وهَممْتُ أنْ أشْكو الهُمومَ لصَاحبِي
فذكرتُ أنَّك مِنْ وَريدِي أقربُ
عَبدٌ أنا والحُزن يَعصِرُ خَافِقي
ضمِّد جِراحِي إنَّني لكَ أهربُ
* * * * * *
بـعد صـبر طـويل تـحلى بـه وسط مزاحـهم عـلى السـفرة وثرثـرة والده الذي يـتذمر ويـشكوا مـن وجـودهم هـنا..
وقف مـهاب فجأةً ضاربًا بيديـه على الطاولة بغضب وعـصبيـة، قائلًا بـنبرةً حـاده منـخفضة:
_يـاريت لو المسـرحية دي تخـلص بسـرعة، عشان انا عنـدي شـغل وعايـز اخـرج واكيـد مش هسيب اغـراب وسـط بيـتي ومـع حـريمـي .
كـاد ان ينفـعل جـبار ويجيب علـيه ولكن تدخل والده بسرعة، قائلًا بعقلانيـة:
_الـراجل بيتكـلم صـح وعـداه العيب، يلا منك ليه على شغـلكم انتوا كمان ولما يرجع من شـغله، ابـقوا ارجـعوا..
نهض الجميع بالفـعل نـحو الخـارج بدون اي اعـتراض، بينما ظل جـبار جالسًا بمكانه، ينظر له بتهجم، قائلًا بـوجوم:
_هـتخلص الزفت ده امـتى؟!
_زفـت ايـه؟
تسأل مهاب بسماجةً واستنكار، ليقف جـبار قائلًا بـجدية حاده:
_هتسيبها وتفض الحـكاية دي دلوقتي، عشان مش هخـرج من البيت ده وهـي لـسه فـيه..
تنفس مهاب بعمق يـستدعي كل ذرة صبر عنده، لينظر نحوه بعدها قائلًا بـأصرار وتصميم:
_مش هطلقـها غـير لما تشـهد ان مـنذر مش السبب في موت مـنصف ولا هو اللي حاول يـعتدي عليها، غـير كدا اخبط راسـك في الحيـطة انت وكل اللي يتشددلـك..
اظلمت عينـيه بغضب جـام، ينقض عليه قابضًا على تلابيبه، بينما يجهر بـحده وعـصبية:
_انا لحد دلوقتي بتعامل معاك بـكل تـعقل وهدوء، متخلينيش اطلع الحيوان اللي جوايا واهـد القصر ده فـوق دماغك..
نزع يديـه عـنه بحده وانفعال، قائلًا بغضب:
_انت اللي حشرت نفسك في الموضوع من الأول يأبن شـداد وزي ما انت ضحيت بنفسك عشان اخوك جواد امبارح، انا كمان من حـقي احمـي اخـويا من نفس المصير..
_بـس اخـوك غـلطان ومـجرم..
_بـس اخــويـا..
اجابه بصوت عالي منفعـل، ليظل الأثنان ينظران لبعضهم بأعين حاده كارهة، ليخرج جـبار سلاحه من جيب بنطاله، رافعًا اياه بوجهه، قائلًا بـجدية تلك المره وتهديد:
_ارمـي الزفت عليها دلوقتي وألا ورحـمة امـي هخلص عـليك..
شهقت شغف بدون تصديق بينما تنظر لما يحدث بصدمة وخوف، والذي شاركها صابر بنفس ردة الفـعل عندما وقف بخوف وهلع فقد اقسم بـوالدته وهذا لوحده يثبت له انه سيـفعلها حقًا..
وهـذا ما عـلمت به شغف ايضًا لذلك اسرعت تقف امام مـهاب قائلةً بـصوت يرتجف:
_نـ نـ نـزل السلاح ده يا جـبار وملكش دعـوة بالموضوع ده، انا اللي وافقـت برضايا وسيبني اتحمـل انا النتيجـة..واتعامل مـعاه..
_انتِ واقفتك دي كفيلـة تخليني اقـتلة واقتلك وبعدها اقتل نفسي، ابعدي من قدامــه..
صرخ بنهاية حديثة بانفعال وغـضب، لتزداد رجفة جسدها وتتراجع للخلف بخـوف من حالته تـلك، قائلةً برجاء بينما تبكي بانهيار:
_مش هبـعد ولا هتحرك، عشان انا معملتش كدا وبقيت تحت حـكمه عشان انت تودي نفسك في داهـية تاني، انا تعبت، اقسم بالله تعبت من كل حاجة ومحدش حاسس بيـا، انا طول الوقت بحاول اصلح واساعد بـس انا محدش مساعدني ولا مسهلها علـيا..
انفجرت بالبكاء بعدها تنظر لـه بألم، بينما تصرخ بقهر:
_وآه بقيت على اسـمه ومـراته وهـو دلوقتي جـوزي ولازم اكــون في صـفه وتـحت طـوعـه غصب عني وعـنك...
حبس انفـاسـه وتيبث جسده من وقع كلماتها عليه ولكن رغم ذلك هو نظر لحالتها مدركًا للتو مدى اوجاعها والحرب التي تدور بداخلها بينه وبين مـهاب، كـان كل ما يفكر به ان يعيدها له ولم ينتبه انه يؤذيها بينهم وهي ما تتحمله حتى الآن خلف مزاحها وخوفها من ذاك اليوم في المحكمة يضغط عليها بشـدة، لذلك كل ما فـعله انه اخفض ذراعه وانطلق نحـو الخارج بسـرعة، لينظر الشيخ صابر نحو شغف بشفقة وحزن مما تعانيـه... وتتحمله... متبعًا اياه بـقلة حيـله..
وتحت نظرات مهاب المتأثرة ايضًا مما فـعلته والذي اعجبه للحق بشدة وجدهـا تمسح عبراتها بـسرعة بينما تنظر لـه بـتعالي قائلةً بانتصار:
_خـليك فـاكر بـقي انـي انقذت حياتـك يا هـوبا..
ضحكت بأستمتاع بعدها لما فـعلته منذ التو ونجاحها بـه، لتلوح بطرف إسدالها في الهواء بينما تتخطاه وهي تندندن بـمرح تحت نظراته المصدومه:
_طب ليه بيـداري كـدا
ولا هـو داري كـدا ولا انا داري
كـدا ولا انا ده..
طب ليـه حـيرني وليه بيشغلني
ولا بجيـش على بالـه كـدا..
******************
هـبط من السيارة بـحالة افضل من اليومين الماضيين قليلًا، لـيتوجه نحو بوابـة المصـنع كالعـادة..
ولكن قبل ان يـقترب من حدود الحراس وجد ذلك الفتى امـامه فجأةً قائلًا بـصوت عالي مترجي:
_اخـيرًا جيت!! يا راجل ده انا ليا يومين مرزوع هنا ومستني جنابك تتـكرم عليا وتيجي والحرس ولاد الكلب مش راضيين يدخـلونـي بعد ما انت رفدتني، يرضيك؟!
_آه يرضيني، ما انا اللي رافدك!!
اجابه بتهكم سـاخر بينما ينـظر له بسخط ونـفور، لينبس الأخر برجاء يستعطفه:
_طب ما ترجعـني تاني بالله عليك، ده انا واد وحيد على خمس بنات وبجري عليهم هما وامـي العيانه..
ضحك جاد بتهكم، قائلًا بلا مبالاة:
_ما تـجري؟ شالله تنكـسر رجـلك انا مالي!! هو انا اللي قولتلك تطول لسانك وسنانك اللي عايزة الخـلع دي عليا!؟.
جز الأخر على اسنانه بغيظ منه، ليبتلع كلماته قائلًا بـضيق وغيظ:
_معـلش يا باشا، حقك عليا، عـديـها بـقى؟!!
انكمش وجهه بأستنكار بسبب اسـلوب وكلمات الأخر، قائلًا:
_هـو انت ليه بتكلمني بـقرف كـدا؟! على فكرة انت اللي محتاجني مش انا..
زفـر زعتـر بسأم وسخط منه، قائلًا:
_يعني ارجـع الشـغل ولا لا؟
_لا..
اجابه ببرود ثم تخطاه واكمـل طـريقه نحو الداخل، ليضرب الأخر بقدمه على الأرض، قائلًا بتذمـر:
_اعـمل ايه دلوقتي معاه ده؟!!
*****************
امتطى جـبار حصانة بـمزاج حـاد، يـتوجه به نـحو الأراضي الزراعيـة الخاصـة بهم كي ينفث عن غضـبه ويـتفقد ما يحدث بـهم ايضًا...
ضربت حوافـر الحصان بالأرض بـقوةً، ينطلق كما يوجهه صاحبـه بسرعةً كـبيرة..
بينما صاحبه اعلاه يفـكر بـكل ما حدث ويحدث بـمشاعر متقـلبة، سيخلصها منه بالتأكيد سيفعل ولكن يجب عليه ان يهتم ايضًا بموضوع اطفـال القـرية، الموعد يقترب وإلى الآن لم يشتكي اي احد بفقدان ابـنه او اختفاء اي طـفل بالقرى حـولهم؟!!
فما الذي يخططـون لـه؟؟
ابطأ من حركـة الحصان بعدما وصل اخيرًا، يراقب الأراضي حـوله بتفحص وعـقل شـارد بـها.. تلك الفتاة اصبحت تـرهقـه بشدة، هـو لم يشعر بالعجز امام احد من قبل غيرها؟ ولم يحترق من الداخل هكذا منذ ان عاد إلى هنا ولم يجد والدتـه!! إن لم تـعود كما كانت من قـبل مـعه وتخصـه، سيفجر هذا المـكان وهو بالمنتصف مـعها..
زفر بصوت غاضب مكفهر الوجـه ليـجد تلك المزعجة تظهر امامه فجأة بملابس متخفيـة سـوداء فضفاضة، تقف امام حصانه، قائلةً بـخفة:
_ازيك يا جـبار عامل ايــه دلوقتي؟
_ملكيش دعوة، وارجعي من مكان ما جيتي يا عنـود..
اجابها بـنبرة جامدة ونفور، لتجهر هي قائلةً بغيظ:
_بس انا جيت عشان اتكلم معاك يأبن الشيخ صابر.. ومش هتحرك من هنا غير لما اقول اللي عـندي..
هبط من على حـصانه بمهارة وسرعة، يقف بعدها امامها بوجه مكفهر، قائلًا بحده:
_انا لحد دلوقتي بـعديلك وسايبك عشان خاطر يونس واللي بيـنا، لكن مش انتِ اللي تـعلي صوتك عليا ولا تمشي كلامك يا بنت مهران، مـفهوم؟!
اصدرت صوتًا تهكميًا، قائلةً بعدها بـنزق:
_طـبعًا ما انا مـش شـغف اللـي كـانت ممـشياك وراهـا وجـيبالك المـشاكل كـلها..
_بالظبط كدا، انتِ مش شغـف ولا عـمرك هتكونـي هـي..
اجابها بقـوة ونظرات حـاده، ليتهجم وجهها بـعصبية من مغزى حديثـه، قائلةً بـغضب:
_بـس شـغف خلاص اتـجوزت وبـقت مـش ليـك يـا جـبار..
ولأول مـره وبـدون اي سيطرة على نفسه او تحكم بـها، وجد نفسه يقبض على رقبتـها بغضب اعـمى، بينما يصرخ بـحدةً وجـنون:
_ هيطلقها، وهيبعد عنها غصب عنك وعـنه لأني مش هسيبـها، مــفـهـوم؟!!
حاولت إبعاد يده عنها حتى تلتقط انفاسـها التي يمنعها عـنها، بينما تقول بصعوبة:
_جـ جـ جـبار هـ هـتخنق..
ابـعد يده عنها بسرعةً جاعلًا اياها تسـعل بشدة تحت اشمئزازه من لـمسه لها، قائلًا بعدها بـحده:
_غــوري من هنا ومتفكريش انك تجـيلي ولا تتكلمي معايا في حـاجة تاني، عشان والله وقتها هـقول لأخوكـي عـلى كل حاجة عملتيها وأولهم اتفاقك مع مـهاب عشان يقتـل شـغف.. واللي انا لحد دلوقتي مردتش علـيه..
تـحركت من امامه، تهرول بسـرعـة من حيث الاتجاه الذي اتت منـه بخوف شديد، لم تتوقع بحياتها انه سيتطاول عليها هـكذا او حـتى انه يحب الأخرى لتلك الدرجـة؟!!
اخذت تهرول وتتحرك بسرعة وسط الزرع بـهلع فقد مازال أثر ما فعله لا يغيب عن عقلها..
ليظهر شخص فجأة امامها فتصطدم بـه فتتشبس بقميصـه حتى لا تـقع، وما ان رفـعت وجهها بـخوف ورغبة بمعرفة من هـو، وجدتـه همام بملامحه الساخرة دائمًا والتي تكون علـيها، قائلًا بـتهكم:
_عـنده حـق اللي قـال "سـيب الحلو على هواه لحد ما يرجع وهـو واخـد على قـفاه" ألا اخـبار القـفا ايـه دلوقتي يا عِــند؟
* * * * * * *
تـحركت شـغف بداخل القصر بفضـول شـديد تتفحص الممرات بـه حتى تدرسـه جيدًا وتـعلم طـرق وآساليب الهرب منه للمـستقبل إذا احتاجت فعل ذلـك..
ولـكن وبينما تمر بأحدى الطرقات استمعت لـصوت يـصدر من احـدى الغـرف، ليتجعد جبينها بأستغراب كون انها تـعلم بأن لا احـد يسكن هنا إلا مـهاب ووالده!!
اتسعت مقلتيها بشكٍ وذهول لفكرة ان من بالداخل قد يكون منـذر الهـارب..
لذلك اسرعت نـحو الباب تـفتحـه بـسرعـة لتصطدم بـمنظر لم تتوقعه مطلقًا!!!!
جـواد يجلس على الأرض بـجوار فتاة ممددة على الفراش دون حِراك او وعـي منـها..
لتدلف إلى الداخل بسرعة بينما تقول بأستفسار وعـدم إستيعاب:
_انت بتعمل ايه هنا يا جواد ومين دي؟!!
وقف جـواد متنفسًا الصعداء كونها هي من جاءت، يجيبها بأحراج:
_دي دي رضـوى..
_يــاه بـجد؟!! تصدق انا كدا عرفتها!
ما تقولي رضوى مين وليـه نايمه كدا لحد دلوقتي؟!!
اجابته بكل غيظ وسخط، ليتأفف هـو من اسلوبها الساخر منه، قائلًا بصبر:
_ رضـوى تبقى اخت مـهاب الصغـيرة، وليه نايمه كدا عشان هـي في غـيبـوبه من سـت شـهور..
تبدلت ملامحها للشفقة والحـزن وهي ترمق تلك الفتاة، لتنظر بعدها نحوه قائلةً بـتوجس:
_وانت بتعمل ايـه جنبها هـنا؟
_بطمـن عليها.
_لـيـه بقـى؟
_عـشان بـحبـها..
صمتت لثوانيٍ تستوعب ما قاله، لتجهر بعدها قائلةً بحـصرة وغـيظ:
_وانت سبت بنات الكوكب كـله وجيت تحب اخت مـهاب؟! اللي بينكم وبيـنه مصانع الحداد!!
تنهد بهم وضيق، ينظر بعدها نحو رضـواه وريضـاه بحب شديد، قائلًا بـهيام:
_القـلب مدقش ولا اخـتار غـيرها هـي، هعمـل ايـه؟
_اوعـدنا يـارب، إلا ما حـد تـف في وشـي بالغلط ولا عـبرني بكلمـة حـلوة ولا عمل عشاني حاجـة من ساعة ما اتخلقـت..
تمتمت بتلك الكلمات بحصرةً وهـم، لينظر لها جواد باستنكار، قائلًا بتهكم:
_ده على اساس احنا من امبارح محتلين القصر وجـبار جاي بالقنابل والكلب عشان مين؟
_لا ده إحساس الكاتـبة مش انا، انا عندي حوارات اهـم دلوقتي من كل ده.. المـهم يعني..
تابعت كلماته وهي تقترب نحوه وتبعده عن المكان قائلةً بتنبيه:
_اخـرج دلوقتي من هنا ومتجيش للأوضـة دي تانـي، البنت مش في وعيها واخوها مش في البيت مينفعش تتجاوز حدودك كـدا وتستغفلهم.. يا دكتور يا عاقل، ياللي كنت فكراك غـلبان وعلى نياتك..
رفرف بأهدابه بعدم فهم واستنكار، ليـوقفها قائلًا بـتوضيح وصـدق:
_اصـبري بس وافهـمي الأول، انا صح بحبها وهي كمان بتحبني بس انا بعمل كدا عشانها في الأول والله، انا هنا عشان بديها الأبر وبعلقلها المحاليل وكمان اتـكلم معاها وبـعرفها اني جنبها عشان تصحى وتـرجع للدنيا تاني..
_وهـو مـهاب سايبها كـدا من غـير دكـتور ازاي؟
تسألت بعدم فـهم تبدل لدهشـة حين نبس قائلًا بـصرامـة وغـيرة:
_جابـلها واحد من المديـنة وانا خـليته يـقوله اي كـلام وميجيش تاني هنا، هـو فاكر اني هسمح لواحد تانـي يـقرب منها؟!! لا وكمان وانا دكـتور، امال لازمة شهادتي ايـه؟
مصمصت شفتيها بـتهكم وتعجب، قائلةً:
_ده انتـوا طلعـتوا كلكم هـربانه منـكم.. طب يلا يا اخويا اسـرح من هـنا..
* * * * * * * *
في قـبيل المـساء
دلـف مهاب إلى المنزل بـعد ان فتحت الخادمـة لـه، وقبل ان يـخطوا خطوةً واحده وجـد ذلك المزعج جـود يـهرول إلى الداخل حاملًا علبة بيـده، والذي اتجـه بها نـحو التلفاز مخرجًا اياها لتتضح انها احدى الألعاب الألكترونيـة والتي ما ان تأكد من توصيل كـل شيء قفز جالسًا على الأريـكة ممسكًا بدرع التحكم بها..
ليقترب منه مـهاب قائلًا بـغيظ:
_انت يلااا فاكرو بيـت ابـوك ولا ايـه؟ لـم العبط ده وغـور من هـنا..
جـاءت شغف فجأةً خلفه تجيـبه بـصرامـة وهي تشوح بيدها:
_فـيه ايـه يا مـهاب؟! بيت اخـته وبيلعب فيـه الله!!
اختفت بعدها تحت نظراته المتهجمة والتي تحرك بها نحـو المطبخ كي يشرب بينما يتمتم بوجوم:
_لا والمعـفنة فاكره انـه بيتـها كـمان!!
صمت بتفاجؤ حين وجـد جـاد بداخل المـطبخ او تحديدًا بداخل الثلاجـة يفتش بـها، ليجز على اسنانـه قائلًا بـغيظ:
_مش كان أكـلنا حـرام في الصبـح؟ داخل بـعمرك جوا التلاجـة دلوقتي ليـه؟!!
ظـهرت شـغف من لا مكان فجأة تقف خلفه ، تنهره قائلةً:
_فـيه ايـه يا مـهاب؟! بيت اخـته وياكـل براحـته الله!
اختفت بعدها ايضًا تتـركه يتوجه نحو الثلاجة يلتقط منها قنينة الماء بوجه جامد مغتاظ، قائلًا بعدها للأخر بـتهكـم:
_اطـفح يا اخــوهـا اطـفح براحتك..
تـركه بعدها وتوجـه نحو السلالم يرغب بالذهاب إلى غـرفته للأستحمام، ليجد جـواد يـخرج من الحمام الجانبي بالأسفل، مرتديًا السـترة الخاصة بـه، لتحتد نظراته بغـضب ويتحرك نحوه، قابضًا على تلابيبه قائلًا بـحده:
_ التشيرت بتـاعـي بيهبب ايـه على جتتك، اخـلع يلا وايـاك تـقرب من حاجتـي تاني؟!
صـدح صوت شغف من اعـلى السلالم فجأةً، وهـي تنظر له وتـنهره بـحده:
_جـرا ايـه يا مـهاب؟ بـيت اخـته ويـلبس فيـه اللي يـعجـبه اللـه!!
تعالت انفاسـه ينظر نحوها بعصبيـةً شديده، ليترك الأخر ويتجه مهرولًا نحو الأعلى بينما يـقول بـشر:
_ده انـا هـولع في اخـته انهـارده، ده مبـقاش بيت حـداد خـلاص، دول احـتلوه..
هـرولت نحو إحدى الغرف بينما تجيبه بـصوت عالي ناهر:
_بيت اخـتهم ويـحتلوه براحتهم يا مهاب، اللـه!!
دلفت إلى إحدى الغرف وقفلت عليها الباب من الداخل، ليقف هو امـامه بعجز وتوعـد، بينما توجه على مضض نـحو غـرفـته كـي ينعش جسده بحمامٍ ساخـن..
فـتح الباب ثم نزع حذائــه ملقيًا اياه على الأرض، ليتوجه بعدها نحو خزانتـه، مخرجًا ثيابـه المريحة التي سيرتديـها ويتوجه نـحو الحمام..
والـذي قبل ان يدلف إليه وجـد جـبار خارجًا منـه بكامل ملابسه بينما يحمل منشـفة يجفف بـها رأسـه ووجـه، ليصرخ بسأم وعدم قدرة على تـحمل ما يحدث قائلًا بـجنون وغـضب:
_اخــرجـوا من بيـتي حــالًا..
تأفف جبار بانزعاج من صوته العالي، قائلًا ببرود:
_وطـي صـوتك عشان فـصعون نايـم دلوقتي ولو صـحي مضايق ممكن يقـرقشـك..
جز على اسنـانه بغيظ وهو يراه يتحرك ويتخـطاه، ليلاحظ ارتدائه حذاء الحمام الخاص بـه فيزداد غيظه ويصبح عـصبيـة وانفعال..
تحولت إلى سخط وتهكـم حـين وجـد شغـف تدلف إلى الغرفـة فجأة فيجهر هو قائلًا:
_ايـه؟ كــمان ده لابـس شبشبي عـشان اخـوكي وده بيـت اخـتـه!!
نظرت لما يرتديـه جبار بقدمه ثـم نظرت لـه بعدم تقبل ورضا، تجيبـه:
_لا دي قـلة ادب، اعـمل معاه اللي تـعمله براحتك..
_طب ادخلي عقمـي الحمام ده كـويس عشان ادخـل يـلا..
جهر بتلك الكلمات بـجمود واستفزاز مهينًا الأخر والذي صـمت على غير العـادة، تاركًا اياها تـدلف بالفعل وتـنفذ ما طـلبه، لانه يعـلم انها لن تفعل شيء بالداخل، ليسمع الأخر يأمره بحده:
_اخـلع الشبشب كمان انـت، ومتلمسش اي حاجة تخصني تـانـي..
ركل جبار قدماه بتتالي في الهواء جاعلًا الحذاء يصطدم بالسقف ويهبط على رأس الأخـر بينما يقول بـبرود وتهكم:
_خــده وابـقى خـلي بالك من افعالك وكلامك عشان هتلف وتاخد بيهم على دمـاغك..
تأوه مهاب بالفعل حينما اصطدم برأسه الحذاء مرتان، جاعلًا بركان ينفجر بداخـله من شدة الغضب والأهانة التي شـعر بها.. لينظر حـوله باحثًا عن عن اي شيء يضربه به حتى وجد تلك المزهرية الضخمة بجانب الباب..
ليحملها ويلقيها بقوة باتجاه الأخر والذي اسرع بعيدًا عنها يتفاداها، جاعلًا اياها تصطدم بالأرض مصدرا صوتًا عالي بالغـرفة..
والتـي تسببت بقفز الكلب فجأةً من على السرير ينبح بصوت مخيف جعـل جـبار يهرول بسرعة نحو المرحاض ساحبًا مهاب من سترته مـعه..
وبينما كـانت تـقف شـغف بالداخل لا تفعل شيئًا، وجدت الأثنان يدلفان بسرعةً اخافتها مغلقين الباب خـلفهم والذي اصطدم بوجه فصعون من الخارج..
_انـت غـبي ولا مجـنون؟!! ازاي مـربي حيوان زي ده في بيـتك!!
جهـر مهاب بتلك الكلمات بعصبية ينهر الأخر بينما يسمع نباح الكلب يعلو بالخارج خلف الباب بينما جـبار ينظر له بحده، قائلًا بـوجوم:
_الحـيوان ده احـسن منك لأنه بيسمع الكلام، قولتلك بلاش تـصحيـه لانه لو صحي غصب عنه بيكون اشرس من الطبيعـي الـف مـره..
_وليـه مسبتهـوش ينقنـقة بـرا؟!
تسألت شـغف بسخط بينما تكتف ذراعيـها وتنظر نحو مـهاب بـسخط والذى استند على الحائط خـلفه قائلًا بـخبث:
_مش عايزك تبقي ارمـله من تاني يوم، شفتي قد ايـه حنيـن؟!
_كـلمة كمـان وهفتح الباب وارميـك ليـه، ويارب تـحاول تستظرف في الموضوع ده تاني عشان اعملها بجـد..
اردف جـبار بتلك الكلمات بجديـة وصرامـة التقطها الأخـر فقرر الصمت... مؤقتًا..
_طيب الكائن ده هيسكت ولا يهدأ امـتى؟
تسأل مهـاب بسأم وسـخط، ليجيبه جـبار بينما يبعث رسالة لشقيقه بالأسفل، بأن لا يحاول احدهم فتح الباب مطلقًا وان يظلا بالأسفل:
_شـويـة وهيـمل ويـروح يـنام تانـي..
نـظرت شـغف نحو الأثنان بشـكٍ، هذان الأثنـان ليس اعـداء حقًا او ليس لتلك الدرجة التي تجعل احدهم يقـتل الأخـر!! هنـاك شيء بينهم وستـعلمه قريبًا..
تـجاهلت كل ذلك وايضًا نباح الكلب من الخارج ونبست قائلةً بادراك وذهول:
_يـعني انا لو كنت اتقلبت امبارح عليـه او صحيـته بالغلط، كان ممـكن يأكـلني؟!!
تـجاهل جـبار النـظر لـها وواجه الباب، لتدرك هـي الأجابـة من ردة فعله تلك، لتجهر قائلةً بـعدم تصديق:
_انـت لـو عايز تـشلنـي دلوقتي قولي آه..
تأفف قائلًا بأستسلام:
_كان ممكن آه، بس الحمدلله ربـنا كتبلك عمـرو جـديد..
ضربت على وجههـا بعصبية وعـجز عن افراغ غضبـها منه الآن.. لا تصدق او تتخيل انه لم يحذرها حتى..
* * * * * * *
بـعد وقت وتحديدًا بذلك المنزل المهجور..
كـان جاد قـد تركهـم وجاء إليها حتى لا تشعر بالخوف وحـدها هـنا، لـذلك دلف إلى داخـل المنزل بهدوء يبحث عـنها بالمـكان بهدوء فـلم يجدها؟!
لذلك صـعد إلى الأعلـى ينوي البحث عنها بالطابق العـلوي بداخل غـرفتها.. التي نـظفها من اجـلها..
وقـف امام الغرفـة يدق الباب بـخفةً بينما يقـول بتنبيه:
_آيــلا!! انا جـيت لو انتِ جـوا افتحـي البـاب؟!
لـم تـفتح الباب او يـسمع اي صـوتًا حـتى من الداخـل، لذلك دلف هـو بحذر إلى الغرفـة يبحث عـنها ولكن لم يـجدها، تجعد جبينه بأستنكـار وبداخله يشعر بالخوف والقلق ان يكون قد حدث لها شيئًا..
لم يتبقى سوى مكان واحد وهـو السطح الذي يجلسان بـه كل ليلة لذلك توجـه نحوه بـسرعة بينما يدعو الله ان يجدها هنـاك..
صعد السلالم مهرولًا، ليدلف للسـطح فيجدها بالفعل تجلس على الأرض متكورة حـول نـفسها، ليضرب بداخله الخوف عليها، قائلًا:
_آيــلا؟ انـتِ كـويـ....
اما عنها فقد كانت تجلس وتـبكي بخوف شديد، فـقد سمعت منذ قليل صـوت غريب بالأسفل لذلك هرولت بحماس ظنًا منها انه هـو من اتــى، ولكن لم تجده وهذا جعلها ترتعب خوفًا وما كان منها إلا انها اتت إلى هـنا تنتظره بـقلة حيـله، تبكي بصمت كونها تعجز عن الصراخ او الحديث حتـى..
وما ان سمعت صوته حتى رفعت رأسـها بسرعة لتجده يقف امامها وعلى وجهه ملامح القلق، وما كان منها إلا انها هرولت بسرعة نحوه تحتضنه بقوةً، تخفي وجهها بصـدره بينما تبـكي بحـرقـة..
تفاجأة جاد من فعلتها تلك تضربه ارتجافه خفيفة بينما يراهـا تتشبس به وتبكي، ليجد نفسه رغمًا عنه يربت على راسها بخفةً بينما يقول بحـنو:
_متـخفيش، اهـدي خلاص انا هـنا..
ظل يكرر تلك الكلمات ويربت عليـها بحنان حتى هدأت وبدأت تخفف من تمسكها بـه، ليتسأل هو بـنفس النبرة السابـقة:
_احـكيـلي يا آيــلا، ايــه حـصل مـعاكي عشـان تبكي كدا؟!
ابتعدت عنه بخفةً تمسح عبراتهـا بشهقاتٍ تـخرج منها بـسبب بكائها منذ قليل، لتخرج الدفتـر من جيب الـبجامـة التـي ترتديها، تخط له بعض الكلمات وتعطيها له..
ليلتقطها هـو ويقرأ ما حدث متفهمًا ما جعلها بتلك الحالة، ليربت على رأسها قائلًا بـرفق بينما يبتسم بـخفة..
_متخفيش تلاقيها قـطة او فـار عمـل الصـوت ده، البيت آمان متقلقيـش مـنه..
اشارت له بأشياء بينما تتغير ملامحها وتصف له، ليقهق هو بخفةً، قائلًا لها:
_مفـيش اشبـاح ولا عفاريت هنا، لأنـي كنت بشغل فيـه سورة البـقرة من وقت للتانـي..
تجعد جبينها بأستغراب وعـدم فـهم التقطه هو، لذلك نبس قائلًا بـرفق:
_سـورة البقرة دي في القرآن الكريـم وهي لتحصين المنزل..
لاحـظ ايضًا علامات الأستنكار على وجهها والجـهل، ليحثها على الجلوس بينما يقول بـهمة:
_تـعالي اقعدي وانا هحـكيلك بالتفـصيل..
*************
بداخل حديقة قـصر حـداد
كـان جـبار يـقف و يتحدث بالهاتف مـع احدهم، بينما امامه على المقاعد كان يجلس والده برفقـة صـالح الذي جهـر قائلًا بضيق:
_منورنـا يا شيخ صالح، بس يبخت من زار وخفف ولا ايــه؟!
تنهـد الشيخ صـابر بـهدوء، يجيبه بعدها بـبساطـة:
_ولا ايـــه..
احتقنت ملامحه غيظًا من إجابته، قائلًا:
_ولادك بيـرخمـوا على ابـني وبالذات اللي واقف هنـاك ده، ياريت تـبعدهم عـنه خليـه يتهنـى مع مـراته شـويـة...
نظر له الأخر، ضاحكًا بخفة، قائلًا له:
_انا عايـزك تروح تقولـه الكـلام ده بـنفسك وبالذات اخـر تلات كـلمات دول..
_انا اللي عايز افـهم انت ازاي سايبهم في ارضـي وفي بيـتي عادي كدا!!
ايــه؟
مش خايف عـليهم؟!
نبس صالح بتلك الكلمات بسخـرية واستنكار، ليجيبه الشيخ صـابر قائلًا بلا مبالاة:
_لو تعـرف ولا فيك حيل تعمل حاجة اعملـها، او سيبهم هما مع بعـض يحـلوا امـورهـم..
صمت الأخر بغيظ من إجاباته المستفزة لـه، بينـما على مسافـةً منـهم وبـعدما ابتعـد جبار قليلًا عـنهم يكمل مكالمته والذي بعد دقائق انتهى بالفعل وهـمَ يغـلق الهاتف، لتأتـي شغف من خـلفه تحمحم بصوت استدعى انتباهه، جاعلًا اياه يلتف ويواجهها..
ليتهـجم وجـهه بضيق ناظرًا بعيدًا عنـها بـانزعـاج، متجاهلًا اياها ، لتتنهد هـي بـقلة حيـله، كونها تـعلم انه منزعج منها للغـاية ولـكن للآن لـم يتحدث معها..
_طيب انا عارفـة انك مضايق منـي وعايز تطبق وشـي، بـس ممكن اعـرف ليه زعـلان من جـبران ورافـض تتـكلم مـعاه؟!
نبست بتلك الكلمات بكل هـدوء، ترغب بإصلاح ما تسببت بأفساده لـهروبـها من القـصر.. ليجهر هو قائلًا بانزعاج شـديد وضيق مما تفعله دائمًا:
_ممـكن تبـطلي انك تـحاولي تصلحي كـل حاجـة وتدخـلي فـيها؟!
_ممـكن انت تـبطل تتـكلم معايـا وكأنك مش طايقـني ومخنوق منـي!!
اجابته بحنق وغيظ شديد مـنه، لينظر نحوها بوجه متهجم، قائلًا بانفعال مغتاظ:
_انتِ غـبيـة ولا بتيجي عندي وبتستغبي؟!
ضغطت على اسنانها بعصبيـة، قائلةً:
_لا انا بـحاول افهمك يا جبار بس مش عارفـة، مش انت اللي طلبت مني ابـعد عنك؟! وبعدها طلبت ابعد عن عيـلتك؟
اومأت له بانفعال، تتابع بعدها بـبساطـة:
_تمام، اهـو انا ريحتك خالص وصححت اللي حصل من البدايـة لما هربت من جوازي من مهاب وتحميت في بيتك وجـبتلك المشاكل دي كـلها..
نـظرت بعدها له بـقوة، قائلةً بجدية وصدق:
_جـبار انا بـجد مش عايزة اكـون عـبء عليك ولا على عيـلتك وقولتهالك قبل كـدا انـي لو حسيت انك مضايق من جودي وبضغط عليك هبعد عنك للأبـد..
_وانتِ اتـزفتي منه عشان حسيتـي بـكل ده ولا عشان تنقذيـني من جريمة القتل؟!
تسأل بتهكم واستنكار، لتجيبه هي بـنبرةً واثقـة:
_عشان انقذك من جريمـة القـتل طبعًا..
_طيب ايـه لازمتها كـل الدرامـا دي؟!!
تسأل بسأم وضيق منـها، لتحمحم هـي بتراجع، قائلةً بنـزق:
_والله بـجرب معاك وبستعمل كل الآساليب عشان تنـطق بـحاجة وبرضـوا مش نافـع..
زفـر بحدةً بينما يرمقها بـغيظ، قائلًا:
_وانـتِ شايـفة انـي ينـفع اقـول حاجـة واحنا في الوضـع دي؟
صفقت بـقلة حيـله وحـصرة بينما تجهر قائلةً بـتهكم:
_لا وانت ما شاءلله قبل الوضـع ده كنـت عـندلـيب، يا شيخ اسـكت بـلا وكـسـة..
***************
﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾
**********
هي النفسُ ما حَمّلتَها تتحَمَّلُ
ولِلدّهرِ أيامٌ تجُورُ وتَعدِلُ
وعاقبةُ الصبرِ الجميلِ جميلةٌ
وأفضلُ أخلاقِ الرجالِ التّفضُّلُ
ولا عارَ أن زالت عنِ الحُرِّ نعمةٌ
ولكنّ عارًا أن يزولَ التجمُّلُ
وما المالُ إلا حسرةٌ إِن تركتَهُ
وغُنمٌ إذا قَدَّمتَه مُتعجَّلُ
مقتبس...
* * * * * *
ل
مناقشة الرواية ونشر ما يتعلق بها، ستجد للينك جروب الفيس الخاص بي في التعليقات) ♥♥♥
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰
دمتم سالمين ♥
ميريـت