البارت الاخير 🦋

البارت الاخير 🦋

51 0

في قصر الحديدي، كان الفرح يرقص في الأروقة، يتسلل إلى كل زاوية، ويستقر في كل نظرة.

كان الجميع يعمل على قدم وساق، لكن ليس على عجل، بل على إيقاع أغنية لم تُعزف بعد. وجوه مشرقة، وابتسامات واسعة، وضحكات تملأ الهواء كزقزقة عصافير الصباح، تحكي قصصًا من السعادة. الأيادي تنسّق الزهور، وأخرى تضع أطباق الطعام الشهي، وكل منهم يشارك في الاحتفال بعودة الغائب الذي طال غيابه، وثقلت الأيام من دونه. كانت قلوبهم معلقة بخيط رفيع من الأمل، وكل دمعة انسكبت حزنًا وقهرًا على مرضه، تحولت اليوم إلى قطرة ندى تروي زهرة الشوق.

وأخيرًا، وبعد طول انتظار، سيعود "جهاد" إلى دفء عائلته، إلى هذا المكان الذي افتقده وافتقدهم.

وفجأة، اخترق هذا الهدوء صخبٌ من نوع آخر.

كان "صهيب"، الفتى المشاكس، يرقص على وقع لحنٍ لا يسمعه أحد سواه، أغنيته الخاصة التي تملؤها البهجة.

سحب "مليكة" من يدها بخفة، وبدأ يدور بها في وسط الغرفة، فيما كانت هي تضحك حتى بدت عيناها كالهلالين.

"كفاية يا صهيب، دوختني!" قالت "مليكة" وهي تلهث،  بالإرهاق.:- "راعي إني لسه والدة وتعبانة يا زفت."

"وإيه يعني؟" رد 'صهيب' بلا مبالاة، وضحكاته الصادقة تملأ المكان.:- "أنا مبسوط، وأنتِ مبسوطة، وكلنا مبسوطين... يبقا نرقص!"

في زاوية أخرى، وقفت "عشق" و "لين"، تراقبان المشهد بضحكات خافتة.

"صهيب، أنت أهبل! لو هتتجوز مش هتعمل كده،" قالت 'عشق' بضحك.

"والله حتى يوم ما أتزوج ما هعمل كده،" أضافت 'لين' بسخرية، وكأنها لا تستطيع تخيل هذا الأمر.

لكن 'ماسة' كانت في عالم آخر، عيناها تلمعان بالفرح، وكأنها ترى جهاد أمامها بالفعل.

"النهاردة أهم يوم! غنّي يا صهيب، غنّي!"

"لا والله؟" ردت 'لين' بغيظ مصطنع.:- "عشان جوزك راجع بتقولي كده؟"

"مش عشان كده بس!" همست 'جوليا' بابتسامة خبث، وهي تنظر إلى "ماسة" بعينيها اللامعتين.:- "ده حبيب القلب كمان!"

"اسكتي يا زفتة منك ليها!" قالت "ماسة" وهي ترمقهن بغيظ مصطنع.:- "مش فايقالكم دلوقتي."

"يا ترى بتفكري في مين يا جميل؟" سألت "مايا" بمكر، وهي تعرف تمامًا الإجابة.

وفجأة، توقف "صهيب" عن الرقص، ونظر إلى "ماسة" بغيرة واضحة، وكأنه شعر بأن هناك من يشارك "جهاد" في حبه.

"بتفكر في مين يعني؟ بت! ابعدوا عن جهاد، ده بتاعي أنا!"

الكل نظر لـ "صهيب" بدهشة، و "مليكة" قالت بصدمة مصطنعة: "يا صهيب يا حبيبي، دي مراته! يعني من حقها تفكر فيه، أنت بتغير عليه من مراته؟"

"ده أنت ما عملتش كده معايا يا شيخ!" قالت "لين" وهي تضحك.:- "منك لله!"

"أكيد بغير عليكِ يا قلب صهيب،" قال 'صهيب' وهو ينظر إلى "لين" بعبوس طفيف، "بس جهاد له مكانة خاصة."

"يا ترى جهاد فاكرك أصلاً؟" سألت "عشق" بمكر، وكأنها تستمتع بإغاظة 'صهيب".

ضاق وجه 'صهيب'. "أكيد فاكرني! جهاد ما يقدرش ينساني، أنا أغلى حد عنده."

"مش حقيقي، جهاد بيحب جاد أكتر،" قالت 'مايا' بخبث، وهي تعلم أن "جاد" هو نقطة ضعف 'صهيب'.

"اخرسي يا زفتة! أنتِ كدابة!" صرخ 'صهيب' بغيظ، ووجهه احمر من الغضب.

"على فكرة، جهاد بيحب صهيب أكتر،" قالت 'لين' وهي تحاول تهدئة الموقف، وتدرك جيدًا أن هذه المنافسة مجرد لعبة.

"أيوه!" قال 'صهيب' وهو يشعر بالانتصار، وينسى غضبه للحظة.

"لا، أنا أكتر!" قالت "مليكة" نافية، وتدخل في اللعبة.

"أنا أكتر!" رد 'صهيب' بعند، وهو يعلم أن هذا الجدال لن ينتهي.

"أنا أكتر!" أضافت "ماسة" وهي تبتسم، وتستمتع بمشاهدة الجميع وهم يتنافسون على حب زوجها.

قطع صوت "مراد" الواثق المشهد من الخلف. كانت نبرته تحمل خليطاً فريداً من الغطرسة الدافئة، كمن يملك الحق في كل شيء. قال: 'ولا واحد فيكم، أنا الأقرب.'

تجمد "صهيب" في مكانه، وعيناه تطلقان شرارات من الغيرة. لم تكن مجرد نظرة، بل كانت نظرة قاتلة تترجم كل ما يعتمل في صدره من ضيق. قال بصوت ممتلئ بالغضب المكبوت: 'على فكرة، جهاد بيحبني أكتر. هو ما كانش يعرف إنك عايش إلا من شهور قليلة.'

"مراد"، بجاذبية هادئة، جلس على الأريكة، وكأن جلسته تلك إعلان عن سيادته على المكان.:- 'بس اخدت مكانه عنده اكتر منك ومقدرتش انت توصلها لغاية دلوقتى .'

'مش حقيقي!' صرخ "صهيب"، ووجهه يشتعل غضباً، وكأن كلمات مراد كانت سهاماً أصابته في الصميم.

"جاك" تدخل بضحكة هازئة محاولاً نزع فتيل التوتر: 'أنتو والله عيال! اهدا يا صهيب شوية، عيب كده.'

على الجانب الآخر، كان "سام" يجلس على الأرض، وعيناه تتجولان في الأرجاء بلهفة، كجائع أرهقه الصيام. 'المهم، أنا جعان.'

'مالكش أكل!' قالت "مليكة" بابتسامة خبيثة تزيد من حنقه.

'ليه؟' قال "جاك" بصدمة مصطنعة، وشاركه سام دهشته: 'أنا كمان جعان!'

"هيرا" وضعت يديها على خصرها بغيظ مصطنع: 'مدام مليكة ومدام ماسة حرموا أي حد يقرب من الأكل!'

'والله حرام عليكم، إحنا بشر، عايزين نطفح!' قال دين وهو يجلس على الأريكة بتعب.

اقتربت منه "مايا" بحنان لا يخلو من الطفولة، ومدت له تفاحة. 'معلش يا حبيبي، خد دي.'

نظر "دين" للتفاحة في يدها بامتنان، وقال بحب بالغ: 'يا قلبي، ربنا يخليكي ليا.'

"بالهنا يا حبيبتي،" قال "سام" وهو ينظر إلى "جوليا" بغيظ، وشوقه إلى الطعام يظهر على وجهه.

"سام، معلش كنت شايلاها ليك، بس بصراحة بنتك كانت عايزة تاكل، ما قدرتش،" قالت "جوليا" وهي تأكل التفاح الأخضر بلذة.

نظرة "سام" إلى بطن "جوليا" بغيظ، وقال وهو يتلوع من شدة الجوع: "بالهنا يا حبيبتي."

"مراد، أنت جعان؟" قالت "عشق" بقلق، وهي تتقدم نحوه. "أحضرلك أي حاجة تاكلها؟"

ابتسم "مراد" لها وهو يهز رأسه بنفي: "لا، مش جعان يا حبيبتي. أومال فين جاد؟"

نظرت "عشق" إلى الحديقة، وأشارت بيدها: "هو في الجنينة مع جهاد وجاسي."

هز "مراد" رأسه بتأكيد، وقال "صهيب" وهو ينظر إلى الباب بضيق: "هو اتأخر كده ليه؟"

"ما أعرفش،" قال "جاك" بنفي.

نهض "صهيب" فجأة، وقال: "يلا يا مراد، نروح نجيبه."

رفع "مراد" حاجبيه باستفهام: "نجيبه منين؟"

"ما أعرفش،" قال "صهيب" بنفي.

"صهيب، اترزع مكانك!" قال 'مراد' بضيق.:- "جون هو الوحيد اللي عارف مكانه، وهو راح يجيبه."

"أشمعنا جون؟" قال 'صهيب' بغيظ. "أووف!"

"هو بقى كويس مش كده؟" قالت "ماسة" بقلق، وعيناها مليئتان بالخوف.:- "الدكاترة قالوا إيه أخباره؟"

"هو السم طلع من جسمه خلاص؟" قالت "مليكة" بقلق مشابه لـ ماسة.

"هو كويس،" قال 'صهيب' بصوت خافت، والخوف يسيطر عليه.

"هو بخير، الدكتور طمن جون وقال إن السم طلع من جسمه نهائيًا،" قال 'مراد' وهو يطمئنهم.

"الحمد لله!" قالت 'عشق' بفرحة.

"إن شاء الله كل حاجة هتكون بخير،" قالت 'لين' وهي تنظر إلى 'صهيب'، محاولة تهدئته.

"إن شاء الله،" قالت "مليكة" بتوتر.

"أوف، اتأخروا،" قال 'صهيب' وهو يعلق نظره على الباب، والقلق يسيطر عليه.

"وأنا جعان!" قال 'سام' بحزن، وكأنه لا يجد أي شخص يهتم به.

"أنت يا زفتة منك ليها! الواد جعان!" قالت "جوليا" بغيظ، وهي تدافع عن سام.

"ماهو بيضفح طول عمره، مش قادر يستنى شوية!" قال "جاك" بضحك.

نظرت "مليكة" إلى "سام" بشر وقالت: "أنت يا حيوان، اصبر شوية!"

"حاضر، أنا ساكت،" قال "سام" بخوف، وهو يدرك أنه لن يحصل على أي شيء من الطعام.

"أومال فين ماما وبابا؟" قال "مراد" باستفهام.

"ماما سهير بتصلي في أوضتها،" قالت "ماسة" بتأكيد.

"وبابا يوسف مع جدو سلطان في المكتب،" قالت هيرا بتأكيد.

صرخ "صهيب" بغيظ: "هما اتأخروا كده ليه؟ اتصل يا مراد بيهم!"

نظر إليه "مراد" بغضب وقال: "صهيب، كفاية زن. قلت لك جون راح يجيبه، وزمانهم جايين."

"صهيب" بغيظ وصوت منخفض: "مراد حيوان."

"صهيب، هأقوملك،" قال 'مراد' بتهديد.

نفخ "صهيب" وهو ينهض من جواره ويجلس أمام الباب، تحت أنظار الجميع المذهولة من أفعاله الطفولية، فهو لا يزال طفلاً في تصرفاته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وفى مكان آخر *

تكسرت أمواج المحيط على الشاطئ ببطء، وكأنها تنهيدة طويلة من قلب الأرض. فوق التل، حيث تتقاطع أشجار الصنوبر مع ورود برية لم تذبل بعد، كان "جهاد" واقفًا، محاطًا بصمت المكان. عيناه لم تتأمل ذلك الامتداد الأزرق اللامتناهي، بل كانت تبحر في أعماقه، وكأن كل قطرة ماء تُشطف معه ذكرى مؤلمة.

جلس ببطء على الأرض الرطبة، تاركًا جسده يرتخي تمامًا، وأغمض عينيه. أخذ نفسًا عميقًا، لم يكن مجرد هواء يملأ رئتيه، بل كان شهيقًا يطهره من غبار شهور قاسية، وزفيرًا قصيرًا يعلن عن نهاية حقبة وبداية جديدة.

ابتسامة خافتة، بالكاد تُرى، ارتسمت على شفتيه، ابتسامة من يعرف قيمة العودة إلى ملاذه القديم. "مبسوط إني رجعت هنا،" همس 'جهاد' بصوت متهدج.

من خلفه، وقف 'جون'، لا يبتسم فقط، بل يشعر بفيض من الفرح يملأ قلبه، وكأنه يشاهد أول خطوة لطفلٍ بعد سقوط طويل. كانت عيناه تتبعان كل حركة لرفيق دربه، وكأنه يرى فيه معجزة تُعاد للحياة. اقترب منه بهدوء لا يكسره إلا صوت الأمواج الهادئ، ثم جلس بجواره. "تعرف... جيت هنا كتير بعد ما أخدك صقر."

رفع "جهاد" رأسه، وقد أضاءت عيناه بسؤالٍ لم ينطق، ولكن صوته كان يملأ المكان: "لدرجة دي وحشتك؟"

هز "جون" رأسه بقوة، وعيناه تعكسان صدقًا عميقًا يكاد يلمسه جهاد.:- "أيوة... جدًا. لولا صقر، ما كنتش عارف كنت هانقذك إزاي. حسيت بضعفٍ مجربتش غير معاك في حياتي."

لمعت عينا "جهاد"، ليس بدموع، بل بوميض من حب وشوق دفين.:- "فترة تمنيت مترجعش أبدًا. ستة أشهر... مكنتش مجرد أيام، كانت ليالي مظلمة استنزفت روحي. بس حاولت أعيش، علشان أصلح حاجات كتير اوي."

نظر إليه "جون" باستغراب.:- "أنت عايز ترجع بجد؟ مستعد للخطوة دي؟"

تطلع "جهاد" إلى الأفق البعيد، حيث تتلاشى زرقة السماء مع زرقة البحر، وكأنه ينسى حدودهما.

أجاب بصوت هادئ يحاكي هدوء المشهد أمامه:- "هرجع علشان أنا اللي عايز أرجع. عايز أنسى كل حاجة وحشة يا جاد... انتهت... اليوم اللي خرج فيه السم من جسمي، قررت أنسى وأفتح صفحة جديدة."

تنهد "جون"، وظهرت على وجهه علامات حزن خفيف. :-"هتقدر تتعامل طبيعي؟"

استدار "جهاد" بوجهه، وعيناه تبحثان عن شيء في المحيط، وقال بأسف خفيف يلامس القلب.:- "هقدر. علشان عائلتي. مش عايز أخسر حد منهم تاني. وجع الخسارة صعب... صعب أوي إنك تكره حد بتحبه، دي حاجة مش سهلة أبدًا."

وضع "جون" يده على يد "جهاد" بحنان، وكأنه يوصل إليه دفء قلبه.:- "فاكر يوم ما كنا في بيت الجبل قلت إيه؟"

نظر له "جهاد" مرة أخرى، والذكرى تلوح في عينيه. "فاكر."

تنفس "جون" بعمق، وهو يحدق في الماء، وكأنه يرى فيه انعكاسًا لماضيه.:- "أنت زي المياه يا جهاد، وأنا النار. أخدت طريق غلط من البداية... فكرة الانتقام كانت الطريق الوحيد في حياتي"

تابع "جون" بمرارة، وكأنه يغوص في أعماق ذاكرته المظلمة.:- "بس لما عرفت إن عمي عمل كده، كنت ممكن أنتقم منه... بس أنت... أنت كنت صدمة بالنسبة ليا. مش سهلة أبداً إنك تتخدع فيك أنت بالذات. فكرت، ولقيت إني مش هقدر... مش هقدر أقتلك أنت. أنت مش ابن عمي وبس، وأنت عارف كده كويس. ألف سؤال كان بيدور في عقلي وقتها... ليه؟ لكن بعد اللي عرفته عن عيسى الحديدي، وإزاي أنت وماما عيشتوا بسببه، تمنيت لو كان لسه عايش وسألته: ليه؟ ليه الفلوس تخلي واحد يقتل أعز الناس على قلبه؟"

رفع "جون" رأسه، وعيناه تلمعان بندمٍ عميق، وصوته يرتعش.:- "جهاد، أنا عمري ما فكرت آذيَك. أنت الطيبة والحب اللي في عينك ليا ولكل الناس. وحبك لصهيب كان أكبر دليل على إنك ندمان وقلبك واجعك على اللي عملته. مش أنا اللي قويتك يا جهاد. أنت اللي قويت كل واحد في العيلة دي. أنت أساسي أنا يا جهاد. كل اللي حصل في حياتك كان بسببي أنا... من غيرك أنا ولا حاجة يا جهاد. لو كنت مت، فعلاً ما كنتش هقدر أستحمل أو أكمل. أنت جهاد، ابن عمي وصاحبي وأخويا، والأهم من ده كله... أنت ضهري. عمري ما هقدر أوفي حق وجودك في حياتي من تاني."

لم تكن دموع، بل كانت سدًا ينهار داخل عينيه، سيلٌ من المشاعر التي لطالما كتمها.

مدّ "جهاد" يده واحتضن "جون" بقوة، وكأنه يشبّث بآخر قشة في بحر من الألم.:- "أنا أكتر واحد عارف إنك بتحبني، وإن اللي حصل يوم ما خنقتني كان من ضغط وكلام الناس عليك. عمري ما زعلت منك يا جاد. المهم إننا مع بعض."

ربت "جون" على ظهره بحنان، وكأنه يربت على روحهما معًا.:- "انسى. أوقات بيكون النسيان راحة للكل... هو بيكون الطريق الوحيد للنجاة من الغرق في الأفكار."

نهض "جهاد" من مكانه، وهو يمسح أثر الدموع من عينيه، وقال وهو ينظر إلى الأفق البعيد حيث تتلاشى زرقة السماء مع زرقة البحر، وكأنهما ينسيان حدودهما. "معاك حق. يلا نرجع البيت."

نهض "جون" أيضًا.:- "متأكد؟"

هز "جهاد" رأسه بتأكيد، وقد عاد النور يلمع في عينيه من جديد.:- "جدًا. هما وحشوني أوي يا جاد. عائلتي، البيت ده هو حياتي."

وضع "جون" يده على كتف "جهاد"، وهو يشعر بقوتهما المشتركة للمرة الأولى.:- "ماشي، خلينا نمشي."

هز "جهاد" رأسه، وأغمض عينيه للحظة ليستقبل رذاذ البحر على وجهه.

شعر بآخر نسمة من الماضي تداعبه قبل أن يفتح عينيه على الأفق الممتد أمامه. "يلا... دلوقتي جهاد القديم هسيبه هنا مع صوت الموج. واللي هيرجع، هو جهاد جديد، مولود من جديد."

هز "جون" رأسه بتأكيد، وهو يدرك أن تلك الكلمات كانت أكثر من مجرد موافقة، كانت وعدًا بالدعم. ابتسم "جهاد" ابتسامة لم تكن تصل إلى عينيه منذ فترة طويلة، وخطى أولى خطواته نحو المستقبل، تاركًا خلفه ليس فقط المكان، بل أيضًا ثقل الماضي.

تبع "جون" نحو السيارة، وكل خطوة كانت تؤكد ولادة "جهاد" الجديد. صعد بجانبه، وانطلقا معًا نحو الأمل، تاركين الماضي وراءهما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد لحظات من الصمت الذي كان يكسره صوت محرك السيارة الهادئ، توقفت سيارة "جون" أمام قصر الحديدي.

نظر "جون" إلى "جهاد" الذي فتح باب السيارة ببطء، وكأن قدميه مترددتان في لمس الأرض. تنفس بعمق، وكأنه يملأ رئتيه بهواء المكان الذي اشتاق إليه، ورفع عينيه ليتفحص المكان من حوله، وكأنه يتأكد من أنه ليس حلماً.

في تلك اللحظة، انفتح باب المنزل، وخرج منه "صهيب" كعاصفة صغيرة. ركض بكل قوته، وصوته يملأ الأجواء بالفرح والشوق: "جهااااد!"

ارتسمت على وجه "جهاد" ابتسامة واسعة، لم تكن مجرد ابتسامة، بل كانت نورًا أضاء وجهه كله. فتح ذراعيه بتردد، لكن "صهيب" لم يتردد لحظة، ألقى بنفسه بين أحضانه. شد عليه بقوة، وكأنه يخشى أن يضيع منه مرة أخرى، وصوته يخرج مخنوقًا بالدموع: "وحشتني يا جهاد!"

لمعت عينا "جهاد" بدموع مختلطة بالأسف والشوق، وربت على ظهر "صهيب" بحنان: "متزعلش يا قلب جهاد. وأنت كمان وحشتني أوي."

ابتسم "صهيب" وهو يشدد من عناقه أكثر، وكأنه يرسخ وجوده في هذه اللحظة..:- "وأنا مش هسيبك تبعد تاني. والله هكسر رجليك!"

ابتسم "جهاد" بصدمة مصطنعة وهو يبتعد عنه قليلاً: "نعم يا أخويا؟"

ابتعد "صهيب" عن أحضانه وهو يقول بجدية: "إيه، الحقيقة. أنت بتبعد أكتر ما بتاكل."

ضحك "جهاد" وهو يهز رأسه بتأكيد، وتناست كل آلامه بمجرد رؤية ضحكة 'صهيب'.

من خلفهم، اتكأ "جون" على سيارته ووضع يديه في جيوبه، وقال بابتسامة خفيفة: "معاك حق."

نظر "جهاد" بين الاثنين بذهول: "والله أنتم بقيتوا عليا."

في هذه اللحظة، اقترب "مراد" وهو يبتسم ابتسامة دافئة، وقال بنفي: "مش حقيقي. أنا معاك. وبعدين أخويا يعمل اللي عايزه."

أضاء وجه "جهاد" بفرحة النصر: "حبيبي يا مراد!"

عانق "مراد" "جهاد" بشوق وفرحة، وهمس في أذنه: "نورت برجوعك لينا من تاني."

ابتسم "جهاد" وهو يشدد من عناقه: "وأنا مبسوط إني رجعت تاني."

في تلك اللحظة، فصل "صهيب" بينهما بضيق: "خلاص كفاية أحضان!"

نظر له "جهاد" بصدمة: "صهيب أنت عبيط؟"

أما "مراد" فنظر لـ "صهيب" بغيظ: "صهيب بلاش أنا أحسن لك وابعد عني."

رد "صهيب" بضيق طفولي: "أنا عملت إيه؟ هو تعبان أكيد من الطريق."

نظر "جهاد" إليه بنفي وهو يقول: "بس أنا مش تعبان!"

تشبث "صهيب" بيده بإصرار: "لا تعبان!"

نظر "جون" إلى أفعاله بدهشة، ورفع حاجبيه متعجباً: "في إيه يا صهيب؟"

جاء "جاك" من الخلف، وعلامات الفرح بادية على وجهه: "صهيب دماغه فوتت!"

ابتسم "جهاد" وهو ينظر لـ 'جاك' بشوق: "جاك!"

لكن "صهيب" منعه من الاقتراب، وشد على يده: "ابعد! مفيش أحضان!"

نظر "جهاد" له بتعجب: "في إيه يا زفت!"

جاء "سام" من الخلف، وقال بابتسامة ساخرة: "أظاهر صهيب بيغير على جهاد."

نظر "دين" إلى "سام" بصدمة مصطنعة، وشاركه في المزاح: "أو مننا إحنا... معقول!"

نظر "سام" لـ "دين" بحزن مصطنع: "شوفت لدرجة دي!"

نظر "جهاد" لـ "صهيب"، والصدمة لا تزال مرسومة على وجهه، لكنها لم تكن صدمة غضب، بل دهشة وفرح..:-"صهيب!"

أما "جون"، فجاء صوته يحمل دهشة ممزوجة بالضحك: "أنت عبيط!"

شدد "صهيب" على يد "جهاد" بإصرار، وهو يحدق في عينيه ببراءة مطلقة.:- "وفيها إيه؟ أخويا."

هز "مراد" رأسه بيأس، وهو يدرك أن "صهيب" دخل في عالمه الخاص الذي لا يمكن فهمه.:- "لا ده مش عَبَط... ده غباء!"

استفهم "جهاد" وهو يضحك، "هما مش الاتنين واحد؟"

أكد له "مراد"، وهو يشير إلى "صهيب" بنظرة مغتاظة: "الاتنين بقوا مرتبطين في الحيوان ده!"

رد "صهيب" بلا مبالاة، وكأنه لم يسمع شيئًا: "عادي. جهاد أنا وحشتك صح؟"

أجابه "جهاد" بضحك يملأ صدره: "أيوة."

أضاء وجه "صهيب" بفرحة غامرة، وشدّ يده بقوة: "وأنت كمان! تعالَ أوريك عملت لك إيه."

حاول "جهاد" التحرر من قبضة "صهيب"، وهو ينظر نحو "سام" و "دين" بابتسامة: "طيب استنى أسلم على سام ودين."

شوح "صهيب" بيده بلا مبالاة، وهو يسحبه خلفه: "مش مهم! ما هم مرزوعين، هيروحوا فين يعني؟"

ضحك "جاك" بصوت عالٍ، وهو يستمتع بالمشهد.:- "على رأيك!"

نظر "سام" إليهم بصدمة مصطنعة، ووضع يده على صدره: "أنا حاسس إني اتمهزقت."

رد "دين" بسخرية، وعيناه تتبعان "صهيب" وجهاد: "حاسس بس؟!"

بينما كان الجميع يضحك، اقترب "مراد" من "جون"، وهمس له بنبرة من القلق لا تخفى: "هو مستعد يقابل حد منهم؟"

ابتسم "جون"، وهو ينظر إلى "جهاد" الذي يسير أمامهم إلى الداخل بخطوات واثقة.:- "مستعد أكتر من أي وقت تاني."

سأله "مراد" بتعجب: "بتقول كدا ليه؟"

أجابه "جون" وهو يسير خلف الباقين، وابتسامة غامضة على وجهه: "دلوقتي تشوف. تعالَ."

قطب "مراد" جبينه بدهشة من كلامه، لكنه تبعه إلى الداخل، وقلبه يفيض بالترقب لمعرفة ما الذي ينتظرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في داخل القصر، كان الصمت يملأ المكان، صمت ثقيل يتخلله فقط صوت دقات قلوبهم المتسارعة. الجميع يقف في صف واحد، يملأهم ترقب ممزوج بقلق شديد، وكأنهم ينتظرون شروق شمس بعد ليل طويل. عيونهم كانت مثبتة على الباب الكبير، تتساءل في صمت عما سيحمله لهم القدر خلف تلك الأخشاب المنقوشة.

انفتح الباب، واندفع "صهيب" بحماس، تلته ابتسامة "جهاد" التي أضاءت المكان كله. لم تكن مجرد ابتسامة، بل كانت وعدًا بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

نظر "جهاد" حوله، ورأى الزينة والورود التي رُتبت من أجله، وشعر بدفء الحب الذي يغمره. توقف أمامهم، وعيناه تمسح وجوههم المشتاقة، وقال بنبرة متهدجة تحمل شوقًا طال انتظاره: "وحشتوني."

لمعت عيون الجميع بالدموع، وارتسمت على وجوههم مشاعر مختلطة من الفرح والأسى، وهم يرون "جهاد" يقف أمامهم بهدوء، بلا أي أثر للغضب أو اللوم. كان حضوره بمثابة عودة للحياة، كأن الزهور تفتحت من جديد في حديقة ذبلت أوراقها.

تقدمت "مليكة" بخطوات ثقيلة، يغلفها ندم لا تستطيع إخفاءه، وهمست بصوت متهدج: "أنا آسـ..."

لم تكمل كلمتها، فقد احتضنها "جهاد" بين ذراعيه. كان عناقًا طويلًا، عناقًا أعاد الأمان إلى قلبها. انهارت دموعها بغزارة، وهي تستمع لكلماته التي تسببت لها بقشعريرة. "مبروك على أمان حبيبي. معقول يجي على الدنيا من غير ما أكون موجود؟"

ردّت "مليكة" بين شهقاتها: "ولدت بدري شهرين... قبل ماسة."

ابتسم "جهاد" وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالشوق: "وحشتيني يا أميرتي."

بكت "مليكة" بين أحضانه بلا توقف، وتعثرت كلماتها وهي تتمسك به كطفلة وجدت والدها أخيرًا. "أ...أنا آسفة ي...يا جهاد، أنت و...وحشتني مو...ت. أنا آسفة...آسفة."

ابتعد "جهاد" عنها بهدوء، ووضع يده على وجهها بحنان، يمسح دموعها. "هشش... بقول لك وحشتيني، ووحشني وش مليكة الحلو."

نظرت "مليكة" إليه بدموع لا تتوقف: "وأنت كمان وحشتني... كل حاجة فيك."

قبل "جهاد" جبينها بحنان، ثم جذبها إلى أحضانه من جديد، وهمس في أذنها: "مليكة، لو بتحبيني، بلاش تعتذري تاني. انسى كل حاجة. بلاش نرجع للماضي، إحنا في الحاضر. أنا بحبك، وأنتِ أختي الحلوة. وعارف... لا، أنا متأكد إنك بتحبيني."

ابتسمت "مليكة" بتأكيد وهي تبتعد عنه، ونظرت إليه بعيون تلمع بالحب: "موافقة. أهلًا بعودتك لينا."

ابتسم "جهاد" بتأكيد، واقترب من "ماسة" التي كانت تقف في الخلف، وعيناها مثبتتان عليه.

كانت تنظر إلى كل جزء فيه، إلى ملامحه التي ظلت تحلم بها لشهور، بدموع وفرح وحزن في آن واحد، لا تصدق أنه أمامها. ظلت تفكر هكذا، حتى وجدت نفسها بين ذراعيه، وهو يهمس بحب: "هو أنا قولت لك قبل كدا إنك بتبقي حلوة وأنتِ حامل

أخيرًا، لامست يداها ظهره. بكت "ماسة" بصمت، دموعها الحارة تنساب على وجنتيها بينما تشعر بدفء أنفاسه على رقبتها، دفء طال انتظاره بعد غياب أثقل كاهل روحها. انكمش قلبها في داخلها، ليس من الحزن، بل من فيضان فرح مفاجئ، وفي تلك اللحظة التي اختلطت فيها دموع الشوق بابتسامة نادرة، هزت رأسها وهي تتمتم بصوت خافت، يكاد لا يُسمع: "وأنا قولت لك قبل كدا إني بحبك."

لم يستجب "جهاد" على الفور. هز رأسه بخبث، والابتسامة التي لا تفارق وجهه كانت تخفي شيئًا من التردد..:- "مش فاكر."

في لحظة، تحول بريق عينيها إلى حزن عميق، حزن صامت لا يمكن أن تخفيه. رفعت رأسها تنظر إليه، عيناها تلومه بلطف: "جهاد!"

همس لها بحب صادق، وهو يضمها إلى صدره بقوة، كأنه يريد أن يخبئها عن العالم أجمع: "روحه."

لم تستطع "ماسة" أن تكبح دموعها التي استمرت بالنزول. ابتعدت عنه بتردد، ورفعت عينيها المتورمتين من البكاء وقالت بصوت متقطع: "جهاد أنا..."

قاطعها "جهاد" بنبرة حنونة، يعرف ما تريد قوله، لكنه لا يريد أن يفسد تلك اللحظة: "بلاش دلوقتي. فين جهاد؟"

ارتسمت على شفتي "ماسة" ابتسامة حزينة، ابتسامة تعرف مرارتها بنفسها..:- "بره مع جاد."

نظر "جهاد" إلى "مراد" بغيظ مصطنع، لكن عينيه كانتا تشعان بفخر لا يضاهيه شيء: "ابنك امتلك الواد ولا إيه؟"

ردّ "مراد" بضحكة ساخرة، يهز رأسه بيأس: "يا شيخ احمد ربنا أن جاد عبر ابنك ده! ده أنا مش بيعبرني."

انفجرت "عشق" بالضحك بصوت عالٍ، تهز رأسها متعجبة: "جاد متعلق بجهاد لدرجة غريبة! أنا نفسي مستغربة منهم."

ابتسم "جهاد" بفرحة غمرت قلبه، وهو يقترب من "عشق" ويحتضنها بحنان، يهمس لها بكلمات صادقة من أعماقه: "شكرًا يا عشق على كل حاجة."

ابتعدت عنه "عشق" ونظرت إليه بحب أخوي خالص، حب لا يخالطه أي شيء آخر: "جهاد أنت أخويا الصغير، مفيش شكر بيننا. المهم إنك بخير، حمدلله على السلامة."

ابتسم "جهاد" بتأكيد، وكأنه يطمئنها أنه بخير حقًا: "الله يسلمك."

وقف "جهاد" أمام "جوليا" و"مايا"، ابتسامة واسعة ترتسم على وجهه. سأل بمرح: "عاملين إيه يا بنات؟"

قفزت "مايا" بفرح، وعانقته بحرارة، وكأنها تعوض غياب سنوات: "فرحانين إنك رجعت بالسلامة! حمدلله على السلامة."

ضحك "جهاد" وفتح ذراعيه: "لمطة، تعالي."

عانقت "مايا" "جهاد" بحرارة، بينما وقفت "جوليا" بعيدة، يكسو وجهها التوتر، وكأنها تحمل في قلبها ثقلاً من الماضي.

قاطع "جهاد" هذا الصمت المشوب بالتوتر، عندما اقترب منها، وعانقها باعتذار: "متزعليش مني يا جوليا."

نفت "جوليا" وهي تحتضنه بحنان، دموعها تغمر عينيها: "أنا اللي آسفة على كل حاجة."

همس "جهاد" بحنان: "مش مهم أي حاجة. لازم ننسى الماضي. موافقة؟"

ردت "جوليا" وهي تعانقه بحب أخوي، وكأنها تودع ماضيًا ثقيلاً: "موافقة."

ابتعد "جهاد" عنها وهو يبتسم، واقترب من "لين" وسأل بمرح: "إزيك يا قزعة؟"

نظرت إليه "لين" بغيظ مصطنع: "جهاد! أنا مش قزعة! طولي 155 سنتيمتر!"

ضحك "جهاد" وهو يهز رأسه باعتذار: "خلاص متزعليش."

احتضن "صهيب" "لين" بغيظ من "جهاد": "متزعليش يا لين، هو حيوان ما يقصدش."

نفت "لين" وهي تضحك: "بس أنا مش زعلانة! جهاد بيهزر يا صهيب."

نظر "صهيب" إلى "جهاد" بغيظ حقيقي، وكأن هناك منافسة خفية بينهما: "يعني أنا غلطان إني مش عايزك تزعلي؟"

رد "جهاد" بتجاهل متعمد، ابتسامة واسعة ترتسم على وجهه: "وأنت مالك بجد؟"

هز "صهيب" رأسه باستسلام: "تصدقوا أنا غلطان فعلًا. اتنيلوا مع بعض."

اقترب "جهاد" ببطء من "هيرا"، التي كانت تحتضن "جان" بين ذراعيها. كانت عيناها تحدقان به، تحملان في طياتهما خليطًا من الأسف والندم الذي حاول أن يتجاهله. قبل أن تنطق بكلمة واحدة، قطع "جهاد" صمتها بابتسامة، وبعفوية حاول بها أن يكسر التوتر: "هيرا، ست رخمة، عاملة إيه؟"

تجاهلت "هيرا" الإهانة الخفيفة، وتحدثت بضيق واضح في صوتها: "أنا مش رخمة يا جهاد."

انفجر "جهاد" بالضحك، وكأنه يلقي حملًا ثقيلًا عن كاهله: "خلاص بهزر! هتقتليني ولا إيه؟"

نفت "هيرا" وهي تهز رأسها: "لا، سماح المرة دي"

تظاهر "جهاد" بالصدمة، ونظر إلى "جاك" الذي كان يقف خلف "هيرا": "الله يكون في عونك يا جاك والله!"

اقترب "جاك" ووضع ذراعه حول كتفي "هيرا"، وقال بحب عميق ونبرة تفيض فخرًا: "ليه إن شاء الله؟ دي هيرا ست البنات كلهم."

احمر وجه "هيرا" خجلًا، وتدثرت خلف "جاك" وهي تقول: "جاك، عيب!"

لم يستطع "جهاد" كبح ضحكته: "جاك عيب!"

نظرت إليه "هيرا" بغيظ، ورمقته بنظرة حادة: "جهاد، روح سلم على حد تاني!"

من خلفهم، جاء صوت عميق ومألوف. التفتوا جميعًا ليجدوا "يوسف" يأتي على عكاز.

ابتسم "جهاد" ابتسامة واسعة، ابتسامة لم يعرفها أحد من قبل، وهو يرى والده يسير على قدمه بعد كل هذه المدة. هتف بفرحة لم يستطع إخفاءها: "بابا! رجلك!"

اقترب "يوسف" وعانق ابنه بحنان، يربت على ظهره بحب: "قلب بابا يا جهاد. وحشتني. سامحني إني مكنتش جنبك."

تجمعت الدموع في عيني "جهاد"، لم يعد يهمه شيء. رفع رأسه ودموعه تسيل على وجنتيه: "مش مهم، المهم إنك بتمشي على رجلك."

وضع "يوسف" يده على وجه ابنه، وتمرر أصابعه على ملامحه بحزن عميق: "قلت أعمل العملية زي ما طلبت مني."

أشرق وجه "جهاد" بفرحة عارمة: "أنا مبسوط إنك كويس. وحشتني بجد."

نظر إليه "يوسف" بحنان وحب: "أنت أكتر يا حبيبي. حمد لله على السلامة."

تنهد "جهاد" براحة، وكأنه تخلص من عبء ثقيل كان يحمله على صدره: "الله يسلمك."

من خلفهم، جاء صوت آخر.

"سلطان" كان يقف وهو يبتسم، وقال بمرح: "وأنا مليش وحشتني وحضن زيهم؟"

ابتسم "جهاد" واقترب من جده، وعانقه بقوة وكأنه يستعيد كل لحظات الغياب: "مقدرش! وحشتني يا جدي."

ربت "سلطان" على ظهره بحنان ممزوج بالفرحة: "نورت بيتك يا حبيب جدك."

نظر "جهاد" إلى الجميع من حوله، إلى وجوه أحبائه التي ملأت المكان بالدفء، وقال بفرحة: "منور بيكم كلكم."

كانت "ماسة" تنظر إلى "جهاد" بعيون تفيض بالحب، وقالت: "الأكل جاهز."

تذمر "سام" بغيظ: "مكنش حد راضي يخلينا ناكل غير في وجودك."

ابتسم "جهاد" وهو يرى كم هو محبوب. اقتربت "مليكه" وقالت بحنان: "الأكل كله لجهاد... بس حرام، كلوا معه علشان ما يتعبش من عينكم بعدين."

ضحك "جهاد" وهو يهز رأسه: "ههه، ده كله ليا؟"

أكدت "مليكه" وهي تضحك: "هو إحنا عندنا كام جهاد يعني؟"

تذمر "سام" بغيظ: "واحد مطلع عيننا!"

نظرت "ماسة" إلى "جوليا" بغيظ مصطنع: "جوليا، ابعدي زوجك عن زوجي أحسن لك!"

ردت "جوليا" وهي تضحك: "سام، بطل رخامة!"

تنهد "سام" بغيظ وهو يجلس على السفرة: "عيلة بنت كلب."

نظرت "مليكه" إلى "جهاد" مرة أخرى: "جهاد، يالا علشان تاكل."

نظرت "جهاد" إلى المكان من حوله، وعينيه تبحثان عن وجه مألوف. قال بقلق: "فين ماما؟"

نظرت "مليكه" إليه بحزن، وقال "جون" وهو يقترب منه ويده على كتفه: "أكيد في الأوضة."

هز "جهاد" رأسه، واتجه نحو غرفة والدته، تتبعه نظرات "مليكه" و"جون" القلقتين، وكأنهما يعرفان ما ينتظره في الداخل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتحَ الباب ببطء لم يعهده من قبل، وكأنه يخشى أن يكسر شيئًا هشًا في الداخل. لم يكن هناك ضوء سوى خيط رفيع تسلل من الممر، يكشف عن صورة والدته "كوثر"، جالسة على سجادة الصلاة، وقد ارتفعت يداها إلى السماء في ابتهال، يملأ صوت بكائها الخافت الفراغ الذي بدا فجأة أكبر من الغرفة. كان بكاءً لا يُسمع بالكامل، بل يُشعَر به في الصدر.

اقترب "جهاد" منها بخطوات مترددة، وكأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة، وجلس بجوارها على الأرض. عندما خفضت يديها، رأى في عينيها نظرة عميقة مليئة بالحزن، ولكن ابتسامة باهتة حاولت أن تزين شفتيها.

كانت ابتسامة تحمل ألف حكاية من الألم.

لم يترك له قلبه المرتجف مجالًا للتردد، أسرع وأمسك بيديها المرتعشتين وقبّلهما بحنان، كأنه يريد أن يمسح كل أثر للوجع. نزلت دموعه الحارة على كفيها، وهو يحدق في عينيها الخضراوين اللتين كانتا تلمعان كقطعتين من الزجاج المكسور، وهتف بصوت مخنوق: "وحشتيني يا أمي."

ارتجف جسدها، وخرجت شهقة مكتومة من صدرها. ضمّت يديها على كفيه، كأنها تريد أن تتأكد من أنه لم يعد مجرد طيف، وهمست بذهول: "أمي؟"

أومأ برأسه بتأكيد وهو يمسح دموعها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صادقة أضاءت ظلمة المكان، وقال: "وأجمل أم في الدنيا كلها"

كانت محاولة "كوثر" للتعبير عن نفسها مجرد همسة خافتة، خانها صوتها قبل أن تصل إلى النهاية. قالت بصعوبة: "بس أنا..."

قاطعها "جهاد" وهو يحدق في عينيها بدموع لم يعد يبالي بإخفائها. هز رأسه ببطء، وكأنما يحاول إقناعها بما هو مقتنع به تمامًا.:-  "لا، قلت لكِ قبل كده وهرجع أقولها تاني... أنتِ أمي، الست اللي كانت أحن من الدنيا كلها عليَّ. حبك ليا كان أكبر من حبك لولادك، وأكبر من أي حب حسيت به في حياتي. أنتِ روحي."

مدت "كوثر" يدًا مرتعشة ولامست وجهه بحنان، وكأنها تتأكد من أن هذا الحنان الذي تراه في عينيه حقيقي ولم يتغير.:- "لسه زي ما أنت... حتى بعد الكلام اللي قلته من غير قصد، كان قلبي محروق من اللي حصل."

نظر لها "جهاد" بنظرة فهم عميقة، وكأنه يرى ما في قلبها بلا حاجة للكلمات.:- "عارف... أنا قلت لكِ إنك مش أمي، بس والله من غير ما أحس. طول عمري بتمنى أوفي لكِ دينك عليَّ، بس مش عارف ازاي."

انفجرت "كوثر" في نوبة بكاء، دموع الصدمة امتزجت بدموع الفرح التي طالما حرمتها. سألته بصوت مخنوق: "حبي لك دين يا جهاد؟"

هز "جهاد" رأسه بالنفي.:- "لا، مش حبك بس... طيبتك وحنيتك وكلمة 'ابني' اللي كنتي بتقوليها لي. كنتِ لي الأم وأنا يتيم، وكنتِ لي الأب وأبويا عايش. أنتِ كل حاجة جميلة كانت، ولسه موجودة."

شعرت "كوثر" بالخجل من ذكرى كلماتها الجارحة التي قالتها في لحظة غضب. انحنت رأسها وقالت بندم عميق: "آسفة على كلامي ليك."

ربت "جهاد" على يديها بحنان لا حدود له.:- "هشش... ده حقك تقولي اللي عايزاه. وأنا عليَّ أعرف إذا كان كلامك ده من قلبك أو لا. وأنا متأكد إن الكلام اللي قلتيه كان ورا قلبك."

نظرت إليه "كوثر" بعينين متسعتين، وكأنها تراه للمرة الأولى، رغم كل السنوات التي مرت.:- "طول عمري بتعجب من طيبة قلبك... لغاية النهاردة. أنت إزاي كده؟

"

نظر لها "جهاد" نظرة حب عميقة، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيه.:-"علشان أنتِ ربتيني على كده."

اتسعت عينا "كوثر" بصدمة، وشفتاها انفرجت من الدهشة. "أنا؟"

أومأ "جهاد" برأسه، ثم انحنى وقبّل جبينها بحب، وكأنه يضع ختمًا على كل ما قاله.:- "أنتِ أمي... وست قلبي."

ضمت "كوثر" وجهه بيديها، ودموعها تنزل بغزارة، لم تعد تبالي بها.:- "يا روح قلب ماما."

ابتسم "جهاد" ابتسامة طفولية، ووضع رأسه على قدميها، شعور بالراحة غمر كل كيانه.:- "وحشني إني أنام بين إيديكي."

أطلقت "كوثر" تنهيدة راحة، ومررت يدها على شعره بحنان، كما كانت تفعل عندما كان طفلًا.:- "وأنا وحشني وجودك جنبي."

رفع "جهاد" عينيه ونظر إليها، عيناه تلمعان بحب لا ينضب.:- "والله أنا موجود، بس اللي ميزهقش مني."

انحنت "كوثر" وقبّلت جبينه.:- "مستحيل حد يزهق من روحه."

قُطعت هذه اللحظة الحميمة بصوت قادم من الخلف. كان "جون" يقف عند الباب، يبتسم ابتسامة عريضة.:- "طيب، هتفضلوا كده كتير؟ الكل مستني نزولكم."

ابتسم "جهاد" ونهض عن قدم أمه.:- "أنا ماليش دعوة، هي اللي بتلعب في شعري وأنا بحب الحركة دي."

نهضت "كوثر" بمساعدته، ابتسامة صافية على وجهها. "وأنا بحب أعمل كل اللي بتحبه. المهم تكون مبسوط."

ابتسم لها "جهاد" بحب، وقال "جون" بضيق مصطنع: "أنا كده أغير."

ردت "كوثر" وهي تضحك: "وأنت كمان روحي يا جاد."

صرخ "جاد" وهو يخرج من الغرفة: "كده حلو! الأكل برد وأنا بصراحة جعان."

نظر إليه "جهاد" بتعجب مصطنع.:- "بقى طفس إمتى؟"

ضحكت "كوثر" وهي تحتضن رأسه بحب. قال "جهاد" بحزن مصطنع: "كفاية، أنا بصراحة جعان."

ضحكت "كوثر" وهي تتوجه نحو الباب: "طيب يلا يا طفس أكتر منه."

"جهاد" وهو يخرج من الغرفة: "كده حرام! ابنك طفس أكتر مش أنا."

نظرت إليه "كوثر" بذهول، وكأنها لم تفهم ما قاله.:- "طيب ما أنت ابني!"

تظاهر "جهاد" بالصدمة، ووضع يده على صدره.:- "واو... لا كده مقدرش أتكلم."

هبط "جهاد" إلى الأسفل، ورمقته الأعين الجائعة من حوله بغيظ. قال "دين" بانزعاج: "ما تنام بالمرة!"

رد "جهاد" بحزن مصطنع: "كان نفسي والله، بس جعان."

نظر "جاك" إلى الطعام البارد، وقال بتأفف: "بارد."

مد "سام" يده للطعام، ولكن "ماسة" ضربته بحدة وهي تنظر إليه بغيظ: "أوف، خلاص اتنيل وتعالى."

ضحك "جهاد" واقترب من الطاولة، وجلس بجوار "جون" وهو ينظر إلى وجوه أحبائه، التي غمرتها الفرحة وهم يضعون له الطعام بحب وحنان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خرج "جهاد" إلى حديقة المنزل، عيناه تائهتان تبحثان عن ابنه الذي اشتاق له حد الوجع. كلما لمح طيفه، انقبض قلبه بشعور مُرّ من الحزن والذنب.

كان الابن يبتعد، لا يشعر بوجوده، كأنه غريب يمر في حياته. لكن اليوم، اختلف الأمر.

لمح "جهاد" الصغير يضحك مع "جاسي"، وقربهما يجلس "جاد"، يقرأ في هدوء.

عندما رأى قربهما، تذكر طفولته مع "جون"، شقيقه، فابتسم قلبه قبل وجهه، وشعر بالفرح يغمر روحه.

تنفس بعمق، خطى خطوات واثقة نحوهم، ونادى بصوت حنون ملؤه الشوق: "جهاد!"

هبط "جهاد" الصغير من على المقعد، التفت لوالده، وابتسامة عريضة رسمت على وجهه الطفولي. صاح بسعادة: "بابا!"

اتسعت ابتسامة "جهاد" الأب وهو يجثو على ركبتيه، فاتحًا ذراعيه بشوق لا يوصف. تحولت ابتسامة الصغير إلى ضحكات تملأ المكان، هرول نحو والده وألقى بنفسه في أحضانه بقوة، قائلاً بصوت مكتوم في صدره: "بابا وحشتني أوي أوي!"

احتضنه "جهاد" بقوة، واستنشق رائحة ابنه بعمق، كأنها الهواء الذي فقده طويلاً. قال وهو يشدد من العناق: "وأنت وحشتني أوي يا جهاد. أنت مش زعلان مني، مش كده؟"

ابتعد الصغير عنه، هز رأسه بالنفي، وقالت ملامحه الطفولية بثقة: "لا، عشان عارف إنك كنت تعبان، وكان لازم تبعد عشان ترجع كويس وتكون بخير."

عقد "جهاد" حاجبيه في دهشة: "مين قال لك الكلام ده؟"

ابتسم "جهاد" الصغير، أمسك بيد والده وسحبه ليجلس على المقعد: "يا بابا، ما فيش داعي تخبي عني أي حاجة. أنا بقيت كبير وفاهم. يا ريت تعمل زي جاد، هو مش بيخبّي عني حاجة. وقت ما تعبت، هو فهمني إنك تعبان ولازم تبعد فترة عشان تكون أحسن."

رفع "جهاد" عينيه عن وجه ابنه، نظر إلى "جاد" الذي كان يغطّي وجهه بالكتاب، وكأنه يرفض الاستماع. عاد بنظره إلى ابنه وقال بهدوء: "أنا آسف. مش هخبّي عنك حاجة زي دي بعد كده. قل لي أنت عامل إيه؟"

"أنا كويس، بس تعبت يا بابا. دايماً باخد جلسات الأكسجين دي. هو أنا هفضل كده على طول؟" سأل 'جهاد" الصغير بينما يجلس أمام والده.

تغيرت ملامح "جهاد" للحزن، رفع يده بحنان ليلامس وجنة ابنه: "معلش يا جهاد. أنت مش بتاخد الجلسات دي إلا لما تتعب، مش كده؟"

هز الصغير رأسه بالنفي: "لا."

قاطعتهما "جاسي" ببرود: "كداب."

ابتسم "جهاد" لـ "جاسي"، لكنها بادلته بنظرات باردة أثارت استغرابه. عاد ليكمل حديثه مع ابنه: "يا جهاد، الجلسة دي عشان وقت ما تتعب. ومعنى كده إنك بتتعب. أنت لازم ما تزعلش، وما تتعصبش، وما تعملش مجهود كبير عشان ما تاخدهاش."

نظر إليه الصغير بنظرة حزينة: "بس أنا عايز ألعب براحتي، عايز أجري وأرجع أسبح من تاني."

رفع "جهاد" عينيه بحزن، وتأمل "جاد" الذي كان ينظر لابنه بعلامات حزن وضيق.

ابتسم الأب بهدوء: "أسألك سؤال؟"

هز "جهاد" الصغير رأسه: "موافق."

وضع الأب يده تحت ذقن ابنه وسأله: "هو مش أنت بتحب ربنا؟ ولو ما كانش حصل معاك كده، ما كانش هيكون عندك صاحب زي جاد، مش كده؟ طيب أنت زعلان من ده؟"

هز "جهاد" الصغير رأسه: "لا، مش زعلان خالص. المهم إن جاد معايا، أنا عايزه هو مش عايز أي حاجة تانية."

عاد "جاد" ليرفع الكتاب على وجهه مرة أخرى، وعلى شفتيه ابتسامة خفية بعد أن سمع إجابة الصغير.

احتضن "جهاد" ابنه بقوة وقال: "حبيب بابا. أنا فخور بيك. أنت شجاع وهتكون دايماً كويس، صح؟"

هز "جهاد" الصغير رأسه، وجلس بجوار "جاد" يمسك بيده بتملك: "هكون كويس عشان هو معايا."

ابتسم والده وهو ينظر إلى وجه "جاد" الذي لم يتعجب من إمساك يد "جهاد"، بل شدد على يده بتملك مشابه.

اتسعت ابتسامة "جهاد" الأب براحة، ثم اقترب من جاسي: "أنتي باين كده إنك زعلانة مني."

لم تجبه "جاسي"، كانت تنظر إلى هاتفها في صمت. كرر "جهاد" سؤاله: "طيب، مش وحشتك أنتي كمان؟"

نفت وهي تنظر إليه ببرود: "لا."

تعجب "جهاد" من هذه الصغيرة التي تشبه والدتها، وقال بحزن: "جاسي، زعلانة مني ليه؟ أنا ما عملتش حاجة."

انهارت دموع جاسي: "هي دي المشكلة يا جهاد! أنت نسيت إني موجودة، نسيت جاسي! أنت كنت بتحبني، دلوقتي لأ. أنا كنت بنتك، دلوقتي أنت نسيت وجودي حتى!"

لمعت عينا "جهاد" بالدموع، شعر بتقصيره الملحوظ تجاه هذه الصغيرة التي يحق لها كل هذا العتاب. تنفس بحزن، وضع يده على رأسها بحنان: "معاكي حق. أنا آسف."

أدمعت عينا "جاسي". لم تكن مجرد دموع طفلة حزينة، بل كانت دموع لسنوات من الغياب، سنوات لم تفهم فيها لماذا رحل.

كان "جاد" يراقبهما، يداه تقبضان على الكتاب الذي بينهما، وعيناه تطلقان نظرات غاضبة تعكس ضيقًا واضحًا.

قطع "جهاد" لحظة الصمت الثقيلة. مدّ يده بتردد، ثم وضعها على كتف ابنته، وقال بصوت مهزوز من العاطفة: "أنتي لسه بنتي يا جاسي، فرحتي الأولى. أنا عارف إني بعدت وقصرت معاكي، أنا آسف يا حبيبتي. بس والله أنا بحبك، يا روح جهاد. أتمنى لو كنتي كبيرة كفاية عشان تفهمي إيه اللي مريت به. يمكن تسامحيني يا جاسي."

كان صوتها المرتعش يحمل لومًا أكبر من كلماتها: "أنت نسيت جاسي؟"

هزّ "جهاد" رأسه بالنفي، ونظرة حزن عميقة في عينيه. أمسك بيدها وقال: "أبداً. أنتي ملكتي. ما أقدرش أنساكي."

نظرت إليه، كانت عيناه مليئتان بحب وحنان صادقين. قالت: "ماما قالت لي إنك بتحبني، وإنك بعدت عشان هما زعلوك، وإنك كنت تعبان. هي كانت بتبكي. لو أنت مش زعلان من ماما، أنا مش هزعل منك."

ابتسم "جهاد" ابتسامة حزينة، ابتسامة تعرف مرارة الفراق. هزّ رأسه وقال: "كنت تعبان، بس أنا مش زعلان من حد. أنا سامحت مليكة، لأني ما بعرفش أزعل منها. أنا بحبها."

شعّ وجه "جاسي" الصغير بابتسامة حقيقية. عانقته بحب طفولي، وقالت بصوت رقيق: "خلاص، وأنا مسامحاك. مش عشان سامحت ماما، لا... عشان أنا بحبك."

شدّ "جهاد" من عناقها، واحتواها في حضنه وكأنه يريد تعويض كل لحظة غياب. همس لها: "وأنا بحب قلبك الحلو يا أجمل أميرة في الدنيا."

ضحكت "جاسي" ببراءة: "جاد بيقولي أميرتي كمان."

رفع "جهاد" رأسه، ووجد "جاد" ينظر إليهما، يداه تقبضان على الكتاب بقوة، وجهه يعكس ضيقًا واضحًا. كانت نظراته حادة، تحمل تحديًا أكبر من سنه. قال جهاد بهدوء: "أهلاً يا جاد."

أعاد "جاد" الكتاب ليغطي وجهه، دون أن ينطق بكلمة، ثم قال ببرود: "أهلاً."

تبسّم "جهاد" وهو يتأمل الطفلين. لم تكن هذه مجرد قصة عودة ، بل كانت بداية لفصل جديد غامض. كانت نظراتهما وتصرفاتهما تحمل عمقًا لم يكن يتوقعه. شعر أن القدر يدفعهما نحو قصة جديدة، قصة تتشكل بينهما، تزرع فيهما حبًا غريبًا يتجاوز حدود الزمن والظروف. كان "جاد" بالذات لغزًا، لغزًا سيطر على قلب "جهاد" و "جاسي" بسرعة لم يتخيلها أبدًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مساءً...

أطلق "جهاد" زفيرًا عميقًا، يزيح عن صدره ثقلًا جاثمًا، وهو يصعد درجات السلم. كان المؤتمر العائلي الذي انتهى للتو قد استنزف كل طاقته، فقد تساءل الجميع عن كل شاردة وواردة حدثت في غيابه. لكنه شعر براحة غامرة، فقد ألقى بكل ما في جعبته، ووضع النقاط على الحروف، عاقدًا العزم على أن يترك الماضي خلف ظهره.

فتح باب غرفته، وتسمرت قدماه في مكانهما.

في وسط الغرفة، كانت "ماسة" تقف. عيناها تلمعان بدموع متوقفة على حافة السقوط، ويداها تتشابكان ببعضهما البعض في توتر لا تخطئه عين.

اقتربت منه بخطوات مترددة، وتوقفت على بعد شبرين منه، لترتفع نبرتها المهتزة: "ممكن نتكلم؟"

اقترب "جهاد" حتى أصبح على مرمى البصر منها، ومد يده بهدوء، وقال: "تحت أمرك."

ازدادت حدة توترها من قربه، وحاولت أن تبعد عينيها عن عينيه وهي تقول: "أحم... أصلي يا جهاد، اللي حصل أنا بجد مكنتش أقصد."

أمسك بيديها برفق، ورفعهما للأعلى، وقال بنبرة جادة وهو ينظر في عينيها: "ماسة، لو سمحتي. أنا نسيت كل حاجة، وإنتِ كمان إنسي. الماضي خلاص أصبح ماضي وبس."

هبطت دموع "ماسة" على وجنتيها، وقالت: "بس يا جهاد... أنا قلت الكلام ده. أنا آسفة بجد."

تنهد "جهاد" بعمق، ثم هبط على ركبتيه، ووضع يده على بطنها بحنان. رفع رأسه لينظر لها وقال: "ماسة، أنتِ عارفة إني بحاول أنسى. ساعديني على ده. أنا عايز أبدأ حياة جديدة مع طفلي ده. حياة خالية من كل المشاكل. أنا سبت كل حاجة ورايا وجيت عشان أنا محتاجكم. أنتِ قلتي كلام، وأنا كمان قلت، مش مهم مين اللي قصد ومين لا. المهم إننا رجعنا مع بعض تاني."

هبطت "ماسة" هي الأخرى على ركبتيها، ووضعت رأسها على رأسه، وقالت بصوت متهدج: "وأنا هساعدك تنسى، عشان أنا مش عايزاك تسيبني. يمكن تقول أنانية، بس حياتي هي وجودك جنبي يا جهاد."

ابتسم "جهاد" بحب، وقبّل جبينها، وقال: "وحياة جهاد، أنتِ ملك إيديكي. أنتِ بس اطلبيها وأنا أنفذ."

قالت "ماسة" بفزع: "بعيد الشر عنك. ما تقولش كده."

ضحك "جهاد" وهو يمرر يده على بطنها: "نوع الجنين إيه؟"

هزت "ماسة" رأسها وهي تقول: "مش عارفة."

نظر لها بتعجب: "متعرفيش؟"

ابتسمت وهي تضع يدها على يده: "مكنتش عايزة أعرف النوع ولا أي حد يعرفه غيرك. أنا كمان ما عرفتش."

اتسعت ابتسامته وهو ينظر لها بحب: "كلها كام يوم ونعرف."

قالت "ماسة" بخوف: "ربنا يستر."

شدّها "جهاد" إلى حضنه، وضحك وهو يهمس لها: "هيستر. متخافيش."

تنفس الاثنان الصعداء، وشعرت "ماسة" بسلام عميق يتخلل روحها. قالت بنبرة هادئة: "أنا كده مش خايفة."

شدد "جهاد" من عناقها، وهو يتمنى من كل قلبه أن تكون بداية جديدة لحياة مليئة بالسلام والحب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة "مليكة"، كان الصمت أثقل من أي صوت.

مدّ "جون" يده ببطء، ضمّ كتفَيها إلى صدره، وهو يرى الشحوب الذي غطّى وجهها والشرود الذي احتل عينيها. كانت تحدّق في الفراغ كما لو أنها تبحث عن شيء فقدته، عن إجابة لم تعثر عليها بعد.

جلس بجانبها على السرير، واحتضنها بنعومة، ثم همس بنبرة حنونة كسرت حاجز الصمت: "أنا عارف كل اللي شاغل بالك يا مليكة."

ارتعشت "مليكة"، وابتعدت عنه قليلًا، نظرة من الدهشة والحزن مزجت عينيها قبل أن تسأله بلهفة: "بجد؟"

أومأ "جون" برأسه، على وجهه ابتسامة هادئة تفيض بالثقة: "جهاد رجع، وهو بيحاول ينسى. عشان كده لازم تساعديه ينسى، مش تفكريه باللي حصل."

هزت رأسها والدموع تتلألأ في عينيها: "بس أنا يا جون... أنا اللي أذيته. نفسي أعتذر."

وضع كفّه على وجهها، يمسح دموعها.:- "يا قلب جون، اللي حصل ما كانش بإيدك ولا بإيده. كلامك وقتها كان صعب، بس هو فاهم إنك قلتيه من غضبك، مش من قلبك. جهاد مش وحش عشان يفكر في الانتقام."

ضحكت "مليكة" ضحكة خفيفة وسط دموعها، ضحكة كشفت عن مقدار الألم الذي تحمله.:- "جهاد ينتقم! ده ما بيعرفش يزعل قطة."

شدد "جون" من احتضانه لها، وقال بهدوء وحسم: "أهو، انتي قولتيها. كوني جنبه، وافتحي معاه صفحة جديدة وبيضاء."

نظرت إليه بامتنان وحب، وهمست بنبرة خافتة: "هساعد جهاد. بس فيه حاجة تانية."

قطّب "جون" حاجبيه في حيرة: "حاجة تانية؟ حاجة إيه؟"

عانقته بقوة، كأنها تحاول أن تذوب في أحضانه. "مش عارفة أشكرك إزاي. أنت أجمل حاجة في حياتي يا جون. دايماً معايا وبتسندني، حتى رغم كل المشاكل اللي سببتها لك."

شدد "جون" من عناقها، وابتسم وهو يهمس في شعرها: "ده واجبي وحبي ليكي. أنتي طفلتي، وأنا أبوكي اللي بيدلك على الصح."

أغرقت عينيها بالدموع، وهزت رأسها: "حتى بعد ما أذيت جهاد لسه بتحبني؟"

نظر إليها بعتاب لطيف وقال: "اللي عملتيه كان غلط، بس ده مش معناه إني أزعل منك. أنا هنا عشان أفهمك غلطك، وعشان أنا عارف ومتأكد إنك قلتي ده كله من غير قصد."

قوّست شفتيها بطفولة، وقالت بدموع: "أنا بجد بحبك."

ضحك "جون" على شكلها، ومسح على شعرها. "وأنا بحب طفلتي."

"لا، مش طفلة، أنا مجنونة بيك!"

أعادها إلى أحضانه، يدفنها بين ضلوعه.:- "وأنا بعشق جنونك."

ضحكت بصوت عالٍ.:- "حتى بعد ما بقيت زي الزومبي!"

ضحك هو أيضًا: "حتى بعد ما سنانك تقع!"

ابتسمت، وشددت من أحضانه، وهمست: "حتى بعد ما لا نهاية."

ضحك "جون" بقوة: "والله مجنونة."

لوت فمها بدلال، وشددت من عناقها، بينما كان "جون" يبتسم لها ولطفولتها التي يعشقها، وكأنها طفلته التي لن يكبر أبدًا حبّه لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبعد مرور فترة طويله من انجاب

جون ( أمان )

وجهاد طفلتين توأم ( اكيرا و كيارا )

وإنجاب مراد ( جانا )

وإنجاب صهيب ( سيف )

وإنجاب سام ( عامر )

وإنجاب دين ( سارة )

وإنجاب جاك ( تاليا )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت سبع سنوات ثقيلة، أو ربما خفيفة، لم يعد الزمن يعني شيئًا أمام هذه الأجيال الصاعدة. في حديقة، حيث كانت تتناثر قطع الضوء الذهبي بين أشجار الصفصاف، جلس الكبار في دوائر متباعدة، تفصلهم عن بعضهم مسافات ليست مجرد أمتار، بل سنوات من الغموض. كانت نظراتهم تتأرجح بين الغيظ والحيرة، وهي تتخبط في مراقبة أطفالهم، أولئك الذين انغمسوا في عالمهم الخاص، عالم من الشاشات اللامعة والكلمات المبتكرة. بينما هم، الكبار، يكتشفون أنهم أصبحوا غرباء عن تلك العوالم، وأن الجسر بين الأجيال لم يعد مجرد فجوة، بل فضاء شاسع.

التفت "جهاد" نحو "جاك" الذي كان ينفث دخانًا ثقيلًا من صدره، لا يرى فيه سوى دخانًا، بل غضبًا متصاعدًا. كانت عيناه لا تفارقان ابنه، يلاحقانه وهو يضحك مع أصدقائه.

"في إيه يا جاك؟" تساءل "جهاد"، وكلماته تكسر حاجز الصمت الذي كان يلف الحيرة.

"ابن ستين كلب ده عايز يكمل دراسته بره،" قال "جاك" بنبرة أشبه بالفحيح

"بس هو لسه صغير، يسافر ليه؟" قال "جون" متعجبًا، وكأن الفكرة نفسها غريبة على فكره

"بيقول إنه بيحس بالملل هنا، وعدد أفراد العائلة بقى كتير،" أجاب "جاك" بنبرة مليئة بالضيق.

تدخل "دين" وهو يميل برأسه قليلًا، "معه حق والله".

"ما تدخلش أنت يا دين،" قالت "هيرا" بغيظ، ووضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول حماية قلبها من الفكرة، "ابني مش هيبعد عني".

"يا شيخة في داهية!" قال "سام"، وابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه:- "ياخد ابني ابن الكلب ده معه ويريحني".

"سام! أنت مجنون؟" قالت "جوليا" بصدمة، وارتفع صوتها قليلًا.

هز "سام" يده بقرف وقال: "يا شيخة والله أحسن، يريحوا". وكأنه يتحدث عن عبء قديم يريد التخلص منه.

ضحك 'جهاد'..:- "ليه بس كل ده؟"

"الواد مش عايزني أقعد مع أمه،" قال "سام" بغيظ، "يقولي: أنت خدت غرضك وجبتني، كفاية عليك كده".

نظر "دين" إلى "سام" بسخرية:- "طب والله ناصح. أنا بقى بتقولي: روح اتشطر وهات عيل تاني بدل ما أنت قارش ملحتي على طول".

نظرة صدمة ارتسمت على وجه "جهاد"...:- "بتقولك كده؟"

تدخل "صهيب" بمكر..:- "يا عيني! طب والله تستاهل".

نظر له دين بشر..:- "على الأقل مش زيك".

"مالك أنت كمان؟" قال :جهاد' وهو يضحك.

"الواد بيشقط أمه مني،" قال 'صهيب' بغيظ.:- "ده ناقص يطردني من البيت والله".

"متوقع ابنك يكون إزاي يعني؟" قال 'مراد' بسخرية، وكأن شخصية "صهيب" هي السبب في كل هذا.

"والنبي اسكت،" قال 'صهيب' بغيظ، "بنتك عاملة زي أبو حفيظة بالغطا الحلة اللي لابسه على عينها".

"صهيب، هقوم أكسر نفوخك،" قال 'مراد' بغيظ، وارتفعت نبرة صوته.

ضحك 'صهيب'، "والله العظيم أنا غلطان. البت منعزلة عن البشر ليه؟ مش فاهم".

"حتى أنا برضه مش فاهم،" قال 'جهاد' ..:- "وجهاد بقى يقعد معها كتير".

"ابن الجزمه،" قالت 'ماسة' بغيظ..:- "كل حاجة بقت عنده جايا. ده أنا بقيت أغير منها".

غمز "صهيب" لـ "مراد"،..:- "ابسط يا عم، عريس نقطة أهو، البت جامدة من أولها عريس".

أمسك "مراد" بكأس الماء وألقاه على صهيب.:- - "انبسط معايا".

ضحكت لين.:- "ههههه والله أحسن".

نظر "صهيب" إلى "لين" بغيظٍ مصطنع، والماء ما زال يقطر من شعره، يتساقط على قميصه.

رفع حاجبًا بتهكم وهو يحدّق فيها وقال بصوتٍ خفيضٍ لا يخلو من السخرية: "يا ريت أنتِ بس بلاش."

صمتت "لين"، تضغط على شفتيها لتكتم ضحكة جامحة، بينما أخذت "ماسة" تدير عينيها في المكان بلهفةٍ وقلق.:- "فين أكيرا وكيارا يا جهاد؟" سألت بصوتٍ يحمل شيئًا من التعجب.

ألقى "جهاد" نظرةً غاضبةً على "جون" و "صهيب"، ورفع كتفيه بلامبالاة مصطنعة..:- "واحدة مع سيف، والثانية مع أمان باشا."

اتسعت عينا "ماسة"، وتجمدت ابتسامتها. همست لنفسها، لا تكاد تُسمع: "والله أنا مش مطمنة."

اقتربت منها "لين"، تسألها باستغراب: "ليه؟"

في تلك اللحظة، تدخلت "مليكة" بضحكةٍ خافتة..:- "أصل ابنك يا هانم أصغر من كيارا بشهور، وماسة خايفة على كرامة العائلة."

تصدّر "صهيب" المشهد بضحكةٍ مدوية، هزّت أرجاء المكان..:- "هههه، صح بس إيه يعني؟ دول كام شهر، أومال لو سنين كان هيحصل إيه؟"

رمق "جهاد" "صهيب" بنظرة حانقة، تلتها كلماته التي انطلقت كالقذيفة: "ما هو أنت أبوه، هتقول إيه يعني!" كان صوته يحمل سخرية لاذعة، وكأنه يرمي حجراً في مياه راكدة.

نظر إليه "جون" بدهشة لم يفلح في إخفائها، فقد اتسعت عيناه لحظة سماع الكلمات..:- "دول أطفال!" قالها بصوت خافت، شبه هامس، وكأن الفكرة نفسها لا تُصدق..:- "أنتم بتخططوا لزواجهم من دلوقتي؟"

أطلق "جهاد" ضحكة ساخرة، متمادياً في استفزازه.:- "يا شيخ، ده ماسة سمت عيالهم كمان."

وضعت "ماسة" يدها على خصرها بعنف، وعيناها تطلقان شرراً..:- "وإيه يعني؟" نبرة صوتها كانت تحدياً صريحاً، لا تقبل النقاش.

تنهدت "عشق" وهي تنظر إلى الجميع بصدمة حقيقية، كأنها لم تعد تتعرف على من حولها.:- "ده أنا ابني اللي عنده 18 سنة في نظري لسه طفل!" قالتها وكأنها تحاول استيعاب ما يحدث.

عاد "جهاد" ليسخر من جديد، وهو يشير بسبابته نحو ابنها..:- "الشحط ده! ده أنا بخاف منه والله."

حدّق "مراد" به بذهول، لم يجد تفسيراً لمقولته.:- "ليه؟ شايفه بعبع؟"

قاطعهم "جاك" بتأكيد غريب، وهو يهز رأسه..:- "طب والله معه حق، أنا كمان بخاف منه. الواد ده بحس إنه كله جون."

استشاط "مراد" غيظاً، وقد احمرّ وجهه من شدة الغضب.:- "معك حق، بدل ما يطلع شبه أبوه رايح لعمه."

قهقه "جهاد" بصوت عالٍ، مستمتعاً بالوضع.:- "هههه، أنت بتغير يا مراد؟"

أطلق "مراد" نظرة تحمل كل معاني الوعيد، ونبرة صوته كانت أكثر غيظاً.:- "تعرف تخرس وحياة أمك؟"

بينما اشتد الحوار، نطقت "مليكة" بصوت حالم يكسر حدة التوتر.:- "أنا بصراحة عجبني أوي."

صاح "جون" بها بغضب شديد.:- "مليكة!"

ارتعدت "مليكة"، وتلعثمت كلماتها.:- "لا، مش قصدي... قصدي إنه هو وجاسي حلوين على بعض."

زادت حدة نظرات "جون"، فصاح مرة أخرى بصوت أعلى..:- "مليكة!"

خارت قواها من الخوف، فأسدت بظهرها واستدارت. "أنا هقوم أشوف أمان."

تابع "جهاد" ضحكه، متجاهلاً غضب جون.:- "هههه، مبروك يا جون، عريس لبنتك! أنا موافق."

أجابه "جون" بضيق واضح، وهو يشبك أصابعه.:- "ما فيش حد طلب رأيك من البداية."

هزّ "جهاد" كتفيه بلامبالاة.:- "وإيه يعني؟ عادي."

بينما كان "جون" يرمقه بنظرة حقد، نظرت "لين" إلى الجميع وقالت بفكرة مفاجئة، وكأنها وجدت الحل السحري.:- "تيجي نزوّج عيالنا كلهم لبعض؟"

أجابتها "ماسة" بفرح عارم، وقد أشرقت عيناها.:- "أنا موافقة!"

تابعتها "عشق" بسعادة، وهي تهز رأسها.:- "فكرة حلوة."

أيدتها "هيرا" بحماس.:- "وأنا ما عنديش مانع."

ضحكت "مايا" وهي تصفق.:- "أنا تحمست أنا كمان معاكم."

تأثرت "جوليا" بالجو المرح وضحكت.:- "أهو نوفق رأسين في الحلال."

عادت "مليكة" من الداخل وهي تقول بحماس.:- "وأنا معاكم كمان."

نظر "جهاد" إليهم بصدمة، متأكداً أنهم فقدوا عقولهم. "أنتم اتجننتوا الظاهر!"

ضحك "صهيب"، وهو يلوح بيده.:- "هههه والله حلو."

قال "جون" بذهول، وكأنه على وشك الانهيار.:- "ربنا يصبرني عليكم بجد."

نظر "مراد" لـ "صهيب" بعدم تصديق.:- "أنتم بتتكلموا جد؟"

صاح "جاك" بدهشة.:- "دول عيال!"

قال "دين" ضاحكاً:-. "متوقع منهم إيه يعني؟"

بينما تواصل الجدل، قال "سام" بسخرية، وقد ابتسم بخبث.:- "طيب زوجونا احنا كمان."

التفتت الفتيات إليه بنظرات شر، وصاحت "جوليا" بصوت يحمل نبرة تهديد.:- "ســــااااام!"

ركض "سام" مذعوراً، وصاح خوفاً.:- "والله بهزر!"

ضحك الجميع على مشهد "سام" وهو يهرب من "جوليا" الغاضبة، تاركين وراءهم موجة من المرح والفوضى، التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً

💃💃💃💃💃💃💃💃💃💃💃💃💃💃

قراءة ممتعة للجميع 🤭

الرواية خلصت يارب تكونوا حبتوها بجد 🥺

أقدر أقول👇

(تم بحمد الله)

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة