إن الله ومَلائكته يُصلون على النَّبي يا أيُها الذين آمنُوا صَلوا عليه وَسَلِّموا تَسليمًا﴾..♡
*******************
فـي صـباح الـيوم التـالـي
استيقظت شـغف بكل حماس وسـعادة، كونـها ستستمتع اليوم كـثيرًا بـصحبته، ارتدت ملابسها وانهت كل ما تفـعله بالعادة قبل خروجها من الغرفـة، لتفتح الباب بعـدها وتنطلق نـحو الأسـفل..
لتتوقف بتفاجؤ وعـدم فـهم بأعلى السُلم حينما رأت الجميع يقف بالفعل بمنتصف المنزل، بينما يصرخ جـبار بغـضب شديد وهـو ينظـر لوالده:
_اسـمع كـلام الهـانم ومتجيش معانا، زي ما سمعت كلامها زمان ورميت كل حاجة تخصها برا، انا بسببكم مش لاقـي ريـحتها في البيت ومش قادر اجمع ذكرى لينا معاها، خدت مكانها وبيتها ومستكترة عليها الخير اللي بنعمله على روحها فذكرى وفاتها!! بس اليـوم ده انا اللي هروح وهعمل زي كل سـنة ومش عايز حد معايا..
_جـبار اهدى وامسك العـقل، دي امنا احنا كمان وهنجي معاك وهنعمل كل اللي متعودين عليـه، بس الصـبر مش كدا؟
جهر جبران بتلك الكلمات بصبر على مزاج شقيقه وغضبه الثائر منذ الصبـاح، يسمعه وهو يجيبه بحده:
_انت مش سامعها بتقولـه ايـه؟!
اقترب منـه جواد وايضًا جاد الذي نبس قائلًا بتـروي:
_مش مهم قالت ايه، يلا بينا احنا عشان هنتأخـر..
زفر بحدةً ناظرًا لها بكره وبغض، ليتحرك بعدها نحو الخارج وخـلفه شقيقيه، يليهم جـبران..
_انا عارفـة حـظي كويس والله، من دون الأيام كلها يطلع انهارده ذكرى وفاة المرحومة!! بس مكنش باين عـليه حاجه امبارح؟!!
تمتمت شغف بتلك الكلمات بقلة حيله واستنكار، تكمل طريقها نحو الأسـفل بـتروي..
بينما بالخارج وبينما يجهزون السيارات للذهاب..
اتـى جـود من خـلفهم قائلًا بخجل:
_هـو انا ممكن اجي مـعاكم؟
_وانا كـمان؟
_وانا..؟
اتبعته شموس وايضًا محمود، ثم جاءت رحيل خلفهم تنظـر لهم برجاء ايضًا، ليجهر جبران قائلًا بجمود:
_اركـبوا..
_بس يا جود هي امك وافقت انك تروح انت وشموس؟! إذا كانت منعت بابا وطلبت منه يفضل معاها جوا!!
تسأل جاد بضيق، ليبتلع الأخـر ريقه، قائلًا بخفوت واصرار:
_مش مهم، انا عايز اروح معاكم واشارك في توزيع الأكـل، ممـكن؟!
_ اكـيد ممـكن..
تحرك بحماس نحو السيارة، لتأتي شغف من خـلفهم، تنظر لهم بهدوء وهما يحملون اشياء عديدة ويضعاها بصندوق السيارة والتي ما ان رأتها رحيل نبست قائلةً بـلهفة:
_تـعالي يا شـغف، هنروح البيت الشـرقي بـتاع جـبار عشان نـدبح ونوزع أكـل على الفـقـرة..
_لا روحـوا انتـوا، انا مش هـاجي..
رفضت بخفوت، لتنتفض للخلف بهلع حينما اغلق جـبار باب صندوق السيارة بقوة، متخطيًا اياها بعدها نحو المقود دون النظر لهـا..
لتنطلق السيارة بالجميع نحو وجهة سنعلمها قريبًا..
لتتنهد هـي بقلة حيـله وتتوجه نحو الداخل مجددًا بغاية واحده..
اولها بـدأت بذاك الشخص الذي يقف هنـاك حاملًا كوب من الشاي بيده، غير مبالي بما يحدث حوله..
*******************
أما بالداخل وتحديدًا بغرفة الشيخ صـابر
وقف امامها ضاربًا العصى بالأرض بينما يقول بحده:
_زودتيها اوي يا نازلي، ولو جـبت اخري منك هتـزعلي..
رفعت رأسها بغرور وهي تقف امامه بمظهرها المهندم كالعادة، قائلةً بنزق:
_انا مش فاهـمة هو اتعصب وكبر الموضوع كدا لـيه؟ انا بس طلبت منك انك تقعد معايا عشان عيزاك في موضوع مهم جدًا، معملتش حاجه تستاهل رد فعله دي!!
_بتطلبي ده وانتِ عارفه ان انهارده تـاريخ وفاة صفـا وكلنا متعودين نروح بيـتها الشرقي من ساعة ما رجع جـبار وبنطلع لله مـنه؟!!
اجابها بنفس النبرة وبأنفعال شديد، لتنهار هي قائلةً بغير تعقل:
_عشان انت وبعد السنين دي كلها مش فاهم انا بحبك ازاي وبـغير عليك منها، انت وصلتني اني لحد دلوقتي وبعد ٢٣ سنه جواز بقولك نفس الكلام يا صـابر، انا مهما عملت مش هتحبني زيها..
_انا بحذرك يا نازلي لأخر مره، اياكي تقربي من ولادي ولا تأذيهم مره تانية..
تجاهل كلماتها، ونبس محذرًا اياها، لتجز هي على اسنانها بغضب دفين، قائلةً بتوعد:
_طـول ما انت بتتعامل كدا معايا هوجعهم يا صـابر..
_وانا يـوم ما اخد اللي معاكي واضمن آمان ابني يا نازلي، هـرجعك لمكان ما جبتك تاني..
جهر بتلك الكلمات بقوةً وتصميم، بينما بداخله لا يعلم كيف يصل لما تخفيه ويضمن سلامة ابنه منها، هذا ما يجعله يتحملها ومرر ما تفعله رغمًا عنه، ليسمعها وهي تجيبه بـجمود:
_وانا هعمل اي حاجه عشان افضل معاك ومراتك يا صـابر..
*****************
بالخارج
توجهت شغف نحو مـرعي الجالس جانبًا داخل الحديقة يرتشف من كوب الشاي بـتمزج..وبال مرتاح..
لتـقف امامـه قائلةً بـحبور:
_صباح الورد والفل على اللي حامينا وتعبينه معانـا..
اتسعت ابتسامته للغاية وصلب ظهره بغرور، يجيبها بـغطرسه:
_صباح النور، بس مش لازم تقولي كدا، ده واجبـي يعني؟؟!
شوحت بيديها امامه قائلةً بـرفض واصرار منفعل:
_لا والله لازم نـعترف بتعبك وشغلك وضميرك العالي يا عم مرعي، ده انت اليوم كله رايح جاي على رجلك حتى كباية الشاي مش لاقي وقت ليها..
كان يهز رأسه بتفاخر وهو يستمع لكلماتها بينما يشرع بارتشاف رشفه من الكوب والذي اخفاه خلف ظهره في نهاية حديثها بارتباك، قائلًا:
_تـعبكم راحـه يا ست شـغف.. أأمريني انتِ بس..
_الأمر لله يا عـمي، انا بس كنت عايزة اسألك كام سؤال كدا، ممـكن؟
نبست بتلك الكلمات وهي تقترب وتجلس على بُعد مسافةً مـنه، تسمعه وهو يجيبها بحبور:
_طبعًا يا بنتِ اتفـضلي..
حمحمت بخفة ثم سألته بـنبرة منخفضة قليلًا:
_هـو انت بـتشتغل هنـا من امـتى؟
_يااااه يا ست شغف، انا هنا من ايام ما كان الشيخ صـابر في سـن جـبران بـيه كـدا..
اجابها بصدق وتـذكر لتلك الأيام، لتعيد هي سؤاله قائلةً بـتروي:
_يـعني كنت هـنا لما لما نـازلي رمـت كـل حاجة تخص الست صفـا بـرا؟
_ده انا بنفسي اللي ءءء
صمت مدركًا زلـته ووقوعه بالحديث وهو الذي لم يفعلها امام جـبار او اشـقائه من قبل يأتي امام هذه الفتاة ويـفعل؟!!
_كـمل يا عم مرعي، انت بنفسك ايـه؟
سألته بـحماس ترغب بمعرفة المزيد، ليقف هو بأرتباك قائلًا:
_انا، انا مقولتش حاجة، همشي عشان عندي شغل.
كاد ان يتحرك ولكن اسـرعت هـي ووقفت امامه قائلةً بلهفة:
_لا بالله عليك يا عم مرعي، قولي كـنت هتقول ايه؟ او لو تعرف مكان الحاجات دي، قولي مكانها؟!
_مقدرش، مقدرش يا بنتي، الشيخ صـابر محذرني ومش لازم حـد يرجعهم للقصر تاني..
جهر بتلك الكلمات بخوف وقلق، راحلًا بعدها من المكان، تاركًا اياها تزفر بضيق وحـنق..
**********************
دلفت إلى الداخل بتصميم، تبحث عنـه لتجده يجلس بمفرده داخل تلك الشرفـة التـي دائمًا ما يكون بـها..
والذي كان ينظر نحو الزرع بـشرود وعقل منهك من التفكير فيما مضى وفيما سيأتي..
لتقطعه هي عن شروده بعدما جلست مقابلًا له، قائلةً بشقاوة:
_صـباح العـسل على اللي حمينا ومأكلنا ومشربنا..
ابتسم رغمًا عنه، يجيبها بهدوء:
_صباح الورد يا شغف هانم، مروحتيش معاهم يعني؟
تسأل بأستغراب، لتجيبه هي بمزاح وتروي:
_لا ما جـبار بحالته دي احسن حاجة اعملها ابعد عنه، اخاف لو روحت وعملت نصيبه كدا ولا كدا يخلص عليا بـجد المرة دي..
ضحك رغمًا عنه بينما يقول بـعدم تصديق:
_أنتِ بـجد مشـكلة يا شغف، بس مشكلة حلوة وجـبار عـمل الصح لما جابك هـنا..
_تـسلم والله يا عـمي، بس هو انا ممكن اسألك سؤال؟
اجابته بصبر وببشاشة، ليجيبها هو برفق:
_اكـيد يا بنتي، اسألي؟؟
_هـو انت تعرفت على الست صـفا ازاي؟
تسألت بخفةً وتوجس بينما تنظر له، ليتنهد هو ويتراجع للخلف قائلًا بما حدث في الماضي بتألم واشتياق:
_ابـوها وامـها كانوا من البلد هنا بس سافروا للمدينه من زمان اوي بسبب الفقر والمشاكل اللي كانت بين ابويا وعمي حداد، بـعد سنين طويلة اتغير فيهم كل حاجة، لقيتها قـدام القصـر هـي وامـها بعد ما توفى ابوها، شفت وقتها احلى بنت شفاتها عيوني من ساعة ما اتخلقت على الدنيا، كانت كل حاجة ثابته حوليا إلا انا من جوا..
ضحك بخفةً ثم تابع قائلًا بـتأثر وحنين:
_شايفها قدامي متعصبة وخدودها حمرة وبتزعق بس مش سامع ولا حاجة، مش عارف وقتها حصلي ايـه ولا حالي اتبدل وبقيت تايـه ازاي، بس فوقت على ايـد ابويا وهي بتمسك كتفي جامد، عشان اعرف وقـتها ان البيت اللي استوليت عليه وكنت بسهر فيه مع صحابي وافصل فيه لوحدي، كان بيتها هـي وورثها من ابوها.. وعايزة مفتاحه..
تنهد بقوة، يـكمل بعدها بـحب لم ينقص يومًا:
_من يومها كنت كل لليلـة قدام بيتها، بلف حوليه واركب اي شجرة جنـبه لحد ما المحها وقلبي يرتاح، كانت عنيدة اوي زي جـبار كدا، ومش بتخاف ولا بطاطي زيـك يا شغف، وبسببها برضو كنت كل يوم بتهزأ من ابويا بسبب افعالي دي، لحد ما زهق مننا وجوزنـا، وقتها كانت والدتها توفت وفضلت جنبها لحد ما قلبها حن عليا واعترفت انها بتحبني..
نظر نحوها في نهاية حديثه ليجدها تمسح عبراتها المنسابه، ووجهها اصبح يكسوه الحمره متأثرًا..
ليقرر تغير الموضوع قائلًا بصعوبة وتقهقر:
_بس انتِ بتسألي ليـه صحيح؟
ابتلعت ريقها بينما تمسح وجهها بقوة، تجيبه بيقين ورجاء:
_انا متأكدة بعد كلامك ده انك محتفظ لسه بكـل حاجة تخـصها يا شيخ صابر، انا عايزة حتى لو جزء منهـم عشان جـبار وو
_انا خفيهم عشان جبار بالذات، ده احسن ليـه انه ميشفش حاجة منهم، لانه هيتعب وهينهار زي زمان تاني..
اجـابها بـصرامه وعدم تقبل لما تريده، لتردف هي قائلةً بـثقة وهدوء:
_مش يمكن هو محتاج ينهار؟ ده واحد اتخطف من حضنها وهو لسه سـبع سنين، رجـع وهو محتاج يضمها ويحس بالآمان في حضنها تاني، بس اتصدم لما لقـى واحده تانية غيرها وريحة تانية بتخنقة، شخص ضايع وبعدها مصدوم سيبه يـنهار لانه كدا كدا هو كان راجع عشان ينهار في حضنها وبعدها يرجع يوقف تـاني..
لاحظت تأثره بما قالته، لتضيف قائلةً بخفوت:
_انت قبل كدا وعدتني اني ليا طلب عندك مستحيل ترفضـه لما انقذت حياته، انا بقى بطـلب منك توديـني للمكان اللي فـيه كل حاجة تخص صـفا..
************************
بـعد مـرور سـاعتين
كـانت تـجلس بجوار داغـر من الأمـام بينما هو يقود السيارة، قائلةً بتسأل وتروي:
_ألا قـولـي يا داغـر؟! انت مش عايز تتجوز ليـه؟
ضربت هناء على وجهها من الخلف بسأم منها، ليتجعد جبين الأخر بأستنكار، قائلًا بتهكم:
_هو ماله كله بقى مهتم بجوازي كدا لـيه؟
_عايزين نـفرح بيـك وو
_وهو جوازي اللي هيفرحكم يعنـي؟! مفيش حاجة هتفرحكم غـيرو!!
قاطعها بغيظ وسخط، لتضربه هناء على كتـفه بينما تنهره بغيظ:
_وانت ما تتـجوز مستني ايـه؟
_عـروســة مثـلًا!!
_موجودة، انوي انت بس واحنا هنطلبهالك..
نبست شغف بتلك الكلمات بقوة، لينبس هو قائلًا بأستنكار:
_انتِ واخده دور امـي ليه؟ مش فاهـم!!
_ما انا هبـقى من عـيلة العـريس، اعتـبرني اخـتك يا سيـدي!
اجابتـه بكل ثقة وقوة، لتجعله يبتلع ريقه بتأثر كونه تمنى دائمًا ان يكون لديه اشقاء، ليسمع هناء وهي تضيف قائلًا بتأكيد:
_ايوا من انهارده شغف بنتي.. وتعتبرها اختك وتـسمع كلامهـا..
_مش بحبك من قليل والله..
_حـبي..
_قـلبـي..
رددا تلك الكلمات بينما يرسلان القبلات لبعضهم البعض، لينكمش وجهه بضيق من افعالهم، قائلًا بعدها بـسأم:
_انا عارف انكم تقصدوا شـموس بس مش هينفع..
_ليـه؟
تسألت هناء بانفعال، ليجهر هو قائلًا بصرامه، ناهيًا الأمر:
_ممن غير ليـه، ياريت تقفلوا على الموضوع ده..
صمت الأثنان بانزعاج وسخط، لتنظر شغف نحو الخارج، قائلًا بتوعـد:
_إن ما خليتك تـكسر الدنيا عشانها ميبقاش اسمي شغف..
بـعد مسافة ليست بقصيرة..
توقفت السيارة بالأسفل بجوار الباقي، تحت انظـار جـبار الذي كان يلقي بعض الأشياء من الأعلى حيث يقع المنزل اعلى احدى التلال المكسية بالعشب الأخضر..
لتخرج شغف من السيارة ثم تلتف ناحية داغـر، تقف بجوار النافذة تهمس له ببعض الكلمات ثم تتـحرك برفقة هـناء إلى الأعلى..
ليظهر المنزل الحـجري امامهم والذي كانت تلتف الأشجار من حوله بكثافة بينما يتكون من طابقين بمساحة صغـيرة تكفي لفردين بالفعل..
لتنتفض على صوت السطور الذي ضربه جـبار بقوةً وهو يقطع اللحم، لتنظر له بارتباك، قائلةً:
_هـو ماله انهارده عفاريـتـه مشعشه كدا ليه؟
اتت بنفس اللحظة رحـيل تحتضنها بقوة، بينما تقول بخفوت:
_مبسوطه انك جيتي، تعالي اطبخي معانا..
سحبتها من مرفقها نـحو ذلك المكان الذي تحاول فيه شموس إشعال النيران حتى تطهو بعض اللحم لأجلهم جميعًا..
بينما بالجزء الأخر وتحديدًا بجوارهم كانوا الشباب يقطعن اللحم ويقومون بتعبئته في الحقائب حتى يوزعونه بـعد قـليل برفقة اشياء اخرى متنوعه، من ملابس ووجبات وفواكـه متنوعــه..
نـظرت شغف نحو شموس بتأفف وهي لا تجيد فعل شيء، لا هي ولا رحـيل..
لتبعد الأثنان بينما تقول بحـنق:
_ابعدي يأختي منك ليها، ما انتوا متعودين على الدلع والأكل الجـاهز..
_وريهم يا شغف وانا شكلي هلغي الموضوع اللي اتكلمنا فيه في العربية وهـجوزك داغـر احـسن..
انتفضت بنهاية حديثها عندما صدح صوت السطور مجددًا بقوة، لتنظر نحو جـبار قائلةً بسخط:
_ما تقطع براحه يا جـبار، خضيتنا مش كدا؟!!
_معلش يا هـناء، بتخيل وش حد كدا قـدامي وانا بقـطع..
اجابها بـبرود عكس داخـله الذي لا يعلم لما يثور ويغضب كلما تذكر ما فعلته في الصباح او حدث منذ قليل بالأسفل وايضًا كلمات هـناء منذ قليل..
لينفض كل ذلك عن رأسـه ويكمل ما بيده، بينما شرعت شغف في إعداد الطـعام..
لتتركه بعد دقائق ينضج على النـار التي تشعل بسبب الحطب والخشب اسفله..
وتتحرك حيث يجلس الجميع على الأرض وتـبدأ بملىء الحقائب مـعهم..
****************
كان كلًا منهم مسؤول عن شيء فـ رحيل وجبران مثلًا يقومان بغسل وتجفيف الفواكه وتعبئتها في عُلب من البلاستك..
لـتنبس هي قائلةً بـتوجس بينما تراه يعمل متجاهلًا اياها:
_تـعيش وتـفتكر، ربنا يجعله في ميزان حسناتها يارب..
_آمــين..
نبس بتلك الكلمة بوجوم ودون النظر لها، لتبتلع ريقها، قائلةً بتألم وضعف:
_جـبران هو أنت ممـكن تزعل عليا لو انا مـت؟!
توقف عـما كان يفعله، ينظر نحوها بـجمود وعجز عن فهم ما تـريده منه، قائلًا بفتور وجفاء:
_ازعل ولا مزعلش هيفرق معاكي في حاجة وقـتها؟!
_بتمنى بس لو انا فارقـه عندك حتى لو شـوية..
اردفت بتلك الكلمات بوهن خافت، ليصدر هو صوتًا تهكميًا، قائلًا بعدها بسخرية:
_سبـحان مغير الأحوال!! زمان اترجتيني عشان ابعـد عنك واسيبك في حالك، بس للأسف انا مش تحت امرك عشان كل اللي عيزاه وتتمنيه اعـمله..
انهى حديثه بوجوم وضيق، تاركًا اياها بعدها بمفردهـا، تحاول عدم البكـاء امام الجميع..
بينما على مقربةً منهم كانت تقف شموس وامامها طاولة مليئه بالملابـس، بينما يقابلها داغر يرتب كل قطعه بمكانها، لتهمس هي، قائلةً بـنبرة لا مبالية:
_مـقولتش رأيك يعني؟!
نـظر لها لوهلةً ثم عاد يكمل ما يفعله، متسائلًا بعدم فـهم:
_فأيــه؟!!
_فأن هـناء هتـجوزك شـغف..
نبست تلك الكلمات بتقريع، ليلقي هو ما بيده بينما يقول بسأم:
_والله انا زهقت منـي ومن الجواز ومنـكم كلكم..
انهى حديثه وغادر من امامها يتمتم بسخط وغيظ كلمات لم تـسمعها، لتقي هي ما بيدها، قائلةً بتأفف وضيق:
_ده انا اللي زهـقت منـك وتعبـت، ده لو جبل كان حـس وتحرك من مكـانه..
****************
بـعد مرور سـاعة كامـلة
توقفت السيارات بأحدى المناطق النائـيه الفقيرة، ليتفرق الجميع كلًا مـنهم بوجهة مـختلفة..
وبـينما يوزعون الحقائب علـى المنازل والناس بالشـوارع، لفت انتباه شغف فتاةً صـغيرة تجلس بمفردها تنظر للأطفال الذين يلعبون كرة القدم بعبوث شـديد..
لتقترب منها، تجلس بجوارها، قائلةً بتسأل طـفولي:
_القمر قاعد وحدو، ومش بيعلب معاهم لـيه؟
اخفضت الفتاء رأسها بحزن، قائلةً:
_مش راضين يلعبونـي معاهم عشان انا مش حـلوه وهـدومي وسـخة..
_ده هما اللي عيال وسخة والله..
تمتمت بداخلها تلك الكلمات بغيظ، لتمسك بوجنتها بحنان تمسح الأوساخ من عليه بـحنو، قائلةً:
_لا يا حبيبتي، انتِ حلوة و اوي كمان، ولو على الهدوم في انا جيبالك فساتين عسوله زيك، هتحبيهم اوي، ثواني..
انهت كلماتها ووقفت تهـرول بسرعة باتجاه السيارة، تحاول فتح الصندوق، ليأتي جـبار الذي كانت يشاهد ما يحدث من بعيد، يفتح الباب لها بينما يتسأل بفضول:
_بتعملي ايه؟ ومالها البنت دي؟
_العيال اتنمروا عليها ومش راضيين يلاعبوها مـعاهم..
اجـابته بتلقائية واستعجال، تبحث عن حقيبة معينه، قامت هي بتجهيزها والتي ما ان وجدتها حتى التقطتها هي واحدى الكـور التي ابتاعاها للأطفال.. وتحركت بسرعة حيث تركت الفتاة..
عادت تجلس بجوارها، تخرج الملابس تريها اياها بعفوية ومزاح جعل الفتاة تضحك عاليًا بسعادة..
لتخرج الكرة بعدها قائلةً بـشقاوة:
_ايـه رأيك تلعبي معايا انا وتسيبك منهم؟
وافقت الفتاة بسرعة، لتقف الأثنين بحماس يلقون الكرة على الأرض ويلعبان بـمرح..
ركلت الفتاة الكرة بعيدًا، لتقف فجأة حين وضع جـبار قدمه عليها، قائلًا بعدها بـرفـق:
_مش عايزين حـد يـدافع؟
ضحك شغف بقوةً رغمًا عنها، قائلةً بعدها بجكارة:
_مزهقتش من الدور ده؟ جـرب تهاجم مره!!
تحمس للغاية بعد تحديها هذا، قائلًا:
_ومالوا، بس انتِ سـدي..
تحرك بالكرة باتجاههم بسرعةً تقارب خاصتهم، ليبدا الثلاثة اللعب بحماس..
_هو انا شـايف اخوك بيلعب في الشارع مع بنت وعيلة صغيرة ولا خدت ضربة شمس وبـتوهم؟!
جهر جاد بتلك الكلمات بأستنكار لما يراه امامه الآن، بينما يجـيبه جواد قائلًا بعدم إستيعاب:
_لا واللي يصدم انه بيعمـل كدا في يوم زي ده؟!!
اتى جبران من خلفهم يلف ذراعيـه حول رقبتهم، جاعلًا اياهم يتحركان مـعه بينما يقول بـحماس ورغبـة برؤيتهم جميعًا فرحين وسعداء:
_سيبكم من ازاي وليـه وتعالوا نشـارك، احـسن..
وهذا ما حدث فبعد دقائق قليله اصبح جميعهم بمنتصف الساحه، يلعبون بـمرح وتـسليه..
حتى مـر الوقت واوصلت شغف الفتاة لمنزلها، تقبلها بقوةً على وجنتها، قائلةً لها بنصح وحنو:
_حـبي نفسك على طول ومتخليش كلام اي حـد يزعلك ويخليكي حزينه، انا بحبك وكلنا بنحبك عشان انتِ تتحـبي ولو رفضوا يلعبـوا معاكي تانـي هيبقى هما اللي خسرانين ووحشين مش انتِ..
*********************
بـعد نصف ساعة
عاد جميعهم إلى مـنزل صـفا
يدلف كلًا مـنهم بالدور يغتسلون ويعيدون حيويتهم واحدًا تل والأخر..
بينما امام المنزل قاما بوضع طاولتين بجوار بعضهم البعض، وحولهم الكراسي مرتصه، لتاتي شموس وتضع إحدى المفارش فوقهم..
بينما تـغرف شغف الأرز والطعام ويفرغ جبران المشاوي التي اعدها قبل الذهاب بالأطباق..
_هـو طبيعي اني اكون مبسوط بالجو وعادي كدا؟!
تسأل جـاد باستغراب من نفسه ولما يحدث بهذا اليوم، لينظر الجميع لبعضهم بأستنكار ايضًا، يدعمه جـواد قائلًا بخفوت واحراج:
_بـصراحه وانا كمان، اصل عمـرنا ما لـعبنا كدا سـوا ولا اتجمـعنا بالشـكل ده؟!
_كـنا كل سنه نيجي نعمل اللي عملنا واحنا مش طايقين نفسنا ولا اللي حولينا وبعد ما نخلص كل واحد يخـتفي فـي حـته..
جـهر جبران بتلك الكلمات بـنبرة تائه، لتأتي الأجابه من هـناء حينما اردفت قائلةً بـصدق تشهد:
_انا كنت معاكم كـل السنين دي يا ولاد صابر وشفت بعيني، ولو كان فيه حاجه واحده تغيرت فـهي وجـود البـنات وتحديدًا شـغف..
نظرت لها الأخرى بأحراج ووجه تورد بعدما وجدت الجميع ينظر نحوها بالفعل، قائلةً بتوتر وخجل:
_وانا مالي يا هـناء، انا كنت بلاعب البنت لقيتهم كلهم جو يلعبوا معانا، هما اللي عيـال انا مالي؟!
_تـموتي لو مبوظتيش اللحظة بكلامك.. بتقولك وجودك فرق وهـون عليهم،تقولي عيال واحنا معانا دكتور ونائب قد الدنيا؟!
جهر جود بتلك الكلمات بغيظ منها، ليضحك من حولهم بخفةً،لتجيبه هي قائلةً بضيق محرج:
_ما انا تكسفت ومش متعودة تجيبوا سـيرتي وانتوا بتشـكروا فـيا، اعـمل ايـه؟
_اعمـلي أكــل عشان نطفح، ولمـوا انتوا الدور، خـلصنا..
جـهر جـبار بتلك الكلمات بوجه متهجم مغتاظ، ليلتف الجميع بعد دقائق بالفعل حول المائدة يأكلون الطعـام بنفس هادئه وعـقل مُرتاح مطمئن بسبب تفكير كلًا منهم بما يسعده هنا، متجاهلًا اي سبب يخنقـه ويرهقه..
بعد نصف ساعة وبعدما حل الظلام مغرقًا المكان بالفعل، اشعل جـبار الأنوار حولهم والتي تلتف على الأشجار وتملىء مقدمة المنزل.. بينما يجلس جواد ومـحمود يعدان الشاي على الحطب المشتعل وبجوارهم يجلس الجميع على الأرض المفروشة بـسجاد.. عدى عـن داغر وشغف الـذين كانوا يقفون اسفل الشـجرة بعيدًا عنـهم يتحدثان بخفوت..
ليراهم جـبار وهو عائد من الداخل، فتتغير ملامحه بأستنكار وضيق لما يحدث منذ الصباح، ليتوجه نحوهم بخطواتٍ سريعة، قائلًا بجمود بعد ان وصل لـهم:
_فـيه حـاجه؟ شايـفكم بـعيد عن الـكل يـعني؟
_لا ولا حاجة، انا كنت رايح عندهم اصلًا..
اجابه داغـر بتلك الكلمات بـبساطة، يتحرك بعدها نحو الباقي، لينظر جـبار نحو الأخرى بحده ثم يتركها ويتوجه نـحو الأسـفل..حيث سيـارته..
لتتبعه هي بـغيظ منه، قائلةً بتسأل وانفعال:
_افـهم بقى سبب النظـرة دي؟! ولا هي اعـصابي للعبـة عندك عشان تـرعبها وو
صمتت بتفاجؤ وذهول حيـن التف فجأة واصطدمت بـه، لتتراجع للخلف بسرعة تبتلع ريقها، قائلةً بتوتر:
_وكمان وكمان متلفش فجأة كدا، خضيتني..
نـظر لها جاززًا على اسنانه بغيظ، متجاهلًا ما كان سيقوله مكملًا طريقـه..
لتتـبعه هـي بعدم فهم لحالتـه تلك حتى وجدتـه يفتح صندوق السيارة، فوقفت بجواره تسأله بتوجس:
_طـب انت متعصب ليه دلوقتي؟ انا معملتش نـصايب انهـارده ولا بوظت حاجة!!
_انتِ مش رفضتي تيجي في الصبح؟ غيرتـي ليه رأيك وجيتي مع داغـر!!
_هو انت مضايق عشان جيت؟؟!
نبست بما استنتجته من كلماته ونبرته الضائقة، ليضع هو كـفه عاليًا على الباب بينما ينظر لها قائلًا بنبرة منفعلـه وعدم قدرة على الصمت اكثر من ذلك:
_ركبـتي ليه جنـبه مش وراا؟! وايـه اللي بينك وبينه عشان كل شوية تهمـسي انتِ وهو لبعض بيه؟
ابتلعت ريقها، تجيبه بصدق واخفاء للحقيقة:
_قعدت جنبه عشان هناء قالت انها مش هتتحمل متفردش رجليها الطريق كـله والكلام بينا عادي انا بـتكلم مع الـكل كـدا!!
_ مش مصدقـك..
_وليـه هـكدب؟!
اجابته بأستنكار وعدم فهم لحديـثه، ليسب هو ذاته وينهرها علـى تجاوزها للمحظور عنده، فلما يهتم او يحترق حتى بسبب افعالها منذ الصباح؟!
ولكن هو يريد الحديث، هو كل ما يريده إفراغ ما بداخله من اسئلة والآن...
_انتِ مضايقـة عشان انهارده منفذتش اتفاقنا؟
جـلس بداخل الصندوق بقلة حيله، يسألها برغبة في الحديث معها، لتستند هي على حافة السيارة تجيبه بصدق وخفة:
_اكـيد لا طبعًا، انا مش سطحيه ولا تافهة عشان افـكر كـدا، انا بس استغربت انك قبلها كنت طبيعي وعادي، رغـم انك متعلق بيها وبتحبها اوي..
تنفس بعمق ثم نـظر نحو السماء ينظر للنجوم، قائلًا بهدوء وألم:
_عشان انا مش بـركز في تاريخ اليوم ده ولا بحاول احفظـه، تـعرفي لما رجعت قالولي انـه يومها كـانت بتتعكز بالعافية وبتتحرك في البيت وبتزين فيـه عشان عـيد ميلادي، قالولي كانت بتبكي وبتضحك في نفس الوقت وفضلت ساعتين قـدام الكيكة مستنية اني ادخـل عليها لـحد ما توفت مكانها.. عقلها خـف وبقت بتصرخ بأسمى ليل ونهار من يـوم مـا اتخطفت، متعرفش اني كـنت بعمل زيها وصوتي فضل يومين مـش طالع بسبب صراخي وانا بنده عـليها..
صمت لثوانيٍ يسمعها تشهق ببكاء بـجواره، ليبتسم هو بخفةً قائلًا بتـقبل وهدوء:
_بـس انا عارف ان الدنيا دي وحشـه وصـفا راحت لمكان احسـن بـكتير من هـنا..
نـظر نحوها ثم تابع قائلًا بـقهر:
_انا بس كان نـفسي احـضنـها واشـم ريـحتها لما ارجـع يا شـغف.. الدنيا كانت ضلمة بغيابها وكنت محتاج ضـمتها تهون عليـا..
_ بعد كلامك ده، شـكلك هتـطلع انـت دكتـور فرويد في الأخـر..
نبست بتلك الكلمات بمزاح بينما تمسح وجهها بقوةً من العبرات التي اغرقتـه، تحاول إخراجه من الحزن، لتمد يدها نحوه قائلةً بخفوت:
_تـعالى معايـا..
_فـين؟
_ايـه خايف منـي؟!
_من انهارده انا فعلاً بدأت اخاف منك ولازم اتـصرف بـسرعة.. يا شـغف..
نبس بتلك الكلمات بداخله بينما يضع يده بخاصتها، لتسحبها هي وتتـحرك جاعلةً اياه يقف ويتبعها بصمت..
تخطت الجميع تحت إستغرابهم من المنظر ولكن تجاهلاه كونهم يعلمون جيدًا من هو جبار ومن هي شـغف..
دلفت للمنزل وهو خلفها مازال يمسك بيدها، لتصعد إلى الأعلى بـه وتفتح الغرفة الخاصـة بـه والتي كانت ملكًا لوالدته من قبل، قبل ان يحترق المنزل منذ سنين ويعود هو لترميمه وبنائه مجددًا..
لتشير نـحو حقيبةً كـبيرة، بينما تقول بـنبرة دافئة:
_اعتـبرها الضـمـة وهـديـة عـيد مـيلادك
يـا "ضـي الـعيـن"
مش هـي كانت بتقـولك كـدا برضـوا؟
**"*****************
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ .🤍
***********"*****
لمناقشة الرواية ونشر ما يتعلق بها، ستجد للينك جروب الفيس الخاص بي في التعليقات) ♥♥♥
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰
دمتم سالمين ♥
ميريـت