ياليتني أستطيع أن ألقاكِ
إن رفّ قلبي أو أتت ذكراكِ
يّاليتني أصحو وأمسيّ دائمًا
إما عَلى حرفيك أو على رؤياكِ
مقتبس..
* * * * * *
بـذلك المـكان الخشبي اعـلى التـلة، جـلس جـبار مـع شقيقـه جـبران بـرفقـة رجـل اخـر، والـذي جـهر قائلًا بـجديـة:
_اللـي بيحصل مش طـبيعـي، الناس دي باعتين عـناصر مختلفة عشان تـراقب احـوال الناس والمستوى المعيشي بـتاعهم وده عشان يستغلـوا فـقرهم وانـهم محتاجين ويقنعوهم يبـعوا عـيالهم..
_يـعنـي ده اللي مـخلينا مش عارفـين نتحـرك ولا نـبدأ من فـين؟ لأن مفيش حـد بيبلغ عن اي حالـة إختطاف، بالعكس دول هما اللي بيبيعوا عيالهـم ليـهم..
جـهر جـبران بتلك الكلمات بضيق شديد بينما ينظر نـحو رئيـس عـمله ومن وكـله بتلك المـهمة، ليجهر جـبار قائلًا بـجمود وهو ينظر لذلك الـرجل:
_فـيه واحـده امبارح كانت منهارة وبتجري في الشوارع وهي بتنده بأسم ابـنها، واللي عرفته ان جوزها خـده من وراهـا وبـاعـة لـيهم، انا بـدأت ادور في القصة دي وعرفت ان اللي عمل كدا قليل اوي وانهم لسه محتاجين اطفـال اكـتر..
نـظر الرجل له بأعجاب لذكائه وسرعة تصـرفه، قائلًا بصـدق:
_الدخـليـة والبلد كلها خـسرت ضابـط زيـك يا جـبار، ياريت لو كنت اقـدر اضمك للجـهاز وتبقى واحـد منينا..
اجـابـه الأخـر بنـبرةً ممـتنه، قائلًا بـتروي:
_لا انا الحمدلله مـبسوط هنـا وسـط ارضـي وزرعـي، وانتـوا كـفاية عليكم سيادة النائب والرائد جـبران شـداد..
ابتسـم جـبران بـامتنان لشقيقه والذي بالعكس لم يغضب ولا يثـور عليه بعد ما حدث، كل ما في الأمـر انه هـو من يشعـر بـالذنب والتقصير بشأن خـسارته..
بعـد قليل كان قد تحدثوا بـكل النقاط المهمة واتفقـا على الخطوات الأتيـة بـمهنية ودقـة، ليغادر بـعدها الرجل من القـريـة بأكملـها متخفيًا..
عـاد الأثنان لمكانهم مجددًا، يـفكرون بـما يجب عليهم فـعله، لـيردف جـبران متسائلًا بـاهتمام:
_هـي شـغف عـاملـة ايـه دلوقتي مـع مـهاب؟
نظـر له جـبار بحدةً قائلًا بغيظ:
_هتعمل ايـه معاه يـعني؟ معملتش حـاجة ولا هـو يـقدر يـعمل..
_يخربيت جنانك يا جـبار!! هو انت فهمت ايـه؟ انا قصدي طـفشته ولا عملت ايـه عشان تخلص منـه..
جهر بتلك الكلمات تحت صدمته من رد الأخـر وتحـوله، ليبتسم بعدها بتهكم مـقلدً ايـاه:
__انت فاكر ان واحد زيي، اتـربى على انه يكون ألة قـتل، يعرف يحب او يـخاف على مشاعـر حد حـتى؟!!
تابـع حديثـه بعدها بتهكم ساخـر، قائلًا:
_ده انت خدت هـدومك وروحت وراها يا جـبار؟! انا لحد دلوقتي مش مستوعب ان هدومك جنب هـدوم مـهاب عشان متحملتش تـشوف اهـدومها جنب اهـدومـه؟!!
ابـعد جـبار وجهه عـنه، قائلًا بعناد:
_انا بس بحميها عـشان اللي هـي فيـه بسببـي..
ضـرب جـبران على وجهه بسأم منـه، قائلًا بعدها:
_والله الواحد مش عارف انت بتضحك على نفسك ولا عـلينا؟! ده البلد كـلها عـرفت انك مـجنون شـغف وانت لـسه بـتنكر وتـجادل!!
_مـهو انت لو عرفت تمنعها يومها او تـحميها، مكنتش هي اتزفتت منـه ولا انا اتجـننت..
جهر بتلك الكلمات بسخط وتهكن، ليصدر الأخر صوتًا تهكميًا، قائلًا بعدها بـنزق:
_ده عـلى اساس انك معرفهاش يعني؟ دي لو عايـزه تهرب، هتـهرب ومنك انت شخصيًا كمان ومش هتعرف تمنعها برضـوا..
صمت بوجوم لصدق حديـثه، يسمعه وهو يتابع قائلًا بـجديـة وهـدوء:
_بـس خلينا معترفين ان ده كان الحـل الوحـيد عـشان نخلص من الـفخ اللـي وقـعت فـيه انت وجـواد..
ضغط جـبار على صدغيـه يحاول ان يـهديء من اعـصابـه ويـخفف من صـداع رأسـه، قائلًا بتأفف:
_وعـشان ده الـحل الصح، اسيبها تضيع حياتها مـعاه يـعني؟!
اتفق معـه بما قاله، متسائلًا بعدها بـجديـة:
_طـب هتعمـل ايـه دلوقتي؟ هتفضل معـاهم عـزول لحـد يـوم المـحكمـة؟!!
اجابـه الأخـر بعد ان اخذ القـرار المناسـب جهرًا، قائلًا بـنزق:
_مـش هعمـل حاجـة، هسيبها هـي اللي تتـصرف معاه وانا هـركز في مـوضوع آنـدرو..وكـدا كـدا معاد المحكـمة قـرب والقصـة دي هتنتهـي.
* * * * * * *
بـداخل غـرفة مـهاب والذي كـان يجلس على الأريـكة يعمـل على بعـض الأوراق بتركيز شـديد..
بيـنما كانت شـغف تقف بداخل الشرفـة الواسـعة تنظر للخارج بـتفكيـر وشرود..
تتـذكر اخـر حديث بينها وبيـنه منذ قليل عندما نـظر نحوها بـجديـة، قائلًا بـنبرة هادئة وكلماتٍ واثــقة بـها:
_اركـني الهـزار والـكلام ده دلوقتي وركزي فـي كلامي كـويس، انتِ لازم تحمي نفسك وتتصرفي مع مهـاب لوحدك من انهارده، لأن انا عـندي مـوضوع كـبير اوي يخـص عـصابـة مافـيا من اخـطر العصابات في ايـطالـيا.. زعــيم المؤسسة دي اسـمه آنـدرو وده شيطـان ماشي على الأرض متحكم في كـذا مجموعة من مختلف الدول العربية، في منها اللي بيتاجر في المخدرات ومنها الأسلحة ومنها الأعـضاء وكمان تـجارة البـشر..
ابتلعت ريقها بخوفٍ وريبـة مما تـسمعه، قائلةً بـقلق:
_طـب وانـت ايـه علاقـتك بـده كـله؟!
_لأنـي انا في يـوم من الأيـام كنت جزء وفـرد من النـاس دي..
اجـابها بـحقيـقة ظـل يهرب منها كثيرًا و يحاول التخلص منها، لتتنفس هي بـارتبـاك وعدم تصديق، تسأله:
_مش فاهـمة، يعني ايـه كنت فــرد منـهم!!
تـنهد بـضيق بينما ينظر بكل مكان ألا لـها، يجهر بعدها بـقلة حيـله:
_الـناس دي بتخطف الأطفال من الدول العربية عشان تـكون جـيش وعبيد ليـهم ولرغـباتهم، بيبدأو يدربوهم ويربوهـم على اللي هما عايـزينوا منهم وعلى حـسب ذكـاء وقوة الطفل بيتقرر مـصيره، يعـني في اللـي بـيبقى حـارس وفي اللي بيـكون خادم وممكن كـمان يتعلم ويبقى سـفير او دكـتور بس المهم انه يـكون تحت يـدهم..
_طـ طب انـت كنت ايـــه؟
تسألت بـريبـة بينما تـرمقـه بألم شديد لما يحدث لـهم ولبلادهـم، ليجيبـها هـو بكـلماتٍ جعلت عينيها تتـسع بـذهول وجسدهـا يرتجف بـهلع:
_كـنت ابــن الـزعيـم وخــليفـته فـي إدارة الـعصابة..
تراجعت للخـلف رغمًا عـنها بـخوفٍ مـنه تراه غـريبًا عنها وبـشكل اخر لأول مـره، شـعر هـو بالألم لـردة فعلها تـلك، فينبس قائلًا بـضيق:
_متخفيش مـني، انا نـفسي جـبار ابن الشيخ صـابر وبعدين انا هـربت من المصـير ده من سنيـن مع داغر وفـصعون ودفـنت كل اللي تـعلمتـه جـوايا يا شـغف..
_انا، انا مش خايفـة منك، انا بس فكرت للحظة ايـه اللي عمـلته عشان آنــدرو ده يخليك ابـنه ووريـثه كمان من بعدو، رغـم انك عـربـي؟!!
تنهدت بعقل مُنهك تتذكر انه نظر لها لثوانيٍ بعدها بصمت، ثم غـادر دون قول اي كـلمة..
تحركت بعدها من داخل الشرفة، تـدلف إلى الغـرفـة بمزاج مـتعكر، تجـلس على الفراش وتستند برأسها للخـلف.. تـسمع صوت مهاب السـاخر قائلًا:
_مـشفتش جـبار ولا الكـلب بـتاعه نـطولنا هـنا يـعنـي؟!!
_مشــيوا.
اجابـته بـصبر، ليتجعد جبينه بأستنكـار، قائلًا بعدم فهم:
_من غـيرك؟! أمال فين كلامه لما قال هاخد اللي ليا ومش ماشي غير وهـي معايا وعيشني يومين في جـو زعـيم المافيـا المهـوس بأسمـك؟!!
تعالت ضحكاتها رغمًا عـنها، لا تصدق انه قـرأ تلك الروايات المبتزلـة، لتنبس قائلةً بعدم تصديق:
_انـت بتقرأ روايـات بـجد؟!!
انكمش وجهه بضيق وانزعاج، متذكرًا تـلك الذكريات قائلًا بـوجوم:
_لا، انا مش فاضي للكلام الـتافهة ده، بس فـيه بنت كانت معايا في الجـامعة زمان بتردد التفاهات دي..
همهمت شـغف بشكٍ خبيث، قائلةً بعدها بفضول:
_كـنت بتحبـها؟!
اكفهر وجهه بغضب من التطرق بهذا الموضوع، قائلًا بعدها بعصبية بينما يـقف ويتوجـه نـحو الشـرفة:
_ملكيش دعوة، هـو انتِ هتصاحبيني..
رفرفت باهدابها بأستنكـار لردة فعله تلك، لتبس بنزق بعدما اختفى من امامها:
_تلاقيـها خــزوقـته عشان كدا اتعـفرت من سيرتـها..
* * * * * * *
في الصباح وبـداخل قـصر شـداد
كـانت هـناء تـجلس على المقعد بينما امامها يجلس الشيخ صـابر، والذي تأفف من إصرارها على نفس الموضوع، يجيبها للمرة الألف قائلًا بصبر:
_يا ست هـناء والله هـي زي الفـل والولاد كـلهم حوليها ومش سايبينها، انتِ مينفعش تروحي..
_بس انا شايفة جـبار خارج من اوضـته في الصـبح وكـلهم باتوا هنـا إمبارح، معنى كدا انهم اتخـلوا عنها وسبوها..
جادلته بتلك الكلمات بـتصميم وانزعاج، ليأتي داغـر من خلفها، قائلًا بـرفق، يقنعها:
_محدش اتخـلى عنـها يا ست الكل، بس فيه حاجات لازم نواجها بنـفسنا وهي دلوقتي اللي هتتعامل معاه، لأنهم لو ضغطوا اكتر من كدا على مهاب، ممكن يطلب البوليس ويعمل محضر ازعاج ووجع دمـاغ..
_وانا بـقى طالبة معايا وجـع دماغ، وكلامك ده مدخلش دماغي يا داغـر، عـيلة حداد محراك شـر والبنت هتتأذي وسطيهم..
جهرت بتلك الكلمات بقوة وخـوف عليها، لتضيف شموس التي كانت تجلس بجوار والدهـا قائلةً بقلق:
_هناء معاها حق يا بابا، ازاي شغـف هتفضل وحدها مـع عيـلة حـداد؟!!
_وهي فين اصلًا عيـلة حـداد؟! دول هما اتنين بس؟! مهـاب وده كفايـة عليـه مشاكل ابوه واخوه، وصالح وده مش معانا على الكوكب اصلًا..
اردف داغـر بتلك الكلمات بتهكم بينما يجلس على المقعد المجاور لـوالدتـه..
_ونـسيتـوا مـنذر..
نبست هناء بتلك الكلمات بـتذكير قـوي، تتابع بعدها قائلةً بـشك خائف:
_ايـــه اللي هيحصل لو استغل وجـود شغـف هناك وعملهـا حـاجـة؟!
اجابها تلك المرة صابر حينما ضغط على مقدمة عصله، قائلًا بثقة:
_مستحيل حاجة زي دي تـحصل، لأن مهما كان شغـف دلوقتي مرات مـهاب وعلى اسـمه، وهـو راجل بجد وبيحترم العلاقات اكـتر من حيـاته..
**************
بالقـرب منهم وتـحديدًا على مسافةً من القصر..
كـان جـاد يقف امام المنزل مستندًا على سيارتـه منتظرًا اياها ان تأتي من الداخـل كـي يـصطحبها في جـولة حول المكان كما وعـدها بالأمـس..
والتـي ظـهرت بالفـعل من قليل امـامه مرتدية ذلك الفستان الأخضر الذي قابـلها بـه اول مـره..
التمعت عينيه ببريق الحب عنـدما ابتسمت لـه بـرقة اذابـته بـرويـة.. يتأمل خصلاتها الصهباء وهـي تتطاير من حولها بـتمرد جذاب كـان له وقـعً خاص عـلى قـلبـه..
اتـت هـي ووقفت امامه بنفس ابتسامتها تلوح لـه بترحيب وحمـاس، جـعله يبتسـم بـسعادة داخلـيه، قائلًا بتغـزل:
_صـباح الـورد الجـوري اللـي بـفتكره كـل ما تشوفك عـيونـي..
تـورد وجهها بحمرةً خـفيفـة خجلًا مـنه، ليحمحم هو بعدها بأحراج، يتوجه نحو الباب الذي بجواره، فاتحًا اياه لها بينما يقول بـلباقـة وخـفة:
_من بـعدك سـنيوريـتا..
انحنت هـي له كأميرة تُحـية بـعادات ملكية، تتوجـه بعدها نـحو المقعد وتجلس علـيه بـحماس وفرحـة..
تـحرك هو للمقعد الأخر بداخل السيارة، يـجلس عليه بـنفس حماسها، يقـود بعدها نحو وجةً معينة..
بـعد وقـت لـيس بـقصير
اوقـف السيـارة حـيث يـفضل هـو، ليهبط وتتبعه هي، تنظر حـولها بإعجاب شديد للمكان..
الذي كان خاليٍ من البشر ولكن مليء بالأشياء المذهلـة.. التلال وتلك البحيرة التي تحاوطها الزهور والزرع بمختلف الأنواع سلبت عـقلها وفتنتها بـشدة..
* * * * * * *
بداخل قـصر حداد وبينما يـتناول مـهاب الأفطار على السفرة، وتقابـله شـغف على اخـرها كما حـذرها جـبار من قـبل، بينما والده ما زال نائـمًا بـعد تـجرعـه لكمية مـن المشروبات الكحولـية.. جـهرت شـغف قائلةً بــأقتراح ورغـبة بـداخلـها:
_بـقولك يا مـهاب، بما انـي خلاص بقيت عـندك ومفيش سبب لـحبسي هـنا ولا هـناك، ايـــه رأيـك تاخدنـي مـعاك الشـغل، اتـفرج؟!
استمع لـها ببرود شديد، معلقًا بعدها على ما قالتـه بأخر حديثها، قائلًا بـتهكم:
_ده على اساس الشـغل مسلسل تركـي يـعنـي؟!
جـادلته، قائلةً بـحنق وضيق:
_نـفسي اخـرج واشـوف الناس والقـرية، انا زهقت من الحـبسـة دي..
فـكر لثـوانيٍ بالموضوع وخاصةً كـونه سيقابل الأخـر اليـوم بـشأن ثـفقة البذور والمحاصيل التـي سيتم زراعتـها للموسم القـادم مـع بعض التـجار المتخصصة بهـذا الأمر، ليبتسم بخبث، قائلًا بـعدها بموافـقة:
_ومــاله، اجـهزي وانا مـستنيكـي بـرا..
اتتفضت واقفـة بغير تصديق كونه وافق على اصطحابها مـعه، قائلةً بـدهشـة:
_انا، انا كنت بــ.... انت بتتـكلم بـجد؟!!
مـسح فـمه بالمحرمـة ثم وقف ملتقطًا اشيائه بينما يقول بـجمود:
_عـشر دقايـق وبعدها هتحرك بالـعـربـية ووو
لم تدعه يـكمل حديثـه حتى، لتهرول نحـو الأعـلى بـحماس شديد ورغبـة بالخروج اخيرًا ورؤيـة العـالم..
دقائق بالفـعل وكـانت تـجلس بجواره داخل السيارة بينما هـو يـقود نـحو المكان الذي يـتشارك بـه مع آل شـداد بسبب الـعمل واجتـماع التجار بـه..
كانت شـغف تود فـتح ذلك الموضوع معه ومعرفة ردة فـعله عليه، لذلك اخذت نفس عميق ثم سألتـه بتوجـس وحذر:
_هـو انا ممكن اعـرف ايـــه اللي حـصل مـع اخـتك خلاهـا تـبقى في الحـالة دي؟
اوقـف السيارة مرةً واحدة بأنفعال مما سمعه ومعرفتها بشأن اثـمن ما لديـه ثم نـظر لها بغضب، قائلًا:
_وانتِ عـرفتي اخـتي ولا حـالتها منـين؟! وانا اصلًا عازل غرفتها في اخـر الدور ومنبه على الممرضـة تقفل عليـهم من جـوه؟!
اي ممـرضة تلك؟ هذا المهاب يبدو انه لا يـعلم ما يدور بداخل قصره مطلقًا..
ورغـم ذلك نبست قائلةً بـكذب وارتباك بسبب هيئته التي تـشبه ذلك اليوم بـالمشفى:
_اهـدى يا مـهاب، انا كنت بتفرج على القـصر عادي من الملل وسمعت صوت جوا الأوضـة فأستغربت، فحاولت افتح الباب ولما ردت عليـا الممرضة حكتـلي ايـــه اللي بيحصل جـوا، بـس..
تـراجع للخلف مهدًأ من نفسه رغم انه يشك بصحةً كلماتها، قائلًا بعدها بـتحذير:
_هعمل نفسي مصدقك، بـس حطي في دماغك ان العالم ده كـله بالنسبالي في كفة واختـي رضوي في كـفة تانية خالص يا شـغف، ومش عايزك تقـربي ناحيتها تـاني.. ولا تفكري تساعدي غيرك على كدا..
قصد جواد وهي فهمت علـيه، ابعد وجهها عنه تقرر عدم التحدث معه بالمزيـد ليكمل هـو قيادته بوجه متهجم..
وصـل لذلك المكان الذي يبدو كمخزن كـبير للبضائع وهو بالفـعل كذلك..
لـيهبط من السيارة مرتديًا نـظاراتـه السوداء بهيئةً جـذابة وهـيبة خاصة بـه..
لـمح جـبار يقف على بُعد مسافةً مـنه برفقة داغـر، ليبتسم بخبث شديد، متوجهًا نحو الجزء الأخر من السيارة، يـفتح لها الباب بـتسـلية..
شعرت شـغف بتفاجؤ من فـعلتـه تلك، لتنبس قائلةً بـسخريـة بعد ان خـرجت ووقفت امامه محاصرة بينه وبين الباب:
_ده ايـــه الحركة الذوق والجـنتلة اللي مش مطمنالها دي؟!!
_ وهـو انا لو مكنتش ذوق وجـنتل مع مـراتي حـبيبتي، هبقى كدا مع مـين؟
اجابها بتلك الكلمات بتغزل وخبث بينما ينـحني باتجاهها ببطء، ليتجعد جبينها بأستغراب شديد مما يفعـله، لتنظر حولهـا بشكٍ زال بعد ان لمحتـه.. ولحسن حظها انـه يعطيها ظهره.. ليرتجف جسدها بخوفٍ عندما همس مهـاب بجوار اذنها قائلًا بـتسليـة:
_عندي فضول اعـرف ردة فـعله لو شافنا بالوضـع ده!
ابتلعت ريقها تراقب الأخر بينما تحذره بـقلق:
_لـو، لـو عـايز تكمل شغلك على خـير وتمشي من هنا سليم، ابـعـد..
_هـو أنتِ بجد فاكره اني خايف مـنه؟! انا بس مستمتع ومستكفي بحالته دي وحـرقة دمـه.. اصـل انا مـجرب الأحساس ده، والنار اللي في قلبك لما تشوف البنت اللي بتحبـها مـع واحـد تاني وفي حـضن غـيرك..
نـظرت لـه فوجدت الألم يسكن عينيـه بـقسوة، لتفكر بـه بأستنكار وشفقة، فـ هـذا الشاب حـياته بإكملها غير مفهومـة ولا مسـتقرة، كل ما بها اسـود وفوضاوي للـغايـة!! هو من هولاء الناس الذين لم يولدوا اشرار، بل الحـياة هـي من جعلتهم هـكذا..
لتقرر ومنـذ الآن مساعدتـه ولـيس مهاجمـته، وبدلًا من الجدال معه، عادت لداخل السيارة مجددًا وخرجت من الأتجاه الأخـر، تغلق الباب بقوة بينما تواجهه بنظراتها، مواجهين بعضهم البعض..
ابتسم هـو ابتسامةً جانبية لا حياة بـها، ثم تحرك من مكانه معيدًا نظاراته التي كانت فوق رأسه لمكانها..
تحـركت هـي خـلفه بـندم كونهـا اتت معه إلى هنا، تدعو الله ان يـمر كل شيء على خير..
ابتسمت بأتساع بعدمـا رأت داغـر ينظر لها بصدمة وعدم تصديق لوجودها هنـا، ليلتف جـبار بفضول رغمًا عنه فتقع نظراته اولًا على مـهاب ثم هـي من خـلفه.. ضغط على فـكيه بغضـب وغـيرة تشتعل بداخـله، كلما تـذكر او رأهـا بالقرب من الأخـر..
والذي وقف مقابلًا لـهم، قائلًا بـحماس:
_مـعرفش ليـه حاسس ان الحظ بقـى خلاص في صـفي وهـاخد منـكم السـنة التـقاوي المـطلوبـة..
ارتكزت هي بجـواره تـلوح لداغر بـترحيب وسعادة كونها رأتــه، فيبتسم هـو بسعادةً مرحبًا بها، ليتأوه عاليًا حينما ضربه جـبار على بـطنه بينما يجيب الأخر بغيظ وحده:
_بالـسم الهـاري، مع انـك طول عمرك بتخسر قـدامـي ومـش بتاخد غـير اللي بسيبه انـا..
تعالت ضحكات مهاب عاليًا، يجيبه بعدها بـتسـليةً ومـكر:
_غـريبـة؟! مع إني واخـد منك حـاجه غصب عنك وهتمـوت عـليها!!
فهم ما يعنيه بالضبط ليزمـجر بعصبية شديدة ينوي الأنقـضاض علـيه وضربة بشدة، ولكن اسرع داغـر يمنعه بكـل قـوته قابضًا على جسده بذراعيـه، جاذبًا اياه للخـلف، ليبتسم مهاب بتهكم ثـم يتـحرك نحو الداخل بينما يأمر شغف بصـرامة، قائلًا:
_ورايــا..
ابـتسمت شغف بجمود، قائلةً بمزاح بينما تتحرك ببطء:
_مـعلش بقـى، طاعــة الـزوج واجـب، ووراء كـل زوجٍ مستـفز، امــرأة اكـثر اسـتفزازًا..
انهت كلماتها وهـرولت من امام جـبار الذي تخلص من داغـر يـنوي؟!! هو حقًا لا يعلم ماذا يفعل معها؟!! لذلك التف نحو الأخر يـلكمه في وجهه بقوة متنفسًا عن غـضبه..
بالداخـل..
حيث مجموعتين من المقاعد مرتصه على كلا الجانبين امام كمـيةً كبيرة من الصناديق المليئة بالبذور المختلفـة..
وبـعدما جـلس الجميع بمكانه، تبعًا لـمن يـعمل مـعه، جلس بعض التجار خلف مهاب وحدث المثـل مع جـبار..وغيرهم ممن يعملون بالزراعـة..
وقـف احـد الشباب بأمرًا من صاحب عـمله، قائلًا بـعمليـة وصـوت عالـي:
_ كـبار العـطارين باعتيـن تلاتين نـوع تـقاوي لـكل الـمزارعيـن هـنا، بـس فـيه انـواع غاليـة اوي ونـادر وجـودها في السـوق عشان كـدا لازم تـقررو مين هياخدها ويـتحمل مـسؤليتها..
وقـف احد من خلف جـبار قائلًا بـقوة وتفاخر:
_كلـنا عارفين ان جـبار بيـه احسن واحـد بيهتم بأرضـة والسنـة دي محـصوله يشهد بكـدا..
كـانت شغف تجلس بجوار مهاب على المقعد ترى وتتابع ما يحدث بأستنكار شـديد، لتهمس لمهاب قائلةً بـأستفسار:
_مش فاهمة ايـــه لازمـة الموضوع ده كله؟ ما كل واحد يشتري التقاوي اللي عايز يزرعها في ارضـه وخلاص؟!!
اصدر الأخر صوتًا تهكميًا على غبائها ذاك، ليميل نحوها قليلًا ثـم يجيبها بسخـرية:
_ما هـو بيقولك نادر وجودها في السوق وغاليـة يا بـهيمـة، وبعدين ده شـغل العطارين الكـبار والناس اللي زيـنا في قـرى بعيدة عن المديـنة مش هتتوفر ليها الحاجات دي..
همهمت بـتفهم وهي تعود كما كانت بينما تتأرجح نظراتها في المكان حتى وقعت على جـبار لتجده يرمقها بنظرةً لو كانت ذا وقـع لأحرقتها بمكانها، ابتلعت ريقها بخوفٍ منه،ثم عادت تنظر لذلك الذي تابع قائلًا:
_تـقاوي الزيتون وعباد الشمس وكل مستخرجات الزيوت دي اكتـر حاجة عليها الطلب ومش موجودة في الـسوق ودول يعتبر اخر كميـة وقليلة اوي، امـا الفاكهة والـخضروات فـدول للـي مش هياخـدهـم..
_حلوة الفاكهة والـخضروات، كلها تغذية ومفيدة..
جهرت شغف بتلك الكلمات بصوت سمعه مهاب والذي نـظر لها بسخط، قائلًا:
_هـو احنـا دكاترة تخـسيس و استشارة صـحية؟! انتِ عـارفة منتجات الزيوت دي بيستخرجوا منها كـام منتـج تـانـي؟! وممكن نـكسب منها قـد ايـــه؟!
_طب وانت ضامن انك هتاخدهم ولا جـاي هنا وسايبها على الله؟
تسألت بـفضول،ليرمقها الأخـر بشكٍ، قائلًا:
_وانا اقولك خططي ليـه؟ وانتِ ممكن تروحي لأبن شـداد وتـقوليـه؟!!
حسنًا،هـي يجب عليـها كسب ثـقته اولًا وتتمنى ان تكون هذه الفرصـة مناسـبة.. وتقـدر على فـعل شيء..
جـز جـبار على اسنانـه بغيظ شديد وغضب يتفاقم بداخله كلما رأهم يتحدثن سويًا، لينبس قائلًا بغـيرة لا يعترف بـها:
_هـما بيتـكلموا في ايـــه؟ وبيتكلموا ليـه اصلًا!!
تأفف داغـر بملل وسخط مما يحدث، ليلمس مكان لكمته بألم شديد والتي بالتأكيد اصبحت غامقةً اللون، قائلًا بضيق:
_ ياريت تركز في أكـل عيـشنا وبعدها نبقى نـعرف الحـوار ده..
تـنفس الأخـر بغيظ يبعد نـظراته عنهم، جاهرًا للرجل بصـرامة وحـده:
_مفيـش داعـي للكـلام ده، قول السـعر وانا فلوسـي جاهـزة..
_طب ما انا كمان فلوسـي جاهـزة والسعر اللي يـطلبـة كمـان؟!
وقـف مهاب قائلًا تلك الكلمات بـتصميم وقـوة، لينظر الرجل بينهم بحيرة ، قائلًا :
_يبـقى لازم تتـفقوا، مـش عايزيـن مشاكل ولا خـناق، لأن وقـتها هـاخد كل حاجة وارجـع بيها..
_مـهاب مبيعرفش يدير ارض ولا عـمال ولو خـد التـقاوي دي كـلها هتبوظ..
_بـس انـت كمان لو خـدتها هتـبوظ..
جـهر صـوث انـثوي بتلك الكلمات، لتتوجه كل الأنظار نـحو شغـف التـي ظـهرت من خلفـه و وقفت امـام مهـاب تتـابع حديثها تحت نـظرات جـبار المـغتاظـة والذي نبس قائلًا بـهدوء يتعامل به معها فقط امـام هذا الجـمع من الغرباء:
_انـتِ متعرفيش حاجة عن الزرع ولا شـغلنا، عـرفتي ازاي انهـا هتبوظ؟!
اجـابـته بـتفاخـر ونبرة واثقـة، قائلةً:
_لا اعـرف، اخـويا في كلية زراعـة وكنت باخد الكتب بتاعتـه واقرأ فيـها كل حاجة عن الزرع لأنـي بحب الحاجات دي اوي ..
_طب قوليـلي بقى يا شغـف هـانم، هتبوظ ليـه؟
تـسأل جـبار مجددًا بنفس النبرة السابقـة ولكن اكـثر استمتاع ورضـا، لتجيبه هـي قائلةً بـذكاء:
_عـشان ارضـك انـت كلها رطـوبـة والظـل فيـها بيكون اكـتر من الشمس، عـكس ارض مـهاب اللي الشمس فيها بتـكون شديدة وده اللي محتجاه البذور دي ومنـاسب لـيها، صـح؟
_صــح يـا نـصيبتـي ، صــح..
اردف جـبار بتلك الكلمات بـقلة حيـله واستـسلام، قائلًا بعدها لذلك الرجل برضا تـام:
_خـليه ياخـدهم ورجالتـي هتيجي تحـمل البـاقـي..
انهـى كلماته وتـوجه نحـو الخـارج بـخطوات جامدة محسوبة، ليتبعه داغـر بعـدم تصديق، قائلًا:
_انـت من امـبارح فالق دمـاغـي وحالف لتاخد التقاوي دي عـشان هتنقلنا نقـلة تانيـة! هتسبهم كدا عادي؟!!
اجابـه جـبار ببرود، قائلًا:
_لو كـان مهاب اللي قـبالي مكنتش هخرج من هنا غيـر بيـهم، بـس دي شغـف.. ومش هـكسفها قـدام الرجالـة دي كـلها..
_وهـو عـشان متكسفش شغـف، تـخسر كـدا؟!
تسأل داغـر بـذهول وجنون بينما يتحرك خلفة ويـنظر له، ليجيبه جـبار قائلًا ببـساطة:
_عــادي، مـش اول مــره..
************
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
******
إن ضاقَ صدرُكَ مرّةً
والهمُّ في صمتٍ وَلَج
فغدًا ستُشرِقُ للمدى
وغدًا ضياؤكَ ينبلج
ضاقت...ولكن لا تخف
ضاقت عليكَ لتنفرج
مقتبس...
* * * * * *
لمناقشة الرواية ونشر ما يتعلق بها، ستجد للينك جروب الفيس الخاص بي في التعليقات) ♥♥♥
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰
دمتم سالمين ♥
ميريـت