البارت الرابع عشر 🦋

البارت الرابع عشر 🦋

38 0

في أمسية هادئة، بينما كانت خيوط الشمس الذهبية تنسحب تدريجيًا من سماء الحديقة الخلفية للقصر، جلس "جهاد" على العشب الأخضر، تحيط به ضحكات "مليكة" و"جاسي".

كانت "جاسي" الصغيرة، بضحكاتها البريئة التي تملأ المكان بهجة، تتسابق مع "جهاد" في لعبة خفيفة، وكلما خسر "جهاد" عمدًا، هتفت بضحكة طفولية: "أنت مش بتعرف تلعب يا بابي!"

عانقها "جهاد" بحنان، يدفن وجهه في شعرها الناعم، وهمس بصوت دافئ يرتجف فيه الحب: "أنا بحب أسمع الكلمة دي أوي منك يا روح بابي."

ضحكت "جاسي" حتى اهتزت كتفاها الصغيرتان، ورفعت عينيها اللامعتين لتنظر إليه: " وأنا بحبك أوي يا جهاد، بس أنا زعلانة منك."

توقف "جهاد" عن مداعبتها، تبادلت عيناه نظرة سريعة مع "مليكة" قبل أن يعود بدهشة إلى "جاسي": "ليه يا حبيبة جهاد؟"

زمت "جاسي" شفتيها الصغيرتين بعبوس مصطنع، وعيناها تلمعان بالغيرة الطفولية: "عشان من وقت ما اتجوزت، وأنت نسيت جاسي!"

انفجر "جهاد" بالضحك، وهو يشدها إليه أكثر: "أنا مقدرش أنسى القمر ده! أنتي قلب جهاد، !"

ضحكت "جاسي" مجددًا، تشعر بالأمان بين ذراعيه: " يعني أنت مش هتسيبني أبدًا؟"

ابتسامة واسعة ارتسمت على وجه جهاد: " أبدًا أبدًا يا قلبي."

تلاشت ضحكاته وهو يلتفت ببطء نحو "مليكة"، التي كانت تراقب المشهد بصمت، وعينيها تحملان حزنًا خفيًا. "مالك يا مليكة؟" سأل بصوت خفيض.

تنهدت "مليكة"، ثم قالت بصوت بالكاد مسموع، وعيناها ما زالتا مثبتتين على جاسي: "جاسي، روحي العبي بعيد."

هزت "جاسي" رأسها في استسلام طفولي وركضت إلى الداخل، تاركةً خلفها صمتًا ثقيلًا.

نهض "جهاد" وجلس بجوار "مليكة"، مد يده ليلمس كتفها، لكنه تردد.:- "في إيه؟"

سأل بصوت خفيض.

نظرت "مليكة" إليه، وعلامات القلق واضحة على وجهها الشاحب: "مش عارفة... حاسة بالخوف عليك، مش عارفة ليه."

ابتسم "جهاد" ابتسامة مطمئنة، رغم أن قلبه انقبض قليلًا.:- "متخافيش يا حبيبتي، أنا كويس."

هزت "مليكة" رأسها نفيًا، ودموع خفية بدأت تتجمع في عينيها: "مش عارفة يا جهاد، حاسة بالخوف."

انقبض قلب "جهاد" أكثر، وأمسك يدها بلطف: "بتقولي كدا ليه؟"

لم تستطع "مليكة" أن تحبس دموعها، وانهمرت كالنهر: "أنت هتسيبني يا جهاد؟"

أمسك "جهاد" وجهها بين يديه، ونظر إليها بعمق، كأنه يريد أن يزيل كل ذرة خوف من قلبها: "مستحيل! أنتي بنتي يا مليكة، مش هبعد عنك أبدًا."

رفعت "مليكة" عينيها المليئتين بالخوف والرجاء: "وعد؟"

ابتسامة حانية ارتسمت على شفتي جهاد: "وعد يا قلب جهاد."

انزلقت "مليكة" بين ذراعيه، تشعر بالأمان الذي طالما وجدت في حضنه، وهمست بصوت مبحوح: "أنا بحبك أوي يا أحسن أخ في الدنيا."

مسح "جهاد" على شعرها بحنان، وقبل رأسها في عطف أخوي عميق: "وأنا بموت فيكي يا أجمل أخت في العالم كله."

في الأعلى، من نافذة تطل على الحديقة، كان "جون" يراقب المشهد بابتسامة غمرتها الفرحة والحب.

تمنى في قرارة نفسه أن يحفظهم الله له دائمًا، وأن تبقى تلك اللحظات السعيدة محفورة في ذاكرته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر نافذة المكتب، لتلقي بظلالها على "جون" و"جاك" وهما منغمسين في عملهما، يتشاركان الأفكار والوثائق، حتى اهتز هاتف "جون" على سطح المكتب الخشبي.

رقمٌ غريبٌ أضاء الشاشة، فانقبض قلب "جون"، وخطف الجهاز بسرعة، وأجاب بصوتٍ حبس الأنفاس: "ليو؟"

جاء صوت "ليو" حاسمًا من الطرف الآخر، يحمل في طياته وزنًا ثقيلًا: "نعم سيدي، جون."

تنفس "جون" بعمق، وقد غصّت أنفاسه بترقبٍ محموم، فكل خلية في جسده كانت تصرخ طلبًا للحقيقة: "هل علمت من الفاعل؟"

أكد ليو بثقةٍ لا تحتمل الجدل: "أجل سيدي."

ضاقت عينا "جون" بغضبٍ صامت، وقد ارتسمت على ملامحه قسوةٌ لم يعتدها أحد: "من؟"

تردد صوت "ليو"، ممزوجًا بتوترٍ واضح، وكأن الكلمات تكاد تخنقه: "إنه السيد يوسف... عمك يا سيدي."

اتسعت عينا "جون" على اتساعهما، وكأن صدمةً لاذعةً قد لسعته، محطمةً كل ما كان يؤمن به: "ماذا تقول؟ هل جننت؟"

نظر "جاك" إلى "جون" بقلقٍ بالغ، متسائلًا بصوتٍ خافت: "ماذا هناك يا جون؟"

تمسك "ليو" بالخوف الذي سرى في صوته، وهو يرتجف: "هذا ما علمته يا سيدي، أقسم لك هذه الحقيقة."

تحطم الهاتف في يد "جون"، تناثرت شظاياه على المكتب، وقد انفجر غضبًا عارمًا لا يمكن احتواؤه: "لماذا؟ لماذا؟ مستحيل أن يفعل ذلك!"

حدّق "جاك" في "جون" الذي ألقى الهاتف بقوةٍ وغضبٍ أمامه، وكأن العالم قد انهار من حوله: "جون، ماذا حدث؟ ماذا عرفت؟"

انحنى "جون"، وضع كلتا يديه على المكتب، يشعر بصدمةٍ هائلة وعدم تصديق يلفّه.

رفع عينيه المنهكتين إلى "جاك"، وقال بصوتٍ مثقلٍ، يكاد يخرج من أعماقه: "اتصل بيوسف الحديدي وقل له إني بانتظاره فورًا، هل فهمت؟"

هز "جاك" رأسه بعدم فهم، لكنه أومأ موافقًا، فالحالة التي كان عليها "جون" لم تسمح بأي جدال: "تمام." 

بعد زمنٍ بدا وكأنه يتمدد بلا نهاية، وصل "يوسف" إلى القصر.

كان يعلم أن "جون" وحده من يتواجد بداخله، فـ "جاك" كان قد غادر للتو برسالة غامضة.

خيّم صمت ثقيل على الأروقة، صمتٌ لم يكن مطمئنًا على الإطلاق.

كل خطوة خطاها "يوسف" كانت تحمل قلقًا متزايدًا، فاستدعاء "جون" المفاجئ لم يكن ليبشر بخير.

توقف "يوسف" أمام باب مكتب "جون" الموارب، ثم طرق طرقات خافتة ودخل. تملّكته الدهشة فورًا، فقد وجد "جون" جالسًا خلف مكتبه بهدوءٍ قاتل، هدوءٌ أقرب إلى سكون المقابر.

وقف "يوسف" أمامه، ملامح القلق باديةً على وجهه، وقال بصوتٍ متوتر: "خير يا جون؟ أنت طلبت وجودي بسرعة، حصل حاجة؟"

نظر "جون" إلى "يوسف" بعينين هادئتين، لكنهما كانتا تحملان بريقًا غامضًا، بريقًا يوحي بالخطر.

قال ببرودٍ أثار الرعب في قلب يوسف: "كل خير."

لم يطمئن "يوسف" لهذا الهدوء الغريب، بل زاد قلقه، فسأل بإلحاح: "في إيه يا جون؟ حصل حاجة!"

نهض "جون" ببطء، ووقف ناظرًا إلى عمه بنظرةٍ حارقة، نظرةٌ بدت وكأنها تستعد لتمزيقه إربًا. ثم نطق بكلماته القاتلة التي صعقت يوسف: "أنت... أنت الي قتلت عيسي الحديدي."

توسّعت عينا "يوسف" بصدمةٍ عارمة، ومال رأسه بذهولٍ لا يصدق. تمتم بصعوبة: "أنت... أنت بتقول إيه يا جون؟"

اشتعل غضب "جون"، وتنفّس بصعوبة، وصاح: "ردّ عليّ كلامي! أنت إلى قتلته؟"

هزّ "يوسف" رأسه نفيًا، والرعب يتملّكه: "لا... لا... أنا مستحيل أعمل كده! مستحيل!"

صاح "جون" بصوتٍ اهتزّ له جدران المكتب، ووجهه محمرٌّ بالغضب: "أنت بتكذب! أنت كذّاب!"

نظر "يوسف" إلى عيني "جون" المشتعلتين بنار الانتقام، وارتعش خوفًا، وقال بصوتٍ يكاد لا يُسمع: "أنت بتقول إيه يا جون؟ أنا مستحيل أقتل أخويا.... أنت نسيت أنه أخويا؟"

مسح "جون" على شعره بيده، وهو يتنفس بغضبٍ عارم، وقال بنبرةٍ يائسة: "لو مكنتش أنت، طيب مين؟ ما فيش غيرك عمل كده!"

ارتعش "يوسف" خوفًا من مصيرٍ مجهول، ومن اتهامٍ قد يودي بحياته، وقال بصوتٍ يملؤه الخوف والتردد: "والله العظيم مش أنا... بس... بس أنا عارف مين!"

اشتعلت عينا "جون" بنار الانتقام، ونظر إلى عمه بحدةٍ وقال: "مين؟ اتكلم!"

تردد "يوسف" لحظة، ثم تنهّد بعمق، وخرجت الكلمات منه بصعوبة بالغة، وكأنها حمل ثقيل: "هو... هو... ج.جهاد."

نظر "جون" إليه بصدمةٍ بالغة، وبدا وكأنه على وشك أن يمضي عمه إلى نصفين من شدة الغضب. صاح فيه بذهول: "أنت بتكذب! لدرجة دي بتكره ابنك علشان كده عايز تتهمه هو؟ أنت إزاي أب؟"

نظرة "يوسف" كانت تحمل يقينًا مرعبًا، وهو ينفي الاتهام عن نفسه: "لا... أنا مش كده يا جون! أقسم لك أن جهاد هو اللي قتل أخويا! حتى اسأل جدك، هو كمان عارف بده!"

جلس "جون" على الكرسي خلف مكتبه، الصدمة باديةٌ على وجهه، وهزّ رأسه نفيًا وهو يتمتم: "مستحيل... جهاد مش كده... مستحيل..."

مرّت دقائق ثقيلة، بدت وكأنها أبدية، و "جون" غارقٌ في تفكيره، يحاول استيعاب الصدمة.

ثم، أمسك هاتفه، وضغط على بعض الأرقام بيدٍ مرتعشة، ووضع الهاتف على أذنه. قال بصوتٍ خافت، لكنه يحمل نبرةً من اليقين القاتم: "جهاد، أنا مستنيك في البيت."

سمع "جهاد" صوته، وبدت عليه علامات القلق: "جاد، أنت كويس؟ مال صوتك؟"

أكد "جون" بصوتٍ حازم: "أنا كويس. ما تتأخرش."

ردّ "جهاد" بتأكيد: "حاضر. سلام."

وضع "جون" هاتفه بجواره، تحدق عيناه في عمه الواقف أمامه. كان الهواء حولهما ثقيلًا، وكأن أنفاس عمه المكتومة بالرعب تثقله.

في تلك اللحظات المشحونة بالترقب، توقفت سيارة أخرى. ترجّل منها "جهاد" بهدوء ظاهري، ولكن في اللحظة ذاتها، انزلقت سيارة "سلطان" الحديدي الخاصة، ليهبط منها محاطًا بحراسه، تلقفت عيناه الموقف الذي جعله يرمق "جهاد" بدهشة ممزوجة بترقب حاد.

اتجه الاثنان إلى داخل القصر، حيث وجدا "جون" جالسًا ويداه تضغطان على وجهه، كأنه يحاول احتواء عاصفة هوجاء تعصف بداخله، وإلى جواره، وقف "يوسف" بصمت ثقيل، صمت يشي بالكثير من الكلمات المكبوتة.

رمق "سلطان" "يوسف" بنظرة نفي قاطعة، نظرة لم تترك مجالًا للشك، لكن "يوسف" خفض عينيه، وكأن الأرض ابتلعت كل إجابة ممكنة، تاركًا خلفه فراغًا من الصمت المطبق.

أما "جهاد"، فنظر إلى المشهد أمامه، ثم تنفس بهدوء غريب، هدوء بدا وكأنه يسبق العاصفة.

اقترب من "جون" وعلى شفتيه ابتسامة خافتة، ابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الألم المخبأ.:-"جاد"

نطقها بصوت حنون، صوت حمل بين نبراته لمسة من الأسف العميق.

رفع "جون" رأسه من بين يديه، ونظر إلى "جهاد" بعينين مشتعلتين بالغضب، وقلبه يرفض بشدة تصديق ما يدور حوله. كانت الحقيقة ثقيلة للغاية، أكبر من أن يستوعبها عقله.

سأل "سلطان"، وهو يرمق "يوسف" بنظرة حادة: "في إيه يا جون؟ ليه طلبت وجودنا كلنا هنا؟"

كان السؤال يحمل نبرة استعجال، كأن هناك سرًا كبيرًا على وشك الانكشاف.

وقف "جون"، ثم نظر إلى "جهاد" بنفي قاطع، نفي يحمل في طياته أملًا ضعيفًا بالبراءة: "جهاد، اللي قاله عمي مستحيل، مش كده؟"

تجاهل "سلطان" سؤال "جون" الموجه لـ "جهاد"، وسأل بتعجب زاد من حدة التوتر: "إيه هو يا جون؟"

نظر "جون" إلى "جهاد" برجاء حار، رجاء طفولي يتشبث بأي بصيص أمل: "أنت ملكش ذنب في موت أبويا، أنت ما تعملش كده."

تجمدت الدهشة على وجه "سلطان"، وسرعان ما تحولت إلى صدمة: "أنت بتقول إيه يا جون؟ جهاد ميعملش كده؟"

التفت "جون" إلى "جهاد" بعينين تتوسلان، عينين تلمعان بالدموع المخزونة، تتشبث بآخر خيوط الأمل: "قول مرة واحدة إنك ملكش ذنب، وأنا والله هصدق.كل كلامك"

حاول "سلطان" التدخل بتأكيد، محاولًا احتواء الموقف المتفجر: "جون، جهاد..."

قاطعه "جهاد" رافعًا يده أمام جده، إشارة حاسمة لا تحتمل النقاش: "كفاية يا جدي."

ثم نظر إلى "جون" الذي كان ينظر إليه برجاء أعمى، وعيناه تتوسلان أن يكون كل هذا كذبًا، أن يفيق من هذا الكابوس.

ابتسم "جهاد" ابتسامة حزينة، ابتسامة تحمل في طياتها ألمًا لا يوصف، وعانق "جون" بقوة، كأنها عناق الوداع، ثم همس في أذنه بكلمات حطمت عالمه: "دي الحقيقة يا جاد."

شعر "جون" وكأن الدنيا تتدمر من حوله، وكأن الأرض تنهار تحت قدميه: "أنت بتقول إيه؟"

حاول "سلطان" أن ينفي، محاولًا إبعاد "جون" عن هذه الحقيقة المرة: "ما تصدقش كلامه يا جون."

ابتعد "جهاد" عن "جون"، وعيناه تلمعان بالدموع التي لم تعد تستطيع الاختباء: "أنا السبب في موت أبوك."

هز "جون" رأسه بقوة رافضة، لا يريد أن يصدق، لا يستطيع أن يصدق: "مستحيل!"

نظر "جهاد" إليه بتأكيد مؤلم، تأكيد مزق قلب "جون" إربًا: "أنا قتلت عمي بيدي."

هوى "جون" بيده على وجه "جهاد" بقوة، صفعة مدوية دوى صداها في أرجاء القصر، ثم صرخ، صرخة ممزوجة بالصدمة والرفض: "أنت بتكذب!"

وضع "جهاد" يده على الدماء التي سالت من فمه، نظر إليه "جون" بعينين تحملان جحيمًا، وقال "جهاد" بصوت خافت لكنه حاسم، صوت يحمل ثقل الحقيقة: "لا مش بكذب، أنا اللي عملت كده."

أمسك "جون" بـ "جهاد" من ملابسه بعنف، كانت يداه ترتجفان من الغضب، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام: "ليه عملت كده؟ ليه؟ ده كان أبوك!"

نظر "جهاد" إليه بابتسامة غامضة، ابتسامة ممزوجة بأسف عميق، أسف لم يكن كافيًا لتبرير فعلته: "أنا آسف يا جاد، بس مش هقدر أقولك اى حاجة."

رفع "جون" المسدس في وجهه، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى، غضب أفقده أي إحساس بالواقع: "أنا مش هرحمك، أنت قتلت أبويا! ليه عملت كده؟ أنا هأقتلك بيدي ! اتكلم ! عملت كده ليه؟ رد..."

أبعد "سلطان" المسدس عن رأس "جهاد" بقوة: "جون! أنت بتعمل إيه؟ بترفع المسدس في وش اخوك وصاحبك؟"

نظر "جون" إلى جده بذهول، ثم إلى "جهاد "بسؤال يحمل مرارة العالم، سؤال يحمل في طياته كل الألم والخيبة: "يا جدي، هو قتل أبويا! قتل الشخص اللي كان بيحب الكل... وكان بيعمل المستحيل عشان العيلة دي... أبويا الشخص الحنون الطيب. هو كان بيحبك يا جهاد! أنت كنت بتعتبره ابوك ! ليه؟ رد!"

حاول "سلطان" إبعاد "جون" عن "جهاد" الذي كان قد أمسك بملابسه ورفع المسدس لرأسه مرة أخرى، في مشهد يحبس الأنفاس: "جون! أنت مش فاهم حاجة! ابعد عنه! ده جهاد أخوك وصاحبك! أنت مجنون!"

ابتسم "جهاد" ابتسامة استهزاء، وعيناه تلمعان بالدموع، دموع لم تكن تعني شيئًا لـ "جون" في تلك اللحظة: "بلاش تعرف السبب. أنا اللي عملت كده يا جاد. اقتلني!"

نظر "جون" إليه بعيون تلمع فيها جحيم الانتقام، عيون لن تعرف الرحمة بعد الآن: "حاضر. وأنا مش هأرحمك، وهآخذ انتقام السنين منك."

نظر "جهاد" إلى "يوسف" نظرة سريعة، وكأنه يرسل إليه شكرًا صامتًا، ثم التفت إلى "جون" وقال بهدوء مخيف: "أنا مستعد يا جاد..."

وقبل أن يكمل "جهاد" كلامه، ابتلع الظلام القصر فجأة، وكأن يدًا خفية ألقت بعباءة السواد فوق كل شيء.

حاول "جون' البحث عن أي بصيص نور، لكن الظلام كان حالكًا، كثيفًا، لا يسمح برؤية أي شيء.

صرخ بغضب، صرخة ممزوجة باليأس. بعد دقائق بدت وكأنها دهر، أضاء النور في كل مكان، وكشف عن مشهد صدم "جون". لم يجد "جهاد".

نظر حوله بجنون، لم يجد سوى "يوسف" الذي كان ينظر حوله هو الآخر بذهول، و"سلطان" يقف بالقرب منه، محاطًا بعدد كبير من الحراس، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، ابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الثقة.

اقترب منه "جون" بغضب، صوته يخرج كزئير أسد جريح: "فين جهاد؟ رد عليا، راح فين؟"

رد "سلطان" بابتسامة لم تفارق وجهه الواثق: "مش أنت لوحدك اللي قوي يا جون."

ازداد غضب "جون"، وتكرر سؤاله بحدة أكبر: "جهاد فين يا جدي؟"

نظر "سلطان" إلى "يوسف"، وكأنه يتمني قتله، ثم أجاب بنبرة حاسمة: "معرفش. مستحيل أسمح إنك تأذي جهاد يا جون، إن كنت أنت أو غيرك."

نظر "جون" إلى جده بذهول، ثم قال بنبرة تحمل مرارة العالم: "هو قتل ابنك! قتل أبويا! وأنا مش هرحمه، ووعد حلاقيه يا جدي، أنت فاهم... وقوله إني مش هاسيبه عايش!"

نفي "سلطان" قاطعًا، وهز رأسه ببطء: "لا يا جون، مش هتعمل كدا."

ابتسم "جون" ابتسامة ملؤها الغضب والعزم: "أخفى براحتك، بس مهما كان فين برضه هلاقيه... سلام."

غادر "جون" القصر، صعد إلى سيارته، وأمر كل الحراس بالبحث عن "جهاد" بأي طريقة كانت، عينيه تشتعل بعزم لا يلين، وعقله لا يفكر إلا في الانتقام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين عاصفة السماء وعاصفة الروح

كانت ليلة ماطرة بلا هوادة، واحدة من تلك الليالي التي تتساقط فيها الأمطار بغزارة، كما لو أن السماء نفسها تبكي بحرقة.

في قلب هذه العاصفة، كان "جهاد" يقف وحيدًا في أحد أملاك "سلطان" الحديدي النائية، قصرٌ مهيب يحتضنه جبل شامخ. زجاج النافذة الكبير، الذي كان يفصل بينه وبين العالم الخارجي، أصبح ستارًا مائيًا مشوشًا، عكس حزنه العميق والاضطراب الذي يعصف بروحه.

كانت كل قطرة مطر تسقط بالخارج وكأنها دمعة من عيون السماء، تنوح على خيانةٍ مزقت أواصر الصداقة.

لم يكن "جهاد" بحاجة لمرآة ليرى الألم في عينيه؛ فقد شعر بمرارة الخذلان تستوطن روحه. كان يتمنى لو أن "جاد"، صديق عمره، أطلق عليه الرصاص تلك اللحظة التي انكشف فيها المستور. تمنى الموت خلاصًا من نظرة "جاد" المحطمة، تلك النظرة التي حملت كل معاني الصدمة والخيبة. لكن القدر كان له رأي آخر.

في لمح البصر، دخل حراس جده واقتادوه بعيدًا عن المشهد الدامي، تاركين وراءهم قلبًا ممزقًا وذكريات مؤلمة.

وقف "جهاد"، أسيرًا لأفكاره، لوقتٍ طال وكأنه دهر. لم يدرِ كم مضى عليه وهو غارق في بحر الندم، حتى قطع صمت المكان صوتٌ عميق.

دخل "سلطان الحديدي"، جده، والضيق يعتلي وجهه، ليزيد من ثقل الأجواء.

"ليه يا جهاد... ليه قولت لجون؟"

سأل "سلطان" بصوتٍ بدا وكأنه يحمل لوم العالم أجمع.

كان "جهاد" يشعر بوحدةٍ قاسية تعتصر قلبه. أجاب بصوتٍ خافت، يحمل بين طياته مرارة السنين: " لأن ده الوقت إلي لازم جاد يعرف."

"لا يا جهاد!" نفى "سلطان" بقوة، .:-"كان ممكن أنك تكذب عليه."

ابتسم "جهاد" ابتسامة حزينة، ابتسامة من يعرف أن الأوان قد فات على الكذب.:- "كفاية كذب يا جدي. أنا بكذب عليه من سنين طويلة كفاية أنا تعبت هو كان اكيد هيعرف انى السبب فى موت أبوه هو عرف خلاص مفيش حاجه دلوقتى مهمة فى حياتى."

ظهر الحزن جليًا على وجه سلطان. " بس ياجهاد هو دلوقتى بيدور عليك وعايز يقتلك."

شعر "جهاد" بضيقٍ شديد، وكأن جبلًا انهار فوق صدره.:- " ليه منعته ياجدى من قتلي انت بشكل ده بتكسب عداوة جون."

نظر إليه "سلطان" بتأكيد لا يتزعزع، وعيناه تحملان قوة وثباتًا: " انا مش هسمح انك تموت انت حفيدى وانا مش خايف من حد جون لو كان قتلك يا جهاد كان مستحيل يسامح نفسه طول عمره."

شعر "جهاد" باختناقٍ شديد، كأنما حبلٌ يلتف حول عنقه. "موتي مكتوب على يد جاد يا جدي..."

نفى الجد بقوة: " الغلط إللى عملته انا زمان مستحيل اسمح انه يتكرر تانى."

ضحك "جهاد" بمرارة، ضحكة خالية من الفرح: " انت متعرفش جاد هو مش هيسبنى اكيد هو دلوقتى بيعمل المستحيل علشان يعرف انا فين."

نفى "سلطان" برأس، وعيناه تحملان إصرارًا لا يلين: "وأنا مستحيل أني أسمح أنه يقرب منك ياجهاد انت متعرفش جدك..... المهم لازم متخرجش من هنا مهما حصل انت فاهم."

هز "جهاد" رأسه موافقًا، فقلبه يعي تمامًا قوة صديق طفولته الذي تحول إلى عدو. لكن رغم كل شيء، تسلل خوفٌ عميق إلى قلبه، خوفٌ عليه، خوفٌ على "جاد" نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قلب القصر الفخم، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. وقف "جون"، عيناه تحملان جمودًا قاتلًا، أمام أصدقائه "جاك"، "سام"، و"دين"، ومعهم "هيرا".

كانت نظرته الثاقبة تثبتهم في مكانهم، بينما يتخلل صوته نبرة حازمة لا تقبل الجدل: "لازم أعرف جهاد راح فين بأي ثمن كان."

رمق "سام" "جون" بنظرة حائرة، بينما تعابير الرفض تعلو وجهه. "أنا مش فاهم حاجة."

سألت "هيرا" بتوجس، وقد بدأت تشعر بقلق يساورها: "جهاد راح فين؟"

نظر "دين" بذهول، لا يصدق ما يسمعه. "هو إيه اللي حصل لجهاد؟"

أغمض "جون" عينيه للحظة، ثم فتحهما بغضب جلي، كأنما يحاول كبح عاصفة داخلية:. "إياكوا تجيبوا اسمه هنا!"

صدمت كلمات "جون" "جاك"، الذي اعتاد على رؤية "جهاد" و"جون" لا يفترقان.: "جون! أنت بتقول كدا ليه؟ جهاد أخوك!"

التفت "جون" إلى "جاك"، وعيناه تشعان غضبًا خالصًا.:- "هو مش أخويا! عايز الكل يدور عليه في كل مكان في البلد دي. أكيد لسه ما طلعش منها."

اتسعت عينا "هيرا" بدهشة لم تتوقعها.:- "جون، جهاد عمل إيه لكل ده؟"

أغمض "جون" عينيه مرة أخرى، محاولًا أن يلتقط أنفاسه بصعوبة، وكأن قلبه يتسابق مع الزمن.:- "أنا عايز جهاد عايش قدامي هنا. أنتوا فاهمين؟"

نبرته الأخيرة كانت أشبه بأمر لا يقبل النقاش.

تبادل الثلاثة نظرات الذهول، قبل أن يتحدث "جاك" بنبرة قاطعة: "أنا مستحيل أعمل كدا."

حدقت عينا "جون" في "جاك" بحدة، متسائلًا ببرود: "أنت بتكسر كلامي؟"

نظر "جاك" إلى "جون" بتأكيد لا يتزعزع، وقد استمد قوته من قناعاته.:- "أيوه يا جون. أنت عايز تأذي جهاد، وأنا مش هكون السبب في إنك تأذي جهاد. هو أخويا زيك."

لمعت في عيني "جون" شرارة من الشر، وكأن ظلامًا خيم على روحه.:- "جاك، لو بيك أو من غيرك، هلاقي."

نظرت "هيرا" إلى "جاك"، ثم إلى "جون"، وقالت بصوت ثابت: "وأنا كمان. جهاد أخويا، ومستحيل أعمل كدا."

هز "دين" رأسه موافقًا، مؤكدًا على موقفه: "وأنا يا جون."

أضاف "سام"، وهو ينظر إليهم جميعًا: "وأنا كمان."

ابتسم "جون" ابتسامة باردة، خالية من أي مشاعر، وكأنما قد استسلم للأمر الواقع. "تمام. بره."

نظر الجميع إلى" جون" للحظة، استوعبوا فيها قراره، ثم غادروا الغرفة بصمت.

بقي "جون" واقفًا وحيدًا في الغرفة التي خيم عليها الصمت .

وفجأة، انفجر غضبه المكبوت. ألقى بكل شيء كان على المكتب بقوة، تناثرت الأوراق والأقلام على الأرض، وكأنما يحاول أن يفرغ غضبه الجامح.:- "ليه؟ ليه عملت كدا يا جهاد؟"

صرخ في الفراغ، سؤالٌ يحمل في طياته ألمًا عميقًا وخيبة لاذعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قلب الفوضى العارمة التي أعقبت ما حدث بالداخل، وقف الجميع في الخارج، تتجمد على وجوههم تعابير الدهشة والصدمة.

كل نظرة كانت تحمل آلاف علامات الاستفهام، وكأنهم يبحثون في وجوه بعضهم عن إجابة غائبة.

كان "جاك" يتحرك في دائرة ضيقة، ذهابًا وإيابًا، يتمتم بذهول لا يصدق: "أنا مش فاهم أي حاجة! إيه اللي عمله جهاد بالظبط عشان الدنيا تتقلب كده؟".

أجابه "دين" بنبرة يائسة، تعكس ذات الارتباك: "ولا أنا فاهم أي حاجة! إيه اللي عمله عشان يهرب كده وجون يقلب الدنيا عليه بالطريقة الجنونية دي؟".

تنهد "سام" ببطء، وكأن الهواء قد خرج من رئتيه مع هذه الكارثة المفاجئة: "أول مرة أشوف جون بالغضب ده! حاجة مش طبيعية أبدًا، كأنه وحش استيقظ فجأة".

بينما كانت تلك الكلمات تتردد، همست "هيرا" بصوت بالكاد يُسمع، وقد اعتلاها قلق عميق على صديقها: "أنا خايفة على جهاد أوي... قلبي مقبوض".

أكد "جاك" شعورها، وكأن قلقها قد لامس وترًا حساسًا في روحه: "وأنا كمان... مش عارف إيه اللي ممكن يكون حصل له".

تزايدت حيرة "دين" وهو يتساءل، وعيناه تبحثان في الأفق عن أي خيط أمل: "يا ترى هو فين دلوقتي؟ تفتكروا قدر يبعد عن جون وغضبه؟".

رد "سام" بنفي، وقد بدا عليه العجز التام، وكأن كل الطرق قد سُدت أمامه: "مش عارف... كأن الأرض انشقت وبلعته".

فجأة، شق صوت هادئ ومستفسر الصمت الثقيل من خلفهم، وكأنه جاء من عالم آخر: "هو في إيه؟".

التفت الجميع بصدمة مفاجئة، وكأن شبحًا قد ظهر أمامهم. صرخت "هيرا' باسمه بذهول: "صهيب!".

نظر إليهم "صهيب" بعينين متسائلتين، تملؤهما حيرة وقلق، قبل أن ينبس بكلمات قاطعة: "جهاد، إيه اللي حصله؟ وليه أنتم واقفين كده؟".

أجابه "سام" بنبرة تحمل اليأس، وكأنه يعلن استسلامه أمام المجهول: "مش عارفين... مش عارفين إيه اللي حصل أو فين هو دلوقتي".

علا صوت "صهيب" بالخوف والغضب، وكأنهم يتهمونه بالكذب: "يعني إيه مش عارفين؟ أنتم بتكذبوا عليّا؟ ليه جون بيدور عليه كده؟ إيه السر اللي مش عايزيني أعرفه؟".

أكد "جاك" بجدية تامة، محاولًا تهدئة عاصفة شكوكه: "صدقني يا صهيب، إحنا فعلًا ما نعرفش أي حاجة. كل اللي نعرفه إن اللي حصل جوه كان كبير جدًا، والأكيد إنه عمل حاجة قلبت الدنيا".

تغير تعبير "صهيب" إلى حزن عميق ممزوج بالخوف، وكأنهم يطعنون في أغلى ما يملك: "جهاد مستحيل يعمل حاجة وحشة. هو أخويا وأنا واثق فيه أكتر من روحي... مستحيل يخون ثقتي".

هز الجميع رؤوسهم بتأكيد صامت، وكأنهم يشاركونه هذا الإيمان العميق، رغم كل ما رأوه وسمعوه. ربما كان لديهم بصيص أمل في براءة "جهاد"، أو ربما كانوا فقط يتمنون ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكان آخر، بعيدًا عن دوامة الصدمة هذه، كان "سلطان" يقف أمام "يوسف"، والغضب والكراهية يشتعلان في عينيه المتقدتين. لم يكن هذا غضبًا عابرًا، بل كان نارًا أُشعلت بسنوات من الألم والأسرار.

وجه إليه اللوم بنبرة قاسية كالسيف: "ليه عملت كده يا يوسف؟ ليه تدمر حياة ابنك بالطريقة دي؟".

رد "يوسف" بضيق، محاولًا تبرير فعله اليائس، وكأنه يدافع عن نفسه من هجوم غير مرئي: "كنت عايزني أعمل إيه؟ هو كان بيتّهمني بموته وكان عايز يقتلني! كنت لازم أتصرف قبل ما يقضي عليا وانا مليش ذنب!".

شعر "سلطان" بصدمة عميقة، وكأن هذه الكلمات كانت طعنة في صدره: "علشان كده تضحي بابنك؟ علشان خوفك تضحي بقطعة من روحك؟".

ثار "يوسف" بغضب، وقد انهار أمامه سد الصمت الطويل الذي حبسه لسنوات، وكأن كل كلمة كانت مبعثرة في روحه: "ابني ده قتل أخويا يا بابا! قتله بدم بارد! وأنا سكت سنين طويلة، سنين من العذاب، ومش قادر أتكلم، مش قادر أنسى أو أسامح!".

نظر إليه "سلطان" بنظرة ساخرة، تحمل في طياتها مرارة السنين التي مرت عليهم، وكأنها لعنة تطاردهم: "عمرك سألت نفسك هو ليه عمل كده؟ ليه قتل عمه اللي كان بيعتبره أبوه؟ طيب، هو ليه بيكرهك للدرجة دي...؟".

شعر "يوسف" بالشك يتسلل إلى قلبه، وكأن هذه الكلمات كانت مفتاحًا لباب موصد منذ زمن بعيد: "قصدك إيه؟ إيه اللي بتقوله ده؟".

أجابه "سلطان" بحزن عميق، وكأنه يرى مستقبلًا محتومًا من الندم يلاحق ابنه: "قصدي إن هيجي اليوم اللي هتكره نفسك على كل لحظة كرهته فيها. وهتتمنى لو بس يسامحك... لو يرجع الزمن وتصلح كل حاجة ضاعت من بين ايديك".

خيم الخوف على "يوسف"، وكأن شبح الماضي قد عاد ليطارده: "أنت بتقول كده ليه؟ وإيه اللي يخليني أندم على واحد قتل ابنك؟ هو قتل ابنك!".

ضحك "سلطان" بسخرية مريرة، مليئة بالأسى على القدر الذي آل إليه أبناؤه: "جهاد بيتعذب كل يوم بسبب اليوم ده... بسبب الدم اللي شافه. وأنت باللي عملته النهاردة، نهيت حياته بإيدك يا بني... نهيت حياته بقرار منك، مش بس بطلقة رصاص".

غادر "سلطان" المكان، تاركًا "يوسف" واقفًا في صمت مطبق، غارقًا في تعجبه من كلمات والده التي حملت معها ثقل الماضي الأليم، وألم الحاضر الذي لم يكن يفهمه، وربما مستقبلًا مظلمًا من الندم. هل كان هناك سر لم يعرفه؟ هل كان "جهاد" ضحية وليس جانيًا؟ كانت تلك الأسئلة تتردد في ذهنه، بلا إجابات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفة تكتنفها عتمة خفيفة، وبعيدًا عن عاصفة البحث والقلق التي اجتاحت الجميع، جلس رجل على كرسي وثيرة، تتردد ضحكاته الشيطانية في الأرجاء كأنها نغمات منتصرة. لم تكن مجرد ضحكات، بل كانت صدى لسنوات من الحقد الدفين الذي طالما كتمه، والآن يجد متنفسًا له.:- "حسنًا إذن! وأخيرًا تخلصت من عبء أبناء العم هذا!"

قالها بصوت يقطر سخرية ممزوجة بانتصار، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة تكشف عن خطط خفية.

وقف شخص آخر، يبدو عليه الاحترام والخضوع التام، يقطع لحظة انتصاره قائلاً بنبرة حذرة: "لكن سيدي، جهاد هرب بمساعدة سلطان."

لم تزد هذه الكلمات الرجل إلا ضحكًا أعلى وأكثر جنونًا، وكأنها وقود يُشعل نيرانه الداخلية.: " دائمًا سلطان يفعل المستحيل لحماية جهاد! حتى الآن، أنقذ حياته من بين يدي جون نفسه لسنوات طويلة!"

كان يرى في ذلك دليلاً على سذاجة "سلطان"، أو ربما نقطة ضعف يمكن استغلالها.

أكد الشخص الآخر، وقد بدا عليه بعض القلق يتسلل إلى نبرته: "جون يبحث عنه في كل مكان، والغضب يكاد يعميه."

ابتسم الرجل ضاحكًا مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت ضحكته باردة، تحمل في طياتها خطة شريرة.

كانت ابتسامة تمثل الهدوء الذي يسبق العاصفة.: " بالتأكيد! موت جهاد يجب أن يكون على يد صديق عمره، جون... هذه هي الدراما الحقيقية التي نبحث عنها، نهاية رائعه تكتبها أيدي القدر."

تساءل التابع بحيرة، وكأنه ينتظر الإشارة لبدء الفصل التالي من هذه اللعبة القاتلة: "ماذا الآن، سيدي؟".

ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة خبيثة، كفحيح الأفعى تستعد للانقضاض: "سوف نساعد جون على إيجاد المفقود. لن ندعه يبحث كثيرًا، فكل دقيقة تمر هي فرصة له لينجو."

شعر الشخص الآخر بذهول، وكأنه يرى الهاوية تفتح فمها أمامه: "لكن سيدي، هذا خطر! قد ننكشف ونفقد كل شيء!".

هز الرجل رأسه بنفي قاطع، واثقًا من حصانة خطته الشيطانية: "لا، لن يحدث شيء. فقط افعل ما أمرت به. حسنًا؟".

أجاب التابع بصوت خفيض، يعكس طاعته العمياء وهو يغادر المكان: "حسنًا سيدي، أستأذن".

غادر التابع، تاركًا الرجل يجلس وحيدًا، غارقًا في سعادة غامرة، وكأنه قد حرك قطع الشطرنج الأخيرة في لعبة خطيرة على وشك أن تنتهي لصالحه. كانت ملامح وجهه ترسم قصة انتقام لم تكتمل فصولها بعد، وبدا وكأنه يتذوق حلاوة النصر المنتظر قبل أوانه.    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة