البارت السادس والعشرين 🦋

البارت السادس والعشرين 🦋

38 0

وحشتوني 🙈💋

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام باب الغرفة، كان يقف "جون"، يغمض عينيه ويسند رأسه على الحائط البارد، وكأنّه يستمد منه شيئًا من القوة لمقاومة القلق الذي يعصف به. لم يكن تعبًا جسديًا بقدر ما كان إرهاقًا عاطفيًا.

خرج الطبيب أخيرًا، فهرع إليه "جون" بلهفةٍ كادت أن تخنقه، وكلماته تخرج بصوتٍ متقطع: "أخبرني... هل هو بخير؟"

أجابه الطبيب بابتسامة مطمئنة: "لا تقلق يا سيدي، إنه بخير".

لكن الشك لم يفارق جون. "لماذا فقد الوعي إذًا؟" سأل، وكأنه يتوقع إجابةً أخرى.

شرح الطبيب: "سيد جون، لقد تعرض لضغط عصبي شديد. والغيبوبة التي خرج منها مؤخرًا جعلته أكثر عرضة لذلك. لقد قمنا باللازم، وسيكون بخير. حقًا، لا داعي للقلق".

لم يقتنع "جون" تمامًا. نظر نحو الباب المغلق، وكأنّه يحاول أن يرى "جهاد" بعينيه، وسأل بنبرةٍ يملؤها الشك: "هل أنت متأكد أنه بخير؟"

تنهد الطبيب ببعض الدهشة، وقال: "يا سيدي، أنا طبيب. أعلم ما أقوله لك".

بإيماءةٍ متهدجة، رفع "جون" يده إلى رأسه كمن يحاول لملمة أفكاره المتناثرة.:- "حسنًا... يمكنك المغادرة".

الطبيب وهو يغادر، كانت كلماته الأخيرة كتحذير: "فقط، أرجوك، هو يحتاج للراحة التامة".

أومأ "جون" برأسه وأسند ظهره على الحائط المقابل للغرفة، يجلس على الأرض بتعب. لم تعد عيناه تتحملان النظر إلى الباب المغلق، لكنه لم يستطع إبعادها. كل تفصيلة في حياة "جهاد"، كل كارثة عاشها، كانت تدور في ذهنه كفيلم بلا نهاية. كان يتساءل كيف لا يزال جهاد على قيد الحياة، ينام خلف هذا الباب، وكيف لم ينهار هو الآخر. تنهيدة ثقيلة أفلتت منه قبل أن يرفع رأسه ليجد "مراد" يتقدم نحوه مسرعًا، والقلق يكتب على ملامحه: "جون، فى ايه فين جهاد"

أدار "جون" رأسه ببطء نحو الباب، ثم عاد بنظره إلى مراد: "تعب شويه"

أشار "مراد" إلى الغرفة بحاجبين معقودين: "تعب ازاى؟ وهو فين"

أشار "جون" إلى الغرفة: "هناك، هو كويس الدكتور لسه كان موجود عنده"

سأل "مراد" بلهفة، ": دكتور هو قال ايه"

مسح "جون" وجهه بإرهاق: "إجهاد عصبي. بس هيكون بخير"

وضع "مراد" يده في شعره بحدة، ثم اتجه نحو الباب ليدخل بسرعة، لكن "جون" أوقفه بصوت حاد: "الطبيب الدكتور قال لازم يرتاح "

استدار "مراد" ببطء، نظرة الغيظ تملأ عينيه. تراجع عن الباب، وجلس بعيدًا عن "جون"، وكأن المسافة بينهما هي انعكاس لحالة الصمت الثقيل الذي خيم على المكان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت ساعة، ثقيلة، هادئة، وكأنها دهراً.

داخل الغرفة، تحرك الجسد فوق الفراش. فتح عينيه ببطء، غشى بصره ضبابٌ خفيف، ثم اتضحت الرؤية. نظر حوله بلهفة، يبحث عن وجه مألوف، عن أي علامة على وجود شخص، لكن الغرفة كانت فارغة. حاول أن ينهض، تملكه شعور بالهلع مع كل ذكرى تتقافز في ذهنه؛ ما حدث للجميع، والكلمات المقطعة، والأصوات التي لا تزال ترن في أذنيه. كان الخوف ينمو في داخله، يتغذى على الأفكار السوداء التي تحوم حوله.

نهض بصعوبة، يداه ترتجفان، كأنه يحمل جبلاً على ظهره. كاد يخطو بقدمه الأولى على الأرض الباردة، لكن دواراً عنيفاً انقض عليه، جعله يترنح. شعر بأن الأرض تدور من حوله، وكاد يسقط لولا أنه عاد ليسقط على الفراش.

في تلك اللحظة، دخل "جون". كان يراقبه بقلق من الباب، فرآه يصارع لينهض. اقترب منه بهدوء، وجلس على حافة السرير. وضع يده على كتفه، لمسة مطمئنة، وقال بصوت خفيض: "أنت بخير؟"

رفع "جهاد" عينيه المتعبتين، كأن ثقلاً ألقي على جفنيه، وقال بصوت ضعيف: "  ايه إللى حصل "

"جون" وضع الكرسي أمامه وجلس، وقال وهو يحدق في عينيه: "الدكتور قال إنك بخير، مجرد إرهاق شديد."

كانت عينا "جهاد" تبحثان عن شيء آخر.:- "ومليكة؟ وجهاد؟ هما بخير؟"

هز "جون" رأسه بتأكيد: " متقلقش هما بخير الدكتور لسه مطمني عليهم"

حاول "جهاد" أن ينهض مرة أخرى، كان الألم في جسده يتلاشى أمام إلحاح قلبه.:" عايز اشوفهم "

أمسك جون يده وأعاده للفراش.:- " جاك و ماسه جنب ابنك ومليكه مراد لسه كان هنا وراح يطمن عليها"

نظر "جهاد' إلى "جون" برجاء، كان صوته يرتجف: "جاد، أرجوك... عايز اطمن على دين وصهيب العيله كلها مش كويسه افهمني "

عبس جون: " انا فاهم قلقك بس مش هما لوحدهم اللى مش كويسين وانت كمان مش كويس ولازم ترتاح"

هز "جهاد" رأسه بالنفي بإصرار: " انا كويس خليني اروح اطمن عليهم لو اتاخرت ماسه هتقلق وممكن تشوفني بالحاله دي وتتعب اكتر انا مش عايز كدا مش عايز حد تاني يتعب بسببي"

نظر إليه "جون" بضيق: " جهاد انت بتعند ليه ومصر تتعب نفسك ماسة جنب جهاد وانا فهمتها انك تعبان وبترتاح شويه"

أصرّ جهاد: "  طيب اروح اشوف سام "

تنهد جون بيأس: "استغفر الله... سام مفيش فيه حاجه علشان تشوفه انت عايز تقوم وخلاص "

أجاب "جهاد" بنبرة قوية، تكسرها المعاناة: "لا يا جاد. سام قتل ابوه هو اكتر واحد تعبان فينا اكيد حساس بالعجز والقرف من نفسه سام مش كويس صدقني انا اكتر واحد حاسس بيه كلكم شايفين إللى عمله صح بس هو لا عايز حد جانبه دلوقتي دين مش واعي عشان يكون معه خليني اشوفه "

نظر "جون" بذهول، لم يتوقع هذا العمق من التفكير في شخص في هذه الحالة. تنهد وهو ينهض، وأكد له: " تمام ارتاح انت وانا هروح اشوفه "

حاول "جهاد" أن يسير أمامه: "لا، انت بلاش هروح انا "

استسلم جون: " ماشي اتفضل"

تابع "جهاد" السير خلفه، شعر براحة طفيفة، لكن قلبه كان لا يزال مثقلاً بالخوف على الجميع. كان يريد أن يطمئن على كل فرد منهم، كان يريد أن ينام وهو يعلم أنهم جميعاً بخير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ركنٍ من إحدى غرف المشفى، كان "سام" يجلس على الأرض الباردة. الظلام كان يحيط به كحبلٍ خانق، لا يكاد يفرق بين ملامح المكان وفوضى أفكاره. كانت عيناه تحدقان في الفراغ، لكنهما لم تريا شيئًا، فداخله كانت عاصفة من الضياع تضرب كيانه. تمنى أن يكون هذا كابوسًا، أن يستيقظ ليجد أمه حيةً، ووالده رجلاً بسيطًا لا يعرف الكراهية.

سقطت دموعه في صمتٍ وهو يضع رأسه بين ركبتيه، يضم جسده بضعفٍ كمن يحاول أن يلملم شتاته.

في تلك اللحظة، شعر بيدٍ دافئةٍ على كتفه. جلس شخصٌ أمامه، ينير وجهه الخافت من ظلمة الغرفة.:-

"سام..." ناداه الصوت بهدوء.

رفع "سام" رأسه المبلل بالدموع، همس بصوتٍ متقطعٍ يكاد لا يُسمع: "جهاد..."

"سام"، وهو ينهض فجأة ويعانق "جهاد" بعنف، كمن يحاول الاختباء من شيء ما: "أنا قتلته يا جهاد… قتلت أبويا."

"جهاد"، وهو يطبطب على ظهره بهدوء، محاولاً تهدئته: "اهدأ يا حبيبي، اهدأ. أنت مالكش ذنب، هو اللي كان يستاهل."

يبتعد "سام" عن أحضان "جهاد"، وعيناه مكسورتان كمرآة تحطمت إلى ألف قطعة: "ما كنتش عايز أعمل كده. ما كنتش عايز! قتلت أبويا... أنا مش عارف إزاي عملت كده. ليه كان كده؟ ليه؟ كل اللي عمله ده عشان في الآخر أنا أقتله؟"

تتزايد حدة صوته، وتظهر علامات اليأس على وجهه: "هو اللي خلانا نكرهكم! قال إنكم السبب في موت أمي. قال إن جدك قتله، وحرمنا منها. قال إن جدي عزمي مات بسبب جدك. يا جهاد، هو اللي زرع الكره في قلوبنا. هو اللي دخلنا الميتم بتاعكم عشان نكون من رجالتكم وندمركم من جوه."

يهدأ "سام" قليلاً، وتتغير نبرته إلى حزنٍ عميقٍ: "بس إحنا... إحنا عشنا معاكم. حبينا العيلة كلها. اللي كان في بيتك ده ما كانش كره يا جهاد، بالعكس. أنا عرفت الحب والإخوة والصداقة. عرفت يعني إيه عيلة. لكن هو... كان بيزرع الكره جوانا أكتر وأكتر. كان بيخلينا نتجسس عليكم. كل حاجة كنتوا بتعملوها أو هتعملوها كانت بتوصل له."

يهز رأسه بأسف شديد: "كتير قوي كنا بنقرف من نفسنا، لكن فكرة الانتقام كانت عامية عينينا... ولما قال إنه عايز يقتلك أنت وجون، إحنا رفضنا. قلنا له مالكوش ذنب. بس هو رفض... وإحنا، إحنا كنا بنعمل أي حاجة عشان نحميكم. أنتوا إخواتنا يا جهاد. مستحيل كنا نأذيكم."

يتابع "سام" بمرارة، وعيناه تحبسان الدموع بصعوبة: "هو اللي قال لجون إنك قتلت عمك. هو اللي قال لجون على المكان اللي جدك مخبيك فيه. بس جون ما راحش يقتلك. بس الرسالة اللي بعتها… هي اللي بسببها حصل كل ده. أنت مت بسببي... بسببي أنا ودين. أنا آسف… أنا آسف إن كل ده حصل لك بسببنا."

تخرج الكلمات من فمه بصعوبة، كأنه يتقيأ الحقيقة المُرّة: "بعد موتك، كشفنا كل حاجة لجون. بعد ما عرف إن فيه حد تاني ورا كل ده. قلنا له على كل حاجة. وجون قدر يعرف الحقيقة اللي دمرتنا... إن أبويا اللي بنعمل كل ده علشانه، هو اللي قتل أمي... وكل ده كان عشان الفلوس والثروة وبس. قررنا ندفعّه التمن غالي."

يهبط على ركبتيه، يضع وجهه بين يديه، ويكرر كلماته بندمٍ مكسور: "أنا آسف يا جهاد… آسف. كل اللي حصل في حياتك كان بسببي... وبسبب غبائي."

 

"جهاد"، بنظرات تحمل الصدمة والألم في آن واحد، لم يستطع إخفاء مرارته من المشهد أمامه: "مش عارف أقول إيه… بس أنا مسامحك، صدقني يا سام. كل اللي حصل معاك كان بسبب حبك لأبوك وأمك. أي حد فينا مش بيقدر يغير قدره، وده كان لازم يحصل. أنا حاسس بيك… إنك تقتل شخص كان عزيز عليك، دي مش حاجة سهلة. بس على الأقل الكل عارف إنه يستاهل، وأنت ما هربتش. خوفك من إن حد يعرف ده مش هيسيطر عليك. صدقني يا سام، أنت عملت الصح. أيوه، هو أبوك، بس اللي زيه ما يستاهلش يكون أب."

"سام"، وعيناه تغرقهما الدموع، هز رأسه وهو ينظر إليه بحيرةٍ وألم: "هو مش أب. كان عايز يقتل دين. طيب... ده مش ابنه؟ إزاي قلبه طاوعه يعمل كده؟ إزاي يا جهاد؟"

"جهاد"، وهو يتأمل الماضي بحزنٍ عميقٍ: "مش هقول إني مستغرب. بس انسى اللي فات. لو ما كنتش عملت كده، كان زمانك أنت اللي ميت."

تنهيدة ألمٍ حارقة خرجت من سام: "يا ريتني كنت مت. يا ريت. دلوقتي الكل بيكرهني، حتى جوليا."

"جهاد"، يحاول بث الأمل في قلب سام: "ما تقلقش. اللي حصل هناك انتهى هناك. ما حدش هيعرف أي حاجة. وبالنسبة لجوليا، هي بتحبك ومش هتسيبك ولا هتكرهك. وجون… لو كان عايز يأذيك كان عمل كده من زمان."

ينظر "سام" إلى "جهاد" بعينين يملؤهما الخوف والتردد، كما لو أنه يخشى الإجابة: "وأنت... أنت مش بتكرهنا؟"

يرسم "جهاد" ابتسامة ضعيفة، وهو يضع يده على كتف سام: "أنت غبي! أنا مش بكره حد فيكم. اللي حصل كان غصب عنكم. أنت زي صهيب عندي، أخويا الصغير. وإخواتي بيغلطوا وأنا لازم أغفر لهم وأستحمل غباءهم، ولا إيه؟"

ابتسم "سام" من بين دموعه وتنهد، شعور بالارتياح بدأ يتسلل إلى قلبه: "دين مستحيل يسامحني على اللي عملته. أنا قتلت أبويا..."

قاطع صوته صوتٌ قادمٌ من خلفهم: "أنت بتتكلم بالنيابة عني ليه؟"

استدار "سام" برأسه ببطء، وعيناه ممتلئتان بالدموع، ليجد "دين" يقف خلفهم. يهمس بصوتٍ مرتجف: "د... دين... أنا آسف."

اقترب "دين" من "سام" وجلس أمامه ببطء، وقد بدت عليه آثار الألم.

نظر إلى "سام" وعانقه بقوة، وكأنه يضم نفسه. قال بصوتٍ خافت، وقد اهتزت كلماته من الألم: "أنا اللي آسف. آسف إني كنت في الموقف ده بسببك. آسف إني أنا اللي ما قتلتوش مكانك وريحتك منه. آسف عشان أنت بتعاني لوحدك دلوقتي، وأنا ما حسيتش بيك."

اختبأ "سام" بين أحضان "دين"، ولم يستطع أن ينطق سوى: "دين... غصب عني... والله آسف."

أبعد "دين" "سام" عن أحضانه، ونظر إليه بثبات: "لو ما كنتش عملت كده، كنت أنا اللي هعمل كده. ما تعتذرش تاني. أنت فاهم؟"

"جهاد"، وعلامات الفرحة تعلو وجهه، قال وهو ينظر إليهما: "خلاص، كفاية اعتذارات. المهم إنكم كويسين، ولا إيه يا دين؟"

هز "دين" رأسه بابتسامة، وقد عادت الحياة إلى وجهه: "أنا كويس، ما تقلقش."

نهض "جهاد" من مكانه، وهو يغادر الغرفة: "لا يا أخويا، مش قلقان."

نادى "دين" على "جهاد" بفرحةٍ ظاهرةٍ: "جهاد! أنا بجد فرحان إنك لسه عايش وموجود دلوقتي."

ابتسم "جهاد" ابتسامة صادقة وهو يغادر، وقال: "وأنا كمان. خليك مع سام، أنا موجود برة."

أومأ له "دين" بابتسامة، وتابع بصره "جهاد" وهو يغادر، ثم استدار إلى "سام" وقال بهدوءٍ: "أنت كويس؟"

هز "سام" رأسه في صمت، وقد شعر أخيرًا بأن روحه بدأت تلتئم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الخارج، كان "جهاد" يخطو خارج الغرفة، ووجد "جون" ينتظره بوجهٍ يملؤه القلق.

اقترب منه "جهاد" وقال باستغراب: "واقف كده ليه؟"

أجاب "جون" بنبرة حادة لا تقبل الجدال: "ارجع ارتاح في الأوضة."

تردد "جهاد" قليلاً وهمّ بالحديث: "بس—"

قاطعه "جون' بحسم: "ماسة موجودة في الأوضة هناك. يلا."

تأفف "جهاد" بغيظ ولكنه أومأ بالموافقة: "حاضر."

سار "جهاد" و "جون" خلفه حتى دخلا الغرفة، ثم توجه "جون" إلى مكان آخر، يتركه وحده.

على مقربةٍ منهما، كان "يوسف" واقفًا، وعيناه تتبعان "جهاد" و "جون" حتى اختفيا. فجأة، شعر بشيءٍ يلامس ساقه، نظر إلى الأسفل ليجد شابًا يجلس على ركبتيه أمامه.

سأل يوسف باستغراب: "أنت كويس؟"

نظر الشاب إليه بتوتر، وقال بصوتٍ خافت: "ممكن تسمعني للآخر؟"

هز "يوسف" رأسه موافقًا.

تنهد الشاب بعمق، وبدأ يحكي، وكأنه يلقي حملًا ثقيلًا عن كاهله: "أنا كنت طفل عمري 19 سنة... يوم ما عمي قرر يقتلني. عمي اللي كنت بحبه أكتر من أبويا. بسببه، بعدت عن عائلتي… عن أمي، أبويا، أخويا. عشت مع ناس ما أعرفهمش. فكرة الانتقام دخلت قلب شاب صغير. كنت بشوف أخي وهو بيتعذب يوم موت أمه، ومش قادر أعمل حاجة. كنت عارف إن أبوه بيكرهه، وأنا عارف الحقيقة ومش قادر أساعده. فضلت سنين بأحارب عشان أرجع لعائلتي. كنت خايف من اللحظة دي… خايف تسألني 'أنت مين'، والكلام يقف في زوري وما أعرفش أجاوب. أنا شخص خسر أغلى الناس في حياته، وجاي دلوقتي عشان أرجع اللي خسرته. مش عارف هتصدقني ولا هتحس بيا..."

قاطع "يوسف" كلماته بألم ورجاء، وكأنه يهمس باسمٍ قديمٍ في ذاكرته: "م... مراد؟"

رفع الشاب بصره الممتلئ بالدموع وقال: "بابا..."

شعر "يوسف" بصدمةٍ بالغة، وارتجف جسده: "إزاي؟ أنت كنت فين؟ وليه دلوقتي؟"

هبطت دموع الشاب بغزارة وهو يجيبه: "عشان ما بقتش قادر أتحمل. البعد حرق قلبي. كفاية. رجعت عشان أخويا وعائلتي تاني."

انهار "يوسف" باكيًا، وقال بصوتٍ يملؤه الشوق: "مراد... أنا مش مصدق. كنت أتمنى واحد منكم يرجع ويسندني بوجوده. بس أنتوا الاتنين قدامي تاني. يا رب..."

أمسك "مراد" بيد والده، وقبلها بحنان، وهمس: "آسف. كان غصب عني. بس مش هبعد تاني. مراد خلاص رجع. هيكون معاك وفي ضهرك يا بابا."

انفجر "يوسف" في البكاء بحسرة: "أنا ظلمتكم... وظلمت أخوك جهاد. اتعذب بسببي أنا يا مراد."

نفى "مراد" كلامه بأسى: "أنا هنا. وكل حاجة خلاص خلصت. مافيش ظلم تاني. ماشي؟"

عانقه "يوسف" بفرحة: "أنا فرحان إني شفتك تاني."

قال "مراد" بتأكيد: "أنا ممكن أعمل تحليل وأثبت لك إني مراد."

نفى "يوسف" برأسه بثقة، وعيناه تلمعان بالدموع: "مافيش داعي. قلبي أكبر دليل على إنك ابني."

عانق "مراد" "يوسف" بقوة، وكأنه يختبئ في أمان أحضانه بعد طول غياب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت الغرفة غارقة في ظلمة خافتة لا يكسرها سوى ضوء القمر المنساب عبر النافذة. فتح "جون" الباب بهدوء، وكأنّه يخشى إحداث أي صوت قد يوقظها. كانت "مليكة" غارقة في نوم عميق، تبدو كلوحة فنية هادئة على الفراش. نظر إليها مليًا، فابتسامة حزينة رسمت على شفتيه، ابتسامة تختصر آلاف المشاعر المختلطة: الشفقة، الندم، والحب. اقترب منها ببطء، انحنى بحنان، وطبع قبلة رقيقة على جبينها. همس بصوت يكاد يكون مسموعًا، "أنا آسف يا حبيبتي".

في تلك اللحظة، شعر بحركة طفيفة في زاوية الغرفة. التفت ببطء، وكأن قلبه شعر بوجود آخر. كانت "جاسي"، طفلته الصغيرة، تجلس على الأرض بجوار السرير. كانت تبكي بصمت، دموعها تنزل على خديها دون صوت. اقترب "جون" وحملها بين ذراعيه، جلس على الأريكة، ونظر في عينيها اللتين احتقنتا بالدموع.:- " مالك ياحبيبتي ؟" سأل بصوت دافئ.

نظرت إليه "جاسي" بخوف، وتلعثمت كلماتها: "أ-أنا خايفة أوي".

أزاح "جون" خصلات شعرها عن وجهها برفق: " خايفه من إيه"

"، قالت بدموع.:" خايفه على جهاد اوي يا بابي"

شعر "جون" بغصة في حلقه، كأنه يلوم نفسه على كل ما حدث اليوم.:- " حبيبة بابا جهاد كويس والدكتورة قالت إنه هيكون احسن ويرجع معانا بعد كام يوم البيت"

سألتها بدموع.:" يعني مش هيموت زى بابا جهاد "

اتسعت عينا "جون" من الدهشة والألم. "لا طبعًا، هو مش هيحصل معه كدا هو كويس وكمان بابا جهاد مامتش هو لسه عايش

سألتها بخوف.:" يعني انا مكنتش بحلم أنه عايش"

نظر إليها بحزن، وكأنه يرى فيها نسخة مصغرة من أمها. "لا يا روحي مش حلم بابا جهاد عايش"

سألتها بنبرة تكسر القلب.:" يعني انت هترجع تحبني تاني"

قطب "جون" جبينه بدهشه وقال :- انتي بتقولي كدا ليه "

بكت جاسي: " علشان انت من يوم ما جهاد مات وانت اتغيرت اوي يابابا مش بقيت بتحبني مش بتتكلم او بتلعب معايا زى الاول ابدا"

شعر "جون" بضيق في صدره، كأن كلماتها خناجر تغوص في قلبه. احتضنها بقوة:- "أنا آسف يا قلب بابا عارف اني بعدت عنك بس وعد مش هتتكرر انتي متعرفيش انا بحبك اد ايه انتي روح بابا"

قالتها بسعادة.:" وانا كمان بحبك اوي يابابي ومش بحب انك تبعد عني ابدا "

ابتسم "جون" وحملها، " ايه رايك بعد ما جهاد يخرج من المستشفى نروح نسافر مع بعض" 

صرخت بفرح.:" بجد يعني هنسافر سوء هييه "

"جون" بابتسامه :-" يعني موافقه "

"جاسي" بتأكيد :-" اكيد "

ضحك "جون" على طفلته، لكن في داخله كان يشعر بحزن عميق، لأنه أدرك أنه ابتعد عنها لدرجة أنها خافت من فقدان حبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت الشمس بالكاد قد أشرقت، وضوءها الذهبي يتسلل بخجل عبر زجاج النافذة، لكن التوتر في الممر كان أشد من أي ضوء. وقفت العائلة كلها أمام غرفة "جهاد" الصغير، كأنهم يحرسون لحظة فارقة.

في الداخل، كان "جهاد" يحتضن "ماسة" بقوة، ليس فقط ليُشعِرها بالأمان، بل ليُعيد إلى نفسه إحساسًا مفقودًا بالقرب.

كانت "مليكة" تجلس على مقربة منهم، عيناها مثبتتان على "جهاد"، وقلبها لا يصدق أنه حقيقة، أنه ليس مجرد ذكرى بعيدة.

اقترب "سام" و "دين" ببطء، خطواتهما ثقيلة، ترافقهما همسات قلق. نهضت الفتيات وقد ارتسمت على وجوههن علامات الترقب.

خرجت "عشق" من الغرفة، ووقفت أمام "جهاد"، وعيناها تحملان بصيصًا من الأمل الذي طال انتظاره.

قالت بصوت رقيق: "جهاد فاق. تقدر تدخل."

انطلق قلب "جهاد" بفرحة جامحة. التمعت عيناه وهو يرى "ماسة" تندفع إلى الغرفة.:- "هو كويس؟"

سأل بلهفة، كأن الإجابة ستحمل له طوق نجاة.

"كويس، ما تقلقش." قالت "عشق" وهي تبتسم ابتسامة هادئة، ثم غادرت لتقف بجانب "مراد" الذي تبادل معها نظرة فرحة صامتة.

وقف "جهاد" مكانه، تدور في رأسه عاصفة من المشاعر. فرحة عارمة، وشوق يكاد يخنقه، وتوتر يجعله يرتجف. كان يحاول عبثًا أن يُسكت أفكاره المندفعة: "ماذا سيحدث إذا أخبرته أني والده؟ هل سيفهمني؟ هل سيتقبلني؟"

وضع "جون" يده على كتفه وقال: "ما تخافش يا صاحبي. كل حاجة هتكون تمام. جهاد ذكي وهيتفهم الموضوع بسهولة."

"خايف." همس 'جهاد' بصوت يكاد يكون مسموعًا، وهو يواجه خوفًا لم يعرفه من قبل.

هز "جون" رأسه بتفهم وقال: "أدخل."

تقدم "جهاد" بخطوات مترددة، كل خطوة أثقل من سابقتها.

فتح الباب ببطء، وألقت عيناه أول نظرة على المشهد الذي انتظره طويلاً. رأى "ماسة" تجلس بجوار الصغير، تحتضن وجهه الصغير بيديها، ورأى "مليكة" من الجهة الأخرى تبتسم له بحب.

جلس "جهاد" مكان "مليكة" التي نهضت لتقف بجانب "جون". كانت عيناه مسافرتان على وجه ابنه الشاحب، عيناه المرهقتان، والهالات السوداء التي تحكي قصة ألم لا يعرفها. مد يده ببطء ووضعها على وجه الصغير، وقال بصوت مهتز: "أنت.. أنت كويس؟"

نظر الصغير إليه بعينين طفوليتين تسأل، وخرجت منه كلمة بصعوبة: "ا.. أنت م.. مين؟"

تجمّد قلب "جهاد" للحظة، ثم نبض بعنف. تجمعت الدموع في عينيه وهو يقول: "أ.. أنا.. أنا باباك يا جهاد."

أمال "جهاد" الصغير رأسه قليلاً، وقال بطفولة بريئة: "ب.. بابا؟"

انهمرت دموع "ماسة" وهي تقول: "أيوه يا قلب ماما. هو بابا جهاد رجع علشانك."

التفت الصغير إلى "جون" بنظرة خوف، وسأل: "جون.. هو ازاي بابا؟"

تقدم "جون" ووضع يده على كتف "جهاد"، ثم نظر إلى الصغير وقال بنبرة هادئة مطمئنة: "هو مش أنا كنت دايماً أقول لك إن اسمك زي اسم باباك؟ ودايماً أكلمك عنه؟"

هز الصغير رأسه موافقًا.

ابتسم "جون" ابتسامة دافئة: "هو ده باباك. أنت دايماً كنت بتسأل عنه وتقول 'طيب هو فين؟' هو كان في مكان بعيد ورجع علشانك. شفت هو بيحبك قد إيه؟"

نظر الصغير إلى والده بتفحص، ثم ابتسم وقال: "ي.. يعني أنت بابا؟"

هز "جهاد" رأسه بدموع: "أيوه."

سأل الصغير بعينين خائفتين: "أنت بتحبني؟"

انهمرت دموع "جهاد" دون أن يستطيع السيطرة عليها. احتضن ابنه برفق وشوق، خوفًا من أن يؤلمه. كانت العيون المحيطة بهم تحمل نظرة من الحزن المشوب بالأمل.:- "بحبك أوي أوي يا قلبي."

ضحك الصغير بطفولة، وسأل: "أنت بتبكي ليه؟"

أجاب "جهاد" بفرحة غمرته: "علشان أنت وحشتني أوي."

قالت "ماسة" وهي تنظر إليهما بفرحة تملأ قلبها: "أصل جهاد بيكره الدموع يا حبيبي."

مسح "جهاد" الصغير دمعة عن خد والده، وكأنها لمسة سحرية أعادت الحياة إلى قلبه. بابتسامة بريئة قال: "أنت عينيك حلوة أوي.. زي عيني."

ابتسم "جهاد" ابتسامة حنان امتزجت بفرحة عارمة، وقال: "لا، أنت عينيك أحلى."

هز الصغير رأسه بثقة طفولية: "ما أنا عارف، بس بقولك."

انفجر "صهيب" ضاحكًا، وصوته يكسر حدة التوتر في الغرفة: "ههههه الواد ده طلعلي!"

نظرت إليه "كوثر" بخوف حقيقي، وكأنها ترى نسخة مصغرة من ابنها: "لا، بعيد الشر. ربنا يستر."

رد "صهيب" بغيظ مصطنع: "هو أنا فيروس؟"

أسرعت "لين" لتنفي وتُخفف من حدة الموقف، لكن عيناها كانت مليئة بالحب: "لا، أنت قمر. ما تسمعش كلامهم."

رد الصغير بملامح طفولية ساخرة: "ده وش قمر؟ يع!"

تضيق عينا "صهيب" من الغيظ وهو ينظر إليه: "تصدق أنت عيل زبالة. نام تاني."

صرخت "ماسة" بخوف مزيف وهي تضربه بخفة: "بعيد الشر يا حيوان!"

تدخل "جهاد"، الذي كان لا يزال يحتضن ابنه، بغيظ: "اطلع بره يا متخلف أنت!"

انفجرت "مايا" ضاحكة: " أحسن!"

رد "صهيب" بغيظ: "اسكتي أنتِ!"

هز "دين" رأسه بنفي: "لا ما تسكتش. اطلع بره يلا."

أعلن "صهيب" بتحدٍ ساخر: "طيب مش طالع. قاعد على قلبكم أهو."

جلس "صهيب" بجوار أمه "كوثر"، ووضع رأسه على كتفها وهو يقول بنبرة عاطفية مصطنعة: "أنتِ عايزاني صح يا ماما؟"

ضحكت "كوثر" من قلبها: " أيوه يا حبيبي."

انفجر "سام" ضاحكًا بقوة: "والله هي أكتر واحد نفسها تطلع بره!."

نظر "صهيب" لهم بنظرات غيظ جادة هذه المرة: "والله العظيم أنتم من غيري ولا حاجة."

قالت "جوليا" بضحك: "ليه؟ حد قال لك إنك الأكسجين بتاعنا؟"

نظر إليها "صهيب" بملامح مزيج من القرف والإعجاب الساخر: "لا، هيدروجين. عسل يا بت!"

قالت "لين" بضحك وهي تحاول السيطرة على نفسها: "ههههه والله أنتو عسل!"

نظر لها "صهيب" بنظرة غيظ: "أنتِ معاهم ولا معايا؟"

نظرت إليه "لين" بتردد، وابتسمت ابتسامة محرجة: "ها.. لا، لا طبعًا معاك. ده كلام؟"

تدخل "جاك" في اللحظة المناسبة، وقال وهو يكتم ضحكته: "ما قولتليش يا صهيب، ضربت الشباب ازاي؟"

نظرت "مليكة" إليه بتساؤل: "شباب إيه؟"

أجابت "لين" بفخر: "اللي خطفوكم يا مليكة. صهيب بيقول إنه ضربهم ضرب!"

اتسعت عينا "مليكة" بصدمة وهي تنظر إلى صهيب: "صهيب؟"

ابتع "صهيب" ريقه بتوتر، ونظراته تتقلب بين "جاك" و "مليكة"، ثم همس: "نعم؟"

تدخلت "جاسي" بضحك يكاد يمزقها: " ضربتهم ضرب! لدرجة ما كانش في مكان يضرب فيه أكتر من كدا!."

أومأ "صهيب" بتوتر: "أ... أيوه. قوليلهم يا جاسي!"

أخرج "جاك" هاتفه ورفعه أمام "صهيب" بنظرة غيظ ساخرة: "واضح. واللي كان بيولول ومش بيضربهم ده أنا؟"

اقترب "صهيب" من "جاك" وجلس بجواره، وهمس بنبرة توسل مضحكة: "كفاية فضايح، أبوس إيدك. صابع صابع!"

ضحكت "هيرا" وهي تنظر إلى "صهيب" بشفقة مضحكة: "هههه خلاص حرام يا جاك."

نظر "صهيب" إلى "هيرا" بملامح رجاء: "قوليله بالله. أنا زي عيالك!"

نظرت إليه "هيرا" بغيظ: "صهيب!"

أسرع "صهيب" بخوف مزيف: "خلاص. زي أبوكي!"

انفجر الجميع ضاحكين، بينما كانت "لين" تنظر إليهم بعدم فهم: "أنا مش فاهمة حاجة."

نظر إليها "صهيب" بخوف حقيقي، وقال وهو يضع يده على فمه: "بلاش وحياة عيالك تفهمي"

توقف الضحك فجأة عندما طُرق الباب.

التفتت كل العيون إلى الداخل، وترقبت ما سيأتي. خطا "يوسف" إلى الداخل، ابتسامة هادئة ترسم على وجهه. خلفه، كان "مراد"، يحمل على ملامحه شتات سنوات من الغياب. بجانبه، وقفت "عشق"، عيناها تلتمعان بترقب حذر. وفي الخلف، كان "جاد" الصغير يطلّ من خلف ساق والده، عيناه الفضوليتان تمسحان المكان، تلتقطان كل تفصيل.

تقدم "يوسف" نحو "جهاد" الصغير، انحنى إليه ووضع يده على رأسه بحنان بالغ: "حمدلله على السلامة يا قلب جدو."

رد الصغير بفرحة غامرة، كلمات الشوق تختنق في صوته: "الله يسلمك يا جدو! كنت فين؟ وحشتني."

انحنى "يوسف" أكثر، وعانق حفيده بلهفة: "أنا هنا يا حبيبي، وأنت وحشتني أوي. عامل إيه دلوقتي؟"

أجاب جهاد بابتسامة طفولية: "الحمد لله كويس."

ابتسم "يوسف"، ثم تراجع بهدوء ليترك الساحة لابنه "جهاد"، الذي تقدم بثقة ووقف بجوار مراد.

جمع نظرات العائلة حوله، ثم قال بهدوء يحمل في طياته ألف حكاية: "أعرفك يا ماما كوثر، ده مراد أخويا. مراد."

نهضت "كوثر" من مكانها كمن أيقظته صدمة باردة. عيناها، وقد اتسعت من الذهول، لم تفارقا وجه مراد. كانت كلماته تهتز على شفتيها: "أنت بتقول إيه يا جهاد؟ م… مراد عايش؟"

في زاوية الغرفة، علت ضحكة ساخرة من صهيب: "أشباح. العيلة كلها أشباح!"

التفتت إليه العيون بنظرات غاضبة، لكن "جهاد" لم يلتفت إليه. تقدم نحو والدته، ووضع يده على كتفها بحنان: "هو لسه عايش يا ماما. مراد مامتش. هو قدامك أهو."

انفجرت "كوثر" بالبكاء، وعيناها تلمعان بالدموع، وكأنها لا تستوعب هذا القدر من السعادة. مدت يدها ببطء لتمس وجهه، للتأكد من أنه حقيقة لا خيال.:- "مراد... يعني أنت مراد لسه عايش؟"

تنهد "مراد"، وخرجت الكلمات من فمه بصعوبة، ممزوجة بدموع الشوق: "وحشتيني يا ماما كوثر."

في تلك اللحظة، لم تعد هناك مسافة، لم يعد هناك غياب.

احتضنت "كوثر" ابنها بقوة، وكأنها تعوض سنوات الفقد في عناق واحد.:- "قلب ماما كوثر... أنت لسه عايش؟"

بادلها العناق بشوق وحب، ثم ابتعد عنها ووجه نظره نحو عشق: "دي عشق مراتي."

نظرت "كوثر" إليها بإعجاب: "بسم الله ما شاء الله. جميلة أوي."

ردت "عشق" بدموع الفرح: "شكرًا، أنتِى أجمل."

التقى بصر "مراد" بابنه "جاد" الواقف في الخلف. بابتسامة حانية، قال: "وده جاد ابني."

توسعت عينا "كوثر" من الصدمة: "ده ابنك؟ ده كبير أوي!"

صرخ "جهاد" الصغير بغيظ: "أيوه، زي الشحط!"

رد "جاد" ببرود: "شكرًا، مش هرد عليك."

ابتسم "مراد"، ثم همس في أذن "جهاد" الصغير: "شكرًا على اللي عملته لجاد."

همس "جهاد" الصغير بالمثل: "ما تشكرنيش. ابنك رخم بس لطيف."

ضحك "مراد" بصمت، واحتضن "جهاد" الصغير بحب.

جلس الجميع يتبادلون الحديث والضحكات، وكأنهم يعيدون بناء ما هدمته الأيام.

كان "جون" يراقبهم بسعادة، بينما كانت "عشق" تنظر إلى زوجها بعيون ملؤها الطمأنينة. قالت أخيرًا: "كفاية كده. الأفضل إنه يرتاح."

نظر الجميع إلى "جهاد"، الذي عانق ابنه بقوة، وغادر الغرفة. تبعه الجميع إلا "جاد" الصغير الذي بقي في مكانه.

سأله "جهاد" بفضول: "أنت واقف كده ليه؟"

رد "جاد" ببرود استفزازي: "أبدًا. عجبني المكان."

قال "جهاد" بغيظ: "على فكرة أنت بارد."

أكد "جاد" ذلك: "عارف. الكل بيقول لي كده."

سأل "جهاد" بصدمة: "وماعندكش دم؟"

أكد "جاد" بابتسامة: "برضه عارف."

تنهد "جهاد" بضيق: "أنت عايز إيه؟"

اقترب منه "جاد" ونظر إليه بخبث: "أبدًا. كنت حابب أقول لك إن قعدتنا مع بعض شكلها هتطول. قلت أبلغك."

رد "جهاد" بغيظ: "ده من حظي الأسود."

غادر "جاد" الغرفة، وقال وهو يغلق الباب: "الظاهر كده... آه، بالحق، شكرًا."

سأل "جهاد" بحيرة: "على إيه؟"

أجاب "جاد" وهو يغلق الباب: "شكرًا وخلاص."

أغمض "جهاد" عينيه، واستسلم للنوم على الرغم من التعب الواضح على ملامح وجهه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة