البارت الثامن 🦋

البارت الثامن 🦋

38 0

"في روسيا..."

كان "سام" غارقًا في عتمة غرفته بالقصر، لا يغادرها منذ تلك اللحظة التي اعترفت فيها "جوليا" بحبها لـ "جهاد". تحول وجوده إلى شبح، يقتات على الحزن السائل في كأس مشروبه، وعيناه لا ترى سوى صورتها التي كانت معلقة في هواء الغرفة الثقيل. كان هذا روتينه الوحيد، يمر عليه اليوم كأنه دهر من الشقاء.

طرق خفيف على باب الغرفة اخترق سكونه.

قال "سام"، صوته مبحوح من الغضب الكامن، وهو لا يزال مستلقيًا على الفراش: "قلت مش عايز أشوف حد!"

لكن الباب انفتح ببطء، ودخلت "جوليا"، نور خافت يتسلل من خلفها، وخطواتها تحمل ترددًا وقلقًا واضحًا: "حتى أنا؟"

نهض "سام" ببطء، عيناه تتكيفان مع الظلام، ثم تحدقان في "جوليا" التي بدت كطيف: "جوليا... أنتي بتعملي إيه هنا؟"

اقتربت منه "جوليا" بخطوات مترددة، كل خطوة تثقلها المخاوف: "أنا جيت أشوفك... وعرفت كمان من جاك إنك مش بتروح الشغل."

فرك "سام" شعره بعنف، محاولًا إخفاء ارتباكه، بينما تنهيدة خفيفة خرجت منه: "فعلاً... أصلي تعبان شوية مش أكتر."

جلست "جوليا" بجواره على حافة السرير، نظراتها تحمل عتابًا ممزوجًا بالقلق: "سام... أنت حصل معاك حاجة زعلتك مني؟"

نفى "سام" بحزن، كلماته تحمل ثقلًا لا تراه إلا عيناه: "لا... ليه؟"

نظرت إليه "جوليا" بضيق، وكأنها تدرك حجم الفجوة بينهما: "أصلي من يوم المطار وأنا بحاول أتصل بيك وأنت مش بترد، وكمان أنت مش بتروح الشغل."

نظر إليها "سام" بابتسامة هادئة، لكنها بدت كقناع لحزن عميق: "أنا مستحيل أزعل منك... وبعدين أنا بس عندي شوية اكتئاب مش أكتر."

تنهدت "جوليا" بارتياح، وكأنها استعادت جزءًا من السلام: "طيب الحمد لله... أنا كنت فاكرة إني الكلام اللي قلته يومها زعلك مني."

نفى "سام" بحزن عميق، ورغم كلماته، إلا أن عيناه كشفتا جرحًا غائرًا: "لا أبدًا... هزعل ليه؟"

ابتسمت "جوليا" براحة، وحاولت أن تبث بعض الأمل: "طيب إيه رأيك نروح نسهر بره؟"

نظر إليها "سام" بدهشة، فالأمر كان خارجًا عن عاداتها: "بس أنتي مش بتحبي السهر بره."

قالت "جوليا" بحزن خفيف، وكأنها تعترف بتحول مؤلم: "في حاجات كتير بتتغير يا سام، وأنا اتغيرت... يلا."

نظر إليها "سام" بتأكيد، وقرر أن يكسر روتينه المؤلم: "ماشي... هاغير هدومي ."

غادرت "جوليا" الغرفة، تاركة إياه في عتمة أفكاره، ثم همست: "تمام."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

... اليوم التالي ...

"مصر... داخل المشفى"

كان "جهاد" يجلس مع "صهيب" والآخرين، يتبادلون الضحكات والحديث في جو يكسر رتابة المشفى.

فجأة، دخلت "ماسة"، تشرق الغرفة بابتسامتها المشرقة وصوتها الرقيق: "صباح الخير!"

رد الجميع بصوت واحد مفعم بالترحيب: "صباح النور!"

نظرت "ماسة" إلى "صهيب" بابتسامة رقيقة، وسألته عن حاله: " أخبارك إيه النهاردة؟"

أجاب "صهيب" بغزل لم يحاول إخفاءه، وابتسامة واسعة تعلو وجهه: "فل بعد ما شوفتك!"

نظر إليه "جهاد" بغيظ واضح، ورمقه بنظرة تحذيرية: "يا حيوان! احترم نفسك!"

ضم "صهيب" يديه بضيق، متذمرًا كطفل: "حاضر... سكت."

نظرت "ماسة" إلى "مايا" بابتسامة ودودة، وسألتها عن حالها: "وأنتي يا مايا أخبارك؟"

أجابت "مايا" بابتسامة رقيقة: "أنا كمان الحمد لله."

نظر "جهاد" إلى "ماسة" بسؤال مباشر، يحمل بعض اللهفة: "إمتى ممكن يخرجوا؟"

أجابت "ماسة" "جهاد" بتأكيد، وهي تنظر في ملفاتها بدقة: "بكرة إن شاء الله... عن إذنكم."

تذمر "صهيب" بحزن مصطنع، وعبست ملامحه: "ليه كده؟! أنا حبيت المستشفى!"

نظر إليه "جهاد" بغيظ، وابتسم بتهديد خفيف: "متخافش! هاجيبك تاني، بس المرة دي على بسبـ... ماشي؟"

ابتلع "صهيب" ريقه بخوف، وتراجع عن كلامه بضعف: "وعلى إيه؟! بلاش أحسن!"

ضحك "دين" بسخرية، وكأنه استمتع بالموقف: "إيه؟! قلبت قطة يعني؟!"

تحدث "صهيب" بضيق، محاولًا تجنب أي شجار: "وأنت مالك؟! خليك في حالك لو سمحت."

نظر إليه "دين" بضيق، واندفع نحوه: "وليك عين تتكلم آه يا جزمه!"

صرخ "صهيب" بغيظ: "شيل البتاع ده من جنبي يا جهاد!"

نظر إليهما "جهاد" بغيظ، وحاول السيطرة على الموقف المتصاعد: "بس بقى! إحنا في مستشفى مش كده؟"

غادر "دين" الغرفة، وهو يتذمر: "أنا خارج."

سألت "مايا" بقلق خفيف: "على فين؟"

أجاب "دين" بتأكيد: "هشم شوية هوا بعيد عن التلوث ده."

هز "جهاد" رأسه، وأذن له بالانصراف: "تمام... روح."

غادر "دين"، وقال "جهاد" وهو ينظر إلى "صهيب" بجدية: "اسكت بقى!"

نفخ "صهيب" بضيق، وقال باستسلام: "سكت أهو."

بعد مرور بعض الوقت..

رن هاتف "جهاد"، فنهض ليجيب في هدوء في الخارج. قال بنبرة هادئة: "ألو."

الشخص على الطرف الآخر: "جهاد بيه، كل المعلومات اللي طلبتها جاهزة."

نظر "جهاد" إلى "ماسة" التي كانت تفحص ملفًا أمامها، وتقف مع الممرضة، كانت تبدو مندمجة تمامًا في عملها. قال بصوت خفيض: "تمام... ابعت كل حاجة دلوقتي."

الشخص: "تمام."

انتهى "جهاد" من التحدث، وظل يحدق في "ماسة"، عيناه لا تزيغان عنها، حتى وصلته رسالة.

أمسك الهاتف وفتحه، ثم نظر إلى الصورة بصدمة عميقة احتلت ملامحه. كانت المعلومات أمامه: ماسة كمال عبد العزيز - 23 سنة - تدرس في كلية الطب وتعمل مساعدة في أحد المستشفيات المشهورة.

ظل "جهاد" ينظر إلى" ماسة"، الصدمة تجمدت على وجهه، الفرحة تدب في خلايا قلبه، والحزن يملأ عينيه. لم يحرك عينيه عنها، وكأنها أصبحت محور عالمه، حتى غادرت من أمامه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" فى مكان آخر "

"كانت الأضواء الخافتة تراقص الظلال على جدران الغرفة، بينما احتضنت "هيرا" كأسها، سائلٌ بلون الدم يراقص حافة الزجاج. كل رشفة كانت تحملها إلى عالم آخر، عالم حيث يمكنها الهروب من شبح الماضي الذي يطاردها. "جاك"، حبه الذي تغلغل في قلبها وعقلها، كان الآن يمثل تحديًا مؤلمًا أمام جدار ماضيها المظلم. استمرت في تجرع ما أسمته 'السم' بمرارة، حتى اقتحم صوته الحاد سكون المكان، ممزقًا فقاعة عزلتها: 'هيرا! بتعملي إيه؟'"

انتفضت "هيرا"، فتحت عينيها لتلتقي به بغضب متأجج، مزيج من الألم والخوف يشعل نظراتها.

دفعت الكأس بعيدًا بحدة وقالت بصوت متهدج بالكاد: 'وأنت مالك؟... قلت لك ابعد عني، ملكش دعوة بيا!'"

اقترب "جاك" بخطوات واسعة، أمسك ذراعيها ليرفعها إلى مستوى عينيه، رافضًا كل كلمة منها.: 'لا مستحيل!' قالها بصوت يمزقه العند والعشق، :'أنا بحبك، وأنتي بتحبيني! أنا مش هبعد، أنتي فاهمة؟'"

ضربت "هيرا" صدره بقوة يائسة، محاولة أن تدفعه بعيدًا، ولكنها كانت كمن يحاول إزاحة جبل.:" 'لا، لا! مش بحبك! أنت واحد كذاب! ابعد عني بقى!'"

انهارت "هيرا" على الأرض، ساقيها لم تعد تحملانها، وعيناها تتوسلان إليه.: 'عشان خاطري ابعد! أنت ممكن تحتقر حتى وجودي! ابعد... ابعد عني! انا مش عايزة حد يحبني... انت إيه!'"

جلس "جاك" أمامها، متمسكًا بالأرض كصخرة.: 'لا، قولت برضو لا! أنا مش هسيبك، قولي مالك؟ أنتي بتعملي كده ليه؟'"

لفت "هيرا" يديها حول قدميها، ترتعش خوفًا ودموعها تسيل بصمت. همست بصوت بالكاد يُسمع: 'ليه؟... علشان أنا... أنا قتلت صاحب الميتم اللي اتربيت فيه. كده ارتحت؟'"

اتسعت عينا "جاك" على اتساعهما، الصدمة تجمدت في قسمات وجهه. :'إيه؟ أنتي بتقولي إيه؟' وضع يديه على رأسه، هز العالم من تحت قدميه. 'ليه... ليه يا هيرا؟ ليه؟ ردي!'"

ارتعش جسد "هيرا" بالكامل، وبكت بشدة، شهقاتها تمزق صمت الغرفة. 'ليه... ليه... آه... ليه؟ علشان هو... هو اعتدى عليا يا جاك... اعتدى على البنت اللي كان بيحفظ عليها، بنت يتيمة وضعيفة! اعتدى على طفلة عمرها سبع سنين! طفلة مات أبوها وأمها وسابوها في عالم سيء، مليان وحوش... وهو طلع الوحش الحقيقي! عرفت ليه يا جاك؟ أنا... أنا فضلت أصرخ وأجري وأبوس على إيده إنه يبعد عني، بس ما بعدش! أنا قتلته... أنا ضربته برصاص وهربت!'"

همس "جاك" بذهول لا يصدق: 'هيرا!'

رفعت "هيرا" عينيها إليه، نظراتها مليئة بالاحتقار لذاتها.: 'أنا طلعت ما أفرقش عن العاهرات... أنا وحدة منهم يا جاك، ابعد عني!'

نظر إليها "جاك"، مزيج من الصدمة، الحزن، والشفقة يملأ عينيه.

اقترب منها، واحتضنها بقوة، ضمها إليه كأنها آخر شيء يملكه في هذا العالم.: 'أنا مش هسيبك، أنتي فاهمة؟ أنا هفضل جنبك للأبد!'"

دفعت "هيرا" جاك عنها بقوة، رافضة أي شفقة.: 'أنا مش عايزة شفقة من حد! ابعد عني! أنا بكره كل الرجاله! أنا قتلت صاحب الميتم بإيدي دي!'"

انحنى "جاك"، وقبّل يدها التي تدعي أنها ملطخة، دموعه تختلط بدموعها.: 'أنتي لو ما كنتيش قتلتيه، أنا كنت مستحيل أرحمه من اللي كنت هعمله فيه. أنتي روحي يا هيرا!'

قالت "هيرا" بدموع: 'بس أنا مش بنت!'

مسح "جاك" دموعها بحب وحنان، رافضًا كلماتها.: 'مش مهم! المهم إنك معايا... أنا بحبك أنتي!'"  

بكت "هيرا" بشدة، مخاوفها تتجسد في كل دمعة.: 'أنا خايفة تكرهني بعد ما عرفت كل حاجة.'

نظر إليها "جاك" بعينين تفيضان بالحب، مؤكدًا: 'مستحيل حد يكره روحه أبدًا... أنتي روحي يا هيرا.'

احتضنته "هيرا" بشدة، تشد عليه كأنها تتمسك بالحياة نفسها.: 'أنا بحبك... بحبك من زمان، بس أنا خفت تعرف فتكرهني وتبعد، وتعتبرني واحدة من العاهرات.'

شدد "جاك" من عناقه، هامسًا بضحكة حانية: 'أنا مش وحش للدرجة يا حبيبتي... أنا عمري ما عشقت حد زيك أبدًا.'

ردت "هيرا" بتأكيد: 'ولا تقدر تحب حد زيي.'

ضحك "جاك" بخفة: ' لا، أنا كده خوفت.'

نظرت إليه "هيرا "بنظرة خوف متجدد: 'إوعى في يوم تبعد عني يا جاك، لو سمحت.'

طبع "جاك" قبلة حنونة على رأسها، ميثاقًا أبديًا..: 'على موتي.'

ردت "هيرا" برعب: 'ألف بعيد الشر عنك!'

لمعت عينا "جاك" بفرحة غامرة..: 'يااااه! وأخيرًا، أنا مش مصدق إنك بقيتي حبيبتي وملكي.'

أكدت "هيرا" بصوت يملؤه الحب والأمل: 'للأبد يا جاك.'"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قلب الظلام، داخل إحدى الغرف المجهولة في مصر، حيث لا يتسلل ضوء الشمس إلا بصعوبة بالغة، كان "جهاد" يدلف بخطوات ثابتة وواثقة. أمامه، جلس عدد من الرجال، تتخللهم صورة مؤلمة لشخص مقيد اليدين والقدمين بإحكام، وعيناه معصوبتان بقطعة قماش سميكة. صرخات هذا الشخص المكبوتة كانت تملأ المكان، ..:"أنا فين؟! في حد هنا؟! حد يرد عليا يا ناس! أنتم يا اللي هنا!"

لم يبدُ على "جهاد" أي انفعال. اقترب ببطء، ومد يده لينزع قطعة القماش عن عيني الرجل المقيد..:"أنا موجود يا دكتور قاسم، خير؟"

قالها "جهاد" بصوت هادئ، لكنه حمل في طياته برودة تقشعر لها الأبدان.

رفع "قاسم" عينيه المتورمتين لينظر إلى "جهاد" الواقف أمامه، تلمع في عينيه دهشة ممزوجة بالرعب..:"أستاذ جهاد؟"

تمتم "قاسم" بصعوبة، وكأن الاسم يحمل ثقلاً لا يطاق.

وضع "جهاد" يده في جيب بنطاله، ملامحه لا تنم عن أي تعاطف..:"كويس إنك فاكرني."

"أنت بتعمل معايا كده ليه؟ وعايز مني إيه؟" ارتجف صوت "قاسم"، والخوف يتسلل إلى كل خلية من جسده.

جلس "جهاد" أمامه، وتلك البسمة الباردة لم تفارق وجهه..:"أبداً، عايز أتعرف عليك يا دكتور قاسم."

ضحك "قاسم" ضحكة هستيرية، لا تخلو من جنون الخوف. "هههههه أكيد... بس ليه هنا؟ ات... اتفضل عندي في المستشفى ونتكلم."

هز "جهاد" رأسه بالنفي ببطء. "للأسف، مش هينفع تروح المستشفى تاني."

اتسعت عينا "قاسم" بذهول. "إيه؟ أنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"

وضع "جهاد" قدماً فوق الأخرى، مؤكداً بوضوح لا يقبل الشك..:"معاك حق. أنا هفهمك. أنا اشتريت المستشفى دي من والدك، يعني أنت أصبحت ماضي. أصلي للأسف، العائلة الكريمة كلها أفلست."

اتسعت عينا "قاسم" على اتساعها، الصدمة تحولت إلى خيبة أمل عميقة..:"أنت بتقول إيه؟! مستحيل! أنت بتعمل كده ليه معايا؟"

نهض "جهاد" فجأة، أمسك يد "قاسم" من الخلف وبدأ في كسرها ببطء شديد، متعمداً إطالة الألم..:"عشان إيدك دي لمست حاجة تخص جهاد الحديدي."

تلوى "قاسم" من الألم، صرخاته تملأ الغرفة..:"آآآه! آآآه! أنا والله ما عملتش حاجة! آآآه! أنا أول مرة أشوفك في حياتي! آآآه!"

انحنى "جهاد" ليتحدث في أذن "قاسم"، صوته كفحيح الأفعى..:"مين قال كده؟ وماسة؟"

صدم "قاسم" من ذكر الاسم، ونسي الألم للحظات..: "أنت بتقول إيه؟ ماسة؟ إزاي؟ هي متعرفش حضرتك!"

ابتسم "جهاد" ابتسامة باردة تحمل في طياتها نية تملك واضحة..:"لا، ماسة هتكون زوجة جهاد الحديدي اللي هو أنا، يعني هي ملكي."

نظر "قاسم" إليه بعدم فهم تام، عقله يحاول استيعاب ما يسمعه..: "أنت إزاي... طيب لو سمحت سيبني، وأنا مش هقرب منها تاني والله العظيم."

رد "جهاد" ببرود قاتل..:"أنت مين قالك إنك تقدر تقرب تاني أصلاً؟"

صرخ "قاسم" بيأس..:"وأنا مش هعمل كده والله! مستحيل أفكر في كده!"

هز "جهاد" رأسه موافقاً، وكأنه ينهي الفصل الأول من العقاب. "كويس. جه وقت إنك تتحاسب على اللي عملته معاها في الأول."

ارتجف "قاسم" من الرعب، الدموع تملأ عينيه. "أنا آسف والله ما كنت أعرف."

هنا، انهمر "جهاد" عليه بالضرب، لكمات متتالية وقاسية..:"وأنا هعلمك إزاي تستغل بنات الناس بالشكل ده."

صرخ "قاسم" بين يدي "جهاد"، يرتجف ويتوسل. "أنا مش هقرب لحد تاني! سيبني... ابعد عني كفاية!"

لكن "جهاد" لم يتوقف. استمر في ضربه بلا رحمة، حتى بدأ الدم ينزف من جسد 'قاسم' ..:"أنا عارف، بس أنا بتأكد إنك متنساش أبداً."

ظل "جهاد" يضرب بقوة ودون رحمة، وكأنه يخرج كل غضبه المكبوت، لأنه حاول "قاسم" أن يؤذي شخصاً أصبح ملكاً له، شخصاً يمتلكه "جهاد الحديدي" بكل ما أوتي من قوة وغضب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في زاوية مظلمة، تحت أنظار رجال صامتين، كان "جاك" يصب غضبه الأعمى على رجل يتلوى تحت قبضته. لكمات متتالية، بلا رحمة أو شفقة، كانت تنهال على جسد الرجل الذي كان يصرخ ويئنّ متوسلاً: "أرجوك اتركني! أنا أعتذر! اتركني وشأني! من أنت؟"

نظر إليه "جاك" بعينين حارقتين، وعيناه تضيئان بوهج شرير..:"أنا من سيكون موتك على يديه."

بكاء هستيري انبعث من الرجل: "أرجوك اتركني! أنا لم أفعل لك شيئاً... لماذا تفعل هذا بي؟"

أمسك "جاك" رقبته بين يديه، ضاغطًا بقوة. "ماذا قلت؟ أنت بسببك تتألم روحي!"

"لا! أقسم لك! أنا لم أفعل لك شيئاً! أنا لم أؤذِ أحداً طول حياتي! أرجوك!" أنكر الرجل، ودموعه تسيل كالشلال.

صرخ "جاك" بوجهه: "اصمت! أنت ألقيت بابنة أختك في الملجأ!"

شهق الرجل من هول الصدمة والبكاء.:"أقسم لك ليس أنا! إنها زوجتي! هي... هي من ألقت بها هناك! هيرا كانت مثل ابنتي!"

رفع "جاك" يده وصفعه بقوة على وجهه. "وأنت ماذا تفعل؟ هل تفرك قدم زوجتك أيها الشيطان اللعين؟"

توسل الرجل برجاء: "أرجوك! أنا أعتذر! اتركني أرحل!"

تطلع "جاك" إليه بغضب، ومرت في ذهنه صورة دموع "هيرا"، تلك الفتاة التي عانت بسبب إهمال هذا الرجل.: "حسناً، كما تريد."

ضحك الرجل ضحكة خافتة من بين أنينه، لم يصدق نجاته: "ههه شـ... شكراً سيدي... شكراً لك."

ابتسم "جاك" ابتسامة باردة، استدار بهدوء، ثم رفع المسدس من على الطاولة والتفت مجدداً نحو الرجل. أطلق رصاصة على رأسه بعينين مليئتين بالشر، وقبل أن يسقط جسد الرجل على الأرض، أطلق رصاصة أخرى على قلبه، قائلاً بصوت خافت لكنه يحمل كل معاني الانتقام: "اذهب إلى زوجتك، فهي تنتظرك في الجحيم أيها اللعين."

نظر "جاك" إلى الرجال الواقفين خلفه وأشار لهم بإنهاء أمر الرجل.

ثم أمسك الجاكيت الخاص به وغادر المكان بكل هدوء، وكأنه لم يفعل شيئاً سوى أمر عابر في يومه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور عدة أيام، قضاها "جهاد" والشباب في مصر، غادروا المستشفى التي كانت مسرحاً لأحداثهم السابقة، وتوجهوا إلى الفيلا الخاصة بهم.

كرس "جهاد" وقته لمعرفة كل تفاصيل حياة "ماسة". اكتشف أنها تعمل في المستشفى لدعم عائلتها، وأن زوج أمها سكّير كبير، لا يفعل شيئاً سوى الجلوس في المنزل والنوم، تاركاً العبء كله على ماسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في روسيا.."

بدأت "جوليا وسام" يتقاربان بشكل ملحوظ. لم يعودا مجرد أصدقاء، بل تعدت علاقتهما ذلك بكثير، تكسوها لمسة من الغموض والتوقعات.

في الوقت نفسه، كان حب "هيرا وجاك" ينمو ويكبر كل يوم، بينما كانت "هيرا" تجاهد لتمحو الماضي الأليم من ذاكرتها.

أما "جون"، فكان حبه لـ "مليكة" يزداد قوة مع مرور الوقت، بلا أي نقصان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت "هيرا" تتلوى على الأريكة في غرفتها بروسيا، تتعرق بغزارة، وتتنفس بصعوبة. صرخاتها المكتومة اخترقت صمت المكان: "ابتعد عني! أرجوك ابتعد! أمي! أبي! ابتعاااد!"

هرع "جاك" من الخارج، ركض نحوها ليجدها ترتجف وتتحرك بعنف.

اقترب منها وجلس بجوارها، هزها عدة مرات قائلاً بصوت يملؤه القلق: "هيرا! هيرا حبيبتي! قومي! هيرا اصحي! هيرااا!"

استيقظت "هيرا" مفزوعة، ارتمت في أحضان "جاك"، وبدأت تبكي بمرارة: "جاك! جاك! هو كان بيجري ورايا!"

مسح "جاك" على رأسها بحنان، محاولاً تهدئتها: "هش! اهدي، ده كابوس مش أكتر، تمام؟ اهدي يا حبيبتي."

"أنا خايفة، ما تبعدش عني!" قالت "هيرا" بصوت يملؤه الرعب.

"مش هبعد عنك، تمام؟ نامي ما تخافيش." أكد لها "جاك"، ووعدها بوجوده.

نامت "هيرا" بين أحضان "جاك"، تشعر بأمان وراحة غامرة.

ظل "جاك"بجوارها طوال الليل، لم يفارقها لحظة، كان وجوده ملاذاً لها من كوابيس الماضي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في غرفته، كان "جهاد" يتأفف من الملل الذي خيم عليه. مدّ يده نحو هاتفه، وضغط على بضعة أرقام، ثم وضعه على أذنه.

لم يمضِ وقت طويل حتى أجابه "جون" من الطرف الآخر، بصوته الهادئ الذي يحمل في طياته دائمًا شيئًا من الغموض: "جهاد؟"

"أنا عايز أتكلم معاك، حاسس بالملل جداً." قال "جهاد" بصراحة، لكن نبرته كانت توحي بضيق أكبر.

سأل "جون" بفضول خفيف: "أنت متصل بيا عشان كده بس؟"

"أيوة." جاء رد "جهاد" مقتضبًا، مليئًا بالانزعاج.

أتى رد "جون" سريعًا، وكأنه يقترح وصفة سحرية للتخلص من الملل: "روح اضرب شخص تاني، وهتحس إن الملل اختفى."

شعر "جهاد" بالتوتر من اقتراح "جون" الغريب، فسأله بشك: "هو أنت قصدك إيه؟"

ابتسم "جون" بهدوء عبر الهاتف: "لا مفيش... اللي عندك إيه أخبارهم؟"

"جاد، أنت كان قصدك إيه؟" أصر "جهاد"، مدركًا أن هناك معنى خفي وراء كلمات "جون".

ضحك "جون"، وكأنه يستمتع بلعبة القط والفأر: "مين ماسة؟"

صُدم "جهاد" تمامًا، فقد كان اسم "ماسة" سراً لم يبح به لأحد. "أنت عرفت إزاي عن ماسة؟"

هز "جون" رأسه، وكأنه يكرر جملة اعتادها: "قلتلك قبل كده إياك تسأل عرفت إزاي."

"طيب، ماسة دي دكتورة كانت في المستشفى اللي كان فيها صهيب." قال "جهاد" بغيظ، مستسلمًا أمام معرفة "جون" المذهلة.

ابتسم "جون" بخبث: "آه فهمت. صح، نسيت أبارك ليك على المستشفى الجديدة. مبروك."

ضحك "جهاد"، مزيجًا من الدهشة والإعجاب. "حتى دي عرفتها!."

"سلم ليا على الدكتور قاسم." أضاف "جون" بتأكيد، وهو ما زاد من قلق "جهاد".

نظر "جهاد" إلى هاتفه، وبدأ الشك يتسلل إلى قلبه. "جون، أنا بدأت أخاف منك. سلام."

ضحك 'جون': "هههههه طيب استنى."

"خير؟ في إيه تاني؟" سأل "جهاد" بقلق، متوقعًا المزيد من المفاجآت.

ابتسم "جون"، وهذه المرة كانت ابتسامته تحمل أخبارًا جيدة: "هيرا اعترفت لجاك بكل حاجة."

صُدم "جهاد" مرة أخرى، هذه المرة من شدة المفاجأة. "إيه! هيرا قالت لجاك! طيب جاك؟"

ابتسم "جون" بثقة، وكأنه يطمئن جهاد: "أنت عارف جاك، مش عشان سبب زي ده هيتخلى عن شخص بيحبه."

فكر "جهاد" قليلاً، وأقرّ بصدق ما قاله جون. "معاك حق. المهم إنهم مع بعض دلوقتي."

"أيوة. المهم أخبار الشغل اللي نازل على شأنه إيه؟" سأل "جون"، محولًا الحديث إلى الأمور الجادة.

أجاب "جهاد" بضيق: "معقد أوي، ربنا يستر."

"تمام، عايز حاجة؟" قال "جون' بغموض، مستعدًا لإنهاء المكالمة.

"مليكة عاملة إيه؟" سأل "جهاد" للتأكد من حال أخته

"زي العادة." أجاب "جون" بابتسامة، إشارة إلى أنها بخير.

شعر "جهاد" بالراحة بعد سماعه ذلك. "طيب أنا كده اطمنت. سلام."

أغلق "جهاد" الهاتف، ثم جلس على الفراش.

نظر إلى الصورة التي كانت بجواره على الطاولة، والتي جمعته هو و"جون". ابتسم وهو يتذكر قوة حبهم لأحدهم الاخر وعمقها، ثم استسلم للنوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة