كما جرت العادة، توجهت "ماسة" إلى منزل "جهاد".
كان وقع خطواتها على الدرج مألوفًا، لكن شيئًا ما في هذا اليوم كان مختلفًا. لمست باب الغرفة برفق، ثم طرقت. بعد ثوانٍ، دفعت الباب ودخلت.
ارتعش قلبها وهي تلقي نظرة سريعة حول المكان، تبحث عن "جهاد". الغرفة كانت هادئة بشكل غريب، وكأنها تحمل أنفاسًا محبوسة. لم تجده. لاحظت، بالقرب من الفراش، صورة لـ "جهاد" يحتضن رجلاً آخر بقوة.
تحدق في الصورة، تتساءل من يكون هذا الرجل، ولماذا هذا الاحتضان بهذه القوة؟ شعرت بنبضة غريبة في صدرها، مزيج من الفضول والخوف.
فجأة، شعرت بوجود يقترب من خلفها. ارتجفت، فالتفتت ببطء لتجد "جهاد" واقفًا هناك. كان عاري الصدر، ومنشفة رطبة تلف رقبته، دليلاً على خروجه للتو من الحمام. ابتسامة خافتة، تحمل في طياتها الكثير من المعاني، ارتسمت على شفتيه.
اقترب "جهاد" أكثر، وهمس بهدوء: "ده جاد أخويا."
شعرت "ماسة" بخجل شديد، واعتذرت بتلعثم: "أنا آسفة... ما كنتش أعرف إنك هنا."
ابتسامة "جهاد" الهادئة لم تفارق وجهه: "ولا يهمك، أنتِ تيجي في أي وقت."
حاولت "ماسة" جمع شتات نفسها، لكن الارتباك سيطر عليها: "إ... إزيك... عامل إيه النهارده؟"
اقترب "جهاد" خطوة أخرى، وعيناه مثبتتان عليها: "أنتِي شايفة إيه؟"
تراجعت "ماسة" للخلف، تشعر بالخوف يتسلل إلى عظامها: "أنا شايفة إنك كويس، وإني لازم أرجع للمستشفى."
مد "جهاد" يده برفق، وأزاح خصلة شعر نزلت على عينيها، وهمس بحب: "ليه؟ أنتِ مش حابة تكوني هنا؟"
كان تنفس "ماسة" مضطربًا وهي تنفي: "لا... بس أنت بقيت أحسن، وشغلي هنا خلاص."
نظر إليها "جهاد" بغرام، صوته يحمل رغبة دفينة: "بس أنا مش عايزك تمشي."
ابتعدت عنه "ماسة" بخطوات متسارعة: "أنا آسفة، بس مش هينفع."
أومأ "جهاد" برأسه، ابتسامته تظل خافتة: "تمام، على راحتك."
ودعته وغادرت الغرفة، ثم توقفت فجأة وعادت، قائلة بتردد: "جهاد... أحم، قصدي أستاذ جهاد."
أجاب "جهاد" بغيظ مصطنع: "مع إن جهاد أحلى، بس ماشي. خير؟"
قالت "ماسة" بتوتر: "أحم... أنا جبت أختي معايا تحت، وحبيت أبلغ حضرتك."
أومأ "جهاد" بتأكيد: "ولا يهمك، هي تنوّر."
ابتسمت "ماسة" بخجل وغادرت. جلس "جهاد" على الفراش، يتنفس بعمق، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه. تمتم لنفسه: "أنا شكلي حبيتك ولا إيه؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الأسفل، كانت "لين" تتجول في المنزل بانبهار طفولي، وكأنها في متحف يضم كنوزًا فنية. اتساع المكان وضخامته أثارت دهشتها، حتى فقدت الإحساس بالوقت والمكان.
فجأة، اصطدمت بشخص ما.
صرخت بغضب: "أنت يا حمار! مش تفتح؟"
توقف "صهيب"، ونظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها. كانت ترتدي بلوزة بيضاء وبنطالًا أسود، وحذاء أبيض، وشعرها مرفوعًا على شكل ذيل حصان، مع خصلات قليلة تداعب وجهها.
عيناها الزرقاوان كانتا تقدحان شررًا. قال "صهيب" بغرام واضح: "الله أكبر، سبحان من خلقك! أنتِ مين؟"
ردت "لين" بغضب: "أنت اللي مين؟ وإزاي تخبط فيا بالشكل ده؟"
تمتم "صهيب" كمن فقد وعيه: "ده كمان صوتها حلو!"
رفعت "لين" حاجبًا: "نعم؟ أنت أهبل يا ياعم ولا شكلك إيه؟"
هز "صهيب" رأسه نفيًا: "مش عارف والله."
رفعت "لين" يدها في وجهه: "يا ابني أنت حمار!"
نظر "صهيب" إلى عينيها بحب: "أنتِ عينيكي دي حقيقي؟"
صرخت "لين" بغضب: "لا، ده أنت عايز تربية من أول وجديد!"
جاء "جهاد" من الخلف، قائلًا: "معاكي حق فعلًا!"
اقتربت "ماسة" من لين: "لين! عيب كده!"
نظرت "لين" إلى ماسة: "أنتِ مش شايفة بيبص إزاي؟"
هز "جهاد" صهيب": "أنت يا زفت، معلش أصل الحالة دي بتيجي له كتير."
أكدت لين: "واضح فعلًا!"
نظرت "ماسة" إلى جهاد" بغيظ: "لين! أنتِ بتقولي إيه؟" ثم اعتذرت لـ 'جهاد': "معلش أستاذ جهاد، بس أصلي لين أختي لسانها طويل شوية."
نظرت "لين إلى صهيب" بغيظ وتمتمت: "أستغفر الله العظيم."
مد "جهاد" يده إلى لين: "أهلًا لين، أنا جهاد."
ابتسمت لين: "أهلًا بحضرتك، أكيد عارفاك."
مد "صهيب" يده: "وأنا صهيب."
ردت "لين" بغيظ: "أهلًا."
بعد مرور بعض الوقت من جلوس "لين" مع "ماسة"، وبعد أن أُعجب الجميع بمرحها وعفويتها، جلست في الحديقة تتأمل السماء.
اقترب منها "صهيب" وقال: "إزيك؟"
نظرت إليه "لين" بلامبالاة: "أهلًا."
قال "صهيب" بتوتر: "أحم... أنا آسف على طريقتي معاكِ النهارده."
نظرت إليه "لين" بذهول: "خلاص، ولا يهمك. وأنا كمان آسفة على الكلام اللي قولته لك."
مد "صهيب" يده: "ولا يهمك، نتعرف من تاني. أنا صهيب مشاكل."
ضحكت لين: " إيه مشاكل؟"
أجاب "صهيب" بضيق مصطنع: "أيوه، هما بيقولوا لي كده."
قالت "لين" بخجل: "أحم... أنا آسفة، ما كانش قصدي أضحك عليك."
ابتسم "صهيب" بمرح: "ولا يهمك. وأنتِ؟"
جلست "لين" على المقعد: "أنا لين... لين بس ههههه."
أومأ "صهيب" بتأكيد وهو يجلس بجوارها: "أحسن برضه. أنا بحب سباق السيارات، وأنتِى؟"
قالت "لين" بإعجاب: "وااااو! سباق حلو. أما أنا بحب السفر، حلم حياتي أسافر بره، وأكيد الأكل طبعًا ."
ضحك صهيب: " أنا بقى سافرت كتير، بس ما حبيتش أي بلد رحتها."
قالت "لين" بصدمة: "إيه؟ ليه؟"
هز "صهيب" رأسه نفيًا: "مش عارف، يمكن عشان مش بحب أكون بعيد عن عائلتي."
أكدت لين: "معاك حق. أنا كمان مش عايزة أسافر من غير ماسة وماما، أنا بحبهم أوي."
أومأ "صهيب" برأسه: "وأنا كمان بحب أخويا جون، وبحب أمي، وأكثر حد جهاد، لأنه هو أبويا التاني بعد بابا الله يرحمه. هو الوحيد اللي ما أقدرش أعيش من غيره بعد موت بابا."
قالت "لين" بحزن: "أنا آسفة."
هز "صهيب" رأسه نفيًا: "لا عادي."
قالت "لين" بضيق: "أنا بقى بكره بابا أوي، هو الحاجة الوحيدة اللي في حياتي وحشة."
نظر إليها "صهيب" بذهول: "ليه؟"
قالت لين بحزن: "بابا عمره ما فكر فيا، أهم حاجة عنده إنه يشرب. أما ماسة هي بالنسبة ليا هي أبويا."
قال "صهيب" بحزن: "أنا العكس، كنت بحب بابا أوي. هو كان كل حياتي، كان حنين، بيعامل الكل بحب، وعمره ما فرّق بينا وبين جهاد أو مليكة."
سألت لين: "مليكة مين؟"
ضحك صهيب: " مليكة دي بقى الملكة بتاعت العيلة، هي أخت جهاد الصغيرة وزوجة أخويا جون أو جاد."
سألت لين: "هو جون ولا جاد؟"
أكد صهيب: "بصي يا ستي، جون ده اسمه قدام الكل، أما جاد ده الاسم الوحيد اللي ما يسمحش لحد إنه يقوله غير جهاد ومليكة بس."
قالت "لين" بتعجب: "إشمعنى؟"
ابتسم صهيب: "عشان جهاد وجاد دول حالة مختلفة، حاجة كده أكتر من الأخوة. يفهموا بعض من غير ما حد فيهم يتكلم، بيحبوا بعض بدرجة نادرة."
قالت "لين" بإعجاب: "حاجة جميلة أوي، يا ريت عندي أخ."
غير "صهيب" الموضوع: "أنا أول مرة أتكلم مع حد كده."
أكدت لين بضحكه ناعمه: "وأنا كمان ."
نظر "صهيب" إلى ضحكتها بحب: "أنتِ جميلة يا لين."
قالت "لين" بخجل: "إحنا هيظهر الجنان تاني ولا إيه؟"
هز "صهيب" رأسه نفيًا: "لا، أنا آسف، بس باقول الحقيقة."
نظرت "لين" إلى السماء: "شكرًا يا سيدي."
ابتسم لها "صهيب" وظل ينظر إليها قليلاً وإلى السماء قليلاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.."روسيا"..
في إحدى غرف "جون" الفاخرة، التي تطل على سماء روسيا الرمادية، جلس "جون" بهدوء قاتل، ساق فوق الأخرى، وعيناه تخترقان الأفق البعيد.
أمامه، كان يقف "توماس"، الذي بدا كشبح أمام قوة "جون".
"لكن جون!" قال "توماس" بذهول، محاولًا استيعاب الأمر.
نظر إليه "جون" بنظرة قذف بها شرارات، وقال بصوت حازم: "هذا ما عندي يا توماس."
نفى "توماس" برأسه، واليأس يزداد في صوته: "حسنًا، ولكن كيف تريدني أن أرحل إلى الأبد؟ هذه بلدي!"
اشتدت نظرة "جون" حدة، وأصبحت كلماته كالسياط: "بلدك هذه؟ أنت حاولت قتل رئيس! وأنا أريدك أن تغادر الآن لأنك صديقي فقط. لولا هذا، لكنت الآن ضمن الأموات. هل تفهم؟"
أومأ "توماس" برأسه بضيق، محاولًا التماس بعض الرحمة: "لكن جون، هذا لا يجوز!"
لم يزد "جون" على أن منحه نظرة أخرسته تمامًا.
قال "توماس"، بصوت تخنقه الرهبة: "حسنًا، كم تريد؟ سأغادر غدًا."
رد "جون" بهدوء مخيف: "الآن يا توماس."
ارتجف "توماس"، وقال بتوتر: "حسنًا، أستاذًا."
غادر "توماس"، يشتعل غضبًا، خطاه تتعثر تحت وطأة الإهانة والقهر.
لم تمر لحظات حتى دخل أحدهم، وقال بتردد: "سيدي، أعتذر على المقاطعة."
أشار "جون" إليه، وقال بهدوء غير متوقع: "تعال اجلس يا ليو. ماذا هناك؟"
جلس "ليو"، يتصبب عرقًا من التوتر، وقال: "سيدي، لقد حاولت أن أعلم بعض الأمور التي تخص موت والدك من الوزارة."
أومأ "جون" برأسه بتأكيد: "أجل، هل حدث جديد؟"
هز "ليو" رأسه، وقال: "أجل يا سيد جون، لقد حاولت المعرفة ولكن ليس الكثير."
قال "جون" بصوت خفيض، يمزقه الترقب: "أخبرني هيا."
بدا "ليو" مترددًا، ثم قال بتوتر: "سيدي، السيد عيسى قُتل من أحد يعرفه."
اتسعت عينا "جون"، واشتعلت فيهما شرارة جنونية: "ماذا تقصد؟"
تراجع "ليو" خطوة، وقال بخوف: "الذي قتله أحد من أفراد العائلة."
قبض "جون" على رقبة "ليو" بقوة، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى: "ماذا تقول أنت؟ هل جننت؟"
حاول "ليو" التنفس بصعوبة: "س... سيدي... ه.. هذه الح... حقيقة... هذا م... ما عرفته من أحد الأشخاص الموثوق بهم."
ترك "جون" ليو" بغضب، ووضع يده على شعره وهو ينفي بشدة: "مستحيل! من... من يفعل هذا؟"
لهث "ليو" بصعوبة، وقال: "سيدي، هذا فقط كل ما عرفته."
نظر إليه "جون" بحدة، وقال بتهديد: "سوف تعرف من! هل تسمع؟ يجب أن تعرف، وإلا قتلتك بيدي. هيا اذهب!"
ركض "ليو" إلى الخارج، صوته بالكاد يخرج: "كما تريد يا سيدي؟ أستاذًا!"
غادر "ليو" بسرعة، تاركًا "جون" في صدمة عميقة، والتفكير يشل عقله، ودوامة من الأسئلة تنهش روحه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
..." مصر"...
في منزل "ماسة" بالقاهرة، عادت الفتاة منهكة بعد مغادرة منزل "جهاد"، وبعد أن أوصلت "لين" إلى صديقتها .
دخلت إلى ظلمة المنزل، الذي كان خاليًا بعد أن ذهبت أمها لزيارة أحد الأقارب. اتجهت إلى غرفتها لتغيير ملابسها، لكن بعد قليل انقطعت الكهرباء، وغمرها شعور بالخوف يجري في كل جسدها. حاولت الذهاب إلى المطبخ للبحث عن الشموع، حتى شعرت بوجود أحدهم خلفها، ويده تمتد لتلامس جسدها.
نظرت "ماسة" برعب إلى زوج أمها، "كمال"، وهو يقترب منها، تتراجع "ماسة" إلى الخلف بخوف وهي تقول بصوت مرتجف: "ا... أنت عايز إيه؟"
ابتسم "كمال" بابتسامة خبيثة تظهر خلفها شهوة وحب مزيف: "عايزك."
انهمرت دموع "ماسة"، وقالت برجاء: "لا، ابعد عني بالله عليك."
ضحك "كمال" بصوت أجش: "هههههه، لا، أنا ما صدقت إننا لوحدنا."
رجعت "ماسة" برعب إلى الخلف، وقالت: "ابعد عني بدل والله العظيم أصرخ وألم عليك الدنيا!"
ضحك "كمال" بسخرية: "ههههه، اصرخي، ما فيش حد هيسمعك أبدًا."
توسلت "ماسة"، وعيناها تملؤهما الرجاء: "طيب بالله ابعد عني، أنت زي أبويا."
حاول "كمال" الإمساك بها، وقال ببرود: "اسكتي! أنا مش أبو حد! أنا متزوج أمك الغبية دي عشانك أنتِى."
ركضت "ماسة" إلى الغرفة، وحاولت إغلاقها، وهي تصرخ: "ابعد عني أبوس إيدك، أنا زي بنتك!"
حاول "كمال" فتح الباب، وقال بصوت عالٍ: "افتحي الباب وأنا هسيبك، افتحي يا ماسة!"
صرخت 'ماسة': "لا! لا مش هفتح!"
قال "كمال' بغضب: "لو ما فتحتيش هكسر الباب! افتحي أحسن ليكي!"
وضعت "ماسة' يدها على وجهها، وقالت بصوت متهدج: "لا، م... مش هفتح ليك."
في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، تلمّست "ماسة" طريقها في الغرفة المعتمة، باحثةً عن هاتفها كغريق يبحث عن قشة نجاة. وجدته أخيرًا، وشعرت بخفقان قلبها يتسارع مع كل لمسة على الشاشة. أناملها المرتعشة كانت تبحث عن رقم أختها، لكن الخوف تملّك جسدها بأكمله، مشلاً قدرتها على التركيز. بعد عدة محاولات يائسة، رفعت الهاتف إلى أذنها، وكلمات التوسل خرجت منها بصعوبة، متقطعة بدموعها: "ألو... ألو... ل... لين... ساعديني!"
على الطرف الآخر، أجاب "جهاد" بذهول، فقد كان الرقم الذي اتصلت به "ماسة" هو رقمه.
"ماسة؟" قال بصوت مفعم بالاستفهام والقلق.
توسلت "ماسة"، صوتها يرتجف، "جهاد! جهاد! ساعدني، أنا خايفة!"
حاول "جهاد" استيعاب ما يحدث، لكنه لم يفهم سوى الخوف في صوتها. "ماسة، مالك؟ حصل إيه؟ أنتِ فين؟"
استمعت "ماسة" إلى صوت زوج أمها وهو يضرب الباب بقوة، فقالت بصوت خافت متوسل: "أنا في البيت والنبي ساعدني!"
اندفع "جهاد" إلى سيارته، وقال وهو يسرع في تشغيل المحرك: "طيب اهدي، أنا جاي حالا، ماشي؟"
انطلق "جهاد" بسيارته بأقصى سرعة نحو منزل "ماسة"، الذي كان قد عرف مكانه من خلال معلوماته السابقة عنها.
في غضون دقائق معدودة، وصل إلى المنزل.
في الأعلى، كان "كمال" قد نجح في كسر الباب، وانطلقت "ماسة" في الغرفة مذعورة، محاولة الابتعاد عنه، وهي تصرخ: "ابعد عني! أنت إيه؟ ما عندكش قلب؟ أنا زي بنتك!"
ضحك "كمال" بسخرية مرعبة، صوته يرتفع في جنون: " لا، أنا بحبك أوي يا ماسة، وكنت بشوفك كل يوم وأنتِ بتكبري قدامي أكتر من اليوم اللي قبله، وبتزيدي حلاوة!"
حاولت "ماسة" الفرار من الغرفة، لكن "كمال" أمسك بها وأسقطها على الأرض بقوة. "على فين؟"
قال بابتسامة قاسية، "ما فيش حد يقدر ينقذك مني انهارده!"
اقترب "كمال" من "ماسة"، التي كانت تصرخ برجاء أن يتركها، لكن الرحمة كانت قد انتزعت من قلبه. بدأ يمزق ملابسها، وفي لحظة اقترابه الأخيرة، انقض عليه "جهاد"، ورفعه عن "ماسة".
نظر إليه "كمال" بصدمة، وقال بصوت خافت: "أنت مين؟"
انهال عليه "جهاد" بالضرب، لكمات قوية لا تعرف الرحمة، وقال بغضب: "أنا اللي هاخد روحك!"
ظل "جهاد" يضرب "كمال" بكل قوة، حتى أوشك على تمزيق جسده.
لكن صرخة "ماسة"، التي خرجت منها بصوت ممزوج بالخوف والصدمة، أوقفته. ابتعد "جهاد" عن "كمال"، واقترب من "ماسة" ببطء، وعيناه تتفحصان ملابسها الممزقة.
خلع إحدى الملابس من الفراش ووضعها على جسدها، وقال بصوت حنون محاولًا تهدئتها: "اهدي، أنا هنا، ما تخافيش، ؟"
"ماسة"، التي كانت ترتجف رعبًا، قالت بصوت متقطع: "أنا خايفة أوي، آه..."
حاول "جهاد" مساعدتها على النهوض والخروج من هذه الغرفة، التي أصبحت بئرًا من الذكريات المروعة.
وضعها على الأريكة، وهمّ بالمغادرة، لكنها أمسكت بيده، وقالت بصوت ضعيف: "على فين؟"
نظر "جهاد" إليها : "ما تخافيش، هروح أشغل الكهرباء."
توسلت "ماسة" برجاء، وعيناها تتوسلان ألا يتركها: "بلاش تروح بالله عليك، أنا خايفة."
جلس "جهاد" على ركبتيه أمامها، وعيناه تلتقيان بعينيها الخائفتين: "ما تخافيش، أنا جنبك. وبعدين هو مستحيل يقوم تاني"
هزت "ماسة" رأسها وهي تنظر إليه، لا تزال الصدمة تسيطر عليها.
نهض "جهاد" وأضاء الأنوار في المنزل، فعاد النور ليطرد بعضًا من الظلام الذي خيم على المكان، ثم عاد إليها.
جلس بجوارها بعض الوقت، وهي تبكي بكل ما فيها من قوة ورعب، حتى وصلت "لين" وأمها.
نظرت الأم إلى المكان المدمر، ثم إلى حالة ابنتها المنهارة. ركضت "لين" نحو "ماسة"، وجلست أمامها، وقالت بصوت مكسور: "ماسة، حصل إيه معاكي؟ أختي، أنتِ كويسة؟ ردي!"
نظرت الأم إلى ابنتها برعب، وقالت: "ماسة، إيه اللي حصل؟ ردي يا بنتي، أنتِ كويسة؟"
"لين"، وهي تبكي على أختها وتضع يدها على وجهها برعب: "ماسة ردي عليّا، أختي، مين عمل فيكي كدا؟"
نظر "جهاد" إلى "لين"، وقال: "لين اهدي، هي كويسة."
قالت "لين" بدموع وغضب: "إيه اللي حصل معاها ومين اللي عمل كدا؟ وأنت بتعمل إيه هنا؟"
نظر "جهاد" إلى "لين" و"أمها"، وشرح لهما كل ما حدث.
نظرت الأم إلى ابنتها بصدمة، بينما بكت "لين" بحزن على "ماسة"، وقالت: "ماسة، أنا آسفة، أنا اللي سبتك، سامحيني."
قالت الأم بدموع، وعيناها تملؤهما الحسرة: "كله بسببي أنا، أنا السبب يا حبيبتي."
نفى "جها"د ما قالته الأم ولين: "ما فيش داعي للكلام ده، ممكن كلكم تتفضلوا معايا."
نظرت الأم بذهول: "على فين؟"
أكد جهاد: "ما تخافيش، هاخدكم مكان أمان عن هنا."
نظرت الأم إلى "لين" التي هزت رأسها بالموافقة، وقالت بتردد: "بس أنت..."
وضع "جهاد" يده على يد الأم، وقال بحنان: "ما تخافيش، أنا زي ابنك وعمري ما هأسيبكم"
هزت الأم رأسها، وقالت: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي، لولا إنك موجود..."
نفى "جهاد"، وهو ينظر إلى "ماسة" التي كانت تبكي بصمت: "ما تقوليش كدا، أنا زي ابنك."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.." منزل جهاد"..
دخل "جهاد" إلى منزله، تتبعه "لين" التي كانت تحتضن "ماسة" المرتعشة، وقد سالت دموعها بصمت.
خلفهما، سارت الأم بخطى ثقيلة، عيناها تحكيان قصة رعب لم تنتهِ بعد.
التفت "جهاد" إلى "لين" وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "لين، فيه أوضة هناك، خدي ماسة فيها، وهناك فيه هدوم ؟"
هزت "لين" رأسها بالموافقة، وقد بدأت ملامح الارتياح تظهر على وجهها: "ماشي."
غادرت "لين" وماسة" نحو الغرفة، بينما نظر "جهاد" إلى الأم وقال بصوت خفيض: "ممكن أتكلم معاكي؟"
أومأت الأم بتأكيد: "تحت أمرك."
دخل "جهاد" إلى مكتبه، ودعا الأم للدخول. أشار إليها لتجلس، ثم جلس بجوارها، وقال بجدية: "أنا عايز أتجوز ماسة."
شهقت الأم بصدمة: "إيه بس؟"
أمسك "جهاد" بيدها بلطف: "ممكن أتكلم معاكي الأول وبعدين تقرري؟"
قالت الأم بتردد: "ماشي."
ظل "جهاد" يتحدث مع الأم لفترة طويلة، يوضح لها نواياه الصادقة، ويشرح لها موقفه من "ماسة". كانت كلماته تلامس قلب الأم الذي أنهكته الأحداث، حتى بدأت ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيها.
قالت الأم أخيرًا بابتسامة: "أنا موافقة."
تنهد "جهاد" براحة، وقال: "شكرًا ليكي."
وضعت الأم يدها على وجهه بحنان، وقالت: "على إيه؟ أنت زي ابني."
نهض "جهاد" وخرج من الغرفة. أرسل رسالة إلى مجهول، وبعد قليل، طرق على باب غرفة "ماسة"، التي كانت لا تزال تجلس على الفراش بخوف، بينما "لين" تجلس بجوارها محاولة تهدئتها.
نهضت "لين" وفتحت الباب.
سأل "جهاد" بقلق: "هي عاملة إيه دلوقتي؟"
قالت "لين" بحزن: "زي ما هي."
قال "جهاد" بضيق: "ممكن أتكلم معاها لوحدنا؟"
نظرت "لين إلى ماسة" خلفها، ثم إلى جهاد، وقالت: "ماشي، اتفضل."
دخل "جهاد" وغادرت لين. اقترب "جهاد" وجلس بجوار ماسة، وقال بهدوء: "ماسة."
رفعت "ماسة" عينيها، اللتان أصبحتا ككأسيّ دماء من كثرة البكاء، ونظرت إلى "جهاد".
ابتسم لها "جهاد" بلطف، وقال: "أنا بطلب إيدك للزواج."
نزلت الدموع من عيني "ماسة" بصدمة، وقالت: "بس أنا مش عايزة شفقة من حد."
مسح "جهاد" دموعها من على وجهها ببطء وحنان: "ماسة، دي مش شفقة."
نهضت "ماسة" من على الفراش، وحاولت الخروج من الغرفة: "لا يا أستاذ جهاد، دي شفقة. وأنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي... أنا أكيد صعبة عليك."
أمسك "جهاد" بيدها وأدارها نحوه: " ماسة، أنا بحبك."
هزت "ماسة" رأسها نفيًا: "لا يا أستاذ جهاد، أنت مش بتحبني، أنت عايز تاخد فيا ثواب مش أكتر. بس أنا ببعدك عن الحمل ده وبقولك ما فيش داعي للزواج."
أحاط "جهاد" وجهها بين يديه، ونظر في عينيها مباشرة، وقال بصدق وعمق: "ماسة، أنا والله العظيم من يوم ما شوفتك وأنا حبيتك، وعمري ما فكرت في حاجة من دي. أنا بحبك وبحب كل حاجة فيكي، أنتِ حبي الوحيد."
قالت "ماسة" بدموع: "الكلام ده مش حقيقي."
وضع "جهاد" قبلة حنونة على رأسها، وقال: "أنا مستعد أعمل المستحيل عشانك، أنتِ فاهمة؟"
نظرت "ماسة" إليه بنظرة ممزوجة بالخوف والحب، وقالت: "جهاد."
قال "جهاد" بنظرة حب تملأ عينيه: "جهاد بيعشقك يا ماسة، بس المهم دلوقتي أنتِ إيه؟"
احتضنت "ماسة" جهاد" بقوة، وقالت بصوت خافت: "ماسة عمرها ما حبت غير جهاد."
قال "جهاد" بفرحة لم يتمالكها: "بجد؟"
ماسة بدموع: "أنا بحبك ."
حملها "جهاد" للأعلى، ثم أنزلها مرة أخرى، وأخرج أحد الفساتين من الخزانة. قال وهو ينظر إليها بابتسامة واسعة: "موافقة تتزوجيني؟"
نظرت له "ماسة" بخجل جميل، وقالت: "موافقة."
نظر "جهاد" إليها بفرحة غامرة، وغادر الغرفة: "أنا بره في انتظارك."
نظرت إليه "ماسة" بحب ودموع، ثم توجهت "لين" لتساعد أختها في الاستعداد.
بعد مرور بعض الوقت، خرجت "ماسة"، وقد بدت في غاية الجمال والرقة في فستانها.
اقتربت منها "مايا"، ونظرت إليها بحب، ثم إلى "جهاد" الذي كان يرتدي بدلة أنيقة، ويقف بجوار "دين "وصهيب"، بينما أمها كانت تجلس.
نهضت الأم وقالت لها بحنان: "ألف مبروك يا حبيبة قلبي."
قالت "ماسة" بدموع الفرح: "الله يبارك فيكي."
اقترب منها "جهاد"، ووضع يده بين يديها، وقال: "زي القمر... أنتِ جاهزة؟"
نظرت "ماسة" إلى الفرحة التي تملأ عيني "جهاد"، وقالت: "جاهزة."
جلس "جهاد" بجوار المأذون، وقال: "وكيل ماسة هيكون صهيب، وأنا الوكيل بتاعي دين. موافقة يا ماسة؟"
نظرت "ماسة" إلى صهيب" بتأكيد، وقالت: "موافقة."
جلس "صهيب" بجوار ماسة بفرحة، وقال: "وأنا طبعًا موافق، يلا!"
تم أخيرًا الزواج على خير، وأصبحت "ماسة" ملكًا لـ "جهاد"، لتُطوى صفحة من الرعب وتبدأ صفحة جديدة من الأمل والحب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل