لكلّ امرىءٍ شكلٌ من النّاس مثلهُ
وكلّ امرىءٍ يهوى إِلىٰ من يشاكله
مقتبس...
************
بـداخل قـصر آل شـداد وتحديدًا غـرفـة الشيـخ صـابر..
صـدح صـوت نازلي بداخل الغرفـة وبينما تقف بمواجهة زوجـها، قائلةً بـرفض:
_يعني ايـــه هتكتب كـتابها بـكره على داغـر؟! انا مش موافـقة يا صـابر وتنزل دلوقتي تقـولهم ان كـل حاجـة اتلغـت وتنهي الموضوع ده..
تـجاهل ثـرثرتـها وتـوجه جالسًا على الأريـكه بينما يجيبها ببـرود وعدم اهتمام:
_مـش هيحصـل يا نازلـي، وزي ما قولت على الفطـار بكـرة باللـيل هـيكون كـتب كـتاب الأتنين سواء عاجـبك ولا لا..
ضغطت على فكيـها بغيظ شـديد، قائلةً بتهديد خفي:
_بـلاش تخـليني افتح في القـديم يا ابو جـبران..
ضـحك بخفـةً، قائلًا بعدها بـجمود بينما يخرج شيئًا من جيبه ويلقيه تحت قدميها:
_لو قـصدك على ده، فـخلاص مبـقاش ليـه لازمـه، جـبران مسـحهولك خـالص وبقى مجرد زينة عـادي..
جحظت عينيها بـعدم تـصديق وصدمـه، تجثوا على الأرض وتلتقطـه بجنون لتجده بالفعل فارغ من ذلك الجزء الذي خبأت فيـه الكـارت، تركتـه يسقط على الأرض، فتنـظر نحوهه بعـجز عن قـول اي كلمةً اخـرى..
لـيقف بأنفعال وهيئة جامدة، محذرًا اياها للمرة الأخـيرة بصرامةً وحـده:
_عشان خاطر جـود وشمـوس بس يا نازلي مش هـندمك على الماضي واعاقبك قـدامهم وازلك، لـكن وربـي يا نازلي اللي مش هحلف بيه كدب لو بقك بس نطق كلمـة معجبتنيش لهطلقك وارجعـك من مكان ما جبتك تاني، هتقعدي على ذمتـي وفي بيتي يبقى تعيشي تحت رجلين عـيالي، غير كـدا قـبل ما ارجـع البيت تكوني لميتي حاجتك ومشيتي..
ضرب الأرض بعصاه بقوةً بينما يرمقها بـحده، يـتحرك بعدها نحو الباب، يخرج منه ثم يصفعه خلفـة بـقوة جعلت جسدها يرتجف بشدة..
بـكت بضعف ووهـن شديد، تشعر بأن كل ما فعلته منذ سنوات ذهب هدًا، لقد احبته بشدة منذ ان رأتـه بالمـديـنة في احدى المناسبات..
وظلت خلفه حتى تزوجته ولكن حبه لزوجته المتوفاة جعلها تتـحول لأمراة حـقودة، قاسية علـى كل ما يعـود لها ومنـها..
افرغت غضبها وتذمرها بأطفال ليس لهم ذنبًا بـشيء وكـرهها لهم جعلها تنسى وتـهمل طفليها ايضًا..
هـي تعلم جيدًا انها لن تقـدر على تنفيذ ما حذرها منه ومتأكدة انـه سيطلقـها بـعد قـسمه، لذلك ستـحمل ما لها هنـا وتـغادر بـرفقة ابن شقيقها من القريـة إلى الأبـد.. حتى زفـاف ابنتها لن تقـدر على رؤيـته وتمثيل انها سعيدة، ولكن ستتحدث معها هي وجود وتبارك لها قبل ان تـذهب من هنا...
*************""
بـداخل قـصر حـداد
كـانت شغف تجلس على طاولة الغداء بـجوار مهاب تلك المـرة بينما يواجهها صالح، الذي نظرت له قائلةً بـأستنكار:
_إلا قـولي يا عـم صـالح؟! هـو انت مش ناوي تـشوف بنتك وتطمن عـليها!!
_بنتـي ميـن؟!
تـسأل بـتيه وعـدم تذكر بينما يمضغ الطعام وينظر لها، لتصدر هي صوتًا تهكميًا، تجيبه بعدها بحصرة:
_اصـلًا؟! بنتك يا حـاج صالـح هو انت نسيتها!!
ضـحك مهاب بخفةً رغمًا عنـها عندما سمع كلمةً "حـاج " تـلك بينما يغرف الطعام من الطبق ويأكله بـقلة حـيلة، يسمع والده وهـو يجيبها قائلًا بلهفةً ونسيان:
_آه، بنتي رضـا، لا.. لا روضـة بايـن!! ولا ااا
_رضـوى، اسمها رضـوى يا ابـو مـهاب، ولا ده كمان نسيتـه؟!
اجابته بتهكـم وسخرية عما يحدث ونسيانه لأبنتـه، ليوافقها الأخـر، قائلًا بتذكر:
_آه صح رضـوى، هـي في غـيبوبـة من شهـور، ادعـيلها..
_والله انت اللي في غيبوبة ومحتاج تـفوق..
تمتمت بتلك الكلمات بصوت لم يسمعه سوى مهاب الذي كبت ضحكته تلك المـرة بصعوبة، لتتابع هي بصوت عالي، قائلةً بـصبر:
_هـي فاقت امـبارح، ياريت بقـى تبقى تروح تشوفها وتطمن عـليها..
وقـف بالفعل ناهضًا بلهفة يتجه نحو الأعـلى، قائلًا:
_بـجد! دي وحشتني اوي، هـروح اشوفها دلوقتي..
اختـفى بعد دقائق بالفعل، لتنظر شغف نحو مهاب بتوجس، تحمحم بخفةً، قائلةً بعدها بـحماس وفرحة مفتعـلة:
_مـش بـكره كتـب كـتاب داغـر وشـموس، هيـعملوه في جنينة القصر وهتكـون ليلـة كـبيرة..
_وأنا مـالـي..
اجابها بلا مبالاةً بينما يكمل تناول طعامه، لتضحك هـي بخفةً وجمود، تجيبه بعدها بكل صبر، قائلةً:
_عـادي، قولت اقولك يعني وكدا..
_هاتـي من الأخـر يا شغف، عايـزة ايـــه؟
ترك المعلقة بجوار الطبق ثم شبك كفيه، ناظرًا نحوها بـجديـة، لتتنهد هي قائلةً بأقتراح وتـوتر:
_انا بـقول يعني وعشان خاطر اختك والله قبل اي حاجة، وانت كمان عارف ومتأكد انها بتحبـه وهتكون سعيـدة وفي آمـان لـو.. لو يعني وافقت انهم يكتبوا الكتاب معاهم بكره..
صمتت تراقب ملامحه الجامدة والتي لم يبدوا عليها اي ردة فـعل، لتسرع وتضيف على حديثها السابق، قائلةً:
_وهـي اصلًا دلوقتي محتاجاه جنبها عشان التدريبات ومتابعة صحتـها والأهم نفسيتها، لما يكون جوزها، احسن الف مره من انه دكـتور وغريب عنها..
_وانا موافـق..
نبس بتلك الكلمات ببساطةً وهو مازال على وضعه، يراقب صدمتها وذهولها، متابعًا بعدها بـجدية:
_بس بشـرط، تشهدي بعد بـكره باللي كنت عايزك تشهدي بيه من الأول..
وقفت فجأةً بصدمه من حديثه واختلاطـه بالمواضيع، قائلةً برفض:
_بس ده ايـــه علاقته بده؟! انا كلامي واقتراحي لمصلحـة اختك وسعادتها قبل اي حاجة، يبقـى ليـه اظـلم نـفسي وغيري كدا!!
وقف هو ايضًا مستندًا بذراعـيه على الطاولـة، قائلًا بـبسـاطة:
_عشان الموضوع سهل وبسيط يا شغف، جواد ورضوى يتجوزا، منـذر يطلع براءة ويعيـش حياته، وانتِ هطلقـك بعدها وتـروحـي لحالك، كدا كله هيـكون مبـسوط..
_طب وحـق اللي مات وهـو بيدافـع عنـي فيـن؟ طب وقـهرة ابـوه اللي وقع ومستحملش انه خـسر ابـنه خلاص ومات وراه فيـن؟
اجابتـه بقهر شديد ونبرة متألمة بينما تطالعه بأستنكار، تتابع بعدها قائلةً بـحيرةً لما يريده منها:
_وانا لما اعـمل اللي بتقـولي عليـه، هروح من ربنا فين؟ دي شهادة زور وهتحاسب عليها اشـد حساب، يعني لا انت ولا غيرك هـيفيدنـي يـوم ما اقـف قـدامــه..
ارتـعش جسـده بالفعـل بسبب كلماتها، ليظهر ضعفه لأول مره، قائلًا بعـجز:
_مهو مش هقـدر، مش هقـدر اسيبـه ولا اتخـلى عـنه، دي فيها مؤبـد وده اخويـا الوحيـد ومليش غـيرو، افهمينـي؟
مسحت وجهها بكفيها، تعيد ثباتها مجددًا، تجيبه بعدها بـعجز ايضًا:
_افـهمنـي انت وتأكد انـي مش هقـدر اعمل اللي بتطلبـوا منـي..
ضم قبضتيه بقوةً وجسده تصلب من كلماتها واصرارها على ما قررتـه، لينظر نحوها بتـروي وصبر، بينما ينبس بجمود:
_خلينا نقفل دلوقتي على الموضوع، لسه عندنا وقت لحد الجـلسة، المهم دلوقتي تتصلي بجواد وقوليلوا لو عايز يتزفت بكـرا، يجي هو واهله كلهم بالليل ويطلبوا ايـدها منـي..
انهى كلماته ثم التقط اشيائه من على الطاولة خارجًا من القصر بأكمله، بينما هي جلست على المقعد مجددًا بـضعف شديد وداخلها متيقنه انه سيفعل شيئًا، تفكر ما الذي يدبره لها بالضبط؟
***************
بداخل ذلك المنزل المـهجور
حاول جـاد تحريك جسده ولكن شعر انه مُكبل وعاجز عن ذلك، تأوه بخفوت بسبب الألم الذي يهاجم رأسـه، ليفتح عينيه اخيرًا مدركًا انه تم تكبيله وربطه على احدى المقاعد الخـشبية، داخـل غـرفة ما بالمنزل.. ولكن السؤال الوحيد الذي طرأ بعقله هو كـيف فعـلتها واتت به إلى هـنا وقامت وحدها بفعل كـل ذلـك؟!!
فـتح الباب فجأة وظهـرت هي منه بملابس ذلك الفـتى زعـتر وهيئته الصبيانيـة والتي لا يعلم ايضًا كيف اتقنته لتلك الدرجـة، لينظر لها بأستنكار، قائلًا بتـيه:
_انتِ ميـن بالظبـط؟! آيــلا البنت البريئة ولا اللي قـدامي ده!!
اصدرت هـي صوتًا تهكميًا، تجيبـه بعدها بـقوة وثـقة:
_أنـا اللي مستحيل عقلك يصورلك ابقـى مين؟ وايــه اللي ممكن اقـدر اعـمله يا جـاد، انا محامية، دكتورة وممكن ابقى طالبـة واحيانًا ممكن اكون قناصـة او رقـاصـة..
دارت حـوله ببطء بينما تتابع، قائلةً بـجمود وتبلد:
_انا زي ما يطلب مني اكون بـكون، وانا اللي بعرف اتـقن اللي بـكونـه واضحك لو عايزه على ملـيون.
_سبحان الله! مع اني كـشفتك بـسرعـة يعني؟
اجابها بتهكم بالغ يخفي خلفه الكثير من الخذلان والألـم بسبب وقـوعه بحب فتاة مثلها، قامت بخداعه، لتجز هي على فكيها، قائلةً بغيظ:
_ده لأنـي نـسيت امسـح الـرسمة بـس..
_رسـمـة!! يعني انـتِ مش مسيحيــه؟
تسأل بصدمه اكبر من كل ما مر به للأن، لتنظر هي له بسخط، تجيبـه:
_طب صل على النبي في قـبلك كـدا، واصلًا ده كان مفتاح الحياة مش صليب يا غـبي..
رغـم سعادته الكبيرة إلا انه ابعد وجهه عنها عندما وقفت امامه، قائلًا بضيق:
_ولما انتِ مـسلمة، بتنصبي على الناس ليـه؟ بتتصرفي كدا ليـه يا آيــلا؟!!
تنهدت طويلًا تخرج كل الثقل عنها، تجيبه بعدها ببساطـة لا تمس للبساطة بصلة:
_بصراحـة انا مـش عارفـة ديانتـي ايـــه؟ بس على حسب الشخصية بتـعامل، لأني للأسف مش مولودة في مكان زي اللي انت اتولدت فيـه..
انكمش وجهه بنـفور وعدم تقبل لأفعالها، قائلًا:
_بس ده حـرام، اللي بتعمليه ده غلط وذنب كبير ووو
_عندنا مفيش حد بيختار حاجـة، مع إني عارفـة ومتأكدة إني مسلمـة بس اللي ربـاني هو اللي قرر مصيري.. واختار إني اكون آيــلا بـنتـه وتحت أمـره..
قاطعتـه بقوة وحـده، تخبره بحقيقة الأمـر، ليحاول هو فك وثاقـه بسأم من وضـعه هذا، ينظر لها بحده، قائلًا بأمر:
_فـكيني وانهـي المسرحية دي، لان مفيش حد عاقـل يمشي وراا الغلط ويقـول هو امـرني..
تـجاهلتـه وتحركت لخارج الـغرفة بينما تقول ببرود:
_عـامةً مش مستنية منك تعاطف ولا نصايح، لأني كدا كدا هـعمل اللي عيـزاه يا جـادو..
************
بداخل غـرفة رضـوى
كانت شغف تتمدد بجوارهـا بينما تضع جهاز الأبتوب امامـهم تنظر لما تفعله الأخـرى بترقب وانتـظار، تحول لحماس وفضول حينما صاحت رضـوى اخيرًا بتفاخـر:
_لـقيتها، هـي دي يا ستي رهـف..
سحبت الجهاز تقربه منها، تتصفح صفحة تلك الرهف جيدًا، لتجد لها صورة بالفعل والتي كانت عبارة عن انها تقف امام احدى المناطق الجميلة بخصلاتها السوداء الطويلة للغاية وعينيها الواسعة ذات اللون المائل للأخضر قليلًا الأئقة على بشرتها البيضاء الصافية مع قامتها الطويـلة الفارعـة وجسدها النحيف بطـريقة تناسبها.. لتعلق شغف قائلةً بأعجاب:
_يأبن اللعـيبة يا مـهاب، والله ليه حق يبحبها، ده إذا انا نفسي حبيتها..
نظرت رضـوى نحوها بأستنكار واستغراب، قائلةً:
_هـو انتِ بـجد بـتدوري على البنت اللي كان بيحبـها جـوزك وكمان بـتتغزلـي في شـكلها؟!!
_لا مـهو لـسه بيبـحبها مش كـان..
اجابتها شـغف ببـساطة بينما تتابع البحث عن معلومات الأخـرى، لتتسع مقلتي رضـوى بعدم تصديق، قائلةً:
_وانتِ عــادي كـدا مش هتعـملي حـاجـة؟!
_لا هـعمـل طـبعًا، هـجوزهـاله..
نبست تلك الكلمات تجيبها بنفس نبرتها السابقة، لتتحمس بعدها تحت نظرات الأخـرى المذهولة، قائلةً:
_الحمدلله طلعت لسه سنجـل، بس البت عايشة حياتها بالطول والعـرض، تفتكري هتوافق تدفن معاه في البلد دي؟
تخطت الأخـرى صدمتها وداخلها لا تستوعب ما يحدث امامها، ورغمًا عنها اجابتها بتيه وخفة:
_لا مهي رفضته عشان السبب ده اصلًا، هي متعودة على حياة المدينة وجوها، ورفضت تتجوزو طول ما هو هيستقر هنا..
همهمت شغف بتفـهم، لتفكر بعدها بما تفعله واوله كان انها بعثت طلب صداقه للأخـرى..
***********************
بداخل قصر شداد
عـاد الشيخ صابر للمنزل ليجد نازلي قـد رحـلت بالفـعل مـع منـير، لينده على جـود وشـموس حتى يتحدث معهم قليلًا..
وهـذا ما حدث بعد دقائق وبعد ان جلس الأثنان امـامه بهدوء شديـد، لينظر لهم بـحنو، قائلًا:
_طبعًا انتوا عارفـين امـكم كويس وكمان اخواتكم الكـبار والمشاكل اللي كانت بتحصل طول الوقت، عشان كدا انا وهـي قررنا ننـفصل بهدوء وكل واحد يروح لحـاله، وتأكدو ان اي وقت حابين تشفوها فيه تقدروا تـرحولـها، اهـم حاجة عندي محدش فيكم يكـون زعـلان...
رغـم تيـهه وعـدم معرفتـه بمشاعره اتجاه هذا الأمـر، إلا ان الخبر لم يحزنـه ولم يسعده ايضًا، لذلك رفـع كتفيه، قائلًا بنبرة عاديـة:
_انا بالنسبالي عادي، كدا كدا عمـرها ما حسستني بحاجة ممكن افتقدها في غـيابـها..
ربت الشيخ صابر على رأسـه بحنان وحزن على صغيره وما رأه من معاملة جافه وفاتره من والدته، لتتنهد شموس بحـيرة وضيق، قائلةً بحزن طفيف:
_كان نفسي على الأقـل تحضـر فـرحـي او كتب كتـابي حـتى، بـس في الأول والأخر انا بعترف ان ده الصـح وخصوصًا اني عارفـة ان اخواتي جاد وجواد استحملوا كتير اوي عـشانا بسببها..
اجابها وتحدث معهم لبعض الوقت، حتى اصبح الأثنان بحالة افضل وتقـبلوا الأمـر، لينتفضا بـدهشةً حينما دلف جـواد فجاة، مهـرولًا باتجاههم، ليقف امامهم بلهاس، قائلًا بعـدم تركـيز وتخبط:
_اجـهـزوا عـشان هنــروح نـطلب ايـد مـهاب من رضــوى..
*****************
فـي المـساء وبـداخـل قـصر حـداد
كـانت شـغف قد رتبت كـل شيء منـذ الصباح، قامت بتغير ديـكور القـصر بالأسفل بالكامل بمساعدة الخادمتين وساعدت رضـوى ايضًا بتبديل ملابسـها وتجهيزها ثم هبطت على كـرسي عجلي مريـح تتنقل به بالمكان براحة وخـفة..
خرجت من المطبخ بعد ان تأكدت من إعداد الطـعام وما سيـقدم لهم، لتجد مـهاب قد دلف للتو إلى القصر والذي ما ان رأى القصر من الداخل وما حدث له من تغيير شـعر بالذهـول والدهـشة، رأها وهي تتقدم منه ليسألها باستنكار وتعجب:
_هـو ايـــه اللي حصل؟ انتِ عـملتي في البيت ايـــه؟
_غـيرت الفـرش والستاير ونـقلت شوية حاجات من مكانهـا لمكان تاني بـس.. حلو التغير صح؟
اجابته ببساطة وهدوء بينما تنظر للمكان حولها برضا، ورغم إعجابه بما فعلته، تسأل هـو مجددًا بـجمود ونزق:
_وده ليــه يــعنـي؟ الموضوع مش مستاهل كل ده!!
تأففت هـي بغيـظ من تهكمه لكل شيء، قائلةً بتهكم:
_والله انا غلطـانه عشان عايزة اعـمل دور مرات الأخ الجدعـة وارفع رأسك قدامهم وافـرح اخـتك اليتيمـة دي..
كاد ان يرد عليها ولكن ظهرت رضـوى من المطبخ الجالسة على المقعد، بوجه مشرق ومتألق، قائلةً بسعادة وفرحـة:
_شـفت يا مـهاب، البيت بقى شكـله حـلو ازاي وكمان شغف زوقـتنـي وخلت النانـة تعمل اكـل وحلويات اللي بنحبـها..
رفرف قلبـه من السعادة، لرؤيتها بتلك الحالة وسعادتها الظاهرة، لينحني مقبلًا اياها على جبهتها، قائلًا بـرفق وحنو:
_طالعة زي القـمر يا غاليـة وكـل حاجـة حلـوة فعلاً زيـك..
تهجم وجه شغف بضيق كونه لم يثني على ما فعلته، لتكتف ذراعيـها، قائلةً بضيق وتنبيه:
_طب قـوم جـهز نفسـك عشان هـما تلاقيهم على الطـريق وقربوا يوصلوا..
_بس لـسه الوقت بدري على العِشا؟!
_لا ما انا عـزمتهم برضوا على العـشا واهو كله من قيـمة اخـتك..
تنفس بعـمق وصبـر ثم اعتـدل واقفًا، هـو حقًا وبداخله ممتن لأفعالها لانه جاهل بتلك الأمـور وكم سيكون سعيدًا ومعتز وهو يجابه تلك العائلة ويـظهر قيمة شقيقته امامهم، لذلك وهو يمر من جوارها همس قائلًا على مضض:
_شـكرًا..
لأول مره يشكر بها احد، لأن هذه اول مره يفعل احدهم لـهم شيئًا، دائمًا كان بالمركز الثاني بتلك القـريـة ودائمًا كلما حاول فعل شيء يرفع شأنهم يأتي والده وشـقيقه يطمثانه بأفعالهم..
ولكن لأول مره يشعر بأنه شخـص له الأولويـة وبيـته عامـر ولائق لكي يصبح رجل ومسؤول عن زهرتين مثلهم..
زوجـته وشـقيقـته يكفيان لكي يجابه عائلة شـداد بأكملها.. هـو للتـو ادرك لما جـبار وقـع بحب تلك الفـتاة بالـذات..
بـعـد دقائـق هـبط فيها من الأعلى بالفـعل بنفس اللحظة التي صدح فيها صوت السيارات بالخارج، لتسرع شغف باتجاهه، تنصحـه وتؤكد عليه، قائلةً:
_عيزاك تتـعامل بهدوء وصـبر، بلاش تنفعل وتبوظ الليـلة..
_هـحاول..
اجابها بضيق، لتعود هي قائلةً بتحذير:
_عدي الليلة على خير يا مـهاب، عشان خاطر اختك..
_هـشـوف حـاضر..
_يااا..
قاطعها قائلًا بسخط وتأفف:
_حاضر هتزفت، اسكـتي بقـى..
رمقته بوجه مكفهر ساخط، لتتركـه بعـدها وتتـوجه نـحو الباب، بفستانها المنقوش عليه ورود ورديـة اللون كبيرة للغاية يحاوطها اللون الابيض بينما ترتدي حجاب زهري اللون بدرجة اغمق، يليق على بشرتـها البيضاء قليلًا وعينيها ذات لون العسـل، واهدابها الكثيفة التي تحاوطها، بأنف صغير وشفاه غليظـة قليلًا، كانت جميلة وجمالها يليق بـها فقط..
دقيقة ووجـدت الشيخ صابر يدلف إلى الداخـل، ليتقدم مهـاب ويرحب به اولًا..
دلف الاخـر، ليتبعه جـبران والذي سلم عليه بوجه مكفهر ضائق يشبه حالة مـهاب حينها، ليتبعـه جـبار الذي تجاهله ودلف خلف شقيقه دون النظر له او لها، ليجز الاخر على فكيـه بغيظ شديد، يعود بعدها لجود، يشير له نحو الداخل بـتأفف، ليدلف الاخر بالفعل دون اي اهتمام..
دلفت بعدها شـموس والتي توجهت نحو شغف تحتضنها هي وهنـاء التي كانت معها.. ليدخل ثلاثتهم سويًا..
بينما نـظر مهـاب نحو جـواد الذي دلف حاملًا باقة ضخمة من الورود، ليتركه على اول الباب ويدخل بملامح وجه ساخـطة..
ابتـلع جـواد ريـقه بأحـراج ثم اتبـعـه بعدما جاء داغـر ووضـع ذراعـه حول رقبته وحثه على التحرك، قائلًا بنصح ومكر:
_استـحمله لحد ما تكتب الكتـاب بـس وبعدها ابقى طلع كل ده على جـتتـه، انا بعمل كدا مع جـبار وجـبران اسمـع منـي، دول لحد دلوقتي مانعيني اتكلم معاها نص كـلمـة.. وانا مستحلفلهم..
دقائق.
واسـتقر بعدها الجمـيع جالسين علـى الأرائك التي بصـالة القصـر جانبًا، يقابلها طاولة الطـعام..
جـلس الشيخ صابر وبجواره جلس جـواد وجـود كلًا منهم على ناحيـة، بينما جـلس جـبار على مقعد منفرد ، ليجلس جبران وداغـر على الأريـكة التي بجـواره، انحنت شغف تسأل شموس التي تجلس على الأريكـة التي تجاور مقعدها، قائلةً بأستغراب:
_آمـال فيـن جـاد؟!
_بعت رسالة لـجواد وقالـه انه هيتأخـر وممكن يبات في المـصنع الليلة دي..
اجابـتها بما حدث بالفـعل، لتهمهم الأخرى بتفهم،..
بينما على الناحية الأخرى بجوارها كان يجلس مهاب ووالده، الذي جـهر قائلًا بتـرحيب وضيق:
_مـنور يا صابر انت وولادك، اخـر حاجة كنت اتوقـعها انـي اناسبك انـت..
_والله وانا كمان، بس نـقول ايـــه؟ نصـيب..
اجابـه الأخـر بتلك الكلمات، ليردف مهاب قائلًا بتقريع ونزق:
_والله لو مش عاجبك النصيب ده، نفضـها من قبل ما نبدأها حـتـى..
لم يعـجبه جـبار ما قالـه، ليجهـر قائلًا بـتـهكـم:
_يبـقـى احـسن بـرضوا، لأننا مـش بنتهدد وكـلامك مزعلناش وخلانا نـخاف من خسارة نسبك اللي يـعـ...
_الـضيافـــة يا شــعلة، هاتـي الضيافة يا شـعلة وهـدي شـويـة على الطـبخة خليها تـستوي على خير وبلاش تولعـيها..
قاطعته شـغف قائلةً تلك الكلمات وهـي تنظر نحو المطبخ، وداخلها ترغب بتحطيم رأس ذلك البارد الذي سيدمر كل ما تفعله، تقسم انه إذا اكمل كلماته وقال "يـعر" هذه لكان مـهاب انهـى الموضوع بأكملـه..
عادت تنظر امامها ترمقه بسخط وغضب، ليبعد هو وجهه عنها بـلا مبالاة، فقد فهم انها تعنيه بتلك الكلمات...
تنهـد جـواد براحةً يحمد الله ان شغف لحقت الأمـر، ليحمحم الشيخ صابر قائلًا بـتهذب ووقار "ربما" تحت نظرات مهاب الجامدة، قائلًا لصالح:
_بـصراحـة كـدا واحـنا بكامل قوانـا العـقلية، جيـت انا والـقطيع بـتاعـي، نـطلب ايـد بنتـك عشان تنـضم لـيـنا وتنـور الحـظيرة اللـي قاعدين فيها..
انكمش وجـه كل من اتى معـه بضيق وعدم تقبل لكلماتـه، عدا جـواد الذي كانت ابتسامته تتسع للغايـة والسعادة تملىء وجهه، بينما حاولت شغف كبت ضحكاتها بصعوبـة، لا تصدق انه قال هكذا فعلاً!!
_وانـا كأب مـش واعـي حاليًا ولا عارفك بتقول ايـــه؟ هسيب الموضوع لأبني مـهاب يـرد عـليك..
زفـر مهاب بضيق وثقل بسبب هذه الجـلسة، يلاحظ نظرات الجميع تتجـه نحوه، فينبس اخيرًا قائلًا بجدية:
_قـبل ما اقـرر ولا اديك كلـمة اسمع شروطـي انت وابنـك الأول..
_فعلاً، عملنا للواطـي قـيمـة، شاف نـفسه عليـنا ابـن البـهيـمة..
جـهر جـبار بتلك الكلمات بتـهكم سـاخـر، ليقف مـهاب بانفعال وغـضب ينوي تعنيفـه بشدة وطردهم من هنا ولكن سبقته شـغف عندما وقفت واقتربت منه تمسك لأول مره بذراعـه عند العضض، قائلةً برجاء:
_بالله عليك وعشان خاطـر اخـتك عديها، معلش والله امـسحها فيـا انا وهـو مش هيـقول حـاجـة تانـي خـلاص..
نظر لها بعينين كانت حادة غاضبة، لتهدأ تدريجيًا بعد كـلماتها تلك.. كل ذلك تحت انظاره وصدمته مما حدث لدرجة انه وقف فجأة، اقترابها منه، لمسها لـه وكلماتها تلك، كل ذلك اشعل النيران بـداخـله، غضب شديد كان سيفجره بالمكان باكمله ولكن اسرع جبـران نحوه، يعيده للجلوس مجددًا بينما يعيد له عقله، قائلًا بـهدوء:
_هي بتعمل كل ده عشان اخوك يا جـبار، بص على جواد وشوف الفـرحة على وشـه قد ايـــه، بلاش تبوظ الموضوع واهــدي..
صمت، صمت وداخله لم يصمت بل يشـعر بقلبـه يحترق ببـطء، هـو لم يكن ينفعل هكذا يومًا، دائمًا كان بارد، لا يـهتم، وعندما يغضب يحطم من تسبب بذلك ولكن هـي جعلته يُجـن يفقد اعصابه طوال الوقت ويفعل ما لا يصدقـه عـقل!!
تنهد مـهاب بضيق ثم عاد يجلس كمان كان بينما يقول على مـضض:
_اول شـرط، اخـتي كـل اسـبوع تيجـي تقـعد معايا يومـين هـنا..
_لـوحـدهـا؟!!
تسأل جـواد بأستفسار ووجهه مستنكر لما سمعه، ليجيبه الأخـر قائلًا بتهجم:
_أمــال هتيجي وانت معاها يعني؟ استفدت ايـــه انـا كـدا؟!
زفر الأخـر بحنق وعـم الصمت تحت نظرات شغف المتضايقة مما يحدث، ليتابع هـو قائلًا ببرود:
_تاني شـرط رضـوى ليها نصيب وفلوس هتاخدها كل شـهر منـي، مش عايز جو انا راجل ومقبلش اخوكي يصرف عليكـي ده يحصل، عشان اخـوها ميرجعهاش بيتها تانـي..
_يااخـي ياريتك كنت اخـويا والله..
تمتمت شغف بتلك الكلمات بتحسر، ليتابع هو قائلًا:
_تالت شـرط هتكتب الكتاب بكرة ده لو وافقت يعني على شروطـي، بس الفـرح مش هيتم غـير لما رضـوى تـبقل بـخير تمامًا...
لم يعجبه جـواد حديثه، لذلك اعترض قائلًا بـضيق:
_بـس انا عايزها جنـبي وفي بيـتي عشان اعرف اهتم بيها كويس..
_لا ما انت تهتم بيها كـ دكتور، مش لازم تكون مراتك وفي بيتك عشان تساعدها يـعنـي..
اجـابه مهاب بتلك الكلمات بنزق، ليزفر الأخـر بغيظ يعجز عن الـرد ، ليتابع مهاب قائلًا:
_رابـع شـرط وو
_بقولك يا مـهاب...
جهرت شغف بتلك الكلمات بأنفعال وسـخط بينما تدير جسدها على المقعد نحوه، وعندما اعطاها اهتمامه، تابعت قائلةً بتسأل وحنق:
_اخـتك بتـعرف تـطبـخ؟
_ولا عـمرها دخلت المـطبخ حـتى؟
اجابها ببرود شديد، لتسأله هي مجددًا بصبر:
_طـب بـتعرف تـغسل وتـنشر وتـمسح وتـكنـس؟
اجابها بنفس نبرته السابقة، قائلًا:
_لا.
سألته مجددًا، قائلةً بنزق:
_لـو هـدوم جـواد حصل فيها حاجة، هتعـرف تخـيطها؟
_لا.
كررت الامـر تحت نظرات الجميع المستنكرة ومنهم المعجبة بما تفعله، والمستمتعة ايضًا، قائلةً:
_عـندها شـهادة ومتـخرجـة من جامعة قـمة؟
_لا.
_هتعـرف تعمل حاجة غير انها تصرف فـلوسة وتنكد عليـه ليل ونـهار وتضيع صـحتـه وشبابه وهو بيصالح فيـها؟!!
_اعتـقد لا..
انفـجرت بانفعال قائلةً بغيظ وحــده:
_ولما هـو لا لا، شايف نفسك عليـه وبتتشـرط ليــه؟
علق على ما تفعله، قائلًا بتسأل متذمر:
_انتِ معانا ولا مـعاهم؟
_انا مـع مـرارتي اللي هتتـفقع قـريب..
اجابته بسأم منهم ومما يفعلاه، لتتابع بعدها قائلةً بصبر وتروي:
_انت عارف انه مش هيمنعك منها وانها هتفضل اختك الوحـيدة وهو متفهم ده ومش هيبعدها عنك، وانت كمان عارف ان جـواد اكتر واحد ممكن تستأمنه عليها ومستحيل يخذلك، فياريت تـعمل الصح، عشان نقوم نتعشى قبل الأكل ما يبرد..
زفـر مـهاب بضيق وغيظ كون حديثها صحيح بالفعل، هو وافق لانه لن يجد شخصًا مثله لها حقًا، رغم غضبه وضيقه من الأمر وابعاده عنها إلا انه وافق لسعادتها فقط..
_خـلاص..
_خـلاص ايـــه؟
تسألت شغف بعدم فهم بعد كلمته تلك، لينبس هو بسأم، قائلًا:
_خـلاص يا شغف، يعني خلاص ايـــه؟
نظرت شغف نحوهم، قائلةً بسعادة وابتسامة واسعة كونها علمت ما يريد قوله:
_خـلاص يا جمـاعة، عطيناكم البنت حلال عليكم..
اتسعت ابتسامة جـواد بشدة يلتفت لوالده بحماس والذي احتضنه وبارك له بسعادة كبيرة، ليقترب منه الجميع ويبارك له بالفعل عدا جـبار الذي يحاول عدم قتل ذلك الذي نـظر لها ضاربًا على وجهه بغيظ مما قالتـه.. كل ما يحدث بينهم منذ ان اتى لم يعجبه مطلقًا..
فهل ما يخشاه، سيحدث حـقًا؟!!
**************
ولـَسوْفَ يُعْطِيــكَ رَبُّكَ فـَتَرْضَــــــــى
* * * * *
إني أُريدُكِ كيفما كُنتِ معي
حربًا وسِلمًا.. جنّتي ، نيراني
فأُريدُ أن انسى زماني كلّهُ
لتكونِ لي يا فرحتي أزماني
مقتبس
ميريـت