في تلك اللحظة، لم تعد الغرفة الفاخرة، أو تهديد السلاح، أو حتى وجود "مراد"، له أي أهمية. كان كل شيء يتلاشى أمام صوت واحد؛ اسمٌ واحدٌ أعاد النبض إلى قلب جون. "جااااااااد".
أغمض "جون" عينيه للحظة ثم فتحهما، شعر برجفة باردة تسري في جسده. لم يكن الأمر مجرد صوت، بل كان صدى سنوات من الألم، سنوات تمنى فيها لو يسمع هذا الاسم من جديد. التفت ببطء، يحمل في قلبه خوفًا من أن يكون هذا مجرد حلم آخر، حلم سيتلاشى مع أول ضوء للصباح.
"جهاد" لم يكن مجرد صديق أو ابن عم، كان أخًا، بئر أسراره، الشخص الوحيد الذي يعرفه أكثر من نفسه. كان أباه وسنده ورفيقه الوحيد. هو بالتحديد أهم شخص في عائلة "جاد".
رآه يقف أمامه، واقفًا على قدميه، ولكن جسده يبدو هزيلًا ومهترئًا. انتفض قلب "جون" عليه. رفعت عيناه، فالتقت بعيون "جهاد" التي كانت تحيط بها هالة من الحزن والإرهاق الشديد.
كانت الدموع تترقرق في زواياها، وكأنها تروي قصة ألم طويلة. في تلك اللحظة، شعر "جون" بالعجز. صراعٌ داخليٌ مميت مزّقه بين رغبته في أن يركض ويعانق رفيق عمره الذي اعتقد أنه مات لأربع سنوات، وبين رغبته في أن يضربه بقوة، لكي ينتقم من كل الألم الذي عاشه.
لم ينطق أحد منهما بكلمة، كان الصمت يسيطر على المشهد.
ظل "جون" يحدق به، حتى لمح شبح ابتسامة مشتاقة على شفتي "جهاد"، ابتسامة عابرة أعادت له الأمل.
اقترب "جهاد" بخطوات مترددة، وكأن قدميه لا تطاوعه. كان هذا الرجل الواقف خلف "جون"، "مراد"، يلف ذراعيه حول بعضهما البعض، يمنع "جهاد" من السير. لكنه لم يكترث.
كان "مراد" يراقب كل حركة وكل نظرة بينهما، وشعر بمرارة غريبة. شعر بالشوق تجاه عائلة لم يكن يومًا جزءًا منها، هو "راكان". أما "مراد"، فقد مات منذ زمن طويل.
نظر إلى فرحة "جهاد" وهدوء "جون" الذي لا يعلم هل هو فرحة أم غضب.
عندما وصل "جهاد"، لم يتردد لحظة. عانقه بقوة، غير آبه بنظرات "جون" الحائرة، ولا حتى بغضبه الواضح.
شعر "جهاد" بالدفء الذي غاب عنه طويلًا، ورغبة في أن يعانقه حتى يشعر بالأمان الذي فقده. كان هو أول شخص تراه عيناه بعد دوامة طويلة، وكان يظهر قوته حتى في أضعف لحظاته.
بينما يتبادل الاثنان العناق، رفع "جون" يده ببطء. كان وجهه ما زال غاضبًا ومنزعجًا، ولكن يده عانقت "جهاد" بفرحة غير متوقعة.
ابتسم "جهاد" من هذه الحركة، وأطلق تنهيدة راحة، شعر بالأمان الذي لم يشعر به من قبل.
همس "جهاد" في أذنه بكلمات حملت كل الشوق في العالم: "وحشتني يا جاد، وحشتني يا صاحبي".
فتح "جون" عينيه مرة أخرى، وقال بنبرة هادئة وحادة: "ليه؟"
ابتعد "جهاد" خطوتين، كأنما يحاول خلق مسافة بينه وبين الحقيقة التي على وشك أن تنفجر.
"إيه هو اللي ليه؟" سأل، وصوته يفتقر إلى الثبات.
"جون"، الذي كانت عيناه تضيقان من الغضب، أجاب بضيق يخنق الكلمات: "ليه كذبة؟ ليه كل السنين دي؟ كنت فاكر إنك ميت، وأنت كنت عايش... رد!"
اقترب "مراد"، يقف بهدوء أمام "جون"، درع بشري يمتص الموجة المتزايدة من الغضب.: "أنا ممكن أفهمك..."
نظر "جون" إليه بغضب لم يجد له متسعاً في قلبه إلا أن يوجهه نحو مراد.: "أنا ما سألتكش أنت. أنت فاهم؟"
أشار "جهاد" بيده لـ "مراد"، وعيونه تتوسل إليه أن يبتعد.: "طيب... أنت كنت عايزني في حياتك؟"
تجمّدت عينا "جون"، وكأن الكلمات كانت صدمة كهربائية.: "أنت بتقول إيه؟"
هز "جهاد" رأسه ببطء، وعيونه المثقلة بالألم التقت بعيون جون.: "كنت عايزني يا جاد؟ بعد كل اللي عرفته؟ بعد ما عرفت إني قتلت أبوك... كنت عايزني علشان تقتلني؟"
نزلت صفعة "جون" على وجه "جهاد" بقوة، كان صوتها كصوت انفجار في الصمت.
شعر "جهاد" بالدوار، ليس من قوة الضربة، بل من الصدمة التي هزت كيانه.:- "ما كنتش أعرف إنك غبي كدا يا جهاد!"
قال "جون"، وصوته ممزوج بالحزن والأسف.
اندفع "مراد" إلى الأمام، وعيناه تشتعل غضباً.: "إزاي تضربه!"
لكن "جهاد" وقف أمامه، عيناه تتوسلان إليه أن يتوقف. استدار ليواجه "جون"، ورفع يده ببطء يلامس بها مكان الصفعة، كأنه يتأكد من أنها حقيقية.: "غبي... ليه يا جون؟ دي الحقيقة. أنا قتلت أبوك. أكيد مش بتدور عليا علشان وحشتك... صح؟"
نظر "جون" في عيني "جهاد"، وهما تلمعان بالدموع.:- "أنت عارف... كنت دايماً بأتمنى إنك تكون عايش. وقتها ما كنتش عايز أي حاجة غير إنك ترجع تاني زي الأول. يرجع أخويا معايا... وصاحب عمري. بس أنت دلوقتي بتعمل العكس يا جهاد... طول السنين دي كنت بأفكر فيك أنت... وعمري ما فكرت فيه هو... لدرجة إني اتهمته إنه السبب في موتك. أنا فضلتك عليه... كنت دايماً بأعتبره هو رمز قوتي، بس لا... هو طلع أسوأ حاجة في حياتي."
"جهاد"، وقد انكسر قلبه من هذه الكلمات، قال بحزن: "جاد... أنت ما تعرفش حاجة."
"جون"، وقد وصل غضبه إلى ذروته، صرخ: "ما أعرفش إيه؟ ما أعرفش إنك كذبت عليا... وإنك عايش ليك أربع سنين واحنا فاكرين إنك ميت؟ ولا إنك سبت الكل يتعذب بفكرة موتك؟ ولا إنك ما فكرتش في حد من عائلتك؟"
هز "جهاد" رأسه بنفي، والألم يملأ عينيه.: "لا يا جاد... أنا مش كدا. أنت... أنت اللي بعدت عنهم. يمكن أنا غصب عني... بس أنت بإرادتك."
"جون"، الذي لم يصدق ما يسمعه، صرخ بغضب: "أنت بتقول إيه؟"
تراجع "جهاد" خطوة، صوته ينخفض من شدة الحزن. "أيوه... بعد ما اختفيت، عملت إيه في صهيب؟ بقسوة. ما فكرتش فيه. قلت لك إياك تأذيه، بس أنت أذيته وبعدت عنه وسبته لوحده."
أغمض "جون" عينيه بقوة، وكأنه يطرد هذه الكلمات من رأسه.: "كفاية"
"جهاد"، وقد اشتعل فيه غضب لم يختبره من قبل، وقف أمام "جون" وكأن الأرض تضيق بهما. ارتفع صوته حادًا وكأنه يمزق الصمت،..:- "كفاية ليه؟ دي الحقيقة! أنت بسبب كرهك وبعدك عنه... هو كره نفسه أكتر يا جون! بقى وحيد وضعيف، محتاج لحضنك وحبك بس أنت سبته وبعدت. هو ما يستاهلش كده منك. أخوك... صهيب، ابني... بقى مدمن. عارف يعني إيه؟ يعني صهيب، الطفل اللي كنت بتخبيه في ضلك، بقى بيشرب يا جون! عندك رد؟"
شحب وجه "جون"، وكأن دماءه قد هربت منه فجأة. هز رأسه في نفي قاطع، نظرة باردة في عينيه.: "الكلام ده مش صح."
"طيب إيه هو الصح؟ انطق!" صرخ "جهاد"، والغضب يرتفع في صوته.
تغير صوت "جون" إلى هدوء مفاجئ، هدوء يسبق عاصفة. كل حرف خرج منه كان محكمًا كخنجر.:- "لأني ما ببعدش عن حد... و صهيب مش مدمن."
اتسعت عينا "جهاد" في ذهول، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد.: "أنت بتقول إيه؟ يعني إيه مش مدمن؟ أنا شفته بعيني، وكمان هو بيتعالج دلوقتي!"
نظرة "جون" تحولت إلى "مراد". كانت نظرة غامضة، تحمل سؤالًا وإجابة في آن واحد.: "طيب... يا ترى وأنت بتعالجه، الدكتور قال لك إنه مدمن؟ وإن فيه أي حاجة في جسمه؟"
نظر "مراد" إلى "جون" بنظرة حوت كل الذهول. كلام "جون" كان صحيحًا بشكل مخيف. صُدم من إخبار الأطباء له بأن "صهيب" ليس مدمناً بعد أن أجرى له أكثر من اختبار وكانت النتيجة واحدة.
رفع نظره إلى "جون" الذي كان ينظر إليه باستفهام، وقال بصوت منخفض، بالكاد مسموعًا.:- "كلام جون صح... لأ، ما فيش حاجة في جسم صهيب... هو مش مدمن."
هز "جهاد" رأسه في يأس، وكأن الأرض قد انهارت من تحت قدميه.: "يعني إيه؟ أنا مش فاهم حاجة! رد يا جاد!"
ابتسم "جون" ابتسامة حزينة، ابتسامة لا تصل إلى عينيه. كانت شبيهة بقناع يخفي ألمًا عميقًا.: "أنت مش عارف صاحبك يا جهاد؟ أنا مستحيل أبعد عن أخويا. أيوه، أنا عاقبت صهيب إنه يكون بعيد عني، بس أنا مش بعيد. كل الشباب اللي بياخدوه للطريق ده... هما شباب أنا اللي بعتهم له. والمادة اللي بيشربها غير مخدرة. كنت معاه في كل خطوة بيخطيها في حياته. صهيب هو اللي بعيد يا جهاد... هو اللي بعد عن العيلة. فهمت؟"
هز "جهاد" رأسه بتأثر.: "طيب أنت ليه ما قربتش منه؟ ما دام بتحميه طول الوقت، هو كان عايز يشوف حبك في عينك."
نفى "جون"، وابتعدت عيناه للحظة كأنه يرى شيئاً في الماضي.: "ما كنتش قادر... كنت دايماً بأشوف يوم موتك قدامي. كل ما أشوفه، كأن اليوم بيتعاد تاني."
سأل "جهاد" بحذر، وهو يرى الألم في عيني صديقه.:- "طيب ومليكة؟"
نظر له "جون" بخبث، وعيناه تضيئان بنار مختلفة.:- "مليكة غلطة... وهي اللي بدأت."
"بس يا جاد..." قال "جهاد" بضيق، محاولًا إيقافه.
قاطعه "جون" بحدة، "ما تهربش من السؤال! أنت كنت فين؟ رد عليا! عملت كده ليه؟ أنت اللي بعدت!"
هز "جهاد" رأسه في نفي، وقد بدأ الخوف يتسرب إلى صوته.:- "لا، غصب عني والله..."
هز "جون" كتف "جهاد" بعنف، وأمسك به بقوة.: "إزاي غصب؟ فهمني! ما فيش حاجة غصب. كنت فين؟ ومين ده؟ وبتعمل إيه هنا؟"
انزلق "جهاد" من قبضة "جون"، وجلس على الأريكة، وكأن قواه قد خارت.: "أنا مش كده يا جاد. أنا باحبكم كلكم. أنا كنت بعيد عن الكل غصب عني. أنا مش وحش... أنا..."
صرخ "جون" فيه، وكأنه يطالب بالحقيقة.:- "طيب ليه عملت كده؟"
نظر "جهاد" في عيني "جون"، وعيناه امتلأتا بالدموع.: "أنا كنت في غيبوبة يا جاد."
توقف "جون" عن الحركة، وعيناه اتسعت في صدمة.:- "غ... غيبوبة؟ أنت بتقول إيه؟ إزاي؟ الدكتور قال إنك مِت!"
قاطعه "مراد" بضيق، وصوته يخرج قويًا. "أنا اللي أمرت إنه يقول كده."
تحولت نظرة "جون" إلى "مراد"، بعيون غاضبة كادت أن تحرقه.:- "ليه؟ وأنت مين علشان تعمل كده؟"
تدخل "جهاد"، وقد امتلأ قلبه بالقلق.:- "ده أخويا يا جاد."
نظر "جون" إلى "جهاد" بصدمة، وكلمات "جهاد" تتردد في رأسه كصدى غريب.:- "أخو مين؟ أنت بتقول إيه؟"
رفع "مراد" نظره إلى "جون" بنصر، ابتسامة خفية تلوح على شفتيه.: "أنا فعلاً أخوه... مش زيك."
"أنت بتقول إيه... أنتوا مجانين!" صرخ جون.
نظر "جهاد" إلى "مراد" بضيق، ثم أومأ برأسه لجون بتوتر.:- "أيوة مراد يا جون... مراد أخونا."
نظر "جون" إلى "مراد"، وقد تملكه الذهول.:- "أخو مين يا زفت أنت... مراد مات!"
هز "مراد" رأسه في نفي.:- "لا، بعد الشر عني."
ابتلع "جهاد" ريقه بتوتر، والخوف يظهر على وجهه.:- "لا... ما هو طلع عايش... زيي كده."
صرخ "جون" بعنف.:- "أنت مجنون!"
همس "جهاد" بخوف: "ممكن تقعد و نفهمك كل حاجة... بهدوء."
"احكي بسرعة!" قال 'جون' بغضب، فيما يترقب ما سيحدث.
ابتلع 'جهاد' ريقه برعب. "ح... حاضر."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما كانت شمس العصر تميل إلى الغروب، كان "صهيب" يخرج من النادي محاطًا بضحكات الأطفال. كان يمزح معهم، ووجوههم الصغيرة تلمع بالفرح، بينما كانت "مليكة" تقف على مسافة، هادئةً وساكنة، كأنها في عالمها الخاص. فجأة، تحول المشهد الهادئ إلى فوضى عارمة.
توقفت أربع سيارات سوداء فارهة أمامهم فجأة، وانطلق منها رجال ملثمون يرتدون ملابس سوداء. كانت حركتهم سريعة، كالصقور الجارحة.
اقترب أحدهم من "صهيب"، الذي وقف حائلاً بين الرجال والأطفال.
"مين أنتو؟" سأل 'صهيب'، وقد ارتفعت نبرة صوته بحدة.
"جيبوهم." قال أحد الرجال بصوت خشن.
أمسك "صهيب" بـ "مليكة"، ووضع الأطفال خلف ظهره، وكأنهم درع بشري.:- "جيبوا مين؟ إنتوا مين؟ إبعدوا عنهم!"
اقترب الرجال أكثر، بينما صرخت مليكة: "إبعدوا عنهم! صهيب، إبعد الأطفال!"
كان الأطفال يتأهبون للرد.
صاح "جاد" بغضب: "إبعد عني يا زفت!"
بينما "جهاد" ضرب الرجل في ساقه بقدمه الصغيرة: "إبعد عني يا بطيخة!"
صرخت جاسي: "إلحقوني يا ناس! ناس عايزين يخطفوني! سيب إيدي يا جزمة!"
كان "صهيب" يحاول أن يضرب الرجال، لكن حركتهم كانت أسرع.:- "إنتوا مين يا ولاد... الكلاب...؟" كان يكافح من أجلهم.
تجمع الرجال حول الأطفال، وقال أحدهم بنبرة حازمة: "هاتوا الأطفال والبنت دي، وسيبوا البتاع ده هنا."
صرخ "صهيب" بغضب وهو يحاول الدفاع عنهم: "بتاع مين يا معفن! يا جاموسة يا بقرة يا متوحش!"
اشتكى "جهاد" ببكاء: "هو ده اللي أنت قادر عليه؟! إضربهم!"
أجابه "صهيب" بغيظ: "ما أنا بضرب، بس مش بيضربوا، مش عارف ليه!"
قالت "جاسي" بسخرية: "عشان فاشل! إلحقونا يا ولاد الكلب!"
رد "جاد" ببرود: "معلش، إنتِ بتقولي للناس اللي هتساعدك يا ولاد الكلب ليه؟!"
"جاسي" بغيظ أكبر: "عشان هما فعلًا أولاد كلب! مش بيساعدوا حد!"
وقف "جاد" بهدوء: "خلاص، كده كده هنتخطف! إيه لزمة اللي إنتوا بتعملوه ده؟"
رد "جهاد" بغضب وهو يركض محاولاً الفرار: "إنت جبان! محسسني إننا رايحين الملاهي ليه؟ إحنا بنتخطف هنا!"
أجابه "جاد" ببرود: "أولاً أنا مش جبان، وثانيًا، شايف إيه قدامك؟ الجحش الكبير ده مش قادر عليهم، إحنا هنقدر عليهم؟"
أحد الرجال صرخ بغضب: "بس رغي! شيلوا العيال دي!"
صاح صهيب: "على جثتي!"
اقترب رجل ضخم وضرب "صهيب" بقوة على رأسه. سقط صهيب أرضًا وفقد وعيه.
صرخ "جهاد" بصدمة: "صهيب!"
علّق "جاد" ببرود: "قسماً بالله تستاهل! عشان ما تتكلمش تاني!"
تفاقم قلق جاسي: "معقول يكون مات؟"
صرخت مليكة: "صهيييييب! صهييب! حد يساعدنا!"
أمر أحد الرجال: "هاتوا الباقي، وسيبوا ده هنا! كفاية دول!"
صرخ جهاد: "لأ والنبي! خدوه هو وسيبوني أنا!"
حمل الرجال الأطفال بصعوبة كبيرة، خاصة "جهاد" الذي كان يركض في كل مكان، وصعدوا بهم إلى السيارات التي انطلقت مسرعةً إلى المجهول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" القصر"
كان "دين" يدخل القصر مسرعًا، وعيناه تبحثان عن شيء ما، حتى لمح "سام" الذي كان يسأله بفضول: "كنت فين؟"
لم يهتم "دين" بسؤال سام، بل انطلقت كلماته المرتعشة من فمه: "فين جون؟"
أجابه "سام" بنبرة عادية: "مش عارف، مختفي من الصباح، في إيه؟"
في تلك اللحظة، تحول تعبير وجه "دين" إلى الخوف. "في مصيبة."
"مصيبة إيه؟" سأل 'سام' بقلق، وقد بدأ يشعر بأن الأمر خطير.
تأكد "دين" من كلماته وهو يشد على قبضة يديه: "لازم نلاقي جون بسرعة يا سام!"
أدرك "سام" جدية الموقف.:- "تمام، يلا نروح الشركة."
أومأ "دين" برأسه موافقًا، وكأن الكلمات قد خانته من شدة التوتر.:- "ماشي، يلا."
غادر الشابان القصر على الفور، وقلوبهما تملؤها المخاوف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن انتهى "جهاد" من حكايته، انطفأت شعلة الغضب في قلب "مراد" لتحل محلها عاصفة من الحزن المكتوم.
كانت الحقائق التي سمعها "جون" عن والده مؤلمة، لكنه لم يسمح بانهيار قناعه الصلب. أخذ نفسًا عميقًا،
ثم دفع "مراد" بيده مجموعة من التحاليل الطبية على الطاولة، وكأنها دليل مادي لا يقبل الجدل، ختمًا لحكايته.
التقط "جون" الأوراق، وفحصها بتمعن. كل سطر فيها كان يوقد نارًا جديدة في أعماقه. الأب، السند الذي كان يثق به، هو نفسه من ارتكب كل تلك الأفعال الشنيعة. حاول "جون" أن يسيطر على نفسه، لكن الغضب كان أسرع، فقد سيطر عليه بالكامل.:-
"يمكن تكون الأوراق دي مش حقيقية." قال 'جون' بصوت لم يكن هادئًا كما أراد.
رد "مراد" بابتسامة تحمل خبيثًا: "لأ، حقيقية. جهاد هو اللي عملها بنفسه عشاني، وكمان مش شايف الشبه؟ ولا الغضب عاميك؟"
اقترب "جون" من "مراد"، ووجهه يشتعل غيظًا.: "أنا ممكن أوريك الغضب الحقيقي دلوقتي لو تحب."
تدخل "جهاد" بسرعة، ووضع يده على كتف "جون" ليبعده.: "اهدأ عشان خاطري يا جاد... وأنت يا مراد، بس!"
صرخ جون: "ده مش مراد! ده بيضحك عليك! بكرة هأثبتلك كلامي!"
رفع "مراد" حاجبه الأيسر بتحدٍ ساخر، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت: "وده إزاي بقى؟ على العموم، إعلى ما في خيلك اركبه."
تدخل "جهاد" محاولًا كبح جماح الموقف، ومدّ يده ليمسك بذراع مراد: "بس يا مراد! وبعدين يا جون، دي الحقيقة والله! أنا عملت كل التحاليل بنفسي وكلامه صح، وبعدين هو معاه حق، الشبه كبير بينا!"
نفث "جون" الهواء من رئتيه بضيق، وغمغم في نفسه بكلمات غير مفهومة، ثم رفع عينيه المنهكتين نحو "جهاد" وقال ببرود قاتل:... " تمام، براحتك."
سأل "مراد" ببرود مقصود، بينما يراقب "جون" بعينين ثاقبتين: "أنت كويس يا جوجو؟"
انتفض "جون" بعصبية، وصرخ بحدة: "وأنت مالك؟ وبعدين ما تقولش جوجو دي، أنا مش طفل قدامك!"
ارتسمت على شفتي "مراد" ابتسامة ماكرة، وكأنه استمتع باستفزازه: "حاضر يا جوجو."
توسل "جهاد" بصوت خافت: "بس يا مراد."
تجاهل "جون" استفزاز "مراد"، وتركيزه كله على "جهاد"، وسأله بنبرة جادة: "أنت إزاي عايش؟"
تدخل "مراد" بغيظ، وكأنه يغار من اهتمام جون بجهاد: "ما هو كان عايش معايا أنا."
قاطعه "جون" بحدة غير مسبوقة: "سكت البتاع ده واحكي أنت!"
أومأ "جهاد" برأسه موافقًا، وراح يجمع أفكاره بصعوبة قبل أن يبدأ: "حاضر. أنا فوقت من شهرين تقريبًا."
ارتفع حاجب "جون" بصدمة بطيئة، ونطق الكلمة مرتين بصوت خافت وكأنه لا يصدق: "شهرين؟ شهرين!"
حاول "جهاد" تهدئته، بينما يظهر القلق في عينيه: "اهدأ وهفهمك كل حاجة."
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ السرد: "مراد هو اللي عمل كل ده من 4 سنين، وقت اللي كنت في المستشفى. دخلت في غيبوبة وهو اللي قال للدكتور يقول إني مت، وهو اللي خدني من هناك وفضلت في بيته 3 سنين وأكثر، بس..."
قاطعه "جون"، ووجهه يغمره الذهول: "ليه عمل كدا؟ وكمان إزاي أنت انضربت في قلبك؟"
لمس "جهاد" صدره بيده اليمنى بتوتر، وأجاب بصوت مهزوز: "الرصاصة فعلاً جت في الجهة الشمال، بس قلبي مش في الشمال، في اليمين."
تجمّدت ملامح "جون" من الصدمة، ونظر إليه وكأنه يراه لأول مرة: "في اليمين؟"
أجابه "جهاد" بصوت مطمئن قدر الإمكان: "أيوة."
تحولت نظرة "جون" من "جهاد" إلى "مراد"، ونبرته أصبحت حادة كحد السكين: "عملت ده كله ليه؟ خفيت جهاد ليه عننا؟ وأنت ما ظهرتش ليه طول السنين دي؟"
رد "مراد" ببرود قاتل، بينما عيناه تتوهجان بلهيب التحدي: "وأنت مالك؟"
أمسك "جون" رأسه بكلتا يديه، وغمغم بضيق: "يا رب، اللهم طولك يا روح!"
أمسك "جهاد" بيد "جون" بخوف، وحاول تهدئته: "اهدأ، أنا هفهمك. في عدو تاني يا جون."
فاجأ "جون" الجميع بهدوئه المفاجئ، وسأل بنبرة خالية من أي انفعال: "وبعدين؟"
تعجب "جهاد" من هدوئه، وواصل الشرح: "هو السبب في كل اللي بيحصل من سنين، مش كده وبس، هو له جاسوس في البيت!"
هز "جون" رأسه بهدوء، وكأنه كان يتوقع ذلك. "تمام، فين السبب؟"
صرخ "مراد" بغضب، وكأنه لم يعد يتحمل غباء جون: "أنت غبي! ما بيقولك في عدو زفت تاني، وإنه في جاسوس في البيت عندك، وهو السبب في كل ده وعايز يقتل الكل!"
أخذ "جون" نفسًا عميقًا، ثم أطلقه ببطء، ونظر إلى "مراد" ببرود تام: "أنا عارف ده كله."
اتسعت عينا "جهاد" بصدمة، وصرخ بصوت يكاد يكون همسًا: "عارف إيه؟"
أجابه "جون" ببرود لا يصدق: "عارف مين العدو ومين الجاسوس."
ارتجف "جهاد" من هول الصدمة، وراح يكرر الكلمات وكأنه لم يفهمها: "عارف إيه يا أخويا؟"
أكد "جون" بجمود: "أيوة، عارف."
تأمل "جهاد" "جون" بعينين متسعتين، وراح يسأله بصوت ضعيف: "طيب... طيب، ما قلتش ليه؟"
نظر "مراد" إلى "جون" بذهول، وسأله بفضول ممزوج بالشك: "أنت عارف؟ طيب ما منعتش كل اللي بيعمله ليه؟"
نظر "جون" إلى "مراد" بابتسامة هادئة، وكأنه يستمتع باللعبة: "أنت أكيد عارف مين، طيب ما تعرفش إنه أفلس وخسر كل حاجة؟ وأن المافيا طالبة روحه؟ ولا إيه؟"
هز "جهاد" رأسه بالنفي ببطء، وراح يحدق بهما في حيرة: "هو مين؟ والمافيا طالبة روحه ليه؟ أنا مش فاهم حاجة."
نظر "مراد" إلى "جون" بلهفة، وسأله بصوت منخفض: "مين الجاسوس؟"
"هو..." قبل أن يكمل "جون"، ظهر حارس من الخارج مسرعًا، وجهه شاحب من الخوف.
"سيدي جون!"
سأل "جون" الحارس "مانويل" بقلق: "ماذا حدث؟"
أجاب "مانويل" بتوتر، وصوته يرتعش: "شيء سيء، سيدي. السيد صهيب في المشفى."
اقترب "جهاد" من "مانويل" بلهفة مرعبة، وراح يمسك بياقة قميصه: "مشفى؟ لماذا؟ ماذا حدث لأخي؟ أجب!"
نظر "مانويل" إلى "جون"، الذي كان القلق يغمره بالكامل.:- "ماذا حدث؟"
أجاب "مانويل" بقلق: "تم خطف السيدة مليكة، والسيد جهاد الصغير، والسيدة جاسمين، وأحد الأطفال أيضًا، يدعى جاد."
صرخ "مراد" برعب هز المكان: "جاد مين؟ ابني؟"
نظر له "جون" بصدمة غير مفهومة: "ابنك؟"
ركض "جهاد" إلى الخارج بسرعة جنونية، واندفع نحو إحدى السيارات الموجودة هناك، ثم انطلق مسرعًا نحو المشفى، تاركًا خلفه صدمة الجميع التي تجمّدت في الهواء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحدى مستشفيات روسيا، كان الهواء ثقيلًا بالترقب والخوف. وقفت "كوثر" بجوار غرفة "صهيب"، قلبها ينبض ببطء تحت وطأة الصدمة، وكأن جسدها يرفض استيعاب حقيقة إصابة ابنها واختطاف "جهاد"، "مليكة"، "جاسي"، وطفل آخر.
بجوارها، كانت "لين" تحتضن "ماسة" التي ترتجف في صمت، بينما الدموع تنهمر من عينيها، تتمنى لو كان "جهاد" معها الآن، يشد على يدها ويطمئنها.
على بعد أمتار، كان "سلطان" يوجه "جاك" وباقي الشباب بلهجة حاسمة، يأمرهم بالبحث في كل مكان.
بجانبه، يجلس ابنه على كرسيه المتحرك، جسده يتكئ على الكرسي بعجز، وعينيه تحدقان في الفراغ، يحملان ثقل خوف الأجداد على مصير أحفادهم الصغار.
فجأة، تتجمد الأنفاس. يتوقف الجميع عن الحركة عندما يرون "جون" قادمًا بخطوات سريعة، وعلى وجهه مزيج من الجدية والقلق. خلفه مباشرةً، كان هناك رجل يتابعه بنظرات فاحصة تحمل خوفًا مرعبًا على ابنه.
لكن ما يلي كان صادمًا. تفتح "كوثر" عينيها على وسعهما، بينما يتوقف قلب "سلطان" عن النبض. يدخل رجل يركض إلى الداخل، وجهه شاحب وعيناه خضراوان كلون العشب، وهما تلمعان بلمعة غريبة من الحياة.
تتوقف "ماسة" عن البكاء للحظة، ثم تندفع نحوه وتتشبث به، تحاصره بدموعها ووجعها المتراكم. "جـ... جهاد؟" يخرج صوتها محطمًا.:- "ابـ... ابننا مش موجود! هو... هو اتخطف!" انفجرت في البكاء وهي تصرخ: "أنا عايزة جهاد... آآآه!"
يغمض "جهاد" عينيه بأسى، تحت نظرات الجميع المصدومة.
كانت نظرة "جون" بالذات تحمل حيرة، وكأنه يرى في رد فعل "ماسة" إشارة إلى أنها كانت تعلم بأمر عودته
ينظر "جهاد" إلى "ماسة" بقلق شديد، وهو يحاول أن يهدئها: "اهدي يا ماسة، أنا هنا، وهيرجع بخير. طمنيني... فين صهيب؟"
ارتجفت "ماسة" وهي تهمس بصوت مرتعب:- "ص... صهيب جوه".
كان همسها كافيًا ليجعل قلب "جهاد" يتوقف. التفتت عيناه في لحظة نحو الباب المغلق، الباب الذي خلفه يرقد أخوه، ثم عادتا إليها بنظرة ملؤها النفي، وكأنه يرفض أن يصدق.
اقتربت "كوثر" بقلب يرتجف، وعيونها تتفحص كل تفصيلة في وجهه الذي لم تره منذ سنوات..:- "ج... جهاد؟ إزاي؟ أنت... أنت جهاد؟" سألت وعيناها تلمعان بالدموع.
ابتسم ابتسامة باهتة، محملة بكل القلق الذي أثقله.:-"ماما".
توقفت "مايا" عن التنفس للحظة.:- "جهاد؟ ازاى أنت حي؟ أنت... أنت... انت مامتش؟"
و"جوليا" تراه وكأنه شبح:- "أنت حقيقي؟ طيب إزاي؟"
كانت عيون "يوسف" معلقة به، غارقة في صدمة عميقة، يتمنى أن يكون هذا المشهد ليس حلمًا.
وضع "سلطان" يده على كتف "جهاد" بتردد، ثم قال بصوت متهدج:- "ج... جهاد... أنت فعلاً حي؟"
التفت إلى "جون" وعيناه تملأهما الدموع:- "جون... أنت كنت على حق. جهاد!" هز "جهاد" رأسه بإيجاب، "حي يا جدي."
عانقه "سلطان" بقوة، وكأنها عناق يجمع كل سنوات الفراق والألم.:- "يا حبيبي يا جهاد! انت عايش يا جهاد! انت قدامي دلوقتى !"
ابتعد "جهاد" عن عناق جده، وتوجه نحو "كوثر" التي كانت تنظر إليه كأنها خارج هذا العالم. وقف أمامها، رفع يده المرتجفة ولامس وجهها، وكأنه يريد أن يتأكد أنها حقيقة.:- "وحشتيني يا أمي... وحشتيني أوي."
انهارت "كوثر" بالدموع:- "أنت... أنت عايش؟ لا... لا إزاي؟ أنت حقيقي؟ازاى يا جهاد؟"
مسح "جهاد" دموعها بحزن:- "كفاية دموع. أنا عايش، وقدامك أهو يا ماما."
مدت "كوثر" يدها بتردد، وكأنها تخاف أن يتبخر أمامها. لمست وجهه بأصابع مرتجفة، لتتأكد من وجوده، ثم انخرطت في نحيب عميق وهي ترتمي بين أحضانه.:- "جهاد! جهاد! أنت هنا... أنت عايش يا حبيبي... يا رب! آه... يا جهاد! كنت فين يا قلب أمك؟"
احتضنها "جهاد" بكل ما فيه من حب وشوق، ودموعه تحرق قلبه على رؤية وجهها الشاحب، وعينيها المنهكتين من الحزن.:- "أنا آسف... آسف. وحشتيني يا روح جهاد، ومش هبعد تاني."
أغمضت "كوثر" عينيها وهي تصرخ بحرقة:- "كنت فين؟ سبتنا ليه؟ شفت اللي حصل من بعدك؟ صهيب... صهيب جوه لوحده وتعبان... ومليكة اتخطفت... ... هي وابنك... ابنك الصغير جهاد وجاسي... كلهم يا جهاد. أنا خايفة!"
احتضنها "جهاد" بقوة:- "كفاية، كفاية علشان خاطري وحياتك عندي. هيرجعوا. أنا هعمل كل حاجة علشان يرجعوا. وصهيب هيكون كويس. ده أخويا القوي... وعد، هيكون كويس. ماشى؟"
هزت "كوثر" رأسها بخوف:- "هيكون كويس؟"
أكد لها "جهاد" بحسم:- "أيوه."
سأل "جون" بصوت هادئ:- "الشباب فين؟"
أجاب "سلطان" بتأكيد:- "أمرتهم يعرفوا مين اللي عمل كده."
هز "جون" رأسه، وعيناه ثابتتان على باب الغرفة التي يرقد فيها "صهيب".
كان هذا المشهد بأكمله يمر أمام أعين الجميع. كانت هناك صدمة تملأ العيون، وحزن يذرف دموعًا صامتة، ورعب يرتسم على وجوه البعض، بينما كانت هناك عيون أخرى تلمع بالشر، تراقب بصمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر، كانت "عشق" تجلس، جسدها كله يرتعش خوفًا، وعقلها عاجز عن التفكير. لم تستطع إيقاف دموعها التي كانت تنزل بحرقة، ساخنة كالجمر على خديها.
اقترب منها "مراد" بهدوء وجلس بجوارها، ثم جذبها بلطف لتستند برأسها على صدره.:- "كفاية..."
قال بصوت هادئ، محاولاً تهدئة روعها.
"هو فين؟ أنا عايزة ابني، أنا عايزة جاد!" قالت بصوت يختنقه البكاء.
رفع وجهها إليه، ونظر في عينيها الغارقتين في الدموع، وقال بنبرة ملؤها اليقين، "اهدئي. هو هيرجع. وعد، هرجعه".
نظرت إليه برجاء طفولي:- "أنا خايفة عليه. هو لوحده. أنا مش معاه".
هز "مراد" رأسه بنفي قاطع:- "عشق، بتقولي إيه؟ وبعدين، عايزة تتخطفي أنتِ كمان ولا إيه؟"
"أنا عايزاه هو. هو لسه صغير، ما يعرفش حاجة يا مراد"، قالت بخوف.
ابتسم "مراد" ابتسامة تحمل الكثير من الحنان، ثم قال محاولًا تخفيف حدة الموقف:- "أنتِ مش عارفة ابنك ولا إيه؟ ده أكيد مطّلع عين اللي خاطفينه دلوقتي ببرود. يا شيخة أنا أوقات بحس إني أنا ابنه مش هو. قال يخاف قال!"
نظرت له "عشق" بعتاب:- "مراد!"
ضحك "مراد" بخفة:- "خلاص، مش هقول كده. بس كفاية علشان خاطري. وعد مني، هرجعه ليكي. بس ياريت يفضل عندهم كام يوم كمان علشان أقدر أدلعك شوية يا قلب مراد".
نظرت له "عشق" بغيظ:- "مراد! أنت بتقول إيه؟"
ابتسم "مراد" ثم ضمها بين ذراعيه بقوة.
وفي داخل قلبه، كان يشتعل رعبًا حقيقيًا على صغيره وابنه الوحيد وروحه. أقسم في صمت على الانتقام، وأن يقتل كل من حاول إيذاء فلذة كبده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور ما يزيد عن ساعتين من الانتظار الذي بدا وكأنه دهر، انفتح باب غرفة الطوارئ أخيرًا. خرج الطبيب بهدوء، وكأن خطواته تُثقل كل لحظة من الانتظار.
اندفع الجميع نحوه، خطواتهم تتسابق في القلق. كان "جهاد" أول من وصل، صوته يكاد يكون همسًا من فرط الخوف: "طمّني ايها الطبيب، هل أخي بخير؟"
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة حاولت أن تُبدد كل هذا التوتر: "لا تقلقوا، هو بخير. كانت ضربة قوية على رأسه، لكنه استعاد وعيه وتجاوز مرحلة الخطر."
نظر "جون" إليه بقلق لم يُفارقه: "هل هو بخير حقًا؟"
أومأ الطبيب بتأكيد: "نعم، نزف الكثير، لكن حالته مستقرة الآن."
سأل "جهاد" بلهفة: "هل يمكننا رؤيته؟"
أجاب الطبيب وهو يشير بيده نحو الداخل: "سيستيقظ قريبًا. يمكنكم الدخول، لكن رجاءً، لا تُرهقوه بالكلام. يحتاج إلى الراحة التامة."
اندفع "جهاد" إلى الداخل، خلفه الجميع. كانت الغرفة الصغيرة مليئة بالصمت والثقل.
كان "صهيب" مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، ورأسه ملفوف بالضمادات. بدا منهكًا، كأنه نام لأشهر، وعلى ملامحه كانت آثار الألم والخوف واضحة.
اقترب "جهاد" من السرير بسرعة، وفي الوقت نفسه، لاحظ "جون" حركة بسيطة في يده.
فتح "صهيب" عينيه بصعوبة، كأنهما يرفضان مواجهة الضوء. شعر بدوار يلف رأسه وصداع حاد ينهش جمجمته. نظر حوله بنظرة تائهة، ثم همس بصوت بالكاد يُسمع: "جهاد؟"
انحنى "جهاد" عليه بلهفة: "نعم يا حبيبي، أنا هنا. أنت بخير؟"
لم يُجب "صهيب'، بل حاول أن يجمع كلماته المتناثرة: "مليكة... جهاد... جاد... جاسي... اتخطفوا..."
وضع "جهاد" يده على رأس صهيب بحنان، وقال بصوت حازم ودافئ: "هششش، كفاية كلام. ارتاح دلوقتي، كل حاجة هتكون بخير، متقلقش."
لم يستمع "صهيب"، بل تجمعت الدموع في عينيه. حاول أن يتكلم مرة أخرى، والصوت يخنقه: "أنا... أنا آسف... ما قدرتش أحميهم."
نفت "جهاد" بحزن: "أنت ملكش اى ذنب، أنت..."
قاطعه "صهيب" وهو يهز رأسه بضعف: "لا... أنا... لا..."
في هذه اللحظة، شعر "صهيب" بيد "جون" تُوضع على وجهه بحنان غير متوقع.
رفع "جون" رأسه، وقال بصوت هادئ يحمل ثقلًا غريبًا: "كفاية يا صهيب. اللي قاله جهاد صح، أنت مالكش ذنب. ارتاح إنت، أنا اللي هلاقيهم. مش بتثق فيا؟"
تجمعت الدموع في عيني "صهيب"، ليست دموع الألم هذه المرة، بل دموع التأثر. كانت هذه أول مرة يرى فيها هذا الحنان من "جون"، هذا الخوف الواضح في عينيه. تمنى في لحظة لو أن هذا كله حدث منذ البداية، ليرى هذا الحب الكبير من الجميع. أومأ رأسه بضعف وقال: "آه... بثق فيك."
ابتسم "جون" ابتسامة حقيقية، وكأنه فهم ما يدور في رأس "صهيب" همس له: "أنا جنبك يا صهيب. ارتاح دلوقتي، وكل حاجة هتكون كويسة."
أجاب "صهيب" بدموع: "حاضر."
نظر "جون" إلى "جهاد" الذي ابتسم له بامتنان صامت، ثم أومأ برأسه: "يلا بينا."
نظر "جهاد" إلى "صهيب" مرة أخرى قبل أن يغادر: "ارتاح يا بطل. العيلة كلها جنبك، تمام؟"
خرج "جون" و "جهاد" من الغرفة، ووجدوا "مراد" يقف بعيدًا وهو يُبعد الهاتف عن أذنه ويُدخله في جيبه. "مفيش أي حاجة توصلنا ليهم"، قال مراد بصوت محبط.
أشار "جون" له بيده، وخطواته حاسمة: "تعالوا معايا."
نظر "مراد" إلى "جهاد" الذي نفى بيده، ثم تنهد بضيق ولحق بـ "جون". كان السباق مع الزمن قد بدأ الآن حقًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل