"جاء صراخ "جهاد" مُزلزلًا لحظة دخوله من الباب، فتمزّق صوته في الهواء، ليسقط على مسمعه كوابل من الرصاص. رأى المشهد كالحلم، جسد ابنه الصغير يرتعش ويهوي، وقد اخترقت رصاصة جسده. حاول عقله أن يرفض ما يراه، لكن جسده كان أسرع، فهرع نحوه وهو يناديه بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع: "جهاد... حبيبي..."
اقترب منه الأب وهو يرتجف، واضعًا يديه على جسد ابنه النحيل. انحنى عليه هامسًا..:-"أنا هنا، أنا بابا... اصحى يا جهاد..."
تحوّلت الهمسات إلى صرخاتٍ يائسة..:- "لا يا رب... لااااا!"
كان "مراد" يقف غير بعيد، يرى دموع "جهاد" تنهمر، ويسمع شهقاته التي تخرج من أعماقه كالجمر. تقدم نحو "جهاد" وهو يقول له بصوتٍ متهدّج: "مراد... ساعدني، ابني يموت يا مراد!"
اندفع "جون" نحوهم بعد أن وضع "مليكة" في السيارة.
كانت عيناه ترصدان "جهاد" الصغير، يراه يصارع الموت، فتنهّدت روحه ألمًا. ركض وهو يصرخ: "جهاااااااد!"
أجابه "جهاد" بصوتٍ ضعيفٍ ممزوجٍ بالدموع: "جون، ابني... ابني بيموت..."
أشار "جون" نحو السيارة: "شيله يا جهاد".
حمل الأب ابنه الضريح، وصعد به إلى السيارة، بينما كان "جاد" الصغير يجلس بجواره، صامتًا. كان يرى هذا الرجل الذي لطالما وصفه بالجبان، يحمل بين يديه من أخذ عنه الرصاصة، يرى دموعه، ويسمع أنين قلبه. لم يَعُد قلبه يصرخ: "كيف يكون جبانًا؟" بل "يا ليتني كنت مكانه."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت عقارب الزمن للحظات، امتدت كأنها دهور في أروقة المستشفى الصامتة، قبل أن يكسر الصمت صوت خطوات مسرعة تبعها صرخات مذعورة. انفتح الباب باندفاع ليدخل "جهاد"، يحمل بين ذراعيه جسد ابنه الصغير، كأنه يحمل روحه المتهاوية. كانت ملامحه مشدودة، عيناه تصرخان بالرعب، وشفتاه ترتجفان بلا صوت.
اندفعت نحوه "ماسة" كعاصفة، صوتها يشق الهواء، صرختها تحمل مرارة الدنيا وخوف الأم التي ترى فلذة كبدها يتلاشى أمام عينيها: "جهاد! ابني! ابني! إيه اللي حصله يا جهاد؟ رد عليا! حبيبي رد عليا!"
كانت كلماتها تتكسر بين شهقاتها، ويداها ترتعشان وهما تحاولان الوصول إلى صغيرها، كأنها تحاول سحبه من براثن المجهول.
لم يجد "جهاد" في حلقه سوى صرخة مبحوحة استنجد بها: "دكتور! دكتور!"
كان صوته يحمل يأس العالم بأسره.
اقتربت "عشق" بخطوات واثقة، رغم ملامحها الشاحبة، ومدت يدها قائلة بصوت حاولت أن تجعله هادئًا: "هاته يا جهاد، سيبه لي."
كانت نظراتها تخفي قلقًا عميقًا، لكنها كانت تعرف أن هذا هو الوقت المناسب للقوة والثبات.
تعلقت عينا "جهاد" بعينيها، رجاء أليم تلمع فيه الدموع: "عشق... ابني... هيكون كويس صح؟"
كانت كلماته سؤالًا يتوسل اليقين، طلبًا لبارقة أمل في هذا الظلام.
أومأت "عشق" برأسها بحزم، تحاول طمأنته بقدر استطاعتها: "ما تقلقش... هات."
أشار "مراد"، الذي كان يقف على مقربة منهم بوجه قاسٍ تخفيه قسوة الموقف: "يلا يا جهاد."
تردد "جهاد" للحظة، ثم سلم ابنه لـ "عشق"، يده ترتجف وهي تتركه، وعيناه لا تزالان متعلقتين بالجسد الصغير. همس لنفسه، وكأنه يحاول إقناع قلبه المرتعش: "هيكون كويس... أنا عارف."
انطلقت "عشق" بسرعة البرق نحو غرفة العمليات، حاملة أملهم الوحيد بين يديها، بينما بقيت أبواب الغرفة الموصدة خلفها شاهدة على العذاب.
لم يستطع "جهاد" البقاء هناك، ركض إلى الخارج، باحثًا عن ملاذ يختبئ فيه من هذه الفاجعة. جلس في مكان بعيدًا عن أعين الجميع، بعيدًا عن شفقة أو نظرات حائرة. انكمش على نفسه، واندفع في نوبة بكاء مرير، روحه تتصدع خوفًا على ابنه، قطعة منه، حياته كلها.
شعر بيد حانية توضع على كتفه، ثم انحنى أحدهم وجلس أمامه. رفع رأسه الملطخ بالدموع ليرى "جاد"، نظر إليه برعب، كلماته كانت تخرج كهمسات مكسورة: "مش هيموت... مش كده؟"
أجابه "جاد" بنفي قاطع، محاولًا بث بعض الطمأنينة في قلبه المنكسر: "لا."
توسل "جهاد" بصوت مختنق، متهمًا نفسه بكل آلام الدنيا: "أنا أسوأ أب يا جاد، مش كدا؟"
رفع "جاد" رأس "جهاد" بيديه، نظر في عينيه الدامعتين بحنان: "ارفع رأسك يا جهاد... ارفع رأسك."
رفع "جهاد" رأسه، عيناه محمرتان من شدة البكاء، تنضحان بالألم والمرارة: "أنت مش كدا... أنت ملكش ذنب في كل ده. ابنك جهاد هيكون كويس."
لكن "جهاد" كان غارقًا في بحر من الذنب، كل الكلمات الطيبة لم تستطع أن تخرجه من يأسه. نظر إلى "جاد" بدموع غزيرة: "لا... كل اللي بيحصل معايا ده علشان أنا مش كويس... موت أمي... اختفاء مراد... كره أبويا ليّ، اتحرمت من حبهم هما الاتنين... بقيت يتيم وأبويا عايش. أنا قتلت عمي... خوفت من كرهك ليّ طول سنين عمري، كنت خايف أموت على إيدك... حبيت البنت اللي قتلت أبوها، خوفي بعد زواجي منها بقى أكبر... خوفت تعرف وتكرهني بعدين... ضرب صهيب ليّ، الكل افتكر إني مت وتعذبتوا كلكم بسببي... وأنا دخلت في غيبوبة... أنا كنت مرتاح ونايم وأنتوا بتتعذبوا... كرهك لمليكة... إدمان صهيب... ماسة كانت لوحدها وهي بتخلف أول طفل لينا... ج... جهاد... ابني... هو دلوقت بيصارع الموت وهو طفل صغير وأنا السبب! ده كله أنا! أنا أسوأ إنسان!"
عانقه "جاد" بقوة، كأنه يحاول أن يحميه من أفكاره السوداء التي تفتك بروحه. شعر بدموعه الساخنة تنساب على صدره، شهقاته تهز كيانه.
تنهد "جاد" بعمق، ثم أبعده عنه قليلًا، ووضع يديه على وجهه، ناظرًا في عينيه الدامعتين بصدق: "أنت عارف أنت أغلى حد في حياتي؟ أنت دايما في عيني أجمل هدية من ربنا. كنت دايما بخاف أخسرك. أنت مش وحش يا جهاد، اللي حواليك هما اللي وحشين علشان يكرهوك. أنت مش بس ابن عمي... أنت صاحبي الوحيد، أنت ابني اللي بخاف عليه أكتر من نفسي. أنت عارف يوما ما كنت فاكر إنك مت، حسيت إن الدنيا اسودت في عيني؟ أنت ابني يا غبي! كل اللي بيحصل ده قضاء الله. وبعدين أنت من إمتى ضعيف كدا يا جهاد؟ أنت قوي! اللي بيعمل المستحيل علشان غيره. صدقني كل اللي بيحصل أنت مالكش ذنب فيه، وجهاد هيكون بخير، هو ابني وأنا عارف قد إيه هو قوي، صدقني."
تعلقت عينا "جهاد" بـ "جاد"، الخوف ما زال يعصف بقلبه: "أوعى تسيبني يا جاد... أنت قوتي. أنا مش عايز أخسرك. سامحني... س... سامحني."
أخذ "جاد" رأس "جهاد" بين ذراعيه، وضمه إليه مرة أخرى، كلماته كانت بلسمًا لجروحه: "أنا مسامحك... صدقني."
(..جهاد.. )
رفع "جهاد" رأسه المثقل بالهموم، ليجدها أمام عينيه. كانت تقف كتمثال من الرعب، جسدها يرتجف ودموعها تنزل كشلال لا يتوقف، وعيناها الحمراوان تصرخان بالخوف على طفلها. نهض من مكانه ببطء، يقترب منها والأسف يملأ عينيه، شعور بالعجز يخنقه.:- "م..ماسة..."
نطق اسمها بصوت متهدج، وكأنه يطلب منها العفو.
هزت ماسة رأسها وهي تهمس بين شهقاتها: "أنا... أنا خايفة، هو مش هيبعد عني صح؟ هو... مش هيموت؟"
كانت كلماتها تتكسر، وكأنها طفلة صغيرة تخشى الظلام.
اقترب منها "جهاد" واحتضنها بقوة، محاولًا أن يلملم شتاتها المبعثر. همس في أذنها بصوت يرتجف: "لا... لا تقولي كدا، هو هيكون كويس."
تمسكت "ماسة" بقميصه كأنها تغرق، وتشبثت به بكل ما أوتيت من قوة: "أيوة أيوة... هو هيكون كويس، ابني حبيبي مش هيسيبني. ليه حصل كدا؟ هو... هو لسه طفل، طفل يا جهاد!"
كانت كلماتها سياطًا تلهب روحه المثقلة بالذنب.
تجمعت الدموع في عيني "جهاد" وهو يشدد من احتضانه لها، اعترف بضعفه وألمه: "أنا آسف... أنا السبب. سامحيني. ما قدرتش أحمي ابني. يا ريتني كنت مكانه."
شعر "جون" بالغضب من كلماته التي لم تحمل سوى لوم النفس. صرخ فيه محاولًا إيقافه عن تعذيب نفسه: "جهاد! كفاية! أنت مالكش ذنب. وهو هيكون كويس. كفاية اللي بتعمله في نفسك ده!"
حاولت "ماسة" أن تبتعد عن "جهاد"، وكأنها تريد أن تصدق ما يقوله "جون". رفعت رأسها وقالت بكلمات متقطعة: "أيوة... أنت مالكش ذنب. جهاد ابني قوي ومش... مش هيبعد عني وعنك. هو هيفرح لما يشوفك معه. هو كان بيسأل عنك كتير أوي يا جهاد... هو أنت مش هتسيبني تاني؟ مش هتمشي؟"
كانت نظراتها تحمل رجاءً أعمق من الخوف، رجاء ألا يفارقها مرة أخرى.
هز "جهاد" رأسه بنفي قاطع، والدموع تغرق وجهه: "مش همشي. وهكون معه، مش هبعد عنه تاني... وأنتي كمان."
شعرت "ماسة" ببعض الراحة، وكأن كلماته كانت طوق نجاة لها. همست بصوت أمل: "ربنا كبير ومش هيحرمنا منه أبداً. هو عارف إنه كل روحي."
ابتلع "جهاد" غصته، وقال بدموع: "أيوة، ربنا كبير."
اقترب منهم "صهيب"، وجهه شاحب، لكن عينيه تحملان الشوق. نطق باسمه بصوت ضعيف: "جهاد..."
استدار "جهاد" إليه بسرعة وفرحة، نسى كل شيء لبرهة: "صهيب! أنت كويس؟"
عانق "صهيب" "جهاد" بقوة: "أنا كويس... وأنت كويس يا جهاد."
شدد "جهاد" من احتضانه له، لم يصدق عينيه أنه يراه أمامه سالمًا.:- "أنا كويس... بعد ما شفتك قدامي بخير."
بالقرب منهم، اقترب "مراد" منهم، وجهه يحمل حزنًا عميقًا.:- "جهاد..."
استدار جهاد إليه بقلب ينبض بالخوف: "في إيه؟ حصل إيه؟"
نظر مراد إلى "جهاد" بحزن، وابتلع ريقه بصعوبة: "عشق طلعت من العمليات... تعالى."
ركض "جهاد" ومعه "ماسة" بسرعة، بينما ساعد "جون" "صهيب" على السير.
توقف "جهاد" أمام غرفة العمليات، ونظر إلى "عشق" التي كانت تقف بوجه شاحب وعينين حزينتين.
تجمعت الدموع في عيني "جهاد" وهو يتردد في سؤاله: "في إيه؟ ه... هو كويس؟"
نظرت "عشق" إلى "جاد" الصغير الذي كان "مراد" يحتضنه بيديه، بينما "مراد "ينظر لها بقلق.
قالت بتردد، وكأنها تحاول تجميع الكلمات: "جهاد... ابنك اتصاب في مكان خطير جداً... الرصاصة دخلت في جهة الرئة."
نظر "جهاد" إليها برعب، وكأن الكلمة لم تصل إلى عقله بعد: "يعني إيه؟"
توسلت "ماسة" بعينيها: "ابني كويس مش كدا؟"
هزت "عشق" رأسها، لتؤكد الحقيقة المريرة: "هو كويس... بس في مشكلة معه. هيكون عنده صعوبة في التنفس غير أي شخص عادي."
سأل "جون" بقلق: "هو هيفضل كدا على طول؟"
أكدت "عشق" بأسف: "للأسف أيوة... بس هو هيكون كويس. المشكلة دي مش هتدمر حياته ولا حاجة. في ناس كتير نفس حالته، بس هما بيكونوا من الولادة. إنما جهاد غير. يعني لازم العناية الدائمة به."
سأل "جهاد" بلهفة: "ممكن أشوفه؟"
هزت "عشق" رأسها بالنفي: "لا طبعاً... هو هيتنقل العناية المركزة لبكرة الصبح. وبعد كدا غرفة عادية. وقتها تقدروا تطمنوا عليه"
غادرت "عشق" تاركة خلفها مشهدًا مؤلمًا.
جلس "جهاد" يضم "ماسة" التي كانت ترتجف في حضنه، دموعها صامتة، فيما كانت أنفاسه لاهثة، يدعو في صمتٍ أن يمنح الله الصغير "ماسة" الشفاء.
بعد لحظات، اقتحم "جاد" الغرفة الصغيرة. وجد أمه جالسة، فناداها بتردد: "ماما".
نظرت إليه "عشق"، وسرعان ما فتحت ذراعيها، واحتضنته بشدة كأنها تعوّض غيابها. همست في أذنه: "يا حبيبي... أنت بخير؟ أنا آسفة... آسفة جدًا إني ما كنتش معاك".
فصل "جاد" نفسه عن حضنها، ونظر إليها بعينين تملؤهما الأسئلة: "أنا كويس... بس هو... جهاد كويس؟"
تنهدت "عشق" بعمق، وكأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها. كان "مراد" يقف خلف "جاد"، وعيناه تفيضان بالألم. أجابت "عشق" بصوت خافت: "لا... هو مش كويس يا جاد. الرصاصة دخلت في مكان خطير. معجزة إنه لسه عايش".
كان "جاد" يحاول استيعاب الأمر، فسألها: "يعني إيه؟"
أمسكت "عشق" بكتفيه، ونظرت في عينيه مباشرة، وقالت بحنان وقسوة: "يعني... جهاد هيكون مريض على طول. هيحتاج جلسات أكسجين، وممنوع عليه يزعل أو يتضايق... أي ضغط نفسي ممكن يسبب له انتكاسة. فهمت يا حبيبي؟"
سقطت الكلمات على "جاد" كالصاعقة. شعر بالذنب يخنقه. قال بصوت مكسور: "ده كله بسببي... الرصاصة دي كانت ليا... وهو أخدها مكاني".
احتضنته "عشق" مرة أخرى، وهي تنظر إلى "مراد" بنظرة استغاثة. همست له بحرارة: "لا متقولش كدا! الحمد لله إنك بخير... كنت ممكن أموت لو حصل لك حاجة".
أحس "جاد" بكلمات أمه كأنها تزيد من ثقل ذنبه. قال بصوت مرتفع قليلاً، يحاول إقناع نفسه قبلها: "أنا كويس يا ماما... الحمد لله".
لم تستطع "عشق" حبس دموعها، ورددت: "الحمد لله".
ابتعد "جاد" عنها، وعيناه ثابتتان على الفراغ. تحدث إلى نفسه في صمت، وهو يجدد عهدًا بينه وبين ضميره: "أنا السبب... لكن مش هسيبك لوحدك يا جهاد. كنت عايز تكون صاحبي؟ لا... أنا هكون أخوك. وعد"
لم يكن "مراد" بحاجة إلى أن يسمع ما قاله "جاد" لنفسه. رأى في عينيه الصغيرتين عهدًا أكبر من عمره، عهدًا بالرعاية والحماية. لقد عرف ما يفكر فيه ابنه تمامًا، لأن الأب لا يرى في ابنه مجرد طفل، بل يرى امتدادًا لروحه، يرى أفكاره قبل أن تتشكل، ويحس بمشاعره قبل أن تُولد"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات طويلة، اقترب "يوسف" بتردد من "جهاد"، الذي كان لا يزال جاثماً على الكرسي بجوار غرفة ابنه. كان الصمت ثقيلاً، يكسره فقط صوت أنفاسهما. مدّ "يوسف" يده ببطء ليضعها على كتف "جهاد"، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. بدلاً من ذلك، وضع يده بخفوت على المقعد المجاور له وقال بصوت خافت، يكاد لا يسمع: "جهاد انت كويس"
لم يجب "جهاد". كانت عيناه، الغارقتان في الدموع، تحدقان في الفراغ. ثم تمتم بكلمات بالكاد خرجت من حلقه: " لا مش كويس انا خايف يابابا "
عند سماع كلمة "بابا"، انقبض قلب 'يوسف'. تذكر كل السنوات التي ضاعت، كل الجدران التي بناها بينهما بسبب كرهه وغبائه.
ابتسم ابتسامة حزينة، ووضع يده أخيراً على يد "جهاد" المتجمدة.:- "أنا آسف يا جهاد... سامحني".
قالها والدموع تترقرق في عينيه.:-" كل إللى انت فى دلوقتى بسببي "
نظر "جهاد" إلى "يوسف" بابتسامة باهتة، كأنها ضوء خافت وسط ظلام طويل.:- " دائماً كنت بتمنى اشوف نظرات الحب إللى فى عينك دلوقتى دايما كان نفسي اقول كلمة بابا ليك من غير أي تردد بس للاسف محصلش انت كرهتنى من غير متعرف السبب انا فى اليوم إللى خسرت فى امي خسرتك انت كمان عمرك مفكرة فيا "
أومأ "يوسف" برأسه، والدموع تنهمر على وجنتيه.:- "انا عارف اني كرهتك من غير ماأعرف الحقيقه كنت دايما بشوف اخويا قدام عينى كل ماشوفك كنت طفل كرهتك من غير معرف سبب إللى خلاك تعمل كدا بس يوم معرفت وقتها اتمنيت اموت مش بس اتشل سامحنى ياجهاد مع انى مستهلش كل طفولتك إللى راحت بسببي من غير حنانى وحبي ليك ودموعك اللى كنت فى عينك بسببي آسف يا ياحبيبى"
احتضن "جهاد" يدي والده، وكأنه يثبت وجوده.:- "أنا سامحتك.انا بس كنت مستني انك تقرب مني بس ولو مره المهم عندي انك تفضل معايا انا بكره الوحده والفرق اوى يابابا "
عانق "يوسف" ابنه بقوة، وكأنه يحاول تعويض سنوات من البُعد..:- " آسف آسف سامحنى انا عمري ماهبعد عنك تانى ابدا ياجهاد"
ضغط "جهاد" على يد والده: " انا مسامحك "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر، كان يطاردها بنظراته الجافة، التي لا تعرف الرحمة، بينما يلتف حوله صمت ثقيل. كان يتقدم بخطوات متثاقلة وثابتة، وكل خطوة كانت كفيلة بأن تزيد من نبضات قلبها. لم يكن يخلع ثيابه فحسب، بل كان يرميها على الأرض بعشوائية، كما لو أنه يتخلى عن آخر ما تبقى من إنسانيته.
ظهرت على وجهه ابتسامة متلألئة في الظلام، ونظرة عينيها التي توسلت إليه كانت مثل وقود يغذي شهوته.
كانت تبتعد عنه، خطوة تلو الأخرى، وهي تحاول أن تبتلع رعبها، لكن جسدها كان يتجمد في مكانه. عندما مد يده، شعرت بلمسة أصابعه الباردة وهي تخترق حاجز الهواء بينهما. أمسك بيدها بقوة، وكأنها قطعة من ممتلكاته.
صرخت، وصوتها تكسر في الفضاء: "ابتعد عني! ابتعد!" كان صراخها يختلط بكلمات مبحوحة: "ساعدني يا جاد! ساعدني! يا جهاد!"
كان صوتها يرتعش وهي تتوسل: "يا ربي... أرجوك، ابتعد!"
رد عليها بصوت مليء بالشهوة، كان كجحيم يتوهج: "تعالي، أريدك لي وحدي يا حلوتي."
كانت صرخاتها مؤلمة وحادة، وكأنها تتردد في صميم روحها، "لا! لا! لا!"
اقترب منها، وداس على كل حواجزها، بينما كانت تقاوم بيدين ترتجفان. دفعها بقسوة حتى سقطت على الأرض، وكان جسده يهيمن عليها، فيما كانت تصرخ باسم "جاد" وتتوسل أن يتركها. كانت عيناها تتوهج برعب ممزوج باليأس، "لا! لا! جاد... ابتعد عني! لا!"
اندفع "جون" إلى الغرفة، قادمًا من الخارج بعدما سمع صوتها. لم يكن مجرد صراخ، بل نداء استغاثة ممزوج بالرعب، كأنه يمزق الهواء. وجدها على الفراش، جسدها يرتعش بعنف، تتصبب عرقًا غزيرًا وكأنها تحاول الهرب من شيء لا يراه.
"مليكة! مليكة!" نادى باسمها، صوت يرتجف خوفًا، وهو يضع يده على وجهها الذي كان شاحبًا.:- "مالك يا حبيبتي؟ ردي عليا!"
"ابعده! ابعده يا جاد عنييييي! ابعدددددده عنييييي! لااااااااااااااا!" صرخت بعصبية، ودفعت يده بعيدًا عنها وكأنها تشتعل.
"دكتور! يا اللي بره! حد يساعدني!" صرخ جون، ثم عاد
يمسك بيدها.:- "مليكة، اهدي يا حبيبتي، اهدي!"
توسلت مليكة بعينين مليئتين بالهلع: "ابعده عني، جاد... أنا خايفة... عايز... عايز يأذيني... لاااااااااااا!"
نفى "جون" وهو يحاول تهدئتها: "اهدي يا مليكة، اهدي... مفيش حد هنا، والله يا حبيبتي، مفيش حد!"
"آآآه... جاد... أنا خايفة... خايفة!" هزت رأسها بلا وعي، وكأنها في عالم آخر.
ركض الطبيب والممرضة إلى الداخل.:- "هاتي مهداً ***** بسرعة!" أمر الطبيب وهو يحاول الاقتراب.
"لا! لا! مش عايزة حاجة! ابعدوا! ابعدوا!" صرخت "مليكة" وهي تدفع أياديهم بعيدًا.
حاول الطبيب تهدئتها: "اهدي يا مدام مليكة، اهدي!"
في تلك اللحظة، ركض "جهاد" إلى الغرفة. رأى أخته، طفلته الصغيرة المدللة، الفتاة التي كانت دائمًا قوية وعنيدة، تتهاوى بهذا الشكل. صدمة مرعبة مزقت قلبه. دموع ساخنة انهمرت على وجهه، بينما كانت يديه ترتجف.
اقترب من "جون"، ووضع يده على كتفه.:- "اطلع يا جاد بره."
نظر إليه "جون" بإنكار: "أنت بتقول إيه؟ هي..."
"عايز أختي لوحدي يا جاد. اطلع أنت وهما. يلا!" قال 'جهاد' وعيناه ثابتتان على أخته، التي كانت تضم رأسها بين يديها وتهز جسدها بعنف.
"لكن سيدي..." بدأ الطبيب.
"هيا إلى الخارج." قال "جون" بنبرة ضعيفة، وهو ينهض ويرمي نظرة أخيرة على "مليكة" قبل أن يتبع الطبيب إلى الخارج.
هز الطبيب رأسه بعجز وغادر مسرعًا
غادر "جون" الغرفة، لكن وجوده الثقيل لم يغادر. ترك خلفه "جهاد"، واقفًا كشيء هشٍّ على وشك السقوط.
كانت الأرضية تميل تحت قدميه، وقلبه يرتجف. اقترب ببطء، خطوة تلو الأخرى، نحو شقيقته. لم يكن يرى سوى وجهها الشاحب، ونظرة عينيها التي لم تعد تعرفه. جلس على حافة السرير بجوارها، وكأنه يقتحم عالمها الخاص والمحطم.
مدّ يده المرتعشة إلى رأسها المترنح، لم يجرؤ على لمسها بالكامل.:- "م... مليكة..."
همس بصوت يكاد يختفي، صوت لا يحمل سوى الألم.:- "حبيبتي... أنا ج... جهاد..."
رفعت رأسها ببطء، وعيناها الفارغتان تحدّقان في لا شيء.:- "لا لا..."
تمتمت، وكأنها تردد تعويذة قديمة.:- "جهاد مات... مات... راح خلاص وسابني لوحدي... لوحدي."
تلقى "جهاد" كلماتها كصدمة كهربائية، ضربة في الصدر تجمّد الأنفاس. حاول أن يجمع شتاته، أن يعيد صوتها إلى الواقع.:- "مليكة... ارفعي رأسك يا حبيبتي."
لكنها تراجعت، هزت رأسها بعنف.:- "لااا! لا! هو عايز يأذيني! لا لا!"
كانت كلماتها أشبه بصرخات مكتومة. رفضت أن ترفع رأسها، وكأنها تحتمي من وهم يطاردها.
"مليكة... بصي لي..." توسل بصوت مكسور، حاول أن يرفع رأسها برفق.:- "أنا جهاد... بصي..."
رفعت عينيها أخيرًا، ملؤهما رعب لا يوصف. كانت تنظر إليه كشبح، ككابوس حيّ.:- "لا لا... أنت مش جهاد... جهاد مات... مات."
"مليكة... أنا عايش قدامك أهو!" قال وهو يحاول أن يغرس الحقيقة في عينيها.:- "أنا هنا... حقيقي."
صرخت "مليكة" فجأة، صرخة ممزوجة بالهلع والغضب.:- "لا لا لا! أنت ميت! ميت! جهاد مات! أنت مين؟ مين؟ هو مات... صح؟ مات... صح؟ رد! ماااات!"
"لا يا مليكة... اسمعيني..."
حاول "جهاد" أن يلمسها، أن يهدئها، لكنها كانت قد تحولت إلى كتلة من الخوف.
نهضت فجأة، وابتعدت عنه ببطء كأنها تتحرك في حلم.:- "لا لا... جهاد مات! مات! جهاد مات! ابعد! ابعد! أنت مين! لااااااااااا! لااااااااااا! هووووو ماااااااات! ماااااات! جهااااااااد!"
وفي لحظة يأس مطلقة، لم يعد يتحمل هذا الجدار من الإنكار. رفع يده وصفعها بقوة. انبعث صوت الصفعة القوي في الغرفة، صوت كسر كل شيء. صمتت "مليكة" فجأة، والصدمة تجمدت على وجهها.
"كفاية!" صرخ جهاد، صوتُه يحمل عذابًا أكبر من الصفعة نفسها.:- "أنا عايش! والله عايش! أنا لسه عايش قدامك أهو! اسمعيني... وحياتي عندك اسمعيني!"
سقط على ركبتيه أمامها، محطمًا. وضعت "مليكة" يدها على وجهها المذهول.
رأى "جهاد" في عينيها مزيجًا من الألم والشك، ثم انهار، ودموعه تسيل كالنهر.:- "مليكة... أنا والله ما مت... عايش... عايش قدامك أهو. أنا آسف... كل ده أنا السبب فيه... آسف... أنا بعدت عنك وما قدرتش أحمي حد منكم... آسف... والله غصب عني... آسف... أنتِ في الحالة دي بسببي... آسف."
بدأت دموع "مليكة" تنزل بصمت، لكنها دفعت يده بقوة.:- "أنا بكرهك..."
همست بصوت مكسور.:- "كنت فين؟ ب... بعدت عني ليه؟ أنا كنت عايزك معايا."
بدأت تضرب صدره بيديها الضعيفة، كل ضربة كانت تحمل آلاف الكلمات من الألم.:- "ليه؟ انطق! ليه؟ أنا صرخت باسمك... كنت هاموت عشان ترجع! ليه عملت كده ليه؟ قدرت إزاي تبعد عني كل ده؟ رد! ليه؟ ليه؟ أنت زي الكل... ما عندكش قلب! أنا بكرهك! عملت كده ليه؟ حرام عليك"
(...انا السبب... )
"انت مين؟"
رفعت "مليكة" رأسها، عيناها المتسعتان من الصدمة تتوقّفان على هذا الوجه الذي يملؤه الألم والندم. لم يكن صوته هو ما أوجعها، بل ذلك الكسر الذي سمعته في صميمه. كانت الكلمات تخرج من فمها بصعوبة، كأنها تحاول تجميع شتات الحقيقة المبعثرة.
جلس "مراد" بالقرب من "جهاد"، يرتجف داخليًا وهو يرى أخاه الأكبر منهارًا، يدفن وجهه في يديه، دموعه تحفر خطوطًا من الألم على خديه.
تكلّم "مراد" بصوت خافت، كأنه يخشى أن يكسر شيئًا هشًا.:- "أنا مراد... أخوكي يا مليكة."
تحوّل وجه "مليكة" إلى لوحة من السخرية المريرة، وانفجرت في ضحك هستيري.:- "هههههه أخويا؟ أخويا مين؟ انتو مجانين صح؟"
هزّت رأسها بعنف، ودموعها تمتزج بالضحكات.:- "أخويا مات! انتو مين؟ أخواتي ماتوا وسابوني لوحدي! انتو مين؟ انت مجنون!"
رفع "جهاد" رأسه المبلل بالدموع، عيناه تتوسلان إليها.:- "مليكة، ده مراد أخونا."
قبل أن يكمل جملته، كانت يد "مليكة" قد ارتفعت وصفعته بقوة.:- "أخرس!"
صرخت، وجهها محمر من الغضب.:- "انت واحد كذاب! انتو عايزين تجنّنوني صح؟ أنا خلاص مش عايزة حاجة! ابعدوا عني بقى! ابعدوا يا جهاااااد!"
نظر "مراد" إلى "جهاد" بحزن، ثم التفت إلى "مليكة"، وكلماته خرجت كطعنات متتالية.:- "مليكة اسمعيني! جهاد ملهوش ذنب! متظلميهوش! كل اللي حصل ده بسببي أنا، والله العظيم!"
صرخت "مليكة" ووضعت يديها على أذنيها.:- "انت مين! انت مين! أبعد عني! أبعد! اطلع بره! بره!"
حاول "مراد" الاقتراب، وارتفعت نبرة صوته المرتعش.:- "أنا هحكي كل حاجة علشان جهاد ملوش ذنب في أي حاجة، كل اللي حصل غصب عنه!"
"ههههههه غصب عنه؟" ضحكت مليكة مرة أخرى، هذه المرة كان ضحكها أشبه بالصراخ.:- "تلات سنين ونص غصب عنه؟ هههههههه"
"أيوة غصب..." تمتم 'مراد'، ثم بدأ يروي القصة كاملة.
كانت "مليكة" تستمع، ودموعها تنزل بلا توقف، بينما تتكشّف أمامها الحقيقة المذهلة. كل كلمة من فم "مراد" كانت تهدم جدارًا من اليأس كانت قد بنته حول نفسها. عندما انتهى، نظرت إلى "جهاد"، الذي كان لا يزال جاثيًا على الأرض، ثم إلى مراد.
"يعني... كنت في غيبوبة... كنت بتموت واحنا مش معاك؟"
همست، ثم تحول صوتها إلى بكاء.:- "كنت عايش في مكان بعيد وبتصارع الموت واحنا مش معاك؟ وانت يا مراد، عشت لوحدك تهرب طول السنين دي علشان تحمي العائلة؟"
ضحكة أخرى خرجت منها، هذه المرة كانت ضحكة مختلطة بالبكاء.:- "يعني انتو ممتوش؟ عايشين قدامي أهو؟"
ثم انهارت، صرخات يائسة تخرج من أعماقها.:- "آآآآه... آآآآه... هو أنا ليه بيحصل معايا كل ده؟ ليه؟ ليه يا رب؟ رد يا جهاد... ليه؟ ليه؟"
رفع "جهاد" رأسه، عيناه تفيضان بالدموع.:- "آسف... آسف يا حبيبتي."
دفعت نفسها إليه وعانقته بقوة لم تكن تمتلكها من قبل.:- "أنا اللي آسفة!"
شهقت بين أحضانه.:- "آسفة إني مكنتش معاك. آسفة. متسبنيش تاني يا جهاد، متسبنيش تاني وحياتي عندك! أنا محتاجاك! أنا عايزاك معايا! أوعى تسيبني تاني"
شدد 'جهاد' من أحضانه، دموعه تختلط بدموعها. "مستحيل... مستحيل يا مليكتي! مستحيل أبعد عنك تاني، انتي روحي. آسف."
نظر "مراد" إليهما بغضب من نفسه. تمنى لو كان مكانهما، لو لم يبتعد أبدًا، لو قضى عمره كله بين أحضانهما. لكن المصير كان له رأي آخر.
ابتعدت "مليكة" عن "جهاد" ونظرت إلى "مراد"، وعيناها مليئتان بالتردد والخوف.:- "انت... مراد... أخويا؟"
هز مراد رأسه ببطء، ودموعه تنزل بصمت.:- "أيوة."
اقتربت منه وهى تزحف خطوة بخطوة، ثم مدت يدها المرتعشة.:- "يعني... ممكن أحضنك؟"
لم يستطع "مراد" الكلام، فقط هزّ رأسه بقوة بينما دموعه تزداد.:- "أتمنى."
احتضنته "مليكة" بشوق، بحب، وبكل الغضب الذي كتمته في قلبها.كانت تبكي وتضحك في آن واحد، تحضنه وكأنها تتأكد من وجوده.:- "انت عايش ومش ميت!"
شدد "مراد" من العناق، ودفن وجهه في شعرها.:- "أيوة. ومش هبعد تاني أبدًا أبدًا يا حبيبتي."
ابتسم "جهاد" ابتسامةً خافته وهو ينهض، تاركًا الاثنين في الداخل. لم تكن ابتسامة سعادة، بل قناعًا هشًا يخبئ خلفه عاصفة من الألم.
خطا خارج الغرفة، وتبعته عيناه "جاد" الذي كان يرقب المشهد من الخارج، وكأنّه يقرأ نهاية فصلٍ مؤلم في كتاب حياته.
أغلق الباب بهدوء، كمن يغلق على سرٍ ثقيل، ثمّ التفت إلى "جون". في عينيه، التقت ابتسامته الباهتة مع نظرة يملؤها وجعٌ صامت، كأنّها صرخةٌ بلا صوت. وضع يده على صدره، حيث يختنق قلبه، وشعورٌ بالوهن والانهيار يجتاح كيانه. كل خطوة يخطوها نحو "جون" كانت ثقيلة، وكأنها خطواته الأخيرة.
غمض عينيه، محاولًا التمسك بخيطٍ من القوة الواهية، وخرجت الكلمات بصوتٍ متهدج: "أنا تعبان يا جاد."
لم يُكمل جملته، فقد انهار جسده المثقل بالألم بين ذراعي جون.
أمسكه "جون" بلهفةٍ ورعب، وعينيه تحدقان في وجهه الشاحب. مرر يده على وجهه، وناداه بصوتٍ مكسور يتردد صداه في الغرفة: "جهاد... جهاد! مالك؟ رد عليّ! حبيبي، رد... جهااااد!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل