البارت السادس عشر 🦋

البارت السادس عشر 🦋

38 0

نبدأ 🙂

دوى صرير حاد ومفاجئ للإطارات ممزقًا سكون الليل، إيذانًا بوصول "جاك" الذي قفز من سيارته قبل أن تتوقف تمامًا، وعيناه لا تريان سوى "جون" الذي كان يفتح الباب الخلفي بتعجل محموم.

في حركة خاطفة، انتشل "جون" "جهاد" بين ذراعيه، غارقًا في دوامة من القلق البارد الذي أفقده الإحساس بكل ما حوله، وكأن العالم قد انكمش ليصبح نقطة واحدة هي صديقة بين يديه.

لم يفق من غيبوبته إلا على أيدي الأطباء التي امتدت لتنتزع "جهاد" منه، ليتوارى جسده خلف أبواب غرفة العمليات التي انغلقت بقسوة. بقيت الأجساد متصلبة في الممر، أرواحهم معلقة بخيط رفيع يتدلى من مقبض ذلك الباب الصامت.

كان "جون" يذرع الأرض، ذهابًا وإيابًا، خطواته تردد صدى قلقه الذي يتناوب بين الباب المغلق، وكأنه يخبئ مصيرًا مجهولًا، وبين "صهيب" الجالس في زاوية بعيدة.

احتضنت "كوثر" "مليكة" بقوة، جسدها يرتجف بلا توقف، وشهقات بكائها المكتومة كانت تحفر خنادق في الصمت الثقيل.

بجانبها، نصبت "ماسة" نفسها كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان في الفراغ، بينما كانت "لين" تراقب ذلك الشبح الوحيد الجالس في آخر الممر، تتأمل في يديه بعجز مريع واستفهام مؤلم.

حاول كل شاب أن يضم الفتاة التي بجانبه، يمنحها دفئًا كاذبًا للأمان، في حين كانت قلوبهم تنهشها وحشة الانتظار التي لا ترحم.

طال أمد الانتظار، كل دقيقة تمر كأنها قرن من الزمان.

وفي الداخل، كان "جهاد" يرقد شاحبًا، كأن الحياة قد انسحبت من وجهه. جهاز الأكسجين كان يغطي أنفه وفمه، كل نفس يخرجه كان صراعًا مريرًا. أحاط به الأطباء كأنهم في معركة ضد الموت، يبذلون قصارى جهدهم لانتزاعه من براثن الخطر.

فجأة، نظر أحد الأطباء إلى جهاز مراقبة النبض، وصرخ بصوت خنقته اللهفة: "سيدتي، النبض ينخفض بشدة!"

ردت الطبيبة الرئيسية وعيناها مثبتتان على "جهاد"، محاولة أن تقرأ شيئًا في وجهه الباحث عن الحياة: "أعطوه [.................] بسرعة!"

مرت ثوانٍ ثقيلة، كل منها يحمل وزنًا لا يطاق. ثم انبعث صوت أحد الأطباء، مهتزًا كخيوط العنكبوت: "لقد توقف القلب يا سيدتي!"

نظرت الطبيبة إلى الممرضة بعينين تملؤهما الرهبة، والكلمات تخرج بصعوبة: "جهاز الإنعاش! بسرعة!"

أمسكت بالجهاز، وضغطته على صدر "جهاد" مرة تلو الأخرى، لكن لا نبض. نظرت الطبيبة إلى الوجوه المحيطة بها، وقد استقر الرعب في عينيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خارج الغرفة، كانت الأنفاس محبوسة. كل شخص يجلس على أعصابه، والقلق ينخر فيهم ببطء مؤلم.

كل الساعات التي مرت بدت وكأنها دهر، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من وطأة الانتظار.

أخيرًا، انفتحت الأبواب وخرج الأطباء. من بينهم كانت تلك الفتاة، نظرت إليهم جميعًا، وعيناها تعكسان الخوف من خسارة الشاب الذي كان بين أيديهم.

تقدم "جون" بخطوات سريعة، وعيناه تستجوب الوجوه الباهتة: "ماذا حدث؟ هل هو بخير؟"

نظرت الطبيبة إليه، إلى هذا الرجل الذي يحاول أن يرتدي قناع القوة والثبات رغم الرعب الذي يعصف بداخله. قالت بتوتر، وقد بدت كلماتها تخنقها: "سيد جون، أنا أعتذر..."

في تلك اللحظة، ركضت "ماسة" نحو الداخل  تدخل غرفة "جهاد"، "مليكة" صرخت بتساؤل يمزقه الشك: "جهاد؟"

ارتفعت نبرة صوت "جون"، وقد اشتعلت عيناه بالغضب: "ماذا تقولين؟ هل أخي بخير؟ أجيبوا!"

خرج صوت أحد الأطباء خافتًا، ممزوجًا بالحزن والخوف: "للأسف، لم نتمكن من إنقاذ المريض."

انفجرت "جوليا" بصرخة مدوية، واحتضنت "سام" الذي وقف بصدمة، بينما في الخلف، سقط "صهيب" على الأرض، وضع وجهه بين يديه، وانخرط في بكاء عنيف مرعب.

هزت "مليكة" رأسها بعنف، وكلماتها تخرج بصعوبة: "لا... لا... أنت تكذب، أليس كذلك يا جاد؟ جهاد حي!"

تأتأت "كوثر" بنفي، وعيناها فارغتان من أي تعبير سوى الصدمة: "ابني... لا... جهاد..."

اندفع "جون" نحو الطبيب، وأمسك بملابسه بعنف، وهتف بحدة: "ماذا؟ هل أنت مجنون؟ كيف لم تتمكنوا من إنقاذه؟"

تعلثمت الطبيبة في حديثها، وقد بدت الكلمات المصرية ثقيلة على لسانها: "أنا آسفة... عملنا كل إلى نقدر عليه ، لكن... انتهى أجله."

صرخ "سلطان" بإنكار تام، كلماته ممزوجة باليأس: "مستحيل! أنا حميته طوال السنين دي علشان مايموتش!"

وأخيرًا، صدحت صرخة "مليكة" بوجع قطع الصمت: "لا! أخويا ممتش! أنا عايزة جهاد! جهاااااد!" 

اندفعت "مليكة" نحو غرفة "جهاد"، فتحت الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته، لمحت "جهاد" على السرير، وجهه شاحب بشكل مخيف، عيناه مغلقتان، وتحتهما سواد عميق يحكي قصة ليالٍ بلا نوم أو راحة. عند قدمي السرير، كانت "ماسة" تجلس، غارقة في دموع صامتة لا تحركها.

اقتربت "مليكة" بخطوات متسارعة، وضعت يدها المرتعشة على وجه "جهاد" البارد، وتلعثمت كلماتها كأنها تحاول استحضار روحه: "ج... جهاد؟ جهاد حبيبي، فوق! أنت قولت مش هتسبني صح؟ أنا عارفة، أنت وعدتني مش كده؟ يلا قوم جهاد، أنت كل حاجة في حياتي، اتحرك !"

شدت على يده كأنها تتمسك بآخر خيوط الأمل،:- "أنت قولتلي لو مهما حصل انت مش هتسبني صح؟ يلا قوم... جهههههاد! ليه مش حطين قناع الأكسجين ؟ عشان كده هو هو مش قادر يتنفس صح؟ جهاد... قوم!"

أمسكت كتفه وهزته برفق، يائسة من أن تفيق معجزة: "أنت أخويا وأبويا وأمي وكل حاجة فى حياتى مش كده؟ طيب... عايز تسيبني لوحدي ليه؟ اتحرك يا جهاد وحياتي عندك اصحي! طيب... طيب أعيش إزاي من غيرك؟ أنت روحي ودنيتي! أنت مش وعدتني انك مستحيل تبعد عنى؟ أنت مستحيل تكذب عليا مش كده؟ طيب قوم يا جهاد... عشان خاطري قوم! أنت ممتّش... قوم يا جهاد!"

اقترب "جاك" منها، عيناه تلمعان بالدموع وهو ينظر إلى "جهاد"، ثم قال بصوت متهدج: "مليكة، تعالي معايا."

صرخت "مليكة" وكأنها تدافع عن آخر أنفاسها: "لا! سيبني يا جاك! جهاد هيقوم! هو قالي إنه هيفضل معايا! جهاد، شوف الكل مستنيك تقوم! قوم بقى! احنا كلنا والله بنحبك!" تحول صوتها إلى همس يائس: "طيب جهاد، أنت زعلان مني صح؟ عشان أنا بنسى دايماً عيد ميلادك مش كده؟ طيب أنا النهاردة منستش، جبت لك حاجات كتير! قوم يا جهاد كفاية أنا تعبت! قوم!"

توقفت عينا "مليكة" على "جون"، الواقف عند عتبة الباب، يحدق في "جهاد" بنظرة إنكار مطلقة، كأن ما يراه أمامه محض سراب.

هل يمكن أن يكون هذا الرفيق الذي شاركه سنوات العمر، اللحظات والذكريات، ينام الآن على هذا الفراش، ساكناً بلا حراك؟ لم يستطع عقله استيعاب المشهد، وكأن حائطاً سميكاً من الرفض قد بني بينه وبين الحقيقة القاسية. ظل يحدق به، صامتًا ومصدومًا، شاردًا في هوة اللا تصديق.

اقتربت منه "مليكة" بضعف، تهزه وكأنها تحاول أن تستمد منه القوة التي فقدتها، وصوتها يخرج ممزقًا بين الرجاء واليأس: "جاد! جهاد مش راضي يقوم! قوله أنت... هو بيسمع كلامك! قوله يا جاد، هو بيحبك أكتر من أي حد فينا! قوله يقوم عشاني! أنت بتحبني صح؟ بس أنا ما أقدرش أعيش من غير أخويا! رد يا جاد! أنت ساكت ليه؟! جهههاد!"

ثم جلست على ركبتيها أمام "ماسة"، عيناها تتوسلان: "ماسة! ماسة! جهاد محصلش لي حاجة، متبكيش! هو بيضحك علينا! قوليله أنتِ، هو بيحبك! قوليله يقوم يا ماسة! ردي!"

التفتت إلى والدها، صوتها يخرج كشهقة: "بابا! قوله يقوم... أنت بتكره أخويا ليه؟ هو عمل لكم إيه؟... صهيب! عملت كده ليه؟ مش هو أخوك وهو الى رباك؟ طيب ضربته ليه؟ أنتم مش بتردوا ليه؟ هو ممتّش أخويا ممتش والله مامات! أخويا عايش أنا حاسة بيه! جهاد وعدني ومستحيل يكذب! جــــهـاد! قوم وثبت ليهم إنك عايش وأنا مش بكذب! قوم! آااااااااااااه! جههههاد! آاااااااااااااااااااااااه!"

اقتربت "كوثر" من "جهاد"، دموعها تسيل بصمت على وجنتيها: "جهاد ابني وحبيبي وروحي، سيبتنا ليه؟ أنا والله مسامحك من كل قلبي، حد يكره ابنه؟ أنت أغلى عندي من ولادي، أعيش إزاي من غيرك يانور عينى؟ والله مسامحك! ياريتني كنت مكانك يا روحي! جهاد!"

نفت "مليكة" بقوة، كأنها تحارب الواقع المرير: "هو ممتّش والله يا ماما اخويا عايش!"

اقتربت إحدى الممرضات من "جهاد"، ومدت يدها لتضع الغطاء على وجهه، وقالت بهدوء يحمل في طياته نهاية كل أمل: "يكفي هذا يا سيدتي."

لكن "مليكة" انتزعت الغطاء بعنف: "ابتعدي عن أخي! هو مازال على قيد الحياة! أنتم تكذبون! ابتعدي!"

ساعدت "لين" "ماسة" على الخروج من الغرفة، بينما "جاك"، بمساعدة "دين"، كان يسحب "مليكة" إلى الخارج، يقول بصوت يقطر ألماً: "كفاية يا مليكة، جهاد مات."

صفعت "مليكة" "جاك" بقوة على وجهه، صرختها تمزق الصمت: "لا اخرس! جهاد عايش! والله العظيم عايش! جـــــــهـاد! طيب خدني معاك! جهههههاد! آااااااااااااه! هتسيبني لمين هناااا؟ جهاد!"

سقطت "مليكة" فاقدة الوعي بين ذراعي "جاك"، مثقلة بحجم الفقد.

وفي الداخل، اقترب "يوسف" من "جهاد"، وضع يده على وجهه، وكلماته خرجت بصعوبة، ممزوجة بندم يحرق روحه: "ج... جهاد... أنا... أنا آسف. سامحني. أنا مكنتش أعرف كده. أنا كرهتك عشان حرمتني من أخويا، بس والله ما كنتش أعرف إن عيسى كده. أنا آسف... سامحني. أنا عمري ما أسامح نفسي، عمري! أنت متّ بسببي... بسببي أنا! أنا آاااااااااااه يا رب! آااااه! جهاد... خسرت ابني التاني بسببي!"

وضع "يوسف" يده على قلبه، ثم سقط فاقد الوعي، لم يحتمل قلبه ثقل الندم وفقدان آخر خيوط الأمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد يومين على دفن "جهاد"، خيم الصمت والثقل على أرجاء المنزل. انزوى الجميع في غرفهم، وكأن الحياة توقفت خارجها.

"يوسف" كان قد أصيب بجلطة مفاجئة، بينما "مليكة" استسلمت للمهدئات، غارقة في نوم لا يجلب الراحة.

أما "جاد"، فمنذ لحظة موت "جهاد"، لم يعد إلى المنزل قط.

في غرفة "ماسة"، كانت تجلس محتضنة صورة "جهاد"، وعيناها تغرقان في بحر من الدموع. اقتربت منها أمها، صوتها يقطر حزنًا: "ماسة حبيبتي، لازم تأكلي. ليكِ يومين ما دخلش بطنك حاجة."

تعلقت "ماسة" بالصورة أكثر، ودموعها تسيل بصمت: "مش عايزة حاجة."

الأم بحزن عميق: "ماسة، جهاد خلاص مات. وأنتِ لازم تخلي بالك من ابنك، مش هينفع كده."

ارتفعت نبرة "ماسة" بين شهقات البكاء: "أنا قولت مش عايزة حاجة، !"

الأم بضيق ممزوج باليأس: "ماسة، أنتِ كده بتقتلي ابنك بإيدك!"

صرخت "ماسة"، وكأنها تفرغ كل الألم المكبوت بداخلها: "أنا مش عايزة حاجة غير جهاد! هو ليه سابني يا ماما؟ هو ليه مات؟ سابني لوحدي ليه؟"

الأم بدموع غزيرة: "عمره يا بنتي."

نفت "ماسة" برأسها، وعيناها تشتعلان بالغضب والحسرة: "لا! هو وعدني أنا كمان إنه عمره ما يسيبني لوحدي! هو كذب عليا وأنا والله مسامحه ! هم بيقولوا إنه قاتل، وأنا والله ما مسامحه! هم بيقولوا إنه قتل أبويا مش كده؟ بس ده مش صح! الشخص ده سابني أنا وتخلي عنى وانا لسه طفلة، حرمني من كل حاجة! أنا بكرهه! بكرهه! هو السبب في كل حاجة حصلت معايا! أنا مش عايزاه! أنا عايزة جهاد! هو أبويا وأخويا وحبيبي وزوجي وكل حاجة في حياتي يا أمي! أنا مش عايزة حد غيره! أنا هعيش إزاي من غيره؟ إزاي؟"

الأم بدموع: "عيشي عشان إخواتك."

صرخت "ماسة" بقوة، وكأنها تمزق كل روابط الماضي: "هما مش إخواتي! هما مش عائلتي! جهاد هو كل ده! هو عائلتي! أنا عايزاه! أنا بقيت يتيمة من غيره!"

نظرت إليها الأم بشفقة بالغة: "طيب، عيشي عشان طفلك... هو حتة من روحك وروحه، مش كده؟"

وضعت ماسة يدها على بطنها، وانخرطت في نحيب مرير، دموعها تختلط بكلماتها: "هو بعد عننا وتركنا لمين أنا وهو ياماما؟ طيب لو سألني في يوم عنه، أقوله إيه؟ أنت يتيم؟ ابني بقي يتيم قبل ما يشوفه هو كمان زي حظ أمه! حصل لجهاد كده بسببي!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفته، كان الظلام رفيق "صهيب" الوحيد. انكمش على نفسه على الأرض الباردة، احتضن ركبتيه ودفن رأسه بينهما، جسده يرتجف وشهقاته تمزق الصمت.

فُتح الباب ببطء ودخلت "لين"، خطت خطواتها بحذر، وعيناها تحملان حزنًا عميقًا وهي تراه بهذه الحال. اقتربت وجلست أمامه، نظراتها الثابتة محملة بالألم قبل أن تنطق بصوت متهدج: "صـ... صهيب؟"

جاء رد "صهيب" أشبه بهمس ممزوج بالوجع، دون أن يرفع رأسه: "اطلعي من هنا يا لين."

ردت "لين" ودموعها بدأت تتساقط: "لا، صـ... صهيب، أنت بخير؟"

رفع "صهيب" رأسه ببطء، عيناه المحمرتان من فرط البكاء تحدقان فيها بألم: "لا، أنا مش كويس، مش كويس يا لين. أنا تعباااان."

مدت "لين" يدها بحنان لتلامس وجهه، محاولة مواساته: "أنا حاسة بيك."

هز "صهيب" رأسه رافضًا بشدة: "لا، لا مش حاسة بيا. إنتي مقتلتيش أخوكي زيي. أنا قتلت أخويا. قتلت جهاد. أنا قاتل يا لين!"

حاولت "لين" تهدئته ودموعها تزداد: "صهيب، إهدأ."

وضع "صهيب" يده على صدره، على موضع قلبه، والألم يعصره: "أنا ضربته هنا، هنا بالظبط في قلبه. جهاد راح بسببي. هو مات بسببي يا لين!"

رفضت "لين" حديثه بمرارة: "لا متقولش كده."

حاول "صهيب" أن يلتقط أنفاسه بصعوبة: "أنا السبب في دموع الكل... الكل بيكرهني. أنا مش عارف أتنفس من غيره. هو أنا عملت كده إزاي؟ إزاي؟"

قاطعته "لين" محاولة إقناعه: "ده عمره."

صرخ "صهيب" بمرارة ممزوجة باليأس: "خلص بسببي... بسببي أنا خلص عمر أخويا بسببي! ربنا ياخدني يا رب، يا رب خدني أنا وهو لا!"

اندفعت "لين" إليه، احتضنته بقوة، جسدها يرتجف: "متقولش كده. أنا مقدرش اعيش من غيرك."

رفع "صهيب" عينيه نحو السقف، كأنه يستنجد بالسماء: "وأنا مش هقدر اعيش من غيره."

حاولت "لين" أن تمنحه بصيص أمل: "بس جون موجود."

ضحك "صهيب" ضحكة مجروحة، ضحكة مليئة بالأسى: " إنتي عارفة جاد كمان مات في اللحظة اللي مات فيها جهاد. أنا مخدتش روح واحدة، أنا خدت روح جاد كمان يا لين. يمكن جاد سامحني علشان جهاد."

توقفت "لين"، الدموع تخنق صوتها: "صهيب، صهيب أنا..."

نظر إليها "صهيب" بعينين يملؤهما الشك والألم: "يمكن إنتي كمان بتكرهيني مش كده؟"

نفت "لين" بحزم: "لا طبعًا مستحيل!"

ظل "صهيب" ينظر إليها بدموع، ثم بصوت يائس أمرها: "إمشي يا لين. اطلعي من هنا. الغرفة دي بقت الحاجة الوحيدة اللي بقالي. روحي من هنا."

نظرت "لين" إليه بحزن عميق، لم تصدق ما تسمعه: "صهيب، أنت بتقول إيه؟"

نظر إليها "صهيب" بحدة، وقد زادت حدة صوته: "اطلعي بره يا لين!"

نظرت "لين" إليه نظرة أخيرة تحمل في طياتها كل الحزن والأسى، ثم خرجت من الغرفة، تاركة وراءها حبيب قلبها غارقًا في عذابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"..من قلب الشارع الروسي.."

على درج القصر الفخم، جلس "جاك" شارد الذهن، وعيناه تجولان في الأرجاء التي غلفها هدوءٌ ثقيل.

كان قلبه يعتصر حزنًا، ليس بسبب الصمت المحيط، بل بسبب ذكرى صديق عمره، "جهاد". لم يكن لقاؤهما تقليديًا في أروقة المدرسة أو الجامعة، بل كانت شرارة صداقتهما قد انبعثت من قلب شوارع روسيا الصاخبة، في لحظة يأس كان فيها "جاك" يسرق حقيبة لكي يُطعم أخواته الصغيرات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ( فلاش باك )ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد شوارع روسيا المزدحمة، كانت تسير سيدة تبدو في غاية الأناقة، تحمل حقيبة حمراء زاهية في يدها. خلفها، كان يسير شاب في الخامسة عشرة من عمره، عيناه تتابعانها بتركيز، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة.

فجأة، اقترب منها بسرعة خاطفة، وفي لمح البصر، كانت الحقيبة بين يديه. انطلق يركض بأقصى سرعته، بينما صرخت السيدة بكل ما أوتيت من قوة تستنجد بالمساعدة.

بالقرب منها، كان "جهاد" يجلس في أحد المقاهي، يكاد ينفجر ضحكًا من المشهد برمته.

ركض "جاك" ودخل أحد الشوارع الضيقة، ثم توقف هناك، يلهث بقوة وصعوبة، ينظر خلفه بقلق. جلس على الرصيف، ومد يده ليفتح الحقيبة، لكن صوتًا صغيرًا أوقفه: "لن تجد بها أي شيء."

رفع "جاك" رأسه، ونظر إلى الطفل الواقف أمامه، صاحب العيون الخضراء اللامعة، من قدميه إلى رأسه. "من أنت؟ وكيف عرفت محتواها؟"

لعب الطفل في شعره بلامبالاة: "أنا جهاد، وأنا أقول الحقيقة، ليس بها شيء."

ابتلع "جاك" ريقه بدهشة: "أنت تكذب!"

أشار "جهاد" بيده بثقة: "هي افتح لنرى إذن."

نظر "جاك" إليه بتعجب، ثم أمسك الحقيبة وفتحها بسرعة. نظر بداخلها، ولم يجد ولو فلسًا واحدًا. ألقى بالحقيبة بعيدًا بغضب: "اللعنة عليكي!"

ضحك "جهاد" بخفة: "أخبرتك بهذا."

"كيف عرفت هذا؟" سأل "جاك" بذهول.

ابتسم "جهاد" بتأكيد: "أيها الغبي، هذه المرأة كانت تسير بثقة كبيرة، ولم تنادِ على الشرطة، حتى ولم تسرع للركض خلفك. وهذا يدل على أن الحقيبة ليست بها مال."

أقر "جاك": "حسنًا، معك حق. ولكن من أنت؟"

نظر "جهاد" بضيق: "هل أنت غبي؟ أخبرتك، أنا جهاد."

"أنت الغبي!" رد جاك بغيظ. "جهاد ماذا؟ ليس لك اسم آخر؟"

جلس "جهاد" أمامه: "ليس من شأنك. وأنت ما اسمك؟"

"جاك." أجاب جاك بضيق.

هز "جهاد" رأسه: "حسنًا جاك، لم سرقت الحقيبة؟"

"لماذا في رأيك؟" سأل "جاك" بذهول، في إشارة واضحة لفقره وحاجته.

ضحك جهاد: "هههههه، حسنًا. هل تعمل معي؟"

"ماذا؟ أعمل معاك؟ هل تشحذ؟" سأل "جاك" بصدمة، فكرة التسول كانت بعيدة كل البعد عن كرامته.

مثل "جهاد" الضحك: "ههههه، شحذ؟ لا، بل أفضل من ذلك."

تفحص "جاك" هذا "المغرور" بتعجب: "ما هذا الغرور؟ هيا أيها الصغير، العب في مكان آخر، هيا."

رفع "جهاد" حاجبه بثقة: "حسنًا كما تريد، ولكن أنت ستخسر الكثير إذا لم توافق، ولن تستطيع توفير الطعام لأخواتك. هي وداعًا."

فرك "جاك" رأسه بتفكير، وعيناه تتابعان "جهاد" وهو يبتعد عنه: "حسنًا... حسنًا انتظر!"

التفت "جهاد" بظهره: "هل تتحدث معي؟"

صرخ "جاك" بغضب: "وهل هناك شخص آخر هنا غيرك أيها القزم؟"

نظر "جهاد" إليه بعيون غاضبة: "لا تقل هذا مرة أخرى، حسنًا؟"

نفخ "جاك" بضجر، ونظر له بتأكيد: "حسنًا، ولكن كم عمرك؟"

ابتسم "جهاد" بثقة: "ما يكفي للتحدث معك."

تواعد جاك: "حسنًا، ما هو العمل؟"

نظر "جهاد" إلى السيارة الواقفة أمامه وتوجه إليها، ثم أشار لـ "جاك" ليتبعه: "سوف تعلم كل شيء مع الوقت، هيا."

نظر "جاك" إليه وهو يصعد السيارة بصدمة: "ما هذا؟ هل هذه لك؟ من أنت يا قزم؟"

التفت "جهاد" إليه بغضب: "أقسم لك إذا قلت هذا مرة أخرى أتركك هنا وأذهب ولا ألتفت لك حتى، حسنًا؟"

صعد "جاك" بجواره: "حسنًا."

رد "جهاد" بغيظ: "غبي."

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ باك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابتسم "جاك" ابتسامة باهتة وهو يمسح الدموع التي أغرقت وجهه، فكرة ألا يرى "جهاد" مرة أخرى كانت تخنقه. اقتربت منه "هيرا" وجلست بجواره، وعيناها تحملان الكثير من الأسى: "جاك؟"

نظر "جاك" إليها بحزن عميق: "نعم يا هيرا؟"

استفهمت "هيرا" بلطف: "أنت قاعد كده ليه؟"

تنهد "جاك" بألم: "مش عارف يا هيرا، بس حاسس إني مش قادر أعيش هنا. حاسس إني مخنوق. كل حاجة بتفكرني بيه."

أومأت "هيرا" بتأكيد، وكأنها تشاركه نفس الشعور: "معاك حق، أنا حاسة إن القصر بقى مهجور من غيره."

نظر "جاك" إلى الفراغ، وصوته يخرج مثقلاً بالذكريات: "جهاد كان أساس البيت ده. هو بسببه أنا هنا، كان المنقذ ليا. هو بسببه أنا لسه عايش، هو خدني من الشوارع."

تساءلت "هيرا" بتردد: "هو فعلاً قتل عمه؟"

نظر "جاك" إلى "هيرا" بنظرة حاسمة، لا تقبل الشك: "أيوه، ولو أنا كنت مكانه كنت عملت كده وأكتر يا هيرا. جهاد مش غلطان."

هزت "هيرا" رأسها متفهمة: "معاك حق. بس جون كان هيفكر زيك كده؟"

هز "جاك" رأسه نفيًا: "مش عارف، بس الأكيد إن جون مستحيل كان يأذي جهاد."

قالت "هيرا" بتأكيد، محاولة تلطيف الأجواء: "بس صهيب..."

قاطعها "جاك" بحدة، والغضب يشتعل في عينيه: "صهيب غبي! هو السبب في ده كله. لو ما كانش عمل كده، كان زمان جهاد عايش!"

قالت "هيرا" بحزن، محاولة الدفاع عن صهيب: "بس يا جاك، صهيب عمل كده من غضبه."

نهض "جاك" من جوارها فجأة، وكلماته تخرج بمرارة: "غضبه ضيع كل حاجة! وهو هيندم طول حياته يا هيرا بسبب اللي عمله."

نهضت "هيرا" ونظرت إليه بقلق: "جاك، إهدأ... إيه الصوت ده؟"

رفع "جاك" رأسه نحو الأعلى، وصعد الدرج بسرعة، تتبعه "هيرا" بخطوات متسارعة. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام غرفة "جهاد"، كانت تقف "جاسي" الصغيرة، تتشبث بمقبض الباب بكل قوتها، تهزّه بعنف وهي تنادي بصوت خنقته الدموع: "جهاد! افتح الباب! جهاد، ليه ما بتردّش عليا؟ جهاد!"

نظرت "هيرا" إلى المشهد بقلب يعتصره الحزن، ثم التفتت إلى "جاك" الذي كان يحاول جاهدًا كبت دموعه المتلألئة في عينيه.

اقتربت "هيرا" من "جاسي" بهدوء، احتضنتها وقالت بنبرة حنون: "جاسي حبيبتي، إيه اللي بتعمليه هنا؟"

رفعت "جاسي" وجهها الغارق بالدموع نحو "هيرا"، وقالت بصوت مكسور: "هيرا... جهاد مش موجود. هو مش بيلعب معايا، ووحشني أوي."

تنهدت "هيرا" بحزن عميق: "طيب، ليه واقفة هنا؟"

أشارت "جاسي" إلى الباب ببراءة مؤلمة: "افتكرت إنه هنا في الغرفة، عشان كده بنادي عليه زي العادة. بس ليه مش بيردّ يا هيرا؟"

نظرت "هيرا" إلى "جاك" بعينين مليئتين بالأسى، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط: "أصلي يا حبيبتي، جهاد مش هنا."

قالت "جاسي" بحزن مطبق: "أومال هو فين؟"

ترددت "هيرا"، تحاول أن تجد الكلمات المناسبة: "هو... هو في..."

اقترب "جاك" من "جاسي"، وجثا على ركبتيه ليصبح في مستواها، وقال بصوت يحمل ألمًا عميقًا: "هو مسافر يا جاسي."

نظرت "جاسي" إلى "جاك" بعينيها الطفوليتين الغارقتين بالدموع، تساءلت ببراءة موجعة: "مسافر فين يا جاك؟"

حاول "جاك" أن يتحدث، لكن الكلمات خرجت بصعوبة من حلقه: "م... مسافر لمكان بعيد يا جاسي، ا... أنتي متعرفيهوش."

فجأة، صرخت "جاسي" بصوت هزّ أرجاء المكان، وكأن حقيقة مرة تفجرت في وعيها: "أنت بتكذب! جهاد مات يا جاك!"

نظر "جاك" إلى "جاسي" بذهول وصدمة: "جاسي! إيه اللي بتقولي ده؟"

قالت "جاسي" بدموع غزيرة، وكأنها تروي حقيقة لا مفر منها: "أنا عارفة. الكل بيبكي، وماما مش بتطلع من الأوضة، والخدم بيتكلموا وبيقولوا إنه مات، صح؟"

نظرت "هيرا "إلى "جاك" بصدمة بالغة، ثم التفتت إلى جاسي: "جاسي حبيبتي، الكلام ده..."

قاطعتها "جاسي" وهي تهز رأسها بالنفي القاطع: "أنا مش صغيرة. أنا مش هشوف بابا جهاد تاني، ومش هلعب معاه تاني."

احتضنتها "هيرا" بشدة، تضغط عليها كأنها تحاول أن تحميها من قسوة الواقع: "جاسي، جهاد بيحبك أوي، أنتي عارفة كده صح؟"

أكد "جاك" ذلك بحزن بالغ: "وأنتي كمان بتحبيه، مش كده؟"

نظرت "جاسي" باتجاه الغرفة، عيناها ما زالت تلمع بالدموع: "أيوه، بحبه أوي أوي. بس هو هيوحشني."

عانقها "جاك" بحزن عميق، وشعر بألمها يمزق قلبه: "هيوحشني أنا كمان أوي"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكان آخر، كان يجلس شخص يقهقه بقوة، والشر يملأ عينيه، والبهجة تعلو ابتسامته البشعة. اقترب منه أحد الأشخاص وقال بتأكيد: "مات يا باشا."

ضحك الشخص بصوت عالٍ: " وأخيرًا! كم كنت أشتهي قتل جهاد!"

قال الشخص الآخر بحزن مصطنع: "ولكن سيدي، للأسف لم يقتله جون."

زاد الشخص من ضحكاته: " ولكن قُتل على يد أخيه صهيب! إذاً جون تدمرت حياته كلها على يد أخيه بموت جهاد... جهاد كان أغلى شيء في حياة جون، والآن أصبح في ذمة كان، أليس كذلك؟"

أجاب الشخص: "حسنًا سيدي، هل تريد شيئًا آخر؟"

سأل الشخص بخبث: "أجل، أين جون الآن؟"

أجاب الشخص بتأكيد: "لا أحد يعلم. منذ وفاة جهاد، لا يعلم أحد عنه شيئًا."

قال الشخص بخبث أشدّ: "بالتأكيد. هو الآن يلعن حظه."

أكد الشخص الآخر: "أجل، أنت الآن أصبحت الاقوى."

قال الشخص بشر: "بالتأكيد! إذهب."

غادر الشخص، وجلس الآخر على أحد المقاعد، ونظر إلى صورة كبيرة معلقة على الحائط، يظهر فيها سلطان وأحفاده. قال بابتسامة شيطانية: "أنا دلوقتي حرقت قلبك يا سلطان بيه، ولسه! "

  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋نبدأ 🙂

دوى صرير حاد ومفاجئ للإطارات ممزقًا سكون الليل، إيذانًا بوصول "جاك" الذي قفز من سيارته قبل أن تتوقف تمامًا، وعيناه لا تريان سوى "جون" الذي كان يفتح الباب الخلفي بتعجل محموم.

في حركة خاطفة، انتشل "جون" "جهاد" بين ذراعيه، غارقًا في دوامة من القلق البارد الذي أفقده الإحساس بكل ما حوله، وكأن العالم قد انكمش ليصبح نقطة واحدة هي صديقة بين يديه.

لم يفق من غيبوبته إلا على أيدي الأطباء التي امتدت لتنتزع "جهاد" منه، ليتوارى جسده خلف أبواب غرفة العمليات التي انغلقت بقسوة. بقيت الأجساد متصلبة في الممر، أرواحهم معلقة بخيط رفيع يتدلى من مقبض ذلك الباب الصامت.

كان "جون" يذرع الأرض، ذهابًا وإيابًا، خطواته تردد صدى قلقه الذي يتناوب بين الباب المغلق، وكأنه يخبئ مصيرًا مجهولًا، وبين "صهيب" الجالس في زاوية بعيدة.

احتضنت "كوثر" "مليكة" بقوة، جسدها يرتجف بلا توقف، وشهقات بكائها المكتومة كانت تحفر خنادق في الصمت الثقيل.

بجانبها، نصبت "ماسة" نفسها كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان في الفراغ، بينما كانت "لين" تراقب ذلك الشبح الوحيد الجالس في آخر الممر، تتأمل في يديه بعجز مريع واستفهام مؤلم.

حاول كل شاب أن يضم الفتاة التي بجانبه، يمنحها دفئًا كاذبًا للأمان، في حين كانت قلوبهم تنهشها وحشة الانتظار التي لا ترحم.

طال أمد الانتظار، كل دقيقة تمر كأنها قرن من الزمان.

وفي الداخل، كان "جهاد" يرقد شاحبًا، كأن الحياة قد انسحبت من وجهه. جهاز الأكسجين كان يغطي أنفه وفمه، كل نفس يخرجه كان صراعًا مريرًا. أحاط به الأطباء كأنهم في معركة ضد الموت، يبذلون قصارى جهدهم لانتزاعه من براثن الخطر.

فجأة، نظر أحد الأطباء إلى جهاز مراقبة النبض، وصرخ بصوت خنقته اللهفة: "سيدتي، النبض ينخفض بشدة!"

ردت الطبيبة الرئيسية وعيناها مثبتتان على "جهاد"، محاولة أن تقرأ شيئًا في وجهه الباحث عن الحياة: "أعطوه [.................] بسرعة!"

مرت ثوانٍ ثقيلة، كل منها يحمل وزنًا لا يطاق. ثم انبعث صوت أحد الأطباء، مهتزًا كخيوط العنكبوت: "لقد توقف القلب يا سيدتي!"

نظرت الطبيبة إلى الممرضة بعينين تملؤهما الرهبة، والكلمات تخرج بصعوبة: "جهاز الإنعاش! بسرعة!"

أمسكت بالجهاز، وضغطته على صدر "جهاد" مرة تلو الأخرى، لكن لا نبض. نظرت الطبيبة إلى الوجوه المحيطة بها، وقد استقر الرعب في عينيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خارج الغرفة، كانت الأنفاس محبوسة. كل شخص يجلس على أعصابه، والقلق ينخر فيهم ببطء مؤلم.

كل الساعات التي مرت بدت وكأنها دهر، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من وطأة الانتظار.

أخيرًا، انفتحت الأبواب وخرج الأطباء. من بينهم كانت تلك الفتاة، نظرت إليهم جميعًا، وعيناها تعكسان الخوف من خسارة الشاب الذي كان بين أيديهم.

تقدم "جون" بخطوات سريعة، وعيناه تستجوب الوجوه الباهتة: "ماذا حدث؟ هل هو بخير؟"

نظرت الطبيبة إليه، إلى هذا الرجل الذي يحاول أن يرتدي قناع القوة والثبات رغم الرعب الذي يعصف بداخله. قالت بتوتر، وقد بدت كلماتها تخنقها: "سيد جون، أنا أعتذر..."

في تلك اللحظة، ركضت "ماسة" نحو الداخل  تدخل غرفة "جهاد"، "مليكة" صرخت بتساؤل يمزقه الشك: "جهاد؟"

ارتفعت نبرة صوت "جون"، وقد اشتعلت عيناه بالغضب: "ماذا تقولين؟ هل أخي بخير؟ أجيبوا!"

خرج صوت أحد الأطباء خافتًا، ممزوجًا بالحزن والخوف: "للأسف، لم نتمكن من إنقاذ المريض."

انفجرت "جوليا" بصرخة مدوية، واحتضنت "سام" الذي وقف بصدمة، بينما في الخلف، سقط "صهيب" على الأرض، وضع وجهه بين يديه، وانخرط في بكاء عنيف مرعب.

هزت "مليكة" رأسها بعنف، وكلماتها تخرج بصعوبة: "لا... لا... أنت تكذب، أليس كذلك يا جاد؟ جهاد حي!"

تأتأت "كوثر" بنفي، وعيناها فارغتان من أي تعبير سوى الصدمة: "ابني... لا... جهاد..."

اندفع "جون" نحو الطبيب، وأمسك بملابسه بعنف، وهتف بحدة: "ماذا؟ هل أنت مجنون؟ كيف لم تتمكنوا من إنقاذه؟"

تعلثمت الطبيبة في حديثها، وقد بدت الكلمات المصرية ثقيلة على لسانها: "أنا آسفة... عملنا كل إلى نقدر عليه ، لكن... انتهى أجله."

صرخ "سلطان" بإنكار تام، كلماته ممزوجة باليأس: "مستحيل! أنا حميته طوال السنين دي علشان مايموتش!"

وأخيرًا، صدحت صرخة "مليكة" بوجع قطع الصمت: "لا! أخويا ممتش! أنا عايزة جهاد! جهاااااد!" 

اندفعت "مليكة" نحو غرفة "جهاد"، فتحت الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته، لمحت "جهاد" على السرير، وجهه شاحب بشكل مخيف، عيناه مغلقتان، وتحتهما سواد عميق يحكي قصة ليالٍ بلا نوم أو راحة. عند قدمي السرير، كانت "ماسة" تجلس، غارقة في دموع صامتة لا تحركها.

اقتربت "مليكة" بخطوات متسارعة، وضعت يدها المرتعشة على وجه "جهاد" البارد، وتلعثمت كلماتها كأنها تحاول استحضار روحه: "ج... جهاد؟ جهاد حبيبي، فوق! أنت قولت مش هتسبني صح؟ أنا عارفة، أنت وعدتني مش كده؟ يلا قوم جهاد، أنت كل حاجة في حياتي، اتحرك !"

شدت على يده كأنها تتمسك بآخر خيوط الأمل،:- "أنت قولتلي لو مهما حصل انت مش هتسبني صح؟ يلا قوم... جهههههاد! ليه مش حطين قناع الأكسجين ؟ عشان كده هو هو مش قادر يتنفس صح؟ جهاد... قوم!"

أمسكت كتفه وهزته برفق، يائسة من أن تفيق معجزة: "أنت أخويا وأبويا وأمي وكل حاجة فى حياتى مش كده؟ طيب... عايز تسيبني لوحدي ليه؟ اتحرك يا جهاد وحياتي عندك اصحي! طيب... طيب أعيش إزاي من غيرك؟ أنت روحي ودنيتي! أنت مش وعدتني انك مستحيل تبعد عنى؟ أنت مستحيل تكذب عليا مش كده؟ طيب قوم يا جهاد... عشان خاطري قوم! أنت ممتّش... قوم يا جهاد!"

اقترب "جاك" منها، عيناه تلمعان بالدموع وهو ينظر إلى "جهاد"، ثم قال بصوت متهدج: "مليكة، تعالي معايا."

صرخت "مليكة" وكأنها تدافع عن آخر أنفاسها: "لا! سيبني يا جاك! جهاد هيقوم! هو قالي إنه هيفضل معايا! جهاد، شوف الكل مستنيك تقوم! قوم بقى! احنا كلنا والله بنحبك!" تحول صوتها إلى همس يائس: "طيب جهاد، أنت زعلان مني صح؟ عشان أنا بنسى دايماً عيد ميلادك مش كده؟ طيب أنا النهاردة منستش، جبت لك حاجات كتير! قوم يا جهاد كفاية أنا تعبت! قوم!"

توقفت عينا "مليكة" على "جون"، الواقف عند عتبة الباب، يحدق في "جهاد" بنظرة إنكار مطلقة، كأن ما يراه أمامه محض سراب.

هل يمكن أن يكون هذا الرفيق الذي شاركه سنوات العمر، اللحظات والذكريات، ينام الآن على هذا الفراش، ساكناً بلا حراك؟ لم يستطع عقله استيعاب المشهد، وكأن حائطاً سميكاً من الرفض قد بني بينه وبين الحقيقة القاسية. ظل يحدق به، صامتًا ومصدومًا، شاردًا في هوة اللا تصديق.

اقتربت منه "مليكة" بضعف، تهزه وكأنها تحاول أن تستمد منه القوة التي فقدتها، وصوتها يخرج ممزقًا بين الرجاء واليأس: "جاد! جهاد مش راضي يقوم! قوله أنت... هو بيسمع كلامك! قوله يا جاد، هو بيحبك أكتر من أي حد فينا! قوله يقوم عشاني! أنت بتحبني صح؟ بس أنا ما أقدرش أعيش من غير أخويا! رد يا جاد! أنت ساكت ليه؟! جهههاد!"

ثم جلست على ركبتيها أمام "ماسة"، عيناها تتوسلان: "ماسة! ماسة! جهاد محصلش لي حاجة، متبكيش! هو بيضحك علينا! قوليله أنتِ، هو بيحبك! قوليله يقوم يا ماسة! ردي!"

التفتت إلى والدها، صوتها يخرج كشهقة: "بابا! قوله يقوم... أنت بتكره أخويا ليه؟ هو عمل لكم إيه؟... صهيب! عملت كده ليه؟ مش هو أخوك وهو الى رباك؟ طيب ضربته ليه؟ أنتم مش بتردوا ليه؟ هو ممتّش أخويا ممتش والله مامات! أخويا عايش أنا حاسة بيه! جهاد وعدني ومستحيل يكذب! جــــهـاد! قوم وثبت ليهم إنك عايش وأنا مش بكذب! قوم! آااااااااااااه! جههههاد! آاااااااااااااااااااااااه!"

اقتربت "كوثر" من "جهاد"، دموعها تسيل بصمت على وجنتيها: "جهاد ابني وحبيبي وروحي، سيبتنا ليه؟ أنا والله مسامحك من كل قلبي، حد يكره ابنه؟ أنت أغلى عندي من ولادي، أعيش إزاي من غيرك يانور عينى؟ والله مسامحك! ياريتني كنت مكانك يا روحي! جهاد!"

نفت "مليكة" بقوة، كأنها تحارب الواقع المرير: "هو ممتّش والله يا ماما اخويا عايش!"

اقتربت إحدى الممرضات من "جهاد"، ومدت يدها لتضع الغطاء على وجهه، وقالت بهدوء يحمل في طياته نهاية كل أمل: "يكفي هذا يا سيدتي."

لكن "مليكة" انتزعت الغطاء بعنف: "ابتعدي عن أخي! هو مازال على قيد الحياة! أنتم تكذبون! ابتعدي!"

ساعدت "لين" "ماسة" على الخروج من الغرفة، بينما "جاك"، بمساعدة "دين"، كان يسحب "مليكة" إلى الخارج، يقول بصوت يقطر ألماً: "كفاية يا مليكة، جهاد مات."

صفعت "مليكة" "جاك" بقوة على وجهه، صرختها تمزق الصمت: "لا اخرس! جهاد عايش! والله العظيم عايش! جـــــــهـاد! طيب خدني معاك! جهههههاد! آااااااااااااه! هتسيبني لمين هناااا؟ جهاد!"

سقطت "مليكة" فاقدة الوعي بين ذراعي "جاك"، مثقلة بحجم الفقد.

وفي الداخل، اقترب "يوسف" من "جهاد"، وضع يده على وجهه، وكلماته خرجت بصعوبة، ممزوجة بندم يحرق روحه: "ج... جهاد... أنا... أنا آسف. سامحني. أنا مكنتش أعرف كده. أنا كرهتك عشان حرمتني من أخويا، بس والله ما كنتش أعرف إن عيسى كده. أنا آسف... سامحني. أنا عمري ما أسامح نفسي، عمري! أنت متّ بسببي... بسببي أنا! أنا آاااااااااااه يا رب! آااااه! جهاد... خسرت ابني التاني بسببي!"

وضع "يوسف" يده على قلبه، ثم سقط فاقد الوعي، لم يحتمل قلبه ثقل الندم وفقدان آخر خيوط الأمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد يومين على دفن "جهاد"، خيم الصمت والثقل على أرجاء المنزل. انزوى الجميع في غرفهم، وكأن الحياة توقفت خارجها.

"يوسف" كان قد أصيب بجلطة مفاجئة، بينما "مليكة" استسلمت للمهدئات، غارقة في نوم لا يجلب الراحة.

أما "جاد"، فمنذ لحظة موت "جهاد"، لم يعد إلى المنزل قط.

في غرفة "ماسة"، كانت تجلس محتضنة صورة "جهاد"، وعيناها تغرقان في بحر من الدموع. اقتربت منها أمها، صوتها يقطر حزنًا: "ماسة حبيبتي، لازم تأكلي. ليكِ يومين ما دخلش بطنك حاجة."

تعلقت "ماسة" بالصورة أكثر، ودموعها تسيل بصمت: "مش عايزة حاجة."

الأم بحزن عميق: "ماسة، جهاد خلاص مات. وأنتِ لازم تخلي بالك من ابنك، مش هينفع كده."

ارتفعت نبرة "ماسة" بين شهقات البكاء: "أنا قولت مش عايزة حاجة، !"

الأم بضيق ممزوج باليأس: "ماسة، أنتِ كده بتقتلي ابنك بإيدك!"

صرخت "ماسة"، وكأنها تفرغ كل الألم المكبوت بداخلها: "أنا مش عايزة حاجة غير جهاد! هو ليه سابني يا ماما؟ هو ليه مات؟ سابني لوحدي ليه؟"

الأم بدموع غزيرة: "عمره يا بنتي."

نفت "ماسة" برأسها، وعيناها تشتعلان بالغضب والحسرة: "لا! هو وعدني أنا كمان إنه عمره ما يسيبني لوحدي! هو كذب عليا وأنا والله مسامحه ! هم بيقولوا إنه قاتل، وأنا والله ما مسامحه! هم بيقولوا إنه قتل أبويا مش كده؟ بس ده مش صح! الشخص ده سابني أنا وتخلي عنى وانا لسه طفلة، حرمني من كل حاجة! أنا بكرهه! بكرهه! هو السبب في كل حاجة حصلت معايا! أنا مش عايزاه! أنا عايزة جهاد! هو أبويا وأخويا وحبيبي وزوجي وكل حاجة في حياتي يا أمي! أنا مش عايزة حد غيره! أنا هعيش إزاي من غيره؟ إزاي؟"

الأم بدموع: "عيشي عشان إخواتك."

صرخت "ماسة" بقوة، وكأنها تمزق كل روابط الماضي: "هما مش إخواتي! هما مش عائلتي! جهاد هو كل ده! هو عائلتي! أنا عايزاه! أنا بقيت يتيمة من غيره!"

نظرت إليها الأم بشفقة بالغة: "طيب، عيشي عشان طفلك... هو حتة من روحك وروحه، مش كده؟"

وضعت ماسة يدها على بطنها، وانخرطت في نحيب مرير، دموعها تختلط بكلماتها: "هو بعد عننا وتركنا لمين أنا وهو ياماما؟ طيب لو سألني في يوم عنه، أقوله إيه؟ أنت يتيم؟ ابني بقي يتيم قبل ما يشوفه هو كمان زي حظ أمه! حصل لجهاد كده بسببي!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفته، كان الظلام رفيق "صهيب" الوحيد. انكمش على نفسه على الأرض الباردة، احتضن ركبتيه ودفن رأسه بينهما، جسده يرتجف وشهقاته تمزق الصمت.

فُتح الباب ببطء ودخلت "لين"، خطت خطواتها بحذر، وعيناها تحملان حزنًا عميقًا وهي تراه بهذه الحال. اقتربت وجلست أمامه، نظراتها الثابتة محملة بالألم قبل أن تنطق بصوت متهدج: "صـ... صهيب؟"

جاء رد "صهيب" أشبه بهمس ممزوج بالوجع، دون أن يرفع رأسه: "اطلعي من هنا يا لين."

ردت "لين" ودموعها بدأت تتساقط: "لا، صـ... صهيب، أنت بخير؟"

رفع "صهيب" رأسه ببطء، عيناه المحمرتان من فرط البكاء تحدقان فيها بألم: "لا، أنا مش كويس، مش كويس يا لين. أنا تعباااان."

مدت "لين" يدها بحنان لتلامس وجهه، محاولة مواساته: "أنا حاسة بيك."

هز "صهيب" رأسه رافضًا بشدة: "لا، لا مش حاسة بيا. إنتي مقتلتيش أخوكي زيي. أنا قتلت أخويا. قتلت جهاد. أنا قاتل يا لين!"

حاولت "لين" تهدئته ودموعها تزداد: "صهيب، إهدأ."

وضع "صهيب" يده على صدره، على موضع قلبه، والألم يعصره: "أنا ضربته هنا، هنا بالظبط في قلبه. جهاد راح بسببي. هو مات بسببي يا لين!"

رفضت "لين" حديثه بمرارة: "لا متقولش كده."

حاول "صهيب" أن يلتقط أنفاسه بصعوبة: "أنا السبب في دموع الكل... الكل بيكرهني. أنا مش عارف أتنفس من غيره. هو أنا عملت كده إزاي؟ إزاي؟"

قاطعته "لين" محاولة إقناعه: "ده عمره."

صرخ "صهيب" بمرارة ممزوجة باليأس: "خلص بسببي... بسببي أنا خلص عمر أخويا بسببي! ربنا ياخدني يا رب، يا رب خدني أنا وهو لا!"

اندفعت "لين" إليه، احتضنته بقوة، جسدها يرتجف: "متقولش كده. أنا مقدرش اعيش من غيرك."

رفع "صهيب" عينيه نحو السقف، كأنه يستنجد بالسماء: "وأنا مش هقدر اعيش من غيره."

حاولت "لين" أن تمنحه بصيص أمل: "بس جون موجود."

ضحك "صهيب" ضحكة مجروحة، ضحكة مليئة بالأسى: " إنتي عارفة جاد كمان مات في اللحظة اللي مات فيها جهاد. أنا مخدتش روح واحدة، أنا خدت روح جاد كمان يا لين. يمكن جاد سامحني علشان جهاد."

توقفت "لين"، الدموع تخنق صوتها: "صهيب، صهيب أنا..."

نظر إليها "صهيب" بعينين يملؤهما الشك والألم: "يمكن إنتي كمان بتكرهيني مش كده؟"

نفت "لين" بحزم: "لا طبعًا مستحيل!"

ظل "صهيب" ينظر إليها بدموع، ثم بصوت يائس أمرها: "إمشي يا لين. اطلعي من هنا. الغرفة دي بقت الحاجة الوحيدة اللي بقالي. روحي من هنا."

نظرت "لين" إليه بحزن عميق، لم تصدق ما تسمعه: "صهيب، أنت بتقول إيه؟"

نظر إليها "صهيب" بحدة، وقد زادت حدة صوته: "اطلعي بره يا لين!"

نظرت "لين" إليه نظرة أخيرة تحمل في طياتها كل الحزن والأسى، ثم خرجت من الغرفة، تاركة وراءها حبيب قلبها غارقًا في عذابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"..من قلب الشارع الروسي.."

على درج القصر الفخم، جلس "جاك" شارد الذهن، وعيناه تجولان في الأرجاء التي غلفها هدوءٌ ثقيل.

كان قلبه يعتصر حزنًا، ليس بسبب الصمت المحيط، بل بسبب ذكرى صديق عمره، "جهاد". لم يكن لقاؤهما تقليديًا في أروقة المدرسة أو الجامعة، بل كانت شرارة صداقتهما قد انبعثت من قلب شوارع روسيا الصاخبة، في لحظة يأس كان فيها "جاك" يسرق حقيبة لكي يُطعم أخواته الصغيرات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ( فلاش باك )ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد شوارع روسيا المزدحمة، كانت تسير سيدة تبدو في غاية الأناقة، تحمل حقيبة حمراء زاهية في يدها. خلفها، كان يسير شاب في الخامسة عشرة من عمره، عيناه تتابعانها بتركيز، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة.

فجأة، اقترب منها بسرعة خاطفة، وفي لمح البصر، كانت الحقيبة بين يديه. انطلق يركض بأقصى سرعته، بينما صرخت السيدة بكل ما أوتيت من قوة تستنجد بالمساعدة.

بالقرب منها، كان "جهاد" يجلس في أحد المقاهي، يكاد ينفجر ضحكًا من المشهد برمته.

ركض "جاك" ودخل أحد الشوارع الضيقة، ثم توقف هناك، يلهث بقوة وصعوبة، ينظر خلفه بقلق. جلس على الرصيف، ومد يده ليفتح الحقيبة، لكن صوتًا صغيرًا أوقفه: "لن تجد بها أي شيء."

رفع "جاك" رأسه، ونظر إلى الطفل الواقف أمامه، صاحب العيون الخضراء اللامعة، من قدميه إلى رأسه. "من أنت؟ وكيف عرفت محتواها؟"

لعب الطفل في شعره بلامبالاة: "أنا جهاد، وأنا أقول الحقيقة، ليس بها شيء."

ابتلع "جاك" ريقه بدهشة: "أنت تكذب!"

أشار "جهاد" بيده بثقة: "هي افتح لنرى إذن."

نظر "جاك" إليه بتعجب، ثم أمسك الحقيبة وفتحها بسرعة. نظر بداخلها، ولم يجد ولو فلسًا واحدًا. ألقى بالحقيبة بعيدًا بغضب: "اللعنة عليكي!"

ضحك "جهاد" بخفة: "أخبرتك بهذا."

"كيف عرفت هذا؟" سأل "جاك" بذهول.

ابتسم "جهاد" بتأكيد: "أيها الغبي، هذه المرأة كانت تسير بثقة كبيرة، ولم تنادِ على الشرطة، حتى ولم تسرع للركض خلفك. وهذا يدل على أن الحقيبة ليست بها مال."

أقر "جاك": "حسنًا، معك حق. ولكن من أنت؟"

نظر "جهاد" بضيق: "هل أنت غبي؟ أخبرتك، أنا جهاد."

"أنت الغبي!" رد جاك بغيظ. "جهاد ماذا؟ ليس لك اسم آخر؟"

جلس "جهاد" أمامه: "ليس من شأنك. وأنت ما اسمك؟"

"جاك." أجاب جاك بضيق.

هز "جهاد" رأسه: "حسنًا جاك، لم سرقت الحقيبة؟"

"لماذا في رأيك؟" سأل "جاك" بذهول، في إشارة واضحة لفقره وحاجته.

ضحك جهاد: "هههههه، حسنًا. هل تعمل معي؟"

"ماذا؟ أعمل معاك؟ هل تشحذ؟" سأل "جاك" بصدمة، فكرة التسول كانت بعيدة كل البعد عن كرامته.

مثل "جهاد" الضحك: "ههههه، شحذ؟ لا، بل أفضل من ذلك."

تفحص "جاك" هذا "المغرور" بتعجب: "ما هذا الغرور؟ هيا أيها الصغير، العب في مكان آخر، هيا."

رفع "جهاد" حاجبه بثقة: "حسنًا كما تريد، ولكن أنت ستخسر الكثير إذا لم توافق، ولن تستطيع توفير الطعام لأخواتك. هي وداعًا."

فرك "جاك" رأسه بتفكير، وعيناه تتابعان "جهاد" وهو يبتعد عنه: "حسنًا... حسنًا انتظر!"

التفت "جهاد" بظهره: "هل تتحدث معي؟"

صرخ "جاك" بغضب: "وهل هناك شخص آخر هنا غيرك أيها القزم؟"

نظر "جهاد" إليه بعيون غاضبة: "لا تقل هذا مرة أخرى، حسنًا؟"

نفخ "جاك" بضجر، ونظر له بتأكيد: "حسنًا، ولكن كم عمرك؟"

ابتسم "جهاد" بثقة: "ما يكفي للتحدث معك."

تواعد جاك: "حسنًا، ما هو العمل؟"

نظر "جهاد" إلى السيارة الواقفة أمامه وتوجه إليها، ثم أشار لـ "جاك" ليتبعه: "سوف تعلم كل شيء مع الوقت، هيا."

نظر "جاك" إليه وهو يصعد السيارة بصدمة: "ما هذا؟ هل هذه لك؟ من أنت يا قزم؟"

التفت "جهاد" إليه بغضب: "أقسم لك إذا قلت هذا مرة أخرى أتركك هنا وأذهب ولا ألتفت لك حتى، حسنًا؟"

صعد "جاك" بجواره: "حسنًا."

رد "جهاد" بغيظ: "غبي."

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ باك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابتسم "جاك" ابتسامة باهتة وهو يمسح الدموع التي أغرقت وجهه، فكرة ألا يرى "جهاد" مرة أخرى كانت تخنقه. اقتربت منه "هيرا" وجلست بجواره، وعيناها تحملان الكثير من الأسى: "جاك؟"

نظر "جاك" إليها بحزن عميق: "نعم يا هيرا؟"

استفهمت "هيرا" بلطف: "أنت قاعد كده ليه؟"

تنهد "جاك" بألم: "مش عارف يا هيرا، بس حاسس إني مش قادر أعيش هنا. حاسس إني مخنوق. كل حاجة بتفكرني بيه."

أومأت "هيرا" بتأكيد، وكأنها تشاركه نفس الشعور: "معاك حق، أنا حاسة إن القصر بقى مهجور من غيره."

نظر "جاك" إلى الفراغ، وصوته يخرج مثقلاً بالذكريات: "جهاد كان أساس البيت ده. هو بسببه أنا هنا، كان المنقذ ليا. هو بسببه أنا لسه عايش، هو خدني من الشوارع."

تساءلت "هيرا" بتردد: "هو فعلاً قتل عمه؟"

نظر "جاك" إلى "هيرا" بنظرة حاسمة، لا تقبل الشك: "أيوه، ولو أنا كنت مكانه كنت عملت كده وأكتر يا هيرا. جهاد مش غلطان."

هزت "هيرا" رأسها متفهمة: "معاك حق. بس جون كان هيفكر زيك كده؟"

هز "جاك" رأسه نفيًا: "مش عارف، بس الأكيد إن جون مستحيل كان يأذي جهاد."

قالت "هيرا" بتأكيد، محاولة تلطيف الأجواء: "بس صهيب..."

قاطعها "جاك" بحدة، والغضب يشتعل في عينيه: "صهيب غبي! هو السبب في ده كله. لو ما كانش عمل كده، كان زمان جهاد عايش!"

قالت "هيرا" بحزن، محاولة الدفاع عن صهيب: "بس يا جاك، صهيب عمل كده من غضبه."

نهض "جاك" من جوارها فجأة، وكلماته تخرج بمرارة: "غضبه ضيع كل حاجة! وهو هيندم طول حياته يا هيرا بسبب اللي عمله."

نهضت "هيرا" ونظرت إليه بقلق: "جاك، إهدأ... إيه الصوت ده؟"

رفع "جاك" رأسه نحو الأعلى، وصعد الدرج بسرعة، تتبعه "هيرا" بخطوات متسارعة. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام غرفة "جهاد"، كانت تقف "جاسي" الصغيرة، تتشبث بمقبض الباب بكل قوتها، تهزّه بعنف وهي تنادي بصوت خنقته الدموع: "جهاد! افتح الباب! جهاد، ليه ما بتردّش عليا؟ جهاد!"

نظرت "هيرا" إلى المشهد بقلب يعتصره الحزن، ثم التفتت إلى "جاك" الذي كان يحاول جاهدًا كبت دموعه المتلألئة في عينيه.

اقتربت "هيرا" من "جاسي" بهدوء، احتضنتها وقالت بنبرة حنون: "جاسي حبيبتي، إيه اللي بتعمليه هنا؟"

رفعت "جاسي" وجهها الغارق بالدموع نحو "هيرا"، وقالت بصوت مكسور: "هيرا... جهاد مش موجود. هو مش بيلعب معايا، ووحشني أوي."

تنهدت "هيرا" بحزن عميق: "طيب، ليه واقفة هنا؟"

أشارت "جاسي" إلى الباب ببراءة مؤلمة: "افتكرت إنه هنا في الغرفة، عشان كده بنادي عليه زي العادة. بس ليه مش بيردّ يا هيرا؟"

نظرت "هيرا" إلى "جاك" بعينين مليئتين بالأسى، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط: "أصلي يا حبيبتي، جهاد مش هنا."

قالت "جاسي" بحزن مطبق: "أومال هو فين؟"

ترددت "هيرا"، تحاول أن تجد الكلمات المناسبة: "هو... هو في..."

اقترب "جاك" من "جاسي"، وجثا على ركبتيه ليصبح في مستواها، وقال بصوت يحمل ألمًا عميقًا: "هو مسافر يا جاسي."

نظرت "جاسي" إلى "جاك" بعينيها الطفوليتين الغارقتين بالدموع، تساءلت ببراءة موجعة: "مسافر فين يا جاك؟"

حاول "جاك" أن يتحدث، لكن الكلمات خرجت بصعوبة من حلقه: "م... مسافر لمكان بعيد يا جاسي، ا... أنتي متعرفيهوش."

فجأة، صرخت "جاسي" بصوت هزّ أرجاء المكان، وكأن حقيقة مرة تفجرت في وعيها: "أنت بتكذب! جهاد مات يا جاك!"

نظر "جاك" إلى "جاسي" بذهول وصدمة: "جاسي! إيه اللي بتقولي ده؟"

قالت "جاسي" بدموع غزيرة، وكأنها تروي حقيقة لا مفر منها: "أنا عارفة. الكل بيبكي، وماما مش بتطلع من الأوضة، والخدم بيتكلموا وبيقولوا إنه مات، صح؟"

نظرت "هيرا "إلى "جاك" بصدمة بالغة، ثم التفتت إلى جاسي: "جاسي حبيبتي، الكلام ده..."

قاطعتها "جاسي" وهي تهز رأسها بالنفي القاطع: "أنا مش صغيرة. أنا مش هشوف بابا جهاد تاني، ومش هلعب معاه تاني."

احتضنتها "هيرا" بشدة، تضغط عليها كأنها تحاول أن تحميها من قسوة الواقع: "جاسي، جهاد بيحبك أوي، أنتي عارفة كده صح؟"

أكد "جاك" ذلك بحزن بالغ: "وأنتي كمان بتحبيه، مش كده؟"

نظرت "جاسي" باتجاه الغرفة، عيناها ما زالت تلمع بالدموع: "أيوه، بحبه أوي أوي. بس هو هيوحشني."

عانقها "جاك" بحزن عميق، وشعر بألمها يمزق قلبه: "هيوحشني أنا كمان أوي"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكان آخر، كان يجلس شخص يقهقه بقوة، والشر يملأ عينيه، والبهجة تعلو ابتسامته البشعة. اقترب منه أحد الأشخاص وقال بتأكيد: "مات يا باشا."

ضحك الشخص بصوت عالٍ: " وأخيرًا! كم كنت أشتهي قتل جهاد!"

قال الشخص الآخر بحزن مصطنع: "ولكن سيدي، للأسف لم يقتله جون."

زاد الشخص من ضحكاته: " ولكن قُتل على يد أخيه صهيب! إذاً جون تدمرت حياته كلها على يد أخيه بموت جهاد... جهاد كان أغلى شيء في حياة جون، والآن أصبح في ذمة كان، أليس كذلك؟"

أجاب الشخص: "حسنًا سيدي، هل تريد شيئًا آخر؟"

سأل الشخص بخبث: "أجل، أين جون الآن؟"

أجاب الشخص بتأكيد: "لا أحد يعلم. منذ وفاة جهاد، لا يعلم أحد عنه شيئًا."

قال الشخص بخبث أشدّ: "بالتأكيد. هو الآن يلعن حظه."

أكد الشخص الآخر: "أجل، أنت الآن أصبحت الاقوى."

قال الشخص بشر: "بالتأكيد! إذهب."

غادر الشخص، وجلس الآخر على أحد المقاعد، ونظر إلى صورة كبيرة معلقة على الحائط، يظهر فيها سلطان وأحفاده. قال بابتسامة شيطانية: "أنا دلوقتي حرقت قلبك يا سلطان بيه، ولسه! "

  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة