حلّ الليل، لكن ظلمته لم تكن مجرد غيابٍ للشمس، بل كانت ظلًا ثقيلًا من اليأس الذي خيّم على القصر. الهدوء الذي لفّ المكان كان أشدّ وطأةً من أيّ ضجيج، فقد كان هدوءَ الانتظار المرعب. ساعاتٌ من البحث المضني عن "جهاد" لم تثمر عن شيء، وكلّ دقيقة تمرّ كانت تشبه خناقًا يضيق على القلوب، تاركةً خلفها شعورًا بالخوف الصامت يتسلل إلى النفوس كالسّم.
بينما كان "جاك" يبذل كلّ ما في وسعه للعثور على "جهاد"، كان الندم يأكله من الداخل. فكرة أنه تركه وحيدًا في هذا الظرف كانت تكسر روحه، وتتركه عاجزًا أمام شعوره بالذنب.
عندما علم بما قيل لـ "جهاد"، تأجّج غضبه، لكنه اشتعل أولًا تجاه نفسه، ثم تحوّل إلى غضبٍ جامحٍ تجاه الجميع. زاد الأمر سوءًا عندما اتصل به سام معبرًا عن صدمته من كلام "جهاد" الذي لم يترك امرأة في القصر إلا وأهانها.
هذا الأمر أثار قلق "سام" وغضبه في آن واحد، وترك "جاك" في دوامة من العذاب.
أما "صهيب"، فكان يجلس وقد تملكه الرعب. شيء ما كان يخبره أن "جهاد" لا يمكن أن يفعل هذا. كان يدرك أن هناك "صفحة مفقودة" في هذه القصة، وأن ما قيل ليس كلّ الحقيقة. كان يراقب الباب في كلّ لحظة، يتمنى أن ينفتح فجأة ويدخل منه "جهاد"، ليعانقه ويعتذر له عن كلام الجميع، فقد كان لا يريد شيئًا أكثر من عودته. كان قلقه عليه يفوق أيّ شيء، لم يكن يريد أن يخسره مجددًا.
توقف تيار الأفكار السوداء فجأة. في تلك اللحظة، اقتحم "جون" و "مراد" القاعة. كانت نظراتهما كصاعقة مفاجئة، تحمل عتابًا وغضبًا صامتًا يهدد بإشعال فتيل كلّ من في المكان.
ركض "صهيب" نحوهما، منهارًا في بكاءٍ عالٍ ومذعور.:- "جاد، ساعدني! مش لاقي جهاد... دورت عليه في كل حتة، مش لاقيه! أرجوك يا جاد، ساعدني ألاقيه... هو مكنش يقصد اللي قاله... فيه حاجة غلط!"
احتضن "جون" جسد "صهيب" المرتعش، وعيناه تشتعلان غضبًا بينما يثبت نظره على "جاك"، الذي كان يحدق في الأرض بأسف وغضب لاذع من نفسه.
في المقابل، اقترب "مراد" من "عشق"، وصوته يخرج مثقلًا بالقلق: "عشق، إيه اللي حصل؟ فين جهاد؟ إيه اللي خلاه يسيب البيت؟ ردي عليا!"
"أنا آسفة يا مراد، بس جهاد..." حكت "عشق" كل ما حدث، ودموع الندم تنزل من عينيها وهي تروي كيف أن كلام الفتيات قد حطّم جهاد. "هو طلع من البيت... ومحدش يعرف هو راح فين."
هزّ "مراد" رأسه بعدم تصديق، وصدمته واضحة.:- "ليه ما وقفتيش اللي بيحصل؟ ليه؟ انتي عارفة كل حاجة!"
"أنا... مقدرتش... ج.. جهاد..."
"تمنع إيه يا مراد؟" قاطعت "مليكة"، ووقفت أمامه بنبرة حادة ومصدومة.
نظر لها 'مراد' بغضب: "مليكة، اسكتي! إزاي تقولوا له الكلام ده؟"
"وليه تسكت؟" خرج صوت 'ماسة' الساخر من وسط جلستها.:- "هو انتوا بالبرود ده ليه؟ هو قال كلام جرح كل واحدة أكتر من التانية. هو كسّرنا كلنا!"
تداخل صوت 'هيرا' الملئ بالكره:- "هو يستاهل إنه يطلع برا البيت ده!"
"اسكتي يا هيرا!" صاح 'جاك' بغضب.
نظرت إليه 'هيرا' بصدمة.:- "أسكت؟ جهاد قال على مراتك الكلام ده ومش همّك؟"
"هيرا... جهاد مكنش يقصد... صدقيني!" قال جاك بصوت خافت مثقل بالحزن.
"مكنش يقصد إيه؟" صاحت 'كوثر' بغضب وهي تنظر إليهم جميعًا.:- "ده قال إني ما أستاهلش أكون أمه! كل اللي عمله يثبت إنه مش جهاد اللي ربيته!"
هزّ 'مراد' رأسه رافضًا، واقترب من 'كوثر' بحزن: "يا أمي، جهاد بيحبكم... هو عمل كل ده غصب عنه."
"أيوة، أكيد غصب عنه يا ماما!" صاح 'صهيب' بدموع وهو ينظر لـ مراد.:- "جهاد مستحيل يعمل كده!"
"جهاد... من اليوم ده مش ابني." قالت 'كوثر' بصدمة وثبات.:- "جهاد اللي أعرفه... مات من أربع سنين."
"ماما..."
"ماسة" تقدمت نحو "جون" بخطوات ثابتة، بينما كان هو يقف كتمثال من الرخام، يرمق الجميع بنظرة لا تقرأ، وكأن ما يدور حوله لا يعنيه. لكن عينيها كانت تبحث عن شيء واحد فقط في عينيه: جهاد
"أنا عايزة أطلق." كلماتها خرجت حادة ومباشرة، بينما صوتها كان يرتعش قليلًا.:- "أنت أخويا، وأكيد هتكون في ضهري."
اقترب "مراد" بسرعة، نفى برأسه بحدة: "يا ماسة، اسمعيني، جهاد..."
قاطعه "جون" بحركة واحدة من يده. نظرة واحدة منه كانت كافية لإسكات الجميع.
نظر إلى "ماسة"، وعيناه الفارغتان تجمدت عليها.:- "أنا موافق على قرارك." صوته كان هادئًا بشكل مخيف.:- "بس يا ماسة، بعد الكلام اللي هقوله... يا ريت تفضلي على كلامك."
رفعت "ماسة" ذقنها، عيناها لم ترف لها جفنًا: "مفيش حاجة هتغير قراري."
ابتسم "جون" ابتسامة ساخرة، وهز رأسه ببطء.:- "كل واحد فيكم قال اللي عنده."
التف ليواجه الجميع، صوته كان يرتفع قليلًا، حاملاً غضبًا دفينًا.:- "وأنا هقول اللي عندي... بس اللي لازم تفهموه، إن أي حاجة عملتوها، كان لازم تفكروا فيها ألف مرة قبل ما تقولوا أو تعملوا، لأن مش كل اللي بنشوفه هو الصح."
توجه نحو والدته التي كانت تنظر إليه بقلق.:- "إنتي أم، وبتحسي بوجع ابنك، صح؟"
سألها بصوت خفيض، لكن كلماته كانت تضرب بقوة.:- "طيب، ما حسيتيش ليه بجهاد؟ ما حسيتيش إنه تعبان؟" تنهد تنهيدة عميقة،
ونظر حوله.:- "أكيد كلكم عارفين عن سم (....)؟"
قاطعته "مليكة" بصوت متحشرج: "إيه اللي دخل ده في اللي بيحصل؟"
نظر إليها "جون" بنظرة باردة.:- "له دخل... ودخل كبير."
صرخ "دين" بصدمة: "ده السم اللي سافرتوا عشانه؟"
رد "سام" بتعجب: "بس أنت... منعتوه، مش كده؟"
أخفض "مراد" رأسه، وعيناه امتلأتا بالحزن.:- "آه... بس... جهاد أُصيب بالسم ده."
سقطت صرخات البنات كالصواعق في الغرفة، ووجوههن تحجرت من الصدمة.
بينما وقف "جون" يراقبهم بابتسامة مريرة.:- "جهاد خد النوع ده من السم... بيعاني منه كل يوم." صوته كان يتكسر ببطء، وكأنه يمزق قلبه.
"كان طول الوقت بيخفي ألمه وتعبه عشان ما حدش فيكم يزعل عليه. وهو برضو اللي كل يوم كان خايف يموت عشان ما يحزنش حد منكم. وهو برضو اللي كان بيتمنى الموت عشان ما يأذيش حد فيكم... ومحدش فيكم حس بيه."
تجاهل صمتهم المحطم، واستدار نحو "مليكة" التي كانت تقف جامدة، والدموع تنهمر على وجهها بصمت، عاجزة عن النطق.
"مش أنتي أخته؟" صوته كان كالسيف.:- "ما حسيتيش بيه ليه؟ وأنتي عارفة كويس إن جهاد ما يقدرش يعمل حاجة تزعلك... وإنه أقرب حد ليه... وإنه يتمنى يعمل أي حاجة عشان تكوني سعيدة." صرخ في وجهها، بينما كانت دموعها تنهمر بلا توقف.:- "ردي! ساكتة ليه دلوقتي؟"
نظرت "مليكة" إليه، ودموعها تنهمر بصمت، عاجزة عن الرد.
تحوّلت نظرة "جون" إلى والدته، وعيناه تحملان حزنًا عميقًا.:- "حتى أنتِ يا أمي؟" قال بصوت خفيض، كأنه يلومها.
"أنتِ أكثر واحدة عارفة قد إيه جهاد بيحبك ويحترمك... ليه ما حسيتيش إن كلامه ما كانش طبيعي؟ أنا متأكد إنه ما كانش على طبيعته."
ثم نظر إلى 'ماسة' ببرود.:- "ولسه عايزة تطلقي؟"
هزت "ماسة" رأسها ببطء، الصدمة والقسوة التي تملأ كلامه جعلتها عاجزة عن النطق.:- "أنا موافق." خرجت الكلمة من فمه كالحكم النهائي، وكأنه يقطع آخر خيط يربطها بالماضي.
انتقل غضبه إلى "جاك"، الذي كان يضع رأسه أرضًا في خذلان واضح.:- "أنا ما طلبتش منك غير حاجة واحدة... إنك تكون جنبه وما تسيبوش." صوته كان يرتفع، كل كلمة تنطق تحمل في طياتها كمية هائلة من الغضب.:- "انطق... طلبت ولا لأ؟"
رفع "جاك" عينيه المليئتين بالندم.- "كان في شغل مهم في الشركة، وما قدرت..."
قاطعه "جون" بصوت حاد، وعيناه الحمراوان تشبهان جمرًا مشتعلًا.:- "تغور الشركة! يغور كل شيء! طلبت منك حاجة واحدة وأنت ما قدرتش تعملها!"
أعاد "جاك" رأسه إلى الأرض، صوته يرتعش بالحزن.:- "أنا آسف يا جون."
ضغط "جون" على يديه بغضب، ونظر إلى الجميع، وكأنه يرى أمامهم مجموعة من الأشباح.:- "إنتوا إيه؟ كل واحد فيكم أغبى من التاني. ليه مش بتفكروا في اللي بتعملوه كويس؟ أخطاءكم كل مرة بتأذي غيركم."
صرخ فيهم.:- "قولوا لي... حد فيكم بيفكر دلوقتي في حالة جهاد؟ حاسس بإيه؟ طيب هو فين على الأقل؟"
أخفض الجميع رؤوسهم، يملؤهم الندم والحزن.
اقترب "صهيب" من "جون"، ودموعه تنهمر.:- "جاد... أنا كنت عارف إن جهاد ما يعملش كده."
قال بصوت متقطع.:- "بس هو فين؟ رجّعه... أنا مش عايز أخسر أخويا، عشان خاطري... خليه يرجع. أنا عايز جهاد."
هز "جون" رأسه، ثم اتجه بسرعة إلى مكتبه، وأمسك بهاتفه، يطلب أرقامًا مختلفة، ويأمرهم بالبحث عن "جهاد" في كل مكان، حتى "تحت الأرض".
تبعوه "مراد" و "جاك" و "دين" و "سام"، والقلق يسيطر على وجوههم.
نظر 'جون' إلى 'جاك'. "جدي... حد اتصل بيه؟ هو عارف حاجة؟"
هز 'جاك' رأسه.:- "جدي ما يعرفش أي حاجة، وأنا مش عارف أوصل له، وكمان عمي يوسف مش في البلد. دورنا في كل مكان بس ما فيش أي أثر له."
مسح "جون" على وجهه، لم يكن مجرد ضيق أو غضب، بل كانت موجة عاتية من القلق تضرب كيانه. القلق على "جهاد" الذي يعرفه جيدًا، يعرف صمته، ويعرف كيف يختفي حين تثقل عليه الدنيا.
تدخل "مراد" بتفكير، محاولًا إضفاء بعض المنطق على الفوضى: "جون... أنت أكتر واحد عارف جهاد كويس... أنت متعرفش هو ممكن يكون فين؟".
جلس "جون" على المقعد، ليس بإهمال، بل بثقل اليأس، وكأن المقعد يمتص آخر ذرة من طاقته. أفكاره تتسابق، تبحث عن خيط واحد في متاهة "جهاد" المعقدة، الذي لا يملك أي أصدقاء.
وضع يده في شعره، يشدّه بعنف كما لو كان يشد على آلام قلبه، ثم نظر لـ "سام" بعينين حادتين: "حاولت توصل لتليفونه؟".
"سام بأسف: "ليفون جهاد في البيت.'"
أغمض "مراد" عينيه بغضب، ثم فتحها وحدّق في "دين"، وصوته يخرج كهمس حاد: "خذ سام وحاول توصل لجدي بأي طريقة."
هزّ "دين" رأسه وغادر، بينما كان "سام" يتبعه بصمت. في المقابل، ظل "مراد" في مكانه، يضغط على شاشة هاتفه، يجري اتصالاً تلو الآخر، باحثًا عن أي خيط يقوده لمكانه.
بعد لحظات كادت أن تدوم للأبد، نظر "مراد" إلى "جون" : "راح فين؟ أنا خايف عليه، أول مرة يختفي بالطريقة دي."
تجمّدت نظرات "جون" على "مراد"، تعجبًا من كلماته. رفع حاجبيه، ونهض بحدة، وقال وكأنه يكتشف سرًا: "أنا عارف هو فين."
ركض "مراد" خلفه، والأمل يشتعل في عينيه: "بجد؟"
صعد "جون" إلى سيارته و "مراد" بجانبه. انطلقت السيارة مسرعة، تتبعها سيارة "جاك" ورجال آخرون.
سأل "مراد" بلهفة: "إحنا رايحين فين؟"
لم يتردد "جون" في الإجابة، ونظر إليه بثبات: "الميناء."
لم يستوعب مراد: "الميناء؟ ليه الميناء؟"
تنهّد "جون" بضيق، وكأنه يطرد ذكرى مؤلمة: "بعدين يا مراد." هزّ الأخير رأسه بصمت، تاركًا الأسئلة بلا إجابة.
عندما توقفت السيارات أخيرًا، كانت أمامهم مجموعة هائلة من السفن والمراكب.
أشار "جون" لرجاله أن يتوزعوا ويبحثوا في كل زاوية، بينما ظل "مراد" يتبعه. لم يستطع كتم فضوله أكثر: "جون، رد عليا، ليه بالذات هنا؟"
استدار "جون" ببطء، وفي عينيه حزن عميق، بينما كان صوته يحمل ثقل الماضي: "لما مات عيسى الحديدي... جهاد اختفى عن البيت. دورنا عليه 3 أيام، وجدّي لقاه هنا، كان مختبئ لوحده."
اتسعت عينا "مراد"، ونظر حوله بتعجب ومرارة: "هنا فين؟"
سار "جون" بخطى مثقلة على رصيف الميناء، وكلما تقدم، زاد ثقل قلبه. توقفت قدماه أمام سفينة قديمة، جسدها الخشبي المتآكل يئن تحت وطأة الزمن، وعيناه تبحثان عن بصيص أمل في بحر من الضياع.:- "هنا... اكيد هنا."
كان "مراد" قد سبق الجميع، يفتش بلهفة مجنونة كل قارب وسفينة، يقلب كل لوح خشبي، يصعد وينزل، يدخل ويخرج، لكن الفراغ كان رده الوحيد. اقترب من "جون"، واليأس يثقل كل خطوة يخطوها، ونبرته تحمل مرارة الهزيمة: "مافيش حد هنا."
مسح "جون" وجهه بعنف، كمن يحاول إزالة غبار اليأس العالق به، وفي لحظة غضب ويأس، همّ بالانصراف، لكن شيئًا ما تحت قدمه جعله يتوقف فجأة.
انحنى ببطء، والتقط ورقة ملقاة على الأرض، وقلبه ينقبض قبل أن يلمسها. فتحها بيدين مرتجفتين، وتجمدت عيناه على الكلمات المكتوبة لا بالحبر، بل بالدم: "جاد بيكرهني، طلب أنى أموت."
سار "جون" بخطى متثاقلة، لم تعد عيناه تبحث في الأفق، بل تتبعان أثر الأوراق المتناثرة على الأرض، وكأن كل ورقة هي طعنة جديدة.
توقف أمام قارب خشبي قديم، وعيناه معلقتان على ورقة أخرى ملقاة. التقطها بيد مرتجفة، ورأى الكلمات مكتوبة بالدم، فارتفعت على وجهه علامات الندم والخوف: (بابا بيكرهني).
في تلك اللحظة، مد "مراد" يده بورقة أخرى، وعيناه تلمعان بالدموع المحبوسة.
نظر "جون" إلى الحزن الذي يملأ عيني صديقه، ثم تلقى الورقة وقرأ كلماتها الموجعة: (أختي بتكرهني، عايزة أني أموت).
أغمض "جون" عينيه، كمن يستسلم للألم الذي يتضاعف مع كل ورقة. أشار لـ "مراد" ألا يتبعه، ودخل إلى السفينة المهجورة، حيث كان الضوء بالكاد يتسلل من بين الشقوق.
داخل السفينة، كان "جهاد" جالسًا في زاوية معتمة، يعانق ركبتيه، ورأسه مدفون بينهما. من يده، كان خط رفيع من الدماء ينساب بهدوء ليشكل بركة صغيرة على الأرض.
أدمعت عينا "جون"، ليس من الحزن فقط، بل من العجز. اقترب منه بخطوات بطيئة، تحمل كل معاني اللين والأسف، وناداه بصوت يهمس بالألم: "جهاد..."
رفع "جهاد" رأسه ببطء، وعيناه حمراوان كقطعتي دم، نظر إلى "جون" بوجع لا يوصف، وقال بنبرة تكسر القلب: "ل...ليه الكل بيكرهني؟ أنا عملت إيه؟"
هز "جون" رأسه بالنفي، وكأنه ينكر وجود كل هذا الألم، ثم قال بصوت يملؤه اليقين: "ما عملتش حاجة. أنت أحسن حد في الدنيا."
لكن "جهاد" هز رأسه بضعف وخوف: "لااا. الكل بيتمنى لو اني كنت ميت."
اقترب "جون" أكثر، واحتضن وجهه بيديه، وقال بنبرة مليئة بالأسف: "أنا آسف على كل حاجة. آسف إني سبتك لوحدك."
انفجر "جهاد" باكيًا، يطلق كل الألم الذي حبسه بداخله: "أنا تعبت يا جاد. سيبني وابعد عني."
أخرج "جون" منديلًا من جيبه، وربطه برفق على يد "جهاد" لوقف النزيف، ثم نظر في عينيه بحنان لا حدود له: "في حد بيبعد عن روحه؟"
وضع "جهاد" رأسه على كتف "جون"، وشعر بالتعب يسيطر عليه. أغمض عينيه ببطء، وقبل أن يفقد وعيه تمامًا، همس: "أنت بتك...رهني..."
احتضن "جون" ظهره بحنان، وأغمض عينيه، ودمعة واحدة سقطت من عينه، دمعة تحمل كل العجز والحزن الذي يشعر به. حمله برفق، وخرج به من السفينة.
كان "مراد" والشباب الآخرون ينتظرون بالخارج. عندما رأوا "جهاد" في حضن "جون"، اقترب "مراد" منهم بفزع: "هو كويس؟"
هز "جون" رأسه بتأكيد، فأسرع "مراد" إليه والدموع في عينيه: "هات، خليني أساعدك."
لكن "جون" هز رأسه بالنفي، وفتح باب السيارة الخلفي، ثم ألقى أمره على "مراد" بصوت حاسم: "سوق أنت."
ركض "مراد" إلى مقعد السائق، بينما وضع "جون" "جهاد" في الخلف وجلس بجانبه. نظر "مراد" في مرآة السيارة، وسأل بحيرة: "على فين؟"
"على القصر..." أجاب "جون" بجمود، وعيناه لا تفارقان وجه "جهاد" الشاحب، وكأنه يحاول حمايته من العالم بأكمله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"كان ثقل العالم كله يتركز في خطوات "جون" المترنحة وهو يعبر عتبة منزله. لم يكن يحمل بين ذراعيه مجرد جسد "جهاد" المنهار، بل كان يحمل صدى كل صراخ، ووزن كل حلم مفقود. في كل درجة يصعدها على السلالم، وسط الصمت المطبق الذي خيم على المكان، كان يشعر بنظرات العيون المليئة بالعجز والحزن تثقب ظهره. لم تكن مجرد نظرات، بل كانت طعنات صامتة، كل واحدة منها تحفر عميقًا في قلبه، تذكّره بالثمن الباهظ الذي دفعه "جهاد".
في الجناح، وضع "جون" "جهاد" برفق على الفراش، وكأنه يضع قطعة ثمينة من الزجاج، خائفًا من أن أي حركة غير مدروسة قد تكسر ما تبقى من قوته.
كانت عيناه تراقبان كل تفصيل في وجه "جهاد" الشاحب، وكأنهما يبحثان عن علامة على الحياة. أشار لـ "مراد" الذي هرع لجلب "عشق"، وفي عينيه قلق لا يُخفى.
بعد أن اطمأنت "عشق"، أمر "جون" الجميع بالخروج، حتى 'مراد'.
لكن "مراد" بقي في مكانه، كأنه ترس في آلة توقفت عن العمل، عيناه مثبتتان على "جهاد" الذي ينام بلا حراك.:-
"مراد، ارجع لغرفتك وارتاح"، قال 'جون' بصوت خفيض، لكنه كان يحمل ثقلاً.
"مش هسيبه"، أجابه "مراد"، وصوته كان صدىً للألم الذي يملأ الغرفة.:- "هفضل معه."
"مراد، أنا هنا. وعشق كمان مرت بيوم صعب. روح اطمن عليها."
لم يكن "مراد" مقتنعًا، لكن عندما وضع "جون" يده على كتفه، شعر ببعض الدفء في عتمة اليأس.
اقترب من "جهاد" وقبّل جبينه، وكأنه يودع قطعة من قلبه، ثم غادر الغرفة تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً.
لم يكن "جون" وحيدًا في الغرفة، كان "جهاد" معه، لكنه كان وحيدًا مع وجعه. كانت كل خطوة يخطوها نحو الفراش تشعره بالثقل، وكأنه يحمل على ظهره ألم السنوات.
نظر إلى "جهاد"، فوجده وجهًا شاحبًا، قطعة من شمع، يعكس كل ماضٍ مرير. كان السؤال يتردد في أعماقه: "كيف لهذا الجسد، الذي أرهقته الحياة، أن يظل صامدًا؟"
لم يكن الأطباء يملكون إجابة، كل ما قالوه كان مجرد تحذير: إن روحه القوية هي ما تبقيه على قيد الحياة، وإن استسلامه قد ينهي كل شيء. هذه الكلمات كانت تقتلع الأمل من جذوره، وتترك وراءها فراغًا من العجز.
شعر "جون" بمرارة الغضب، غضب بلا هدف، غضب من كل من لا يرى ما يراه، من كل من لا يعي حجم اليأس الذي يسيطر عليه. لقد كان محاصرًا بين الخوف من أن ينهار "جهاد"، والغضب من العالم الذي يواصل دورانه كأن شيئًا لم يكن.
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يجد فيه بعض الهدوء، في لحظةٍ تاه فيها "جون" بين عواصف مشاعره، جاء صوتٌ هادئٌ كنسيمٍ بارد، يكسر حاجز الصمت الذي كان يحيط بالغرفة.
كان صوت "صهيب"، وقد تجمّد "جون" في مكانه حين رأى عينيه الحمراوين تلمعان بدموع لم تُذرف بعد.
"جـ... جهاد... ممكن أكون جنبه؟" همس "صهيب" بصوتٍ يكاد لا يسمع، وكأنّ الكلمات تكسرت في حلقه قبل أن تخرج.
شعر "جون" بقلة حيلة. أراد أن يرفض، لكنّه رأى في عيني "صهيب" خوفًا صادقًا يمزّق القلب.:- "عشان خاطري يا جاد... عايز أنام جنبه. والله مش هتعبوا".
كانت هذه الكلمات كافية لتلين قلب "جون" وتكسر دفاعاته. مدّ يده وربّت على رأس "صهيب" بحنان، وترك له الباب مفتوحًا على عالمه المظلم، عالمه الذي لا يتقبّل أيّ أحدٍ غير "جهاد".
تسلّلت ابتسامة حزينة على شفتي "صهيب". اقترب من الفراش، ووضع رأسه بجوار "جهاد"، وكأنه يبحث عن الدفء في جسده البارد.
مسح على خد "جهاد" بيده المرتعشة وهمس: "أنا آسف. متزعلش منهم... بس أنت كون كويس... وأنا هزعل منهم معاك. بس متسبنيش يا جهاد".
عانق يد "جهاد" بين كفيه الصغيرتين، وقبّلها بخوفٍ ممزوجٍ بالحبّ.:- "أنا مش عايز حد غيرك... أنا بحبك يا جهاد. أنت قولت مش هتبعد عني صح؟"
أغمض "صهيب" عينيه، ممسكًا بيد "جهاد" كأنّها طوق النجاة الوحيد له في هذا البحر من الخوف، الذي يهدد بغرقه في أيّ لحظة.
بعد أن ترك "صهيب" يغرق في عالمه الخاص بجانب "جهاد"، تراجع "جون" بهدوء وجلس على الأريكة. كانت كل حركة له ثقيلة، وكأنّه يجر وراءه حملاً لا يُحتمل.
تنهد بعمق، ليس بحثاً عن الراحة، بل كأنّه يطلق زفيراً يائساً ليطرد به الهواء الثقيل الذي خنق صدره.
أسند رأسه إلى الخلف، وعيناه ثابتتان على السقف، لكنّه لم ير شيئاً. كان غارقاً في دوامة من الأفكار التي لا تتوقف، أفكار تتصارع وتتداخل، وتلوّث كلّ زاوية في عقله بمرارة العجز والغضب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلف "مراد" إلى غرفته، جَسدهُ يجرّ خُطواته بلا روح، بلا هدف، وكأن كل رغبة في الحياة قد تلاشت.
رفع عينيه بصعوبة ليجدها أمامه، "عشق".
وقفتْ وعيناها تلمعان بالدموع، تقتربُ منه ببطء، وتضمُّه في حُضنها وكأنها تجمع شظايا روحه المتناثرة.:- "أنا آسفة." همستْ، وصوتها يرجف.
عانقها "مراد" بنفيٍ أعمق من الكلمات، يضمُّها بقوة، ثم يرفع رأسه ليُقبّل جبينها، وكأنها هي من يحتاج إلى المواساة.:- "أنا اللي آسف. آسف إني زعلتكِ."
هزَّت رأسها، وابتعدتْ عنه قليلًا، وقالت بنبرةٍ تحملُ عبءَ الشعور بالذنب: "لا، أنتَ معك حق. أنا ما عرفتش أحمي جهاد، كل ده حصل بسببي."
ألقى "مراد" بنفسه على الفراش بإهمالٍ، وكأن ثقلَ العالم كله على كتفيه.:- "عشق، مالكيش ذنب. الذنب ذنبي. ما كانش لازم أسيبُه وأسافر في الوقت ده بالذات."
جلستْ "عشق" بجانبه، ملامحها تحملُ قلقًا عميقًا. :-"مراد... أنتَ كويس؟"
لمعت الدموع في عينيه، ولم يعد قادرًا على إخفاء ضعفه.
نظر إليها وقال بصوتٍ يكادُ يكون همسًا: "أنا تعبان يا عشق، وخايف... أول مرة أحس بالخوف ده. ممكن أخسر جهاد، ومش عارف أعمل أي حاجة."
عانقته "عشق" بحنانٍ شديد، تهمسُ في أذنه: "هشش... اهدأ. هيكون كويس."
"النهاردة... سبتُه يتأذى من الكل." قال بصوتٍ متهدج، وكأنه يعترفُ بخطأٍ لا يُغتفر.:- "الكل هاجمُه وهو بيحاول يعمل أي حاجة عشانهم."
بقلة حيلة، حاولتْ "عشق" أن تزرع الأمل.:- "والله هيكون كويس. اللي حصل النهار ده كان غصب عنه، وماما والبنات من صدمتهم فيه عملوا كده. هما ما كانوش يقصدوا أي حاجة، والله."
نظر "مراد" إلى الفراغ بعينين غائمتين، والألمُ يسيطر على كل نبرة في صوته.:- "عارفة... جهاد طلب مني أنا وجون إننا نقتله... عشان ما يأذيش أي حد في العيلة. كان خايف يكون السبب في ضررهم."
لم تستطع "عشق" منع دموعها من الانهمار، شعرتْ بشفقةٍ عظيمة على 'جهاد'. :-"جهاد طيب، وربنا أكيد هيكون معاه ومش هيسيبه. خليك واثق في ربنا."
"يا رب... يا رب." تضرَّع 'مراد' بقلبٍ منكسر.
"يا رب." ردّدتْ "عشق"، وعانقتهُ مجددًا، محاولةً أن تحتوي حزنه وأن تمنحه دفئًا وبارقة أمل في قلبِ العاصفة ،،،"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسلّل ضوء الصباح عبر النافذة، مخترقًا ظلمة الغرفة، ووجد "جهاد" نفسه يفتح عينيه ببطء، وكأنّه يخشى مواجهة ما في الأفق. كان الألم ينهش روحه، يفتك بها بعنف أكبر من جرح يده.
أدار رأسه ببطء، ليجد "صهيب" نائمًا بجانبه، يعانق يده بتملّك، وكأنّه يخشى أن تغادره الروح وتتركه وحيدًا في هذا العالم.
ابتسم "جهاد" ابتسامة حزينة، وهو يرى الخوف يرتسم على وجه "صهيب"، وكأنّه طفل صغير يبحث عن الأمان.
نظر إلى الجانب الآخر، حيث كان "جون" غارقًا في نوم عميق على الأريكة، تظهر على وجهه علامات الإرهاق.
شعر "جهاد" بالضيق، وكأنّه يسلب راحة الآخرين، أو يلقي بهم في دوامة لا نهاية لها.
نزع يده من يد "صهيب" بهدوء، ونهض ببطء، حاملًا هاتفه من المنضدة، وضغط على بعض الأرقام.
وبينما كان ينظر إلى "جون" و "صهيب"، وهما ينامان بعمق، قال في تنهيدة مؤلمة: "عايز أمشي من هنا."
بعد ثوانٍ من الصمت، أغلق الخط، وهو ينظر إلى يده التي ما زالت تنزف، ثم غادر الغرفة، متّجهًا إلى غرفة "جاد"، حيث كان ابنه نائمًا بجانبه، وكأنهما قطعة واحدة لا يمكن فصلها.
انقبض قلب "جهاد" وهو يبتسم ابتسامة باهتة، تختلط فيها الراحة بالحزن.
سار بهدوء على درج القصر، وعيناه تمسحان المكان بأسى عميق، كأنه يودّع كل زاوية فيه شهدت صراعًا مريرًا كان هو السبب فيه. كل خطوة كانت تثقل كاهله، وكل نظرة كانت تحمل ألمًا ينهش روحه.
خرج إلى الخارج حيث تنتظره سيارة سوداء، صامتة كصمت قراره. أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يملأ رئتيه بآخر نسمة من هذا المكان، وهو يدرك أن هذه الخطوة قد تكون نهاية كل شيء. نهاية لقربه من عائلته، نهاية لحياة ألفها، لكنه أيقن أنها الأفضل للجميع.
اقترب من باب السيارة، ووجد جده "سلطان" ينظر إليه بنظرة تحمل العتاب والحزن.
همس "سلطان" بصوت خافت، كأنه يخشى أن يكسر شيئًا هشًا في داخله: "يا جهاد... هتقدر تبعد؟"
نظر "جهاد" إلى جده بعيون دامعة، يختلط فيها الحب بالوجع، وقال بنبرة متهدجة: "لا يا جدي... بس ده الأفضل للكل."
هز "سلطان" رأسه ببطء، وربت على كتف حفيده بحنان بالغ: "اللي يريحك يا حبيبي... أنا دايما معاك."
ابتسم "جهاد" ابتسامة حزينة، وأدار ظهره لجده.
فتح السائق الباب، وهمّ "جهاد" بالصعود. كانت قدمه على وشك أن تخطو تلك الخطوة الفاصلة، عندما اخترق صوته المألوف هدوء اللحظة.
صوت لم يكن يتمنى سماعه على الإطلاق في هذه اللحظة بالذات.
"جهاد!"
تجمد "جهاد" في مكانه. تسارعت أنفاسه، وارتجف جسده.
استدار ببطء ليجد "جون" يقف خلفه، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت وحزن لا يُخفى. سأل "جون" بصوت متهدج: "رايح فين؟"
"جاد... لو سمحت خليني أمشي." توسل "جهاد" بصوت يكاد ينهار.
"على فين؟" اقترب "جون" خطوة أخرى، يضيق الخناق عليه.
"ما أعرفش... بس المهم إني أبعد. أنا بسبب الوجع لكل اللي حواليا... مش هقدر أوجّع حد تاني."
"جهاد! اللي بتعمله مش صح!" قاطعه 'جون' بعنف. "فاكر إن سلطان بيه هيقدر يخفيك عني؟"
تدخّل 'سلطان' بهدوء: "خَلّيه يعمل اللي عايزه يا جون."
نظر "جهاد" إلى جده، ثم إلى "جون"، وابتسم بمرارة.:- "لا يا جاد... الصح إنك عارف إني بموت... خليني أموت وأنا مرتاح... مش عايز حد يزعل عليا... مش عايز أكون سبب في ألم أو وجع لأي حد تاني. طلبت منك ترحمني وتقتلني، وما وافقتش... على الأقل سيبني أبعد."
ابتسم "جون" بسخرية حزينة: "انت بتقول إيه؟ أمال انا إيه الخوف والرعب اللي أنا عايش فيه من مجرد فكرة إني أخسرك؟ مراد اللي رجع علشانك من الموت ده إيه؟ صهيب اللي ممكن يموت لو بعدت عنه؟ طيب وابنك؟!"
صاح "جون" بأعلى صوته، كأنه يحاول إيقاظه من كابوس: "جهاد! أنت مش هتموت!"
"جاد... بلاش تعمل كده عشاني." توسل "جهاد" والدموع تنهمر على خديه.
اقترب "جون" منه، ويده تمسك بباب السيارة بإحكام. "عايز تبعد؟"
أومأ "جهاد" بحزن.
"وأنا موافق." قال 'جون' بقوة.:- "هنبعد... لحد ما ترجع أحسن."
"لا... عايز أبعد لوحدي يا جاد."
هز "جون" رأسه بعناد وغضب.:- "ما فيش حاجة اسمها لوحدك. إحنا قدرنا واحد... طول عمرنا واحد وهنفضل كده."
"بس... أنا بموت يا جاد." همس "جهاد" بصوت مكسور.
شعر "جون" وكأن قلبه يتمزق. ضم "جهاد" إلى صدره بقوة، كأنه يحاول أن يوقفه عن الانهيار.
كره هذه الكلمة التي كانت تجعله يشعر بالعجز والضعف.
شدد "جهاد" من عناقه، وقال وهو يبتسم: "بعدك صعب عليا... بس أنا مش بحب أشوفك ضعيف... وأنا دايما بكون السبب في ضعفك. اللي بعمله ده راحة ليك."
شعر "جون" بألم عميق يمزق روحه.:- "لو فاكر إنك باللي بتعمله ده إني هرتاح... تبقى غلطان. راحتي في وجودك. ومش هخليك تبعد عني. عايز تبعد... تمام بس وأنا معاك."
"جاد..." حاول جهاد الاحتجاج.
"خلّينا نمشي." قال 'جون' بحزم وهو يصعد إلى السيارة.
نظر "جهاد" إلى "جون" بقلة حيلة. استسلم أخيرًا، وصعد بجواره، تاركًا خلفه قصرًا يحمل ذكرياته.
بالقرب منهم، كان "سلطان" يراقب المشهد بفخر وسعادة غامرة.
لقد رأى في عناق "جهاد" و "جون" حبًا نادرًا وقوة لا تُقهر، وتنهّد براحة وهو يدعو في قلبه أن يحمي الله "جهاد"، وأن لا يفترق أي منهم عن الآخر أبدًا. شعر بأن العائلة ستظل متماسكة مهما واجهت من صعوبات.
صعد بجوار السائق، وأغمض عينيه قليلًا وهو يشعر بالهدوء يغمره، بينما انطلقت السيارة بعيدًا عن القصر، تاركةً وراءها ذكريات مؤلمة، وحاملةً أملًا جديدًا لمستقبل لا يُعرف مصيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في زاوية غرفة "جاك" المعتمة، كان يختبئ من ضوء النهار، وكأن النور يفضح ثقل ما يحمله على كتفيه. كان يجلس على الأرض، ويداه تحاصران رأسه وكأنهما تحاولان منعه من التفتت. كل حركة وكل نفس كانت تنضح بالألم.
اقتربت منه "هيرا" ببطء، خطواتها هادئة وكأنها تخشى إثارة صمت ثقيل.
جلست بجانبه، لم تقل شيئًا في البداية، تركت الصمت يتحدث عن الأسف الذي يملأ صدرها.
حينما تناهى إليها صوت أنفاسه المترددة، همست بصوت كسرته الندم: "أنا آسفة... ما كنتش أعرف إن جهاد بيمر بكل ده."
رفع "جاك" رأسه ببطء، وكأنها حركة تحتاج قوة هائلة.
نظر إليها بعينين فارغتين، لا شيء فيهما سوى بقايا لمعان دموع جفت قبل أن تسقط. ابتسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، ابتسامة تكسوها المرارة: "تعرفي يا هيرا... لما رجع جهاد، لما عرفت إنه لسه عايش، حسيت إن روحي رجعت ليا مرة تانية. فرحت... فرحت إنه مش مات، وإنه لسه معانا."
توقف، ثم ضغط على قبضة يديه بقوة حتى ابيضت مفاصلهما. أكمل بنبرة اهتزت فجأة: "بس دلوقتي... دلوقتي أنا خايف."
تجمّدت 'هيرا' في مكانها.
"مرعوب كل يوم،" قالها 'جاك' وهو يرفع رأسه ببطء، عيناه الآن لا تلمعان بالدموع، بل ببريق الألم المتجمد. "بشوف قد إيه كان بيتألم، وإزاي كان بيحاول يكون قوي قدامكم، وجواه بيصرخ من الوجع. جهاد كان بيموت ألف مرة قدام عيني، وأنا مش عارف أساعده."
اتسعت عيناه، وارتفعت نبرته قليلًا: "ما سمعتيش صرخته من الألم اللي كان فيه؟ ما شفتيش ضعفه؟ هو ما كانش عايز حد يبكي عليه. كان بيفكر في الكل رغم تعبه. أنا ما زعلتش من جون... بالعكس. زعلت من نفسي إني ما كنتش معاه، ما حميتهوش من كلامكم القاتل، اللي بسببه شفت قد إيه جهاد اتأذى."
انهمرت دموع "هيرا" بصمت، حارة على وجنتيها. كانت تشعر بكل كلمة يقولها "جاك"، كانت كل كلمة سكينًا يغرس في ضميرها. همست مجددًا، بالكاد يسمع صوتها: "أنا آسفة."
نظر "جاك" إليها بذهول، وكأنه لم يسمع الكلمة التي رددتها.:- "آسفة؟"
قالها بصوت عالٍ هذه المرة، مليء بالغضب والألم.:- "جهاد ما كانش عايز حد منكم يعرف أي حاجة عشان خايف عليكم، وانتوا عملتوا إيه؟ دمرتوه. كسرتوه. قلتوا كلام ما فيش حد يقدر يتحمله. كنتوا زي الذئاب، أول ما لقيتوا فريسة ضعيفة، نهشتوا فيها."
كلامه كان قاسيًا، لكنه كان الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.
أجابت "هيرا" بصوت مهزوز يملؤه الحزن: "جاك... جهاد اتهمني في شرفي."
وكأنها طعنة جديدة، انكمش "جاك" على نفسه.: "ما كانش عارف هو بيقول إيه. ما كانش عارف يا هيرا... السم بيقضي على عقله."
نظرت إليه "هيرا" بعينيها المليئتين بالأسف، كانت دموعها تنزل بغزارة الآن.:- "ولا أنا كنت أعرف."
لم تتردد هذه المرة. احتضنت "جاك"، الذي انهار بين ذراعيها، بكاءه كان صامتًا في البداية، ثم تحول إلى شهقات مكتومة.
كان بكاء خوف ورعب. قالت بصوت يملؤه اليقين، محاولة إيصال بعض القوة إليه: "هيكون كويس، وهيرجع أحسن. وكلنا... كلنا هنعتذر له."
تمسك "جاك" بها بقوة، وكأنه يغرق. همس بصوت مخنوق بالخوف: "أنا خايف... السم بيقضي على روحه، واحنا كلنا عاجزين."
هزّت "هيرا" رأسها بقوة، لا تريد أن تستسلم لهذا اليأس. "ما تخافش يا جاك. هيكون بخير... انت مش بتوثق في ربنا؟"
هز "جاك" رأسه بيأس ورجاء، وهو يهمس: "يا ريت."
بقيت "هيرا" تحتضنه، تشعر بألمه وخوفه على "جهاد"، وتتمنى من أعماق قلبها أن ينجيه الله من هذا الكرب، وتتمنى أن يعود "جهاد" كما كان، لتتاح لهم الفرصة لقول "نحن آسفون" بما يليق بحجم ألمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح الباكر، كان الهدوء الخارجي يخفي ضجيجًا داخليًا لا يطاق.
جلست "كوثر" وعيناها مثبتتان على "ماسة"، التي كانت تبكي دون توقف، كأنها تحاول غسل جرح في روحها. قلبها المحروق كان يئن بصمت، يكاد ينفجر من شدة الألم.
في الجهة المقابلة، كانت "مليكة" تجلس وحيدة، تحدق في الفراغ، وعيناها تلمع بالدموع التي أبت أن تسقط، وكأنها سدود من الكبرياء والندم تمنعها من الهطول.
نظرت "كوثر" إلى الفتيات الأخريات اللواتي كنّ يحاولن بث الطمأنينة في نفوس الجميع. لكن بداخلها، كانت النيران تشتعل، تذرف دموعًا صامتة على الكلمات القاسية التي ألقتها على "جهاد".
تذكرت كلمات "جون"، وأحست أنه على حق. كيف لم تشعر بوجعه؟ بوجعه الذي أخفاه عن الجميع؟ قالت بصوت يلوم قلبها قبل أن يلوم غيره: "أول مرة أحس إني ما أستاهلش أكون أم.. جهاد معاه حق. أنا لو كنت أمه بجد، زي ما كنت فاكرة، كنت حسيت بوجعه. بس أنا ما حستش بيه. ضربته، طردته، وجعته أكتر ما هو موجوع، وقولتله كلام صعب أوي، مستحيل يسامحني عليه."
كانت دموع "ماسة" تهطل كالمطر الغزير، وعيناها مثبتتان على "كوثر" بضعفٍ لا يُحتمل. همست، وصوتها يختنق بغصةٍ مؤلمة: "كل ده... بسببي. هو يستاهل واحدة أحسن مني... واحدة تحس بوجعه، مش أنا. أنا أول ما شفت ضعفه وتعبُه، جيت عليه وكسرته أكتر. يا رب أموت، خد من عمري وادِّيه له... هو ما يستاهلش كل ده."
احتضنتها "كوثر" بقوة، وكأنها تحاول أن تجمع أشلاءها المبعثرة. همست لها بحنانٍ يكسره الألم: "هشش... ما تقوليش كدا. جهاد قال كلام قاسي، أي حد مكانك ما كانش هيتحمله. جهاد بيحبك، ومش ممكن يزعل منك."
لكن كلمات "ماسة" كانت تخرج من أعماقٍ لم يطلها النور من قبل: "علشان كدا بالظبط... مش هاسامح نفسي. نظرات الوجع في عينيه... حزنه من كلامي... مستحيل أنساها."
اقتربت "جوليا" بحزن، وحاولت أن تجد كلماتٍ تخفف بها عنهم جميعًا: "يا جماعة، ما تلوموش نفسكم. جهاد قال الكلام ده وهو تحت تأثير المرض. السم اللي في جسمه هو اللي بيحركه، مش هو."
تدخلت "مايا" ودموعها تلمع في عينيها: "بالظبط... كلامه كان صدمة للكل. ما كنتوش تعرفوا اللي كان فيه. ده مش جهاد اللي نعرفه."
هزت "جوليا" رأسها موافقةً لحديثها.
عند هذه النقطة، ابتسمت "مليكة" ابتسامةً مريرة، وكأنها تسخر من نفسها: "بس أنا... أنا أخته الكبيرة. كان المفروض أحس بيه. جاد عنده حق... أنا ما أستاهلش أكون أخت."
نظرت لها "جوليا" بأسى: "مليكة، كان رد فعلك طبيعي. هو كان قاسي معاكي."
انفجرت "مليكة" في البكاء، وهزت رأسها بعنف، وكأنها تنفي كلامها: "لا... هو ما يستاهلش ده كله. أنا... أنا قلت له إني بكرهه... وتمنيت له الموت... فيه أخت ممكن تقول لأخوها كده؟"
حاولت "مايا" تهدئتها: "جهاد عارف إنك بتحبيه، وعارف إن الكلام ده من ورا قلبك."
لكن "مليكة" كانت غارقة في عذابها: "بأحبه إيه... وهو تعبان... وأنا مش جنبه! أخويا بيستنى الموت كل يوم... وأنا ما حستش!"
هنا، انتفضت "ماسة" من خوفٍ جديد، وكأن الكلمة الأخيرة قد أيقظت لديها رعبًا لم يكن موجودًا من قبل. "هو... مش هيحصله حاجة... صح؟ ربنا مش هيحرمنا منه؟"
جاء رد "كوثر" مزلزلًا: "لا... مش هيحصله حاجة. هو شاف كتير أوي، كفاية عليه كدا."
أما "جوليا" فكانت أكثر عقلانية في محاولتها لإنقاذ الموقف: "جون هيعمل كل اللي يقدر عليه عشان جهاد يكون بخير."
وأكدت "مايا" كلامها بقوة: "جوليا عندها حق"
دفع "صهيب" الباب بقوة، فاصطدم بالجدار وأصدر صوتًا مدويًا، ثم اقتحم الغرفة وعيناه تلتهمان الفضاء حوله. "جهاد فين؟"
كان صوته يحمل لهفة ممزوجة بالخوف، كأنه يبحث عن قطعة من روحه المفقودة.
انتفضت "ماسة" من مكانها، وعيناها تتسعان بذهول: "يعني إيه فين؟!"
"معرفش!" اهتز صوت "صهيب"، وقطرات من الدموع لمعت في عينيه وهو يكمل بكلمات متقطعة: "كان نايم جنبي... مش موجود هو وجون".
خرجت "مليكة" إلى الخارج ببطء، وكأن قدميها تتثاقلان تحت ثقل الصدمة، وهمست لنفسها: "مستحيل يكون مشي".
بدأت تبحث في كل زاوية، وفي كل مكان، ولكن بلا جدوى. اليأس بدأ يزحف إلى قلبها، وكاد يسيطر عليها تمامًا عندما رأت "مراد" يهبط الدرج بهدوء. كان يرتدي سترة بدلته، وكأنه على وشك الذهاب في نزهة عادية، بينما عالمها كان ينهار.
ركضت إليه بدموع، وصوتها يتوسل: "مراد... جهاد فين؟"
نظر إليها بلا مبالاة، وكأنها غريبة، ثم سألها ببرود: "بتسألي ليه؟"
انفجرت "مليكة" في البكاء: "مراد... عشان خاطري. أنا عارفة إني غلطانة، بس طمني عليه وقولي هو فين".
أدار "مراد" وجهه عنها، وكأنه يتجنب النظر إلى ألمها: "معرفش يا مليكة. لو سمحتي سيبيني أمشي".
لم تستطع "مليكة" أن تتركه. أمسكت يده بتوسل، وشهقاتها كانت كخناجر تطعن قلبه.:- "وحياة أغلى حاجة عندك... أنا آسفة. أنا عملت كده من وجع قلبي منه. والله العظيم مش هقدر على بعده. قولي هو فين، بس طمني. أنا متأكدة إنك عارف مكانه".
تنهد "مراد" بحزن، ورفع عينيه إليها أخيرًا: "مليكة... متتعبيش نفسك. جون أمر محدش يعرف مكانه. أنتوا اللي مسؤولين عن كل ده... ودي النتيجة".
صرخت مليكة: "أنتوا السبب! لو كنتوا قلتوا إيه اللي حصل معاه، مكناش عملنا كده. إحنا عملنا كده من صدمتنا منه. أنت عارف يعني إيه أخوك يقولك الكلام ده؟ تقدر تقوله؟ رد عليا!"
"جهاد رفض أي حد منكم يعرف... عشان متزعلوش عليه"، قال 'مراد' بصوت متهدج:- "جهاد كان خايف عليكم ومنع أي حد مننا يتكلم حتى عن مرضه. كان بيحميكم من الألم".
انهارت "كوثر" منادية على نفسها بدموع: "أنا السبب... أنا اللي محستش بيه".
غادر "مراد" وهو يترك وراءه قلبًا مكسورًا: "كلنا السبب في حالة جهاد. من يوم ما وعى على الدنيا وهو شاف كتير... وإحنا دايمًا بنيجي عليه. عن إذنكم".
ومضى تاركًا الجميع تحت وطأة الألم والقهر، وعيونه تحمل أسفًا لم يتمكن من التعبير عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الخارج، لم يكن صعود "مراد" إلى سيارته مجرد حركة عابرة، بل كان هروبًا من صمتٍ ثقيل.
لكن هذا الصمت تحطم عندما صعد "صهيب" فجأة بجواره، وعيناه تشع بالدموع وكأنها تحمل كل أثقال العالم. كان جسده يرتجف، وصوته يخرج بصعوبة، يصارع الخوف الذي ينهش روحه.
"علشان خاطري يا مراد، خليني أروح له. أنا ممكن يحصل ليا حاجة وهو بعيد عني... هو أنا مش أخوك؟ ساعدني... ريحني."
لم تكن الكلمات مجرد طلب، بل كانت نداء استغاثة من روحٍ تائهة.
ابتسم "مراد"، لكن ابتسامته هذه المرة كانت عميقة، تصل إلى عينيه.
مد يده، ومسح بها على خد "صهيب"، وكأنه يمسح عنه كل مخاوفه.
"موافق. مش علشان جون طلب إني أجيبك معايا... لا، علشان أنت أخويا."
كانت هذه الكلمات كافية لترفع عن "صهيب" عبئًا ثقيلاً. ابتسم، وارتسمت على وجهه علامات الفرح والراحة..:-"بجد؟"
"بجد."
أومأ "مراد" برأسه بثقة، ثم انطلق بالسيارة، تاركًا خلفه كل شيء، حاملاً معه وعدًا أبديًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على شرفة أحد قصور "سلطان"، كان "جهاد" يجلس، وكأنه آخر رجل في عالمٍ خالٍ. كان يرمق الجبال التي تطوق المكان، شامخة كأنها أساطير صامتة، تنبعث منها هالة من الجمال المهيب الذي يخفي وراءه سرًا.
اقترب منه "جون"، وسار على هدى نظراته، ثم قال بهدوء يحمل في طياته الكثير: " المكان ده إللى كنت مستخبي مني فيه يومها"
ابتسم "جهاد" بمرارة، نظرة حزينة ارتسمت في عينيه وهو ينظر إلى 'جون'. :" عارف يومها فكرت في إيه؟"
صمت لبرهة، ثم أردف بنبرة مليئة بالألم: "وقتها ما كنتش خايف من الموت نفسه، لأ. كان خوفي من الموت على إيدك أنت يا جاد. من يوم ما مات عيسى الحديدي، وأنا عارف إن الكذبة اللي كنت عايش فيها مش هتدوم. كنت بعيش كل يوم على إنه الأخير، وما كانش فيه حاجة بتخوفني قد فكرة إن نهايتي تكون على إيدك أنت."
"جدي كان بيحميني دايمًا، بس كنت متأكد إنك هتوصل للحقيقة، مهما طال الزمن." أخذ نفسًا عميقًا، "ويوم ما ماتت أمي، كنت أنت معايا، بس دموعي ماكانش عشان هي سابتني. كنت دموعي بتنزل مني عشان أنت كمان بقيت يتيم زيي، وبسببي. أنت كنت ليا الأب والأم، يا جاد. أنت اللي سندي، ومفيش كلام يوفي حقك عليا"
نظر إليه "جون" في صمت، نظرة طويلة تحمل آلاف الأسئلة، ثم سأله بهدوء: "ليه بتقول ليا كل الكلام ده دلوقتي؟"
ابتسم "جهاد" ابتسامة حقيقية هذه المرة، ابتسامة وداع.:- "لأن جه الوقت اللي لازم تعرف فيه إنك أنت السبب في وجودي. أنت أساس جهاد، وأنا من غيرك ولا حاجة. أنا بس عايزك تعيش حياتك، كفاية اللي اتحملته بسببي كفاية تتعب علشانى سنين وانا بداخلك معايا فى مشاكل ملهاش نهاية.عيش حياتك ياجاد امشي من هنا، وما تبصش وراك أبدًا. اعتبرني مجرد ذكرى وراحت. ما تحملش وجعي معاك، وما تكونش انت آخر شخص يشوف وجعي، لأنك لو شفت، أنا متأكد إنك هتلوم نفسك طول عمرك.لو حصل ليا حاجة"
نظر إليه "جون" بوجه خالٍ من أي تعبير، جبهته معقودة بجمود ظاهري، لكن في عينيه كانت تلمع لمعة حزنٍ وخوفٍ لم يستطع إخفاءها.:- "الكلام ده كله؟"
قال بصوت خشن:- "مش هرد عليه دلوقتي. لكن اللي لازم تعرفه، إني مش هسمح بأي شيء يحصل لك. أنت ناسِي إن اللي أنت فيه دلوقتي بسببي؟ كنت أنا اللي هعيش كل ده لو ما أخدتش السم بدالي."
أومأ "جهاد" برأسه بتأكيد، بنظرة تحمل يقينًا راسخًا: "عشان أنا عارف إنك لو مكاني، كنت هتعمل نفس الشيء. وعارف كمان،انى انا ممكن أضحي بروحي عشانك."
اتسعت عينا "جون" بضيق وهو يرفع حاجبيه: "جهاد، ما دام أنت عارف ده كله، يبقى أكيد عارف إني ما بستسلمش بسهولة، صح؟"
تنهد "جهاد" بأسى، وكاد أن يتكلم، لكن صوتًا حادًا ومليئًا باللهفة قطعه.:- "جهـــــااد!"
صرخ "صهيب" وهو يركض نحوه، يلقي بنفسه بين أحضانه وكأنه يعود إلى ملاذه الأخير.
ابتسم "جهاد" ابتسامة امتزج فيها الفرح بالحزن، بينما كان يرى دموع "صهيب" تلمع في عينيه.:- "صهيب!" همس اسمه وكأنه يعيده للحياة.
شدد "جهاد" من احتضانه، ضغط على ذراعيه حول "صهيب" وكأنه يحاول حمايته من العالم، ألمٌ خفيٌ يعتصر قلبه وهو يرى الخوف يملأ عيني أخيه.
أبعده عنه ببطء، وعيناه تحملان عتابًا رقيقًا: "إيه اللي جابك هنا؟"
"فاكر إني مش هقدر أوصل لك؟" قال 'صهيب' بغضبٍ طفولي:- "يبقى أنت اللي عبيط."
اتسعت عينا "جهاد" بصدمة مصطنعة: "أنا اللي عبيط يا صهيب؟"
تجمعت الدموع في عيني "صهيب"، ونظر إلى وجه "جهاد" المتعب والشاحب، إلى الأيام التي رسمت خطوطها على وجهه.:- "أنت كويس؟" سأل بصوت مرتجف.
ابتلع "جهاد" ريقه بصعوبة، ونظر إليه بثبات وهو يهز رأسه:- "زي الفل قدامك. أحسن منك كمان."
عاد "صهيب" إلى أحضان "جهاد" مرة أخرى، يشد عليه بقوة، وقلبه ينبض بالذعر.:- "أنا موافق أكون أسوأ واحد، بس ما تبعدش عني. أنا مش هكون كويس من غيرك."
"لا يا صهيب، هتكون كويس علشاني. أنت فاهم؟" قال جهاد بكلماتٍ تحمل ألمًا..:-"أنا بخير، ما تخافش."
"أنا مش عايز حد غيرك." قال 'صهيب' بصدقٍ طفولي، وكأنه يلقي اعترافًا خفيًا.
اقترب "مراد" وهو يرمق "جون" بابتسامة ساخرة، متجاهلاً كلام صهيب: "اعتراف صريح من صهيب إن وجودك مش مهم."
تلاشى الصدق من عيني "صهيب" ليحل محله رعبٌ حقيقي: "لا، ما قولتش كده!"
رفع "جون" حاجبيه بخبثٍ، معززًا سخريته: "والله؟"
نظر "جهاد" إلى "مراد" بدهشة، وكأن وجوده نفسه لم يكن متوقعًا: "أنت بتعمل إيه هنا؟"
تجاهل "جون" سؤال "جهاد"، وعاد ليسخر من مراد: "وده كمان اعتراف صريح من جهاد إن حضورك غير مرحب به تمامًا."
تذمر "مراد" بغيظ، ودافع عن نفسه: "مش حقيقي. إيه بعمل إيه هنا؟ براحتي على فكرة!"
ضحك "جهاد"، محاولًا تهدئة الأجواء: "مش قصدي يا مراد."
تنهد "مراد" وهو يجلس، متجاهلاً كلام 'جهاد' تمامًا: "ولا قصدك مش مهم."
جلس "جون" بجوار "مراد" وهو يضحك، ثم كشف عن سبب وجوده: "أنا اللي طلبت من مراد يجيب صهيب. وجوده معاك هيفيدك."
نظر "جهاد" لـ "جون" في حيرة، وحاول أن يفهم ما الذي يدور في رأسه: "في إيه بالظبط؟"
قال "صهيب" بغيظ، محاولًا إثبات نفسه: "أنا بعرف أعمل كل حاجة على فكرة."
ضحك "جهاد" ساخرًا، وكأنه لم يصدق ما قاله صهيب: "هو أنا طلبت عروسة؟ أنت أهبل!"
رد "صهيب" وهو يجلس بجوار "مراد"، وبدأ في المزاح: "أنت تطول عروسة قمر زيي كده؟"
ضحك "جون"، وأكد لـ "جهاد" أن "صهيب" سيكون بجانبه: "صهيب هيكون معاك دايما. ما تقلقش، بكرة نكتشف قدرته."
قطّب "جهاد" جبينه في ذهول، بينما جلس صامتًا بجانبهم. لم يعد مصيره بيده، فبعد موت أم حياة، أصبح مجرد ورقة في عاصفةٍ لا يعرف أين ستلقي به، وكأنه يراقب حياته من الخارج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباحٍ لا يختلف عن سابقه، استيقظ "جهاد" على وقع صراعٍ لا ينتهي. لم يكن الألم الذي يعتصر جمجمته مجرد صداع، بل كان قرع طبولٍ صامتة، تهدد بتمزيق رأسه من الداخل. كل نفس يخرج كان ثقيلاً وحاراً، يلسع حلقاً أصابه الجفاف، وكأنه يخرج من جسدٍ لا يمتلك إلا القليل من الحياة.
جرَّ نفسه ببطء نحو المطبخ الذي بدا واسعاً وفارغاً، على الرغم من فوضاه. اقترب من الطاولة، وسقط على مقعدٍ خشبيٍّ، يئن تحت وطأة جسده المنهك. حاول استعادة أنفاسه، لكنها خرجت كاللهيب، تحرق صدره وتهدم ما تبقى من قوته. لم يكن الألم مقتصراً على رأسه؛ بل كان يتسلل إلى كل شبرٍ من جسده، يفتت عظامه ببطء مؤلم، يجعله يتلوى دون أن يطلق صوتاً.
توقفت عيناه على سكينٍ لامعة، موضوعة على الطاولة. لم يرَ فيها أداة، بل رأى فيها مخرجاً أخيراً.
امتدت يده المرتجفة نحوها، التقطها، وشعرت أصابعه ببرودتها القاتلة. في تلك اللحظة، لم يعد العقل يدرك شيئاً سوى الرغبة العارمة في إنهاء كل هذا. لقد تاق إلى نومة واحدة بلا كوابيس، إلى لحظة هدوء تطفئ نار وجعٍ لا يدرك أحد عمقه.
كان قراره واضحاً: إنهاء هذه الروح التي أرهقها الأمل. لكنه لم يجد القوة ليعلن عن ألمه لأحد، فقد كان يخشى رؤية الحزن في عيون أحبائه. كان الابتعاد هو الحل الوحيد بالنسبة له، ليبعدهم عن عبء حزنه.
فجأة، انقطع تيار أفكاره السوداء. شعر بيد دافئة تسحب السكين بهدوء من بين أصابعه. رفع رأسه ببطء، ليجد "جون" يقف أمامه، بنظرةٍ هادئة تخفي خلفها قلقاً عميقاً.
سأله "جون" بصوتٍ خافت: "بتعمل إيه هنا"
ابتسم "جهاد" ابتسامة حذر، وهو يكتم أنين الألم الذي لم يفارق جسده منذ الصباح. أمال برأسه بمشاكسة نحو "جون"، محاولًا إخفاء ما يختلج في صدره: "أبداً... بس كنت بفكر أعمل أكل. تيجي تاكل معايا؟"
قابل "جون" ابتسامته بابتسامة مشابهة، لكنها لم تصل إلى عينيه. كان يعلم تمامًا أن "جهاد" يتقلب في ألمه، وأن هذه الدعوة ليست سوى محاولة يائسة لصرف انتباهه.:- "معنديش مانع." قال بتأكيد، بينما يلمع في عينيه فهم عميق: "بس بتعرف ولا هنموت على إيدك؟"
هز "جهاد" رأسه بتحدٍ زائف: "لا... هتموتوا على إيدي طبعًا."
انفجرت من "جون" ضحكة هادئة، مليئة بالعطف والشفقة، فتهدلت كتفاه وهو يتقدم نحو المطبخ.:- "طيب تعالَ أعلمك."
اتسعت عينا "جهاد" بذهول مصطنع: "معقولة! وأخيرًا هندوق حاجة من تحت إيدك؟"
رمقه "جون" بنظرة ماكرة، وهو يفتح باب الثلاجة: "مش عايز ولا إيه؟"
بإصرار يعكس رغبته في التمسك بلحظة الود تلك، نفى جهاد بقوة: "لا أكيد عايز!"
"يبقى تساعدني يلا." قال 'جون'، بينما يشير إلى مقعد بجواره، وكأنما يدرك أن "جهاد" لا يقوى على الوقوف طويلًا.
تقدم "جهاد" منه بلهفة طفل، وعلى وجهه ابتسامة حقيقية هذه المرة.
ابتسم له "جون" في المقابل، وهو يرى في عينيه الفرح المختلط بالوهن. لم يكن يجهل كم يعاني صديقه، وكان هذا هو السبب الحقيقي وراء إصراره على أن يأتي الجميع ليكونوا بجواره.
توالت اللحظات بهدوء دافئ، فكان "جون" يقطع الخضروات بمهارة، بينما يجلس "جهاد" على المقعد المجاور يأكل حبات البازلاء النيئة من الطبق، لا يفعل شيئًا سوى مشاركة الحضور. فجأة، اهتز هاتف 'جهاد' على الطاولة.
أمسكه بيده المرتعشة، وتجمدت ملامحه وهو يقرأ نص الرسالة. كان وجهه شاحبًا، وعيناه متسعتان من الصدمة...:- "في إيه؟"
سأل "جون" بهدوء وهو يميل إليه، لكن صوته كان يرتجف.
لم يجب "جهاد"، بل قذف الهاتف على الطاولة واندفع إلى الخارج.:- "ماما... ماما تعبانة... في المستشفى!"
شحب وجه "جون" هو الآخر. لم يستوعب الكلمات، بل استوعب الصدمة في عين "جهاد" وهو يندفع للخارج.
بلا تفكير، ركض خلفه. في الخارج، تطلعت إليهما عينا "صهيب" و "مراد"، تملؤهما الحيرة والقلق.
أدركا أن شيئًا فظيعًا قد حدث، فتبعوهما دون أن يسألا. ركبوا سياراتهم وانطلقوا في سباق مع الزمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلف "جون" إلى المشفى وهو يركض بسرعة جنونية، يدفعه خوفٌ لم يجرؤ على الاعتراف به. خلفه، كان "جهاد" يتبعه، وقد بدت قدماه وكأنهما لا تقويان على الحركة، لكن قلبه كان ينهشه الخوف، ويأبى أن يتوقف.
ظل يراقب "جون" حتى توقف الأخير أمام غرفة ما، واندفع إلى داخلها.
تجمّدت خطوات "جهاد". اقترب من الغرفة ببطء، وكأن كل خطوة تكشف له عن مصير قاسٍ.
أطلّ من الباب، فرأى "كوثر" نائمة على الفراش. كانت الفتيات جميعاً يقفن حولها، وجوههن شاحبة، وعيونهن محمرة من البكاء. نظر إليهن طويلاً، ثم إلى أمه، محاولاً استيعاب المشهد.
قَطَعَ الصمتَ صوتُ "جون" وهو يجلس بجوار أمه، يمسك بيدها بقلق: "ماما، أنتي كويسة؟"
فتحت "كوثر" عينيها ببطء، وتوقفت نظراتها عند "جهاد" الواقف في الخلف. كانت نظرتها مزيجاً من الشوق والألم. مَدَّت يدها ببطء، وصوتها يختنقه البكاء: "جهاد."
هرول "جهاد" إليها وجلس على ركبتيه أمامها، يمسك يدها بكلتا يديه، وكأنها كنز ثمين يخاف أن يفقده.:- "ماما... أنتي كويسة؟" سأل، وصوته يرتجف.
أومأت "كوثر" برأسها، ودموع الندم تتساقط على وجنتيها: "أنا آسفة. "متقوليش كده." أجاب "جهاد" بنبرة حادة، محاولاً كبت مشاعره المتضاربة.
اقتربت "مليكة" وهي تنهار من البكاء: "جهاد... والله إحنا ما كناش نقصد حاجة."
هزّ "جهاد" رأسه بالنفي، وعيناه لا تفارقان وجه أمه: "مش مهم. المهم إنك تكوني كويسة. الدكتور شافك؟"
حاولت "كوثر" أن تنهض من الفراش، وكأن الكذب أثقلها: "جهاد... اسمعني."
نظر "جهاد" إلى "مراد" الواقف في الخلف، وطلب منه بصرامة: "مراد، هات الدكتور."
"إيه اللي حصلك؟" سأل 'جون'، وقد لاحظ أن والدته تبدو بصحة جيدة.
"إحنا غلطنا معاك... بس والله ما كناش نعرف حاجة." همست "ماسة" بدموع، وهي تقترب من "جهاد".
أمسكت "كوثر" بكفّي "جهاد" بيدها المرتجفة، وقالت بصوت يملؤه الحب والأسف: "جهاد... أنا آسفة. أنت مش بس ابني... أنت كل دنيتي."
"عارف." أجاب 'جهاد' بصوت منكسر..:-"بس المهم تكوني بخير."
"أنا مش تعبانة." قالت "كوثر"، والندم يمزق قلبها.
نظر "جهاد" إليها بصدمة، ثم ببطء، أدرك ما حدث. نظر إلى عيون "كوثر" الحزينة، ثم إلى وجه 'جون' الهادئ.
"جهاد... أنا عملت ده كله علشان أشوفك "
اعترفت كوثر، وعيناها مليئتان بالندم.
تنهّد "جون" بهدوء مصطنع، وهو يدرك حقيقة الموقف: "إيه اللي عملتيه؟"
نظرت "كوثر" إلى عيني "جهاد" المتسعتين من الصدمة، وقالت بصوت مكسور: "قلت للبنات إنهم يبعتوا لك رسالة إني تعبانة وفي المستشفى. والله... أنا عملت كل ده علشان أشوفك"
سحب "جهاد" يده من قبضة والدته، وكأن لمسة الكذب التي أحرقته للتو قد لوثت كل شيء.
لم تعد يدها الدافئة مأمنه، بل أصبحت مصدر صدمة باردة جمدت ملامحه. خرجت الكلمات من فمه بصعوبة، متجمدة في الهواء مثل بلورات الثلج: "إنتي كذبتي يا ماما؟"
اتسعت عيناه، وارتعش صوته وهو يكمل بتساؤل مرير..:- "كل ده عملتوه علشان تشوفوني؟"
نظر "مراد" إلى "مليكة"، والصدمة على وجهه لم تكن أقل حدة، بل كانت عتابًا صامتًا يصرخ: "ازاى فكرتوا فى كدا؟ أنا مش مستوعب!"
كأن كلماتهم لم تصل إلى "كوثر". كل ما شغل تفكيرها كان وجه ابنها المنكسر، الذي أصبح يعكس ألمًا لم تره فيه من قبل..:- "أنا آسفة يا جهاد، بس كنت عايزة أطمن عليك."
كانت كلماتها تبريرًا ضعيفًا أمام حجم الألم الذي تسببت فيه.
خرجت من "جهاد" صرخة مكتومة، لم تكن صرخة غضب، بل كانت صرخة روح تئن تحت وطأة الخذلان.
نظر إلى الوجوه المحيطة به، كل وجه يحمل عتابًا أو أسفًا، وكأنهم هم الضحايا..:- "ليه بتعملوا معايا كده؟"
سأل بصوت متهدج:- "ليه محدش فيكم حاسس بيا؟ لييييه؟"
احمر وجهه، واشتعلت عيناه بالغضب المكبوت. اقترب "جون" منه ببطء، وكأنه يتعامل مع قنبلة على وشك الانفجار:- "جهاد، اهدى."
نظر إليه "جهاد" بعينين مليئتين بالعتاب، ثم اندفع خارج الغرفة، وكأنه يهرب من أشباح لا يمكنه مواجهتها.
لم تتردد "مليكة" لحظة، ركضت خلفه وأمسكت بيده، بينما الكلمات تتزاحم على شفتيها.:- "جهاد، اسمعني!"
قالت بصوت يختنقه البكاء:- "أنا آسفة والله، معرفش عملت كده إزاي. غصب عني... أنا بحبك، أنت أخويا، أنت روحي!"
اقترب "جون" من "مليكة" بضيق، محاولًا حماية "جهاد" من هذا الضغط الإضافي.:- "مليكة، بلاش دلوقتي."
لكن "مليكة" لم تستمع. مدت يدها إليه، بينما "جهاد" يضغط على رأسه بكفه، وكأن الألم الجسدي هو ملاذه الوحيد من الألم العاطفي الذي يمزقه.:- "جهاد، عشان خاطري سامحني، والله أنا ما كنت أعرف."
قالت، والدموع تنزل على وجنتيها.
صاح "جهاد" صرخة كاوية، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صرخة روح تُمزق.:- "ابعدوا عني! حرام عليكم! كفاية!"
صرخ:- "ليه بتعملوا فيا كده؟ والله أنا تعبت، تعبت! ليه محدش حاسس بيا؟ أنا بموت... روحي بتتسحب مني."
ثم تغيرت نبرته إلى صوت مرعب من فرط الألم:- "حاسس بالدم بيغلي جوه عروقي. طول الوقت خايف أأذيكم وإنتوا بتأذوني! لييييه؟ ابعدوا عني!"
اقترب "جون" بحذر، ونبرة صوته تحمل الهدوء الذي يسبق العاصفة، محاولًا احتواء الوضع..:- "جهاد، اهدى. خلينا نمشي، أنا هتصرف معاهم."
ثم نظر في عينيه مباشرة:- "بص عليا يا جهاد. أنا جنبك."
تراجع "جهاد"، وضم ذراعيه حول جسده، وكأنه يحاول احتواء الألم الذي يمزقه من الداخل.:- "مفيش حد معايا. إنتوا بتكرهوني. كلكم بتثبتوا إني مش كويس. إنتوا عايزين مني إيه؟ أموت؟ أنا بموت خلاص... ارتاحوا."
"لا، أنت مش هتموت... مش هتموت." قالت "مليكة"، وقد انهارت بالبكاء، بينما تتشبث به، لكنه كان قد انهار بالفعل
ارتدّ "جهاد" للخلف، لا يبتعد فقط بجسده، بل ينسحب من واقعه. تجمّد في مكانه، ملتصقًا بالجدار كأنّه يبحث عن درع يحميه من عدو خفي لا يراه أحد سواه. تمزّق الصمت بصرخته، صرخةٌ لم تحمل كلمات، بل صدى لروحٍ مُعذّبة: "ابعدي عني!".
على الجانب الآخر، وقفت "كوثر" كتمثال من الحزن، عيناها بحران من الألم يفيضان على حاله. لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى أن تهمس باسمه، كما لو كانت تلك الكلمة وحدها قادرة على لمس قلبه المُحاصر: "جهاد".
ببطء، انهار "جهاد" على الأرض. لم يكن سقوطًا، بل استسلامًا لثقلٍ لا يُحتمل. قبض بيديه على رأسه، وكأنّه يمسك بألم مادي ينهشه من الداخل، أو يحاول أن يمنع عقله من الانفجار.:- "أنا تعبان... دماغي... آه!".
صرخةٌ خرجت من أعماقه، بلا تكلّف، تحمل كل اليأس الذي أثقل روحه.
حاول "مراد" الاقتراب بحذر، مدّ يده لتمسّ كتفه، لكن قبل أن يلامس جسده، أمسكت يد قوية بذراعه.
كانت يد "جون"، الذي ركع على الأرض أمام "جهاد". في عينيه، لم يكن هناك خوف، بل قلق عميق على رفيق عمره. حاول تهدئته بصوتٍ خافت، كأنّه يتحدث إلى طفل خائف: "جهاد... متخفش... قُوم معايا".
زادت قبضة "جهاد" على رأسه. صوته المبحوح لم يعد صرخة، بل بكاءً مُمزّقًا: "ابعد عني... ابعد يا ماما... أنا عايز أموت... ريحني واقتلني، أبوس إيدك يا جاد!".
الكلمات لم تعد كلمات، بل دماءً تخرج من فمه. ارتعش جسد "جون" وهو يرى دموعًا لامعةً تسيل من عينيه، دموع لا تحمل ضعفًا، بل وجعًا لا يُقاوَم. همس بأسى: "جهاد... كفاية!".
توسّل "جهاد" بصوتٍ يتقطّع، كل كلمة تخرج وكأنها تقطع وريدًا.:- "أبوس إيدك... كفاية أنتَ! أنا موجوع، تعبان... حِسّ بيا... آه! مش قادر أستحمل أكتر... ساعدني... اقتلني... ريحني من الوجع ده... دماغي... آه... جسمي يا جاد!".
انفجر "جون" في صرخة غاضبة، صرخة موجّهة لـ"جاك" الذي وقف كتمثال، عاجزًا عن الحركة. كانت دموعه تنزل بصمت على وجهه، كأنها تعبير عن عجزه التام.:- "جاك! هَات أي حد من الدكاترة بسرعة!".
انطلق "جاك" كالسهم، بينما اقترب "صهيب" من "جهاد". نظر إليه بخوف، كأنّه يرى شبحًا من صديقه.:- "جهاد... أنا جنبك".
نظر "جهاد" إلى "صهيب" بعينين مغرقتين بدموع، لم يعد فيهما شيء من الحياة. قال بصوت يائس: "مش عايز حد... أنا تعبان... جون، اقتلني... قُوله يا صهيب يخلصني من العذاب... مش... آه... جسمي!".
في زاوية أخرى، صرخت "ماسة" بفزع، وكأنها تستنجد بالجميع: "حد يساعده... جون!".
لم تتحمل "مليكة" المشهد، فجلست على الأرض، وكأنها تحمل ثقل العالم فوق قلبها، وهمست بصوتٍ يملؤه الندم: "أنا آسفة... آسفة...".
بينما انفجر "صهيب" في نوبة بكاء مريرة: "أنتُم السبب! كان كويس... كان بيضحك معايا... حرام عليكم!".
تنفّس "جهاد" بصعوبة بالغة. كانت أنفاسه ثقيلة، وكأنها آخر أنفاسه. الكلمة الأخيرة خرجت بصعوبة مميتة: "ج... ا... د...".
اقترب "جون" من "جهاد"، احتضنه بدموع عاجزة ووجع ينهش قلبه على رفيق عمره.:- "جهاد".
همس بها بصوت يرتجف، صوت لا يملك القوة إلا للاعتراف بالألم.
شدّد "جهاد" من احتضانه، لم يكن عناقًا، بل كان تمسّكًا بآخر خيط للحياة. "جاااد... آه... ارحمني... آه... لا... ح... حاسس... آه... جاد... ريحني من الوجع ده!".
"مش هقدر... مش هقدر أخسرك...". همس "جون" بكسرة ووجع، كان قراره هو الرفض الأخير لهذا الموت الذي يطرق أبواب صديقه.
ضغط "جهاد" بيديه على ذراع "جون" بصرخة وشهقات مؤلمة: "آآآآه! جااااااد!".
"لااااا! لاااا!". صرخ "جون" بغضب مكبوت، كأنّه يصرخ في وجه المصير.
لم يكن "صقر" يتسلل، بل كان يظهر من العدم. وضع يده على كتف "جون"، كانت يده ثابتة، تحمل ثقلًا من السيطرة.
نظر "جون" إلى صاحبها، إلى تلك العينين الحادتين والجامدتين. "ص... صقر".
خرج الاسم من فم "جون" بصوت ضعيف لم يعهده أحد عليه من قبل، صوتٌ يملؤه اليأس والاستسلام.
ضغط "صقر" على كتف "جون"، كانت تلك اللمسة تحمل قوة العالم أجمع. نظر إليه بنظرة مطمئنة، لكنها كانت نظرة أمرٍ لا يُعصى.:- "ابعد عنه".
هز "جون" رأسه بألم، عيناه لا تتركان "جهاد"، جسده يصرخ برفض الانفصال عنه..:- "مش هقدر".
صدحت صرخة "جهاد" في المكان، وكأنها تمزّق الهواء نفسه: "آآآآآآآه! م... مراااااد!".
"مش هيموت!". صرخ "جون" بخوف حقيقي، كأنّ كلماته هي الوحيدة القادرة على إنقاذ صديقه.
أغمض "صقر" عينيه بتأكيد، وهزّ رأسه: "ما تخفش. أنتَ مش بتثق فيا؟".
نظر "جون" إلى "جهاد" الذي يتلوّى أمامه. لأول مرة في حياته، اعترف "جون" بالخوف، قال بصوتٍ يملؤه اليأس: "أيوة...".
أمر "صقر" بلهجة حاسمة: "مراد!".
اقترب "مراد" وأمسك بيد "جون"، يساعده على النهوض.
كان "جون" يتشبّث بـ"جهاد"، وكأن روحه تُنزع منه. همس باسمه: "صقر...".
هز "صقر" رأسه، ونظر إليه بعينين تحملان العطف لأول مرة. :- "جون، ما تقلقش... هيكون كويس".
أشار "صقر" لرجاله. حملوا "جهاد" وابتدوا يبتعدون، تحت أنظار الجميع، وصوت "جهاد" المؤلم الذي كان يتمتم باسمه: "ج... ا... د...". كانت الكلمات تضيع في الهواء، كأنها آخر أنفاس روح.
دمعت عين "جون" وهو ينظر إلى "صقر"، الذي هزّ رأسه له مطمئنًا.
في الخلف، كان الجميع ينظر بأسى وألمٍ على حال "جهاد"، والبعض ينظر بخوفٍ إلى رحيل "جهاد" مع ذلك الرجل الغامض الذي لا يعرفون عنه سوى لقبه: "صقر "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة ممتعة للجميع🧘🏻♀️
التؤام.. أمانى& أمل