نحـو المحل الأخـر قائلةً بـأبتسامة راضية:

_عايزين نعلق باقي الزينـة بينا وبينكم، عشان شكلها هيبقى احـلى..

نـظرت ميمو نحوها بأرتباك ترفض الكلمات ان تخرج منها، ليهبط معتصم من على السلم يلتقطه منها، قائلًا بلهفـة وسعادة:

_اكيـد طبعًا، رمضان كـريم وكل سنة وانتِ طـيبة وبخير يا آنـسـة شـغـف..

_الله اكـرم يا استاذ معتصم، ينعاد عليكم بالصحة والعافية والسرور إن شاءلله..

ابتسم لها بأمتنان ووجه بشوش، لينـظر بعدها نحو شقيقته يدفعها للحديث والصلح قائلًا:

_تـعالي يا ميمـو ساعديـنا..

تحركت الأخـرى على مـضض وهـي تقول بـمحاولة ألا تخرج كلماتها راضية:

_هـساعد عشان الفـكرة حـلوة بس والشكل فعلاً هيكـون احـلى..

ضحكت شغـف على غرور وعناد تلك الصغيرة، لتتركهم وتغادر بعدها نـحو الوجهة الأخـرى..

ليتنتقل العائلتان من هنا إلى هناك وسط جـو مليء بالفـرحة والمـرح..

**************

_ما كـنا طالبنا كل حاجة من البيت يا سـكن، احسن ما تتـعبي نفـسك؟!

جـهر معين قائلًا تلك الكلمات بينما يتحرك جوارها وهو يقـود العـربة، لا يعجبه ان تـرهق نفسها وخاصةً وهي في أخر شهور الحـمل..

اجابته الأخـرى وهي تلتقط علبة كبيرة وتضعها بالعربة قائلةً بـجدية:

_مش بتعجبني الحاجات اللي بتيجي ولا بثق فيهم، انا كـدا مطمنـة وعارفة هجيب ايـــه؟

اصدر صوتًا تهكميًا وهو يمسك تلك العلبة من العربة ويقول بأستنكار ساخر:

_عارفـة آه! طب وعلبة الحفاضات دي ايـــه علاقتها بـ رمضان وطلباته يا سـكن؟!

_هتمنع تـسريبات عيالك وأني اغير ليهم كل ساعة يا قلب سـكن، مهو انا مش هفضل كل شوية رايحة جاية اشطف وامسـح..

صمت بعجز بعدما اقتنع بحديثها، ليتحرك خلفها على مضض حتى توقفت هي فجاة تنظر له بصدمة قائلةً بذعر:

_ أنـس ويـونس فين؟ انت نسيت عيالك في العـربية بتاعتهم بـرا تاني يا مـعين؟!

انتفض الأخـر متذكرًا للتو انه سحب عربة المشتريات ونسى اطفاله داخل عربتهم خـلفه للمرة الثانية..

وقبل ان يهـرول ويلحق بهم، ظهر عـمر من الممر دافعًا العربة التي بداخلها طفلاه امامه وامامهم الكثير من أنواع الحلويات واللعب..

والذي ما ان وصل لهم نبس قائلًا بسخط نحو الأخر:

_بالله عليك في حـد ينـسى عيالـه كدا!! ده الحمدلله اني جـيت انا و رُبـٰـى مراتي وراكـم..

تنفس معين الصعداء وهو يتحرك نحو اطفاله، لتستند سكن على العربة لشعورها بالعجز عن الوقوف بسبب خوفها مما كان سيحدث لهم بالخارج..

ليسرع عمـر نحوها، يضمها بحنو جاعلًا اياها تستند عليه، بينما يقـول بـنصح مازح:

_قـولتلك اطـلقي منه وسبيـه، قولتيلـي بحبـه يا عـمر..

ضحكت رغمًا عنها وهي تضع رأسها على صدره، تجيبه بعدها بخفوت، تغمز له:

_ما انا لو سـبته مين هيخلص على فـلوسـه وينفض جـيبه دلـوقتـي؟

_لا يا قـلبي ده مدير شـركة هندسة ومعاه فـلوس مش هتـخلص لحد ما تجوزي احفادك..

اجابها بأحباط، ليتدخل معين قائلًا بنزق بينما يضع أنس مجددًا داخل العربة:

_ما انت لـعيب كـورة وعلى قلبـك اكتر منـي؟! وبعدين انزل من على ودان اخـتك انا مش ناقص..

_لا والله؟! وهي اخـته دلوقتي بقت هـم ومش مستحملها؟! طب انا هاخد ولادي وهـروح اقعد عند اخـويا عـشان ترتاح يا معين..

لم يدع عمر الفرصة تلوح من بين يديه، ليسحبها معه وهو يحاوطها بزراع، بينما يدفع عـربة الطفلان امامه باليد الاخرى، قائلًا بـجمود، يغيظه:

_آه، روح بقـى ارتاح براحتك يا حبيبي وهـي قاعده عند اخـوها حبيبها..

نظر معيـن لما يحدث امامه بصدمةً وذهول، لا يصدق ما حدث وانقلاب الأثنان عليه بهذه السرعـة..

**"**********

رمـضان كـريم، فتاح يا عـليم

تـلاتـين يـوم فيـه هـنا وسـعادة

الله الله الله الله الله

قعـدة رمضان

حلوة يا جدعان، شهـر الإحسان

كـله عـبادة

الله الله الله الله الله الله

صدحت تلك الكلمات من تلك السماعة الضخمة التي توضع فـوق السيارة المكشوفـة..

بينما يـقف لـؤي بين الأطفال والشباب من حـوله يساعدهم عـلى تزين المكان، ليظهر مـوسى قائلًا بغيظ، ينهره:

_يأبني احنا مش ساكنين في حـارة؟! المكان كله ظباط وناس راقية، جايب دي جي والحاجات دي من فين؟

اجابه الأخـر وهو يعطي طرف الشريط لأبن الأخر رحيم قائلًا بتهكم ساخر:

_خـد يا حبيبي وارجع لورا، زي ما أبوك كدا لازم يرجع لورا ويفتكر انه كان عايش في شقـة وسط حارة فعلاً قبل ما يبقى صاحب سلسلة مطاعم ويجي يسكن معانا في العمارة ويقرفـني..

ضغط موسى على فـكيه بغيظ من رفيقه، قائلًا:

_لا مـش ناسي والشقة لسه موجودة وبنروح نتجمع فيهـا عـادي، بس الناس هنا ممكن تشتكي يا لؤي..

_اكيد مش هيحبسوا رائد يعني يا موسـى، خد خد شد معانا..

اعطاه طرف الشريط وهو يتراجع للخلف، بينما حولهم الأطفال تلهو وتـلعب بالزينة وتتراقص بسعادة على الأغنـية..

خـرج بعض الجيران بالفعل مذهولين مما يحدث ولكن انضموا لهم باعجاب شديد لما يفعلونـه..

**********

جاء المـساء ومـعه بدأ يتجمع الجميع داخل شـقة عـمر وهذا بعد ان اخبرهم معين بذلك كونه لم يقدر حتى الآن ان يقابل زوجتـه او يتحدث معها..

دق جرس الباب للمرة التي لا يـذكر عددها، ليتحرك عمـر على مضض وداخله سينفجر من شدة الغيظ..

فتح الباب ليجد تلك المرة صديقه نعيم فاتحًا ذراعيـه بينما يقـول بـمرح وسعادة:

_عـمر بـيه حبيب الكل..

_نعيم باشا عـم الكل، اهلًا اتفضل..

اجابه بنبرة ضائقة مغتاظه، لينكمش وجه الأخـر بأستغراب قائلًا:

_مالك ياض؟! قالب وشك كدا ليه؟ ده احنا داخلين على ايام مفترجة..

جذبه عمـر من تلابيبة بقوة فجاة، هامسًا له بغل:

_اخـوك هيشلني، ما صدقت اختي زعلت منه وقولت تقعد معايا، لقيته قايل للكل ان التجمع عندي وكلهم هيوزعـوا هدايا هنا.. الشقة جوا ساحة حـرب يا نـعيـم!

ضحك الأخـر رغمًا عنـه على ما فعـله شقيقه، ليحاول السيطرة على نفسه خاصةً وهو يرى غضب الأخر يزداد، فينبس قائلًا بهوادة:

_اهــدأ بس واصبر، ده لسه في خناقة ماما وبابا معاه عشان يجي يقضي رمضان معاهم، اصبر بس انت عليه، ده هـيتنـفخ..

تـركه عـمر بـ رضا بعد سماع تلك الكلمات، ليشير بعدها نحو الداخل، قائلًا:

_طب شيل اللي جايبه ده يلا وادخـل..

دلفا الأثنان بالفعل، لتظهر الصالة الواسعة والتي تنقسم إلى جزئين..

جزء تجلس به النساء والأخر يجلس به الرجـال والأطفال امامهم تلهـو وتلعب مع بعضها البعض..

وقف لـؤي امامهم بالمنتصق قائلًا بصوت عالي يلفت انتباهمم:

_يـلا يا ولاد، فقـرة كل سـنة.. وهنبدأ بفراشات العيلة..

اصطف الأطفال بحماس وسعادة بجانب بعضهم البعض، ليدلف لؤي إلى مكان الحقائب لثوانيٍ فيعود بعدها حاملًا حقيبة كبيرة..

وقف امامهم ثم اخـرج علبة يخرج منها فانوس زهري بداخله بعض الشخصيات الكرتونية، لينظر بعدها نحو همس اكبر الأطفال هنا وأبنة صديقه عمار قائلًا بلباقة وحـب:

_الـفانوس العـسل ده، لأحلـى بنوتـة عندينا..

اتسعت ابتسامتها بخجل وسعادة، لتقف وتأخذه منه بينما تشكره بـرقة:

_شـكرًا يا عـمو، حـلو اوي بـجد..

_قلب عـمو ميجيش ليها غير الحلو بس..

اجابها بغزل ممازح، لتعود هي وتجلس مكانها بفرحة، ليعود هو لفتح علبة أخرى، يخرج منها فانوس مشابه للأخر ولكن اصغر، لينظر تلك المره نحو سـراب الصغيرة مدللة الجميع وأبنة صديقه مـعين، قائلًا بنفس نبرته السابقة:

_وده للأميرة سـراب بنت الشيخ مـعين..

نـظرت نحو والدها بخجل رغمًا عنها كل مره يجب ان تأخذ اذنه بأي شيء تفـعله بتلقائية، ابتسم لها الأخـر وأومأ لها، لتقف من على الأرض وتتحرك نحو لؤي، تاخذه منه وهي تقول بـخفوت وخجل:

_شـكرًا يا عـمـو..

ربت على رأسها برضا وحب، قائلًا:

_العـفو يا قلب عـمو..

عادت لمكانها، ليفعل هو الأمر ذاته مع رحمة ابنة موسى وريـم ابنة شقيقة مازن ثم عـلا ابنـته..

_دلوقتي دور الـحوش الصبيان..

دلف ثم عاد حاملًا حقيبة اخـرى، ليخرج منها فانـوس على شـكل لاعب كـرة يصدر اغاني رمضانية مع انوار مختلفة...

_خـد يا معلم رحـيم، جايبلك فانوس مـيسي بنفسه..

_لا انا عايز كريستيانو..

اعترض الصغير صاحب السبع سنوات بغنجهة، لينكمش وجه لؤي بسخط، قائلًا:

_منزلش الـموسم ده والله، مـشي حالك بـ ميـسي وخـلاص..

اخـذه الأخـر على مضض وعاد لمكانه، ليتمتم لؤي  قائلًا بغيظ:

_مـفيش شكرًا ولا كل سنة وأنت طيب حتى؟! انا كان لازم اختم بالبنات العسلات دول احـسن منكم يا حـوش..

_هات، هات بس يا اسـطا، نشوف البتاع ده بيعمل ايـــه..

جهر عامـر بتلك الكلمات وهو يلتقط الأخـر من يـده ويعود لمكانه، ليتشنج وجه لؤي قائلًا بأستنكار:

_اسطـا!!

نظر نحو والده عمـار والذي شوح له بعدم إهتمام قائلًا بلا مبالاة:

_متبصليش، انا اصلًا متـبري مـنه..

زفـر بغيظ ثم اخـرج الأخـر من العلبة منتظرًا ابنه علي ان يتقدم ويأخذه والذي تنهد بملل وهـو يستند على الوسادة خـلفه، قائلًا برجاء:

_مـعلش بقـى يا بابا تقـدم الخطوتين دول وهاته عـشان مش قـادر اقــوم..

_ليه يا قلب أبوك؟ ده انت اليوم كله نايـم!!

_ما انا جـيت من بيتنا لحد هنا مـشي وده مجهود كبير عليا، خلي بالك!

برر له علي بجدية، ليرد عليه الأخـر بتهكم قائلًا:

_بيـتنا ده اللي في العـمارة اللي جنبنا صـح؟

_انت  مستهون بالمسافه؟!  انت عـارف انا مشيت كام خـطوة لحد هنا!

تعالت الضحكات من حولهم على هذا الجدال بين الأبن ووالده، والذي انتهى بوقوف رحيم ياخذ من لؤي الفانوس ثم يعطيه لـ علي وهو يقول بسخط:

_اهـو خــدو بقى واسكت، صدعتونا..

_حقك علينا يا معلم رحـيم، ما احنا اللي معرفناش نـربي..

جهر موسى والده بتلك الكلمات، ليعود لؤي ويوزع باقي الفوانيس على الصبيان الصغار للغاية كـ أنس ويونس وايضًا لؤي الصغير أبن شقيقه مازن..

جـلس هـو ثم وقف عمار يجلب هداياه، ليستمر الوضع حتى انتهو جميعًا من توزيـع كل شي على الأطفال..

منهم من وزع الألعاب ومنهم من وزع مصالي صغيرة وسط جـو مليء بالفـرحة والسعادة لـقدوم الشهر المـبارك، شـهر رمضان..

***************

عـودة لقرية آل شـداد

وتحديدًا داخل غـرفة جـاد والتي ما ان دلف إليها وجـد زوجـته تجلس على الفراش، تكتف ذراعيها بـوجه منزعج..

تـحرك نحوها ثم جلس بجوارها قائلًا بـمزاح:

_الوضع ده مش لايق عليكي يا ربـع مافـيا..

شهق بصدمة حين وجدها فجاة اصبحت تعتليه وتقبض على ملابسه من الأمام قائلةً بـغيظ:

_كـدا بقـى لايـق؟!

_أوي..

اجابها بأبتسامة سعيدة، يرفع يده بعدها ويعيد خصلاتها للخلف بحنان، بينما يتمتم بـرحابة:

_عـلى فـكرة جـبته من الصبح وهتلاقيـه جوا في خـزانتك بس انتِ مشفتهوش..

قفـزت تمر من فوقه بسرعة تاركةً اياها يتأوه بألم، تناساه عندما عادت حاملةً اياه بين يديها وهي تقفز بسعادةً، قائلةً:

_الله يا جـاد، فانـوس الزيت ده طـلع تحـفة..

انهت كلماتها وهي تحتضنه بقوة، قائلةً بأمتنان:

_شـكرًا، انت بـجد احـسن حد قابـلته في حـياتي..

شدد هو العناق، يضمها نحوه، قائلًا بحب صادق:

_وانتِ حـياتي كلها يا آيــلا..

ابتعدت عنه بعد ان تذكرت شيئًا، قائلةً:

_يعني انت لما شفتني منزلة صورته على الواتـس، روحت جـبته صح؟

_صـح يا بـقلاوة، ما انا لو معملتش كدا كان زمانـي وسط النجيل في الجنينة برا..

اجابها بينما يحرك وجهها برفق بعدما امسكها من ذقنها، لتتعالا ضحكاتها في الغـرفة بسعادةً لم تذقها إلا مـعـه..

بالقـرب منهم وتحديدًا داخل غـرفة جـبران والذي وضـع العلبة أمام رحـيل بصمت ثم القى نفسه على السرير بجوارها بأرهاق..

والتي تركت الهاتف من يدها والتقطت العلبة بلهفة قائلةً بفرحة كبيرة:

_الله يا جـبران! انت جبتلي فانـوس الزيت بـجد؟!

اجابها الأخـر ببـرود، قائلًا ببساطـة:

_لا ده فانـوس بنـزين عـشان يــولع فـيكي واخـلص..

_مـش مـشكلة، هـبقى اشـغله وانت جـنبي، عـشان نولع سـوا..

اجابتـه ببرود اشـد، ليضحك هو دون إصدار صوت رغمًا عنـه..

مـد يـده يعبث بأطراف خصلاتها الطويلة المتحررة خلفها، قائلًا بـهدوء وحـنو:

_رحــيل

همهمت بخفةً بينما تتفحص الفانوس الذي بيدها بفرحة، ليسألها هو بنفس نبرته السابقة، قائلًا:

_بــتحـبينـي؟

توقفت عما تفعـله تنظر للأمام بصمت انتهى عندما نبست عكس كل مره قائلةً بـهدوء فاتر:

_لا.

_بـس انا بـحـبك..

اجابها هو معترفًا تلك المرة بحب خالص كان يحمله لها داخل قلبه منذ زمـن..

لتنتفض هي بصدمة تحبوا بأتجاهه حتى اصبحت على بُعدٍ صغير منه، قائلةً بنبرة مرتبكة لا تصدق ما سمعته:

_انت، انت قولـت ايـــه؟

اعتدل جالسًا يميل نحـوها ببطء، هامسًا بعشق وشجن:

_قولت بـحبك، بحبك يا رحـيل..

_قولها تاني!

ترجته بنبرةً موجعـة، ليضمها داخل احضانه يهمس لها بجوار اذنها، قائلًا بخبث حاني:

_ هـقولها الليل كله وهثبت بالفعـل كـمان..

اختفت الكلمات بينهم وانتهت الشوائب وزالت الحدود وكل ما كان يـعيق بينهم سواء في الماضي او الآن.. ولم يبقى بينهم سوى الحب والمشاعر الصادقـة فقط

************

داخـل المـحل الذي تجلس بـه شـغف وأمنية بعدما صعد التؤام للأستحمام وتبديل ملابسهم..

ظهـر جـود بعدما هبط من دراجته النارية والتي ضغط على والده حتـى يجلبها له..

تـقدم منهم وهو يخفي شيئًا خلف ظهره وما ان وصل حمحم بخفوت، قائلًا:

_السـلام عليكم، عامـلين ايـــه؟

رفرفت الزينة فوقه مصدرةً صوت محبب للقلب، بينما نظرت له شـغف بعدما ردو السلام، قائلةً بأستغراب متهكم:

_مـظهرتش انهـاردة يـعنـي؟! ده انا قولت من الفجر هتكون هنا بعد ما اشتريت معاهم الزينة!!

_لا ما احنا كمان عندنا رمضان وعلقنا زينـة واشترينا السلع ودبحنا عجلين وبكره هنوزع انا شاءلله..

اجابها بكل شيء وبنبرة تشبه خاصتها، ليتحرك بعدها نحو تلك التي تجلس وتعبث بهاتفها، قائلًا على مضض:

_بعـد أذنـك بقـى هعيد على أمنـيـة..

رفرفت بأهدابها باستنكار، لتثبت نظراتها نحوه وهي تراه يقف امام الأخـرى ويظهر ما خلف ظهره ويعطيه لها، قائلًا بـتوتر واحراج:

_جـبتلك هـدية، بمناسبة ان ده أول رمضان تكونـي هنا في القـرية..

_طب ما انا كمان ده اول رمضان ليا في القـرية؟! محدش ادانـي حـاجة ليـه!!

تمتمت شغف بتلك الكلمات بغيظ، تشاهد أمنية وهي تاخذ منه الحقيبة بخجل شديد، قائلةً:

_شـكرًا يا جــود..

فتحت الحقيبة تخرج ما بداخلها والذي كان عبارة عن دومــية تشبهها للغايـة نفس الخصلات المائلة للأصفأرار مـع نفس أسلوب الملابس التي ترتديها..

اعجبتها بشدة وهذا ظهر له عندما اتسعت ابتسامتها التي اصبحت محببة لـقلبه، وضعتها على قدميها ثم اخرجت من الحقيبة فانـوس زهري اللون به فتاة يمسك بكفها فتى بينما هي تقف على سور وتخطوا عليه، حولهم ثلوج تنتشر حين تضغط على الزر ..

ضربت شغف على وجهها بـحسرة وغيظ، قائلةً:

_حـسرة عليا وعلى حـظي المـايـل..

***********

قبل رمضان  بـيوم و تحديدًا وقت الظهيرة..

تقلب على الفراش بجسد يأن من التعـب، تأوه بخفـوت حين لامس ظهـره المرتـبة ليعود ويتكيء على كوعـه.. جـلس بصعوبة وهو ينحنـي بأرهاق شديد..

لا يعلم ما هو اليوم او ما هي الساعـة، لا يذكر مـتى تناول الطعام اخر مـرة او تـحمم حـتى؟

حالته مـزريـة، يـشعر بالتـيه، عاجـز عن فعـل اي شيء سـوى الوضـوء والـصلاة، هذا الشيء الـوحيد الذي يحارب ألم جسده من أجـله عندما يسمع صوت الآذان من المسجد القريب من المكان الذي يمكث به

تـحرك نحو المرحاض يـقضي حاجته ثم يتحمم عندما صدح صوت المذياع من المسجد..

يبدو ان اليوم هو الجمعـة..!!

ارتـدى ملابـس نـظيفـه بعد ان توضى، ليخرج من المنزل بعدها ثم يدلف إلى المصعد الذي توقف في الأسفـل..

تـحرك داخل تلك الحارة بصمت ووجه جامد ليس به اي حـياة، لا يتحدث مع احـد ولا يعطي لأحد فرصه ان يتحدث معه حـتى..

وصل للمسجد لينزع حـذائه ثم يتحرك للداخل حتى وصل لمكانه المعتاد، اخـر صف في زاويـةً بعيدة عن الناس..

صدح الأذان بصوت معـين الهادئ الذي يريح القلب ويجعل القلب يهدأ ويخشع.. ليصلي هو بعض السنن ثم يعود للجلوس في مكانه مجددًا..

رأى معـين يمسك مكبر الصوت ليعلم انه سيخطب كما يفعل هنا منذ ان اتـى هـو...

يعلم جيدًا انه يأتي كل هذه المسافة من اجـله هـو، وهو لأول مره يشعر انه ممتن لأحـد..

حمحم معين بخفةً يـجلي صوته ثم بدأ حديثـه، قائلًا بهـدوء واتزان:

_الحَمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصيامَ مِعراجًا لترقيةِ النفوسِ، والقُربَ منهُ تِرياقًا لِشِفاءِ الصدورِ، نَحمدُهُ سبحانهُ أنْ مَنَّ علينا بشهرٍ تَفِيضُ فيهِ القلوبُ بالجودِ لِتزولَ الأحقادُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ جعلَ الكرمَ سَجِيَّةً والشُّحَّ جهالةً، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا ومولانا محمّدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، إمامُ الصابرينَ، وقِبلةُ المتّقينَ، وأجودُ العالمينَ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على هذا النبيِّ الأمينِ، وعلى آلِهِ الطيّبينَ الطاهرينَ، ومَن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وبعدُ، شـهر رمضانُ جاء فأقبِلْ عليهِ بيقينٍ صادقٍ، وعزمٍ مُتَّقِدٍ، واستشعِرْ في صيامِكَ معنى الإرادةِ الحقيقيّةِ؛ فقد جعلَ اللهُ سبحانهُ هذا الشهرَ العظيمَ ميقاتًا لامتلاكِ زمامِ نفسِكَ، ومِعراجًا للتحرُّرِ من سُلطانِ عاداتِكَ، فتخرُج من ضيقِ المعصيةِ إلى سَعةِ الطاعةِ، ومن ذُلِّ الاحتياجِ إلى عِزَّةِ الاستغناءِ، فهو الموسمُ الربّانيُّ الذي يُعيدُ صياغةَ وعيِكَ، ويستنقِذُ غريقَ إرادتِكَ، ويطرُدُ عنكَ أشباحَ العجزِ والوهنِ، فاحذَرْ أنْ تستسلِمَ لِرِقِّ العادةِ، واجتنِبْ ظُلُماتِ الضعفِ التي تُقيِّدُ حركتَكَ، فصيامُ نهارِكَ انضباطٌ، وقيامُ ليلِكَ انطلاقٌ، وما شُرِعَ الصيامُ إلا لِيَصنَعَ الإنسانَ القويَّ، وما جاءَ بكَ اللهُ في هذهِ الأيّامِ المباركةِ إلا لِيُغيِّرَ حالَكَ، ويجعَلَكَ سيّدًا لقرارِكَ، فتأمَّلْ ببصيرتِكَ في سيرِ الأنبياءِ؛ كيفَ حوَّلوا المِحَنَ إلى مِنَحٍ، والضعفَ إلى قوّةٍ، فاستشعِرْ عظمةَ هذا الحالِ الربّانيِّ، وآمنْ بقدرتِكَ على التغييرِ، ليتجدَّدَ فيكَ البناءُ النفسيُّ، ويُشرقَ بقلبِكَ يقينُ القوّةِ، ويتحقَّقَ فيكَ فضلُ اللهِ حينَ قالَ في الحديثِ القُدسيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

استشعِرْ في شهرِ الصومِ نداءَ الجودِ الذي يتردَّدُ في ملكوتِ اللهِ، فبادِرْ بالفضلِ وبُثَّ الأملَ في النفوسِ؛ فقد حثّنا الحقُّ سبحانهُ على المسارعةِ في ميادينِ العطاءِ فقالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، فاجعَلْ من رمضانكَ موسمًا لإغناءِ المحتاجِ وإدخالِ السرورِ على كلِّ قلبٍ حزينٍ، واعلَمْ أنَّ ما تُنفِقُهُ اليومَ ليس نقصًا في مالِكَ، بل هو نماءٌ وبركةٌ وذُخرٌ، لقولِهِ ﷺ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ»، فالإرادةُ حينَ تستقِرُّ في القلبِ، تفيضُ على الجوارحِ بذلًا وإحسانًا، ولنا في رسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ عليا؛ فقد كانَ "أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ"، جودًا يفيضُ كـ "الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"، فاجعَلْ من صيامِكَ مشروعًا لترميمِ القلوبِ المنكسرةِ، وتحرَّرْ من أسرِ الشُّحِّ الذي يُعيقُ انطلاقَكَ، تمثُّلًا لقولِهِ سبحانهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فاستشعارُكَ لكرامةِ الضيافةِ الربّانيّةِ يمنحُكَ القوّةَ لإصلاحِ مجتمعِكَ؛ فادخُلْ محرابَ العطاءِ بقلبٍ مُقبِلٍ، موقنًا أنَّ عفوَ اللهِ يسبِقُ تقصيرَكَ، وأنَّ ما تُقدِّمُهُ هو رصيدُكَ الباقي؛ مصداقًا لقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾.

.. إنَّ الكرمَ الحقيقيَّ في حياتِكَ لا يكتملُ إلا برُقيِّ سلوكِكَ، وسُمُوِّ أخلاقِكَ، وتعامُلِكَ مع عبادِ اللهِ بفيضِ السكينةِ والوقارِ، فالصائمُ الذي يتمسَّكُ بهدوئِهِ عندَ الغضبِ، ويفيضُ قلبُهُ بالرحمةِ عندَ المشادّةِ، هو الإنسانُ الذي استعلى بروحِهِ فوقَ الانفعالاتِ، وهو الذي فهِمَ حقيقةَ الصومِ باعتبارِهِ صناعةً للجمالِ، فأنتَ في هذا الشهرِ الكريمِ تتعلَّمُ كيفَ تُحوِّلُ العبادةَ إلى سلوكٍ يفيضُ بالبهاءِ؛ فيصومُ لسانُكَ عنِ القبيحِ كما يصومُ بطنُكَ عنِ الطعامِ، وتجودُ بكلماتِكَ الطيّبةِ لترميمِ النفوسِ القلِقةِ، فالعِبرةُ بصومٍ يُهذِّبُ الطِّباعَ، ويُورِثُ التواضُعَ، ويجعلُ منك أمانًا وسلامًا لكلِّ مَنْ حولَكَ، لتكونَ من أحبِّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ بميزانِ النفعِ والجمالِ؛ مصداقًا لقولِ الجنابِ النبويِّ المُعظَّمِ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».

صمت معين لثوانيٍ ليبتلع ريقه ثم عاد يكمل، قائلًا:

أيها المسلمون عباد الله، لقد أنعم الله تعالى على هذه الأمة بهذا الشهر الكريم الذي تُفتَّح فيه أبواب الخيرات، ويُقبِل فيه العباد على الله عز وجل بشتى أنواع الطاعات.

يأتي شهر رمضان ليكون ميقاتًا لتوبة التائبين وهداية الضالِّين المنحرفين؛ فكم من تائب تاب ورجع إلى الله تعالى في رمضان! وكم من ضالٍّ منحرف عرَف طريق الهداية في رمضان! وكم من مضيع للصلاة، وهاجر للقرآن، وغافل عن ذكر الرحمن؛ عرف الطريق في رمضان!

يأتي شهر رمضان نهاره صيام، وليله تهجُّد وقيام؛ فيجمع بين سببين من أسباب المغفرة؛ ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، ((مَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).

يأتي شهر رمضان فينكب أهل الإيمان على كلام الرحمن، على ختمات القرآن، ولك أن تتخيَّل كم ختمة تختم في رمضان؟ إنه شهر القرآن؛ فيجمع الصائم بين الشفيعين يوم القيامة؛ ((الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ: أَيْ رَبِّ، إني مَنَعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشَفِّعْنِي فيه، ويقولُ القرآنُ: مَنَعْتُهُ النومَ بالليلِ، فشَفِّعْنِي فيه؛ فيَشْفَعَانِ)).

يأتي شهر رمضان وفيه صبر على الطاعات، وصبر على ترك الذنوب والمعاصي، وصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب؛ فيجمع الصائم أنواع الصبر الثلاثة، ويجمع بين العبادتين اللتين أجرهما بلا حساب؛ كما قال الله تعالى عن الصبر: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم: ((قال الله تعالى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي، وأنا أجْزِي به))، وَفِي رِوَايِةٍ لمسلم: ((كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ لَهُ يضاعَف الحَسَنَة بعَشرِ أمثالِها إلى سَبْعِمائِة ضِعْفٍ، قَالَ الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهْوَتَه وطعامَه من أجْلِي)).

يأتي شهر رمضان فتتآلف القلوب، وتتوحَّد الصفوف، وتجتمع كلمة أهل الإيمان؛ شهر واحد، ورؤية واحدة، وهلال واحد، وفيه تفطير للصائمين، وعطف على الفقراء والمساكين، وفيه لين كلام، وبر وجود وإحسان؛ كل ذلك في رمضان؛ فيجمع الصائم مؤهلات الحصول على غرف الجنة التي أعدَّها الرحمن لأصحاب هذه الأعمال؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بالليل وَالنَّاسُ نِيَامٌ)).

يأتي شهر رمضان فتتغيَّر الأحوال إلى أفضلها وأعدلها؛ فتتحسَّن الأخلاق، وتنزل الرحمات والبركات، تتهذَّب السلوك والتصرُّفات؛ ولذا نفقه حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تهنئة الصحابة والأُمَّة بقدوم هذا الشهر الكريم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه قال: ((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ))؛

انهـى كلماته ببعض الأدعـية،، قائلًا بتضرع:

_اللهمَّ اجعَل لنا في هذا اليوم دعوةٌ لا‌ تُرَد، وافتح لنا باباً في الجنةِ لا‌ يُسَد، واحشرنا في زمرةِ سيدنا محمد ﷺ وسلم، اللهمَّ حَبِّب خَير خلقِك فينا، ومن حوضِ نبيك اسقِنا، وفي جنتِكَ آوِنا، وبرحمتِكَ احتوِنا، وأمنيتنا أعطِنا، وبفضلِكَ أغنِنا، ولطاعتِكَ اهدنا، ومن عذابِ النارِ احمِنا، ومن شرِ كُلِ حاسدٍ اكفِنا.

اللهم، أنك تدرك دعواتي حتى لو لم أبوح بها، فأنت تعلم السر وما يخفي، يا من لا يخفى عليه شيءٌ في

الأرض ولا في السماء.،     

                        

اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا شَهْرَ خَيْرٍ وَفَرَجٍ، وَافْتَحْ لَنَا فِيهِ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَاخْتِمْ لَنَا بِالْقَبُولِ وَالْغُفْرَانِ

   يَا رَبِّ، فِي شَهْرِكَ الْمُبَارَكِ، طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ كُلِّ حُزْنٍ، وَاجْبُرْ خَوَاطِرَنَا جَبْرًا يُدْهِشُنَا، وَارْزُقْنَا مَا نَتَمَنَّى وَأَكْثَرَ

   اللهم يامن بقدرتك خلقتنا وبلطفك هديتنا وبجميل سترك سترتنا وفي أحسن صورة صورتنا ومن خير أمة أخرجتنا 

   اللهم اعطنا خير ما تعطي السائلين واجمع لنا صلاح الدنيا والدين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. .

    اللهم أذهب عنا الحزن وأزل عنا الهم واطرد من نفوسنا القلق واجعل لنا من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً يارب ‏.

    اللهم إني فوضت أمري إليك ثقة وإيمانا بحسن تدبيرك ربي اختر لي ولا تخيرني  ،  يارب اكتب لي الخير أينما كان  ،  وارضني به و اشرح لي صدري ويسر لي أمري...

اَللّهُمَّ اجعَلني فيهِ مِنَ المُستَغْفِرينَ , وَ اجعَلني فيهِ مِن عِبادِكَ الصّالحينَ القانِتينَ , وَ اجعَلني فيهِ مِن اَوْليائِكَ المُقَرَّبينَ , بِرَأفَتِكَ يا اَرحَمَ الرّاحمينَ .

آمن الجميع خـلفـه بـتمني ورجاء، ليعطي بعدها معين المكبر للشيخ الذي امامه ليبدأ الصلاة بهم..

رُفع الآذان وبدأت الصلاة ليضع جـبار رأسـه على الأرض ساجدًا بخشوع تام..

تناسى كل شيء حـوله وجعل هذا الوقت بينه هو وربـه فقط..

بعـد وقـت ليس بـقصير

خـرج جـبار من المسجد وتـحرك نحو الشقة التي يمكث بها، ليلحق به معين، قائلًا بتهكم:

_انت يا يا بيـه؟! انت يا باشا، عبرني طيب ده انا جاي هـنا عشان اشـوفك..

وقف جـبار فورًا ونظر للخلف حيث جاء الأخر ووقف امامه، ليجهر قائلًا بنبرة جامدة لا حياة بها:

_مـعلش مخدتـش بالي انك لسه موجود، انا طولت جوا..

_ما انا شوفت كام حد كدا وبعدها قولت اجي عشان اشوفك واعـزمك..

_تعـزمني!!

تسأل بأستنكار وتـعجـب، ليبتسم معين قائلًا بوجه بـشوش:

_آه، عايـزك تيجي تـفطر عندنا بـكرة، أول يوم رمضان..

_مـش هـقدر ءء

قاطعـه معين بأصرار وتـصميم، قائلًا:

_لا والله لازم تيجي، ده انا مزعل مني ست الكل وكل صحـابي ورفضت عـزوماتهم عشان تـفطر معايا أنت اول يـوم في بيـتـي..

**********

‏"سُبحانك اللهُمَّ تدري ما نُكابِده

‏اشفِ الصّدُور بفضل مِنك ينهمِرُ"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قرية آل شداد

المؤلف ميريـت
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (42)
الفصل 17: السابع عشر
2026/06/26
الفصل 0: مـشهد
2025/12/01
الفصل 1: الفــصل الأول
2025/12/01
الفصل 2: الفــصل الـثاني
2025/12/01
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/12/01
الفصل 4: الفــصل الـرابع
2025/12/01
الفصل 5: الفــصل الخـامس
2025/12/01
الفصل 6: الفــصل السادس..
2025/12/04
الفصل 7: الفصل السابع.
2025/12/05
الفصل 9: الفصل التاسع.
2025/12/12
الفصل 10: الـعاشر.
2025/12/23
الفصل 11: الحادي عشر
2026/01/01
الفصل 12: الثاني عـشر
2026/01/21
الفصل 12: الثاني عـشر
2026/02/06
الفصل 13: الثالث عـشر
2026/02/10
الفصل 14: الرابع عشر
2026/02/10
الفصل 15: الخامس عشر
2026/02/10
الفصل 16: السادس عشر
2026/03/16
الفصل 18: الثامن عشر
2026/06/26
الفصل 19: التاسع عشر
2026/06/27
الفصل 20: عشرون
2026/06/27
الفصل 21: واحد و عشرون
2026/06/27
الفصل 22: اثنان و عشرون
2026/06/27
الفصل 23: ثلاثه و عشرون
2026/06/27
الفصل 24: اربعه و عشرون
2026/06/27
الفصل 25: خمسة و عشرون
2026/06/27
الفصل 26: سته و عشرون
2026/06/27
الفصل 27: سبعة و عشرون
2026/06/27
الفصل 28: ثمانية و عشرون
2026/06/27
الفصل 29: تسعه و عشرون
2026/06/27
الفصل 30: ثلاثون
2026/06/27
الفصل 31: واحد وثلاثون
2026/07/23
الفصل 32: أثنان و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 33: ثلاثة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 34: اربعة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 35: خمسة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 36: ستة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 37: سبعة و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 38: ثمانية و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 39: تسعه و ثلاثون
2026/07/23
الفصل 40: أربعون
2026/07/23
الفصل 41: واحد و أربعون
2026/07/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة