بعد يومين كاملين من إعداد "جهاد" كل تفاصيل سفره الوشيك إلى مصر، كان التوتر ينسج خيوطه حوله، رغم محاولاته لإخفائه.
في مكتب "جون" الفخم، الذي تزين بلمسات الأناقة العملية، جلس الاثنان يتبادلان الحديث عن أمور العمل المعتادة. كان الصمت الذي يتخلل حديثهما أثقل من الكلمات، حتى قطعه "جهاد" بتوتر بادٍ في صوته: "جاد، في حاجة كنت عايز أتكلم معك فيها."
رمقه "جون" بنظرة هادئة، لكنها نافذة، وكأنها تخترق جدران أفكاره: "أكيد بخصوص سفرك مصر، صح؟"
حك "جهاد" ذقنه بخفة، دهشة خفيفة ارتسمت على ملامحه: "إنت عرفت إزاي إني مسافر؟"
ابتسامة خفيفة، ممزوجة بحدس خفي، ارتسمت على شفتي "جون". نظر إليه وكأنه يقرأ كتابًا مفتوحًا:
"زي ما عرفت إنها حاجة تخص الأسرار اللي بينك وبين جدي، وإنك مش هتقول إيه السبب لسفرك ده زي العادة، صح؟"
تنهد "جهاد" بارتياح، وابتسم ابتسامة تأكيد: "صح... بس أكيد مش هسافر غير لما توافق يا عم الشبح."
انحنى "جون" قليلًا، نظرة ماكرة في عينيه: "أمممم... طيب لو قولت مش موافق إنك تسافر؟"
أخذ "جهاد" نفسًا عميقًا، يعرف أن هذه لحظة حاسمة. قال بجدية ممزوجة ببعض الفكاهة: "أنا موافق، بس الأكيد موتي على إيد جدي غير مشكوك فيه، صح؟"
لم يستطع "جون" إخفاء ابتسامته التي توسعت قليلًا: "مش هيقدر... وعلى العموم، أنا موافق إنك تسافر بس بشرط."
اتسعت عينا "جهاد" بدهشة مصطنعة: "حتى أنا هتشرط عليا يا جاد؟ بس خير، ربنا يستر."
استدار "جون" بظهره للخلف على مقعده الجلدي الفاخر، وكأنه يراقب المشهد من بعيد: "هيكون حد من الشباب معاك."
انقبض وجه "جهاد" بذهول: "ليه؟ أنا مش صغير يا جاد!"
نفى "جون" ببطء: "أنا عارف إنك مش صغير، والأكيد إنك عارف إن إحنا لينا أعداء كتير يا جهاد، وممكن يأذوك، وأنا أكيد مش هخاطر بيك."
تمتم "جهاد" بضيق، يعلم أن النقاش عقيم: "خلاص موافق... بس مش سام. ممكن دين؟ مع إني الاتنين مصيبة، بس مش مشكلة."
انفجر "جون" ضاحكًا: "ههههه تمام... مسافر امتى وراجع امتى؟"
فكر "جهاد" للحظة، ثم قال بصدق: "مسافر امتى؟ خلال يومين. راجع امتى؟ الله أعلم."
أومأ "جون" بتأكيد، وكأن كل شيء قد حُسم: "تمام."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الطابق السفلي، كانت الأجواء أكثر حيوية. جلست "كوثر" و"مليكة"، وبجوارهما "صهيب" و"سام"، بينما جلس "دين" بالقرب منهم، يلهو مع الطفلة الصغيرة "جاسي"، التي كانت تملأ المكان بضحكاتها البريئة.
كان الحديث يدور حول أمور عديدة، خفيفة الظل ومرحة.
هبط "جون" وجهاد من الأعلى. اتجه جون نحو مليكة وجلس بجوارها، محتضنًا إياها بذراعيه أمام الجميع، في إشارة صامتة لمدى تعلقه بها. بينما جلس "جهاد" بجانب والدته "كوثر"، وسأل بحنان: "إزيك يا حبيبتي؟"
ربتت "كوثر" على يده بحنان: "الحمد لله يا حبيبي، إنت كويس؟"
في هذه اللحظة، ركضت "جاسي" الصغيرة نحو "جهاد"، الذي حملها في الحال: "فل مش كدا يا جاسي؟"
احتضنت "جاسي" "جهاد" بقوة، وقالت ببراءة: "وسكر كمان يا جوجو!"
نظر "جهاد" إليها بغيظ مصطنع: "جوجو إيه؟ شايفه كلب قدامك يا جاسي؟"
ضحك "صهيب" بصوت عالٍ: "ههههههه والله إنت أحلى منه يا جهاد!"
ضرب "جهاد" "صهيب" بالوسادة: "اخرس يا زفت إنت!"
مثل "صهيب" الحزن، وعلامات الاستغراب على وجهه: "هو إنتوا بتعملوا معايا كده ليه؟ حسسكم مش طايقيني."
علق "دين" بتعجب: "حاسس؟ يعني مش متأكد؟"
ضحك 'سام': "لا خليك متأكد من ده."
أكدت "جاسي" الصغيرة بحماس: "على فكرة أنا أول واحدة يا صهيب."
ابتسم "صهيب" لـجاسي، وسألها بود: "أول واحدة إيه يا حبيبة عمو؟"
نظرت "جاسي" إليه ببراءة قاتلة: "مش طايقاك!"
انفجر "سام" ضاحكًا بشدة: "ههههههههههه حتى الأطفال!"
تظاهر "صهيب" بالحزن الشديد: "والله حرام عليكم! ماشي يا جاسي، حسابك بعدين."
ضحكت 'مليكة': "ما تزعلش يا صاصا، أنا بضايقك شوية بس مش كتير."
نظر 'صهيب' باشمئزاز: "لا وعلى إيه بعد صاصا دي! بلاش."
أكد "دين" بجدية مصطنعة: "والله وماليك عليا حلفان، ما تستاهل."
نظر جون إلى "دين" بجدية خفية: "دين."
أجاب "دين" باهتمام: "أفندم؟"
شرب "جون" قهوته بهدوء، ثم قال ببرود: "جهز نفسك، حتسافر مصر إنت وجهاد."
حرك "دين" راسه دون أن يتفوه بكلمة أخرى، وكأنه يتقبل الأمر الواقع.
نظرت "مليكة" بتعجب: "إيه؟ مسافر مصر ليه؟"
نظر "جون" إلى "مليكة" بحنان، مطمئنًا إياها: "شغل يا حبيبتي."
ارتسمت الفرحة على وجه 'صهيب': "بجد؟ وأنا يا جهاد، عايز أشوف مصر! أروح معاك؟"
رفض "جهاد" بوضوح: "لا."
أصر "صهيب"، راجيًا بلهجة طفولية: "لا، أريد الذهاب معك، أرجوك! هيا يا أخي، أرجوك يا جهاد، أرجوك يا جوجو! عشاني، هيا وافق يا أخي جهاد!"
صرخ "جهاد" بضيق من إلحاحه: "بس! إيه ده كله؟ كفاية! برضه مش موافق!"
في هذه الأثناء، دخل "جاك" من الخارج بصحبة "مايا"و"جوليا".
سأل "جاك" بصوت عالٍ: "في إيه؟ صوتكم عالى ليه؟"
قال "صهيب" بحزن، واضعًا يديه على قلبه: "جهاد أرجوك وافق!"
سألت "جوليا" بتساؤل: "حصل إيه يا صهيب؟"
نظر "سام" إلى "جولي"ا بحب خفي: "أبدًا، أصل جهاد مسافر مصر هو ودين، وصهيب عايز يروح معاهم."
اتسعت عينا "جوليا" بصدمة، ثم تداركت نفسها: "إيه؟ جهاد مسافر؟... إحم... قصدي مسافر ليه؟ في حاجة؟"
نظرت "مليكة" إلى "جوليا" بنفي، محاولة تهدئة الوضع: "لا أبدًا، جهاد عنده شوية شغل في مصر هو ودين، مش أكتر يا جوليا."
جلست "مايا" بسرعة بجوار "جهاد"، وقالت بلهجة مفعمة بالرجاء: "وأنا كمان يا جهاد! عايزة أسافر مصر معاك، خدني وحياتي عندك، بليززز!"
نظر "جهاد" بصدمة حقيقية: "نعم؟ إيه؟ كلكم حبيتو السفر مصر فجأة ولا إيه؟"
نظرت "مايا" إلى "دين"، وقالت بجرأة: "أيوة، أصلي بحبه أوي!"
رفع "جاك" حاجبه بدهشة مصطنعة: "نعم يا أختي؟ وده من امتى إن شاء الله؟"
أكد "صهيب" بمكر: "من زمان ولا إيه يا مايا؟"
وقفت "مايا" بجوار "صهيب"، وقالت بتودد: "كده يا قلب مايا؟"
رفض "جهاد" بحدة: "وأنا مش موافق!"
جلس "جاك" بجوار "جهاد"، وأيد رأيه: "وأنا أيضًا لا أوافق أبدًا."
جلست "جاسي" بجوارهم، وصرخت ببراءة: "وأنا كمان!"
قال "جون" فجأة، وعيناه مثبتتان على شاشة هاتفه: "وأنا موافق."
انفجر "صهيب" فرحًا، واحتضن "جون" بقوة: "شكرًا أخي، شكرًا لك! أنا أحبك!"
ابتسمت "مايا" بشماتة لـ "جهاد': "لا تحزن يا جهاد."
كان "جهاد" مندهشًا للغاية، لدرجة أنه نظر إليه بفم مفتوح: "ماذا؟! لا! حرام كده، كتير! أنا واخد دين بصعوبة!"
نظر إليه "دين" بغيظ: "دين مش قاتل نفسه عشان يروح معاك!"
قال "جهاد" بغيظ: "سمعنا سكوتك يا زفت!"
نظرت "جوليا "إلى "جهاد"، ثم تحولت إلى "جون" وقالت: "وأنا أيضًا يا جون، أريد الذهاب معهم."
اتسعت عينا "سام" بدهشة: "ماذا؟"
نظر "جون" إلى "جوليا" بجدية: "أنتي لا يا جوليا."
نظرت "جوليا" إلى "جون" بغيظ: "والله وده من إيه بقى؟"
ابتسم "جون" رغمًا عنه: "قولت لا."
ضغط "جهاد" على أسنانه، وتمتم بغضب: "جون أيها النمس الماكر!"
نهض "جون"، منهيًا النقاش: "لدي بعض العمل، سأذهب."
اقترب "صهيب" من "جهاد" بضحك خبيث: "ههههههه لا تحزن يا أخي!"
صرخ "جهاد" بغضب: "ابتعد عني يا صهيب! اللعنة عليكم جميعًا!"
ثم جلس بهدوء، يضم أصابعه، وعيناه تشعان بالغضب.
وبالقرب منه، كانت "جوليا" تجلس، تنظر إلى "جهاد" بحزن عميق، بينما بالقرب منها، كان هناك قلب مكسور، يفيض بالحب غير المتبادل، ينظر إليها في صمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في الخارج"
كانت "جوليا" تقف، تتصارع مع دموعها التي تهدد بالانهيار في أي لحظة. كان صراعًا مريرًا بين رغبتها في التعبير عن ألمها وبين خوفها من عيون متطفلة قد تجرّها إلى حديث لا تطيقه.
استمرت في شرودها، غارقة في عوالمها الداخلية، حتى انبعث صوت قريب اخترق غشاوة أفكارها: "جوليا، بتبكي ليه؟"
رفعت "جوليا" رأسها، لتلتقي عيناها بعيني "مليكة".
حاولت أن تنفي، لكن صوتها خرج مخنوقًا: "مش ببكي."
ابتسمت "مليكة" ابتسامة هادئة، جلست بجوارها وقالت بصوت حنون: "الكلام ده مش عليا أنا، وكمان أنا عارفة أنتِي بتبكي ليه."
تسلل التوتر إلى "جوليا"، سألت بتوجس: "عارفة إيه؟"
نظرت "مليكة" إليها نظرة تحمل الكثير من الفهم: "عارفة إنك بتبكي علشان جهاد مسافر، صح؟"
حاولت "جوليا" أن تنفي بشدة، وكأنها تكذب على نفسها قبل 'مليكة': "لا طبعًا، وهبكي عليه ليه؟"
ضحكت "مليكة" بخفة، ضحكة تثير الشك والفضول: "ههه، علشان بتحبيه مثلًا؟"
اتسعت عينا "جوليا" بذهول، وكأن سرًا دفينًا قد كُشف: "إيه! لا لا، أنتِ بتقولي إيه؟ مش كدا!"
هزت "مليكة" رأسها بنفي: "لا كدا يا جوليا، حبك لجهاد واضح للكل. أنتِ بتغيري عليه ومش بتحبي إنه يبعد عنك، صح؟"
عبثت "جوليا" بأناملها بتوتر، اعترفت بصوت خافت بالكاد يُسمع: "بس هو مش عارف كدا..."
أزاحت "مليكة" خصلة من شعر "جوليا" خلف أذنها بحركة حانية: "ومين قال كدا؟"
نظرت "جوليا" بدهشة، تشابكت حواجبها: "قصدك إيه؟"
خفضت "مليكة" عينيها إلى الأرض، وتابعت بصوت هامس يحمل الكثير من الأمل: "يمكن عارف مثلًا... وبيحبك."
انفجرت الدموع في عيني "جوليا"، هذه المرة دموع فرح واعتراف: "بجد؟ أنا كمان بحبه أوي أوي!"
احتضنتها "مليكة" بقوة، مؤكدة: "أنا عارفة إنك بتحبيه، وعلشان كدا عايزة تسافري معاه. بس اللي بتعمليه غلط."
نظرت "جولي"ا بفضول، تستفسر: "غلط؟ غلط إزاي؟"
أجابت "مليكة" بحزم: "قصدي إنك مينفعش تعملي أي حاجة علشان يحبك. سيبيه، ولو هو فعلًا بيحبك هيرجع علشانك، صح؟"
فكرت "جوليا" قليلًا، ثم أومأت برأسها مقتنعة: "صح. شكرًا مليكة."
ضحكت "مليكة" بخفة: "ههه، تحت الطلب."
'جوليا': "هههه."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" فى مصر "
في صباحٍ باكرٍ من أيام مصر، حيث تبدأ الحياة بهدوءٍ متقطع، دخلت "ماسة" إلى إحدى الغرف البسيطة التي تفوح منها رائحة الأمل الممزوج بشيءٍ من الحزن الخفي.
ألقت نظرةً على أختها "لين"، التي كانت غارقةً في نومٍ عميق، تحتضن دبدوبها الأليف، وسماعات الأذن تحجب عنها العالم الخارجي تمامًا، كأنها في ملكوتٍ خاصٍ لا يمسّه صخب الواقع.
هزت "ماسة" رأسها بأسىً، فكم تمنت لو أنها تستطيع أن تعيش بسلامٍ مثل أختها، بعيدًا عن أعباء الحياة.
اقتربت منها ببطء، جلست بجوارها على الفراش، ومدت يدها بحنانٍ لتلامس شعر "لين".
"لين... لينو، كفاية نوم يا حبيبتي، يلا قومي،" همست ماسة بصوتٍ يملؤه الدفء، لكن "لين" لم تستجب، بل سحبت الغطاء على وجهها بعناد، "شوية كمان!"
تنهدت "ماسة" بغيظٍ مزيف، وأزاحت الغطاء عنها،.:"قومي بقى يا لين، كفاية نوم، اتأخرتي على الكلية! يلا قومي."
نهضت "لين" بضيقٍ، أزاحت خصلةً من شعرها عن وجهها بعبوسٍ طفولي، وتمتمت بكلماتٍ بالكاد تُسمع، :"أوووف، خلاص قومت... أمتى ربنا يرحمني وأخلص من الكلية وأسافر."
ضحكت "ماسة" بخفةٍ، حملت بعض الملابس المتناثرة من على الفراش، "ههههه يما ربنا يسهل."
نهضت "لين" واحتضنت أختها بقوة، كأنها تبحث عن ملاذٍ في هذا الحضن الدافئ،.: "وقتها نسافر أنا وأنتِ وماما، وتبعدي عن كل التعب والشقاء ده وترتاحي."
نظرت "ماسة" إليها بحزنٍ لم تستطع إخفاءه، .:"ربنا كبير يا لين... وكفاية بقى، الأكل جهز وماما بتسأل عليكي. يلا غيري على ما الأكل يجهز، ماشي؟"
قربت "لين" وجهها وقبلت "ماسة" بحنانٍ صادق، .:"ربنا يخليكي ليا يا أحلى أخت."
"ههههه طيب يلا يا هانم اتأخرتي!" قالت "ماسة" بضحكةٍ خفيفة. ركضت "لين" للخارج، بينما تنهدت "ماسة" بحزنٍ عميق، ثم خرجت لتضع الطعام على الطاولة، وتساعد والدتها المريضة على الخروج.
دخلت "لين" من الغرفة، ووضعت قبلةً حنونةً على جبين والدتها، ثم جلست لتتناول الطعام.
"يا عيني يا عيني، إيه الصباح العسل ده!" قالت "لين" وهي تنظر إلى والدتها بابتسامةٍ واسعة.
"ههه صباحك ورد إن شاء الله يا حبيبتي،" أجابت الأم بضحكةٍ خفيفة.
"متخافيش، أكيد ورد وفل كمان... سفر هاا!" أكدت "لين"
بحماسٍ، كأن كلمة "سفر" هي مفتاح السعادة لديها.
نظرت "ماسة" إليها بجدية، .:"يا بت، بطلي كلام على الأكل، وبعدين مفيش غير كلمة السفر على لسانك!"
"إيه نعم؟ هو في زي السفر ولا حلاوة السفر؟" ردت "لين" بتحدٍ.
ضحكت الأم،..: "ههههه سيبيها يا ماسة يا بنتي، خليها تحلم زي ما هي عايزة يا بنتي."
أشارت "لين" إلى والدتها بفخر،..: "شايفة الناس العسل! الله عليكي يا ست الكل أنتِ بس!"
"هههه ربنا يسعدك يا بنتي،" قالت الأم بابتسامةٍ ملؤها الرضا.
قُطع هذا الضحك الهادئ بصوت الأب، الذي جاء من الخلف،...: "الله الله! إيه صوت الضحك ده؟"
تمتمت "لين" بصوتٍ منخفض، ..:"استغفر الله العظيم."
"لين!" قالت "ماسة" بحدةٍ تحذيرية.
نظرت "لين" إلى "ماسة" باستفهام، ..:"إيه؟ أوووف!"
"في إيه يا كمال على الصبح؟" سألت الأم بضيقٍ واضح.
جلس "كمال" وبدأ يأكل بشراسةٍ،..: "هيكون في إيه يعني؟ عايز فلوس."
"طيب وإحنا مالنا؟" قالت "لين" بغضبٍ لم تعد تستطع كبته.
نظر "كمال" إلى "ماسة" بعينين متجمدتين،...: "لا مالكم! هاتي يا زفتة أنتِ فلوس!"
نظرت "لين" إلى أختها برفضٍ قاطع، ...:"لا يا ماسة ما تديهوش! وبعدين ياخد ليه؟ ما يروح يشتغل زي البني آدمين بدل قعدتك في البيت من غير شغل!"
نظرت "ماسة" إلى لين بضيق، ..:"لين! بس عيب كده."
"وأشتغل ليه؟ ما أنا ربيت واحدة طول عمري محدش يعرف أبوها فين! مش كفاية كده؟" قال "كمال" بغضبٍ، ليصيب "ماسة" في مقتل.
نظرت "لين" إلى "ماسة" التي بدأت الدموع تنهمر من عينيها بحزنٍ عميق.
اشتعل الغضب في قلب 'لين'...: "أنت إيه؟ مش بترحم يا شيخ! حرام عليك! دي هي الوحيدة اللي بتتعب علشان بنتك ومراتك التعبانة، وبتشتغل وتديك فلوس علشان تجيب الزفت اللي بتشربه ده! وياريت بينفع معاك! عايز إيه تاني؟"
"أنتِ بتتكلمي معايا كده إزاي؟ أنتِ اتجننتي؟" قال "كمال" بغضبٍ جامح.
"أيوه اتجننت علشان..." بدأت "لين"، لكن "ماسة" سحبتها للخارج.
"بس يا لين كفاية! لو مش عشاني علشان أمك كفاية!" توسلت 'ماسة'.
نظرت "لين" إلى والدتها التي كانت تبكي بصمت، ...:"أنا آسفة يا ماما ما كانش قصدي."
"ولا يهمك يا حبيبتي،" قالت الأم بصوتٍ خافت.
حملت "ماسة" كتب 'لين'،...:"يلا اتأخرنا."
نظرت "لين" إلى والدها باحتقارٍ،..: "حاضر، يلا."
غادرت الأختان، وتركتا الأم تنظر إلى زوجها بحزنٍ عميق، ثم توجهت إلى غرفتها. ذهبت كل واحدة منهن إلى وجهتها، تائهتين في دوامة الحياة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في روسيا"
كان "سلطان" قادمًا من الخارج، منهكًا من عناء العمل، يحدوه أمل الراحة في جناحه الخاص، لكنه فوجئ بـ "جهاد" ينتظره، جالسًا بهدوءٍ غامض.
"جدي حمد لله على السلامة،" قال "جهاد" بابتسامةٍ هادئة.
"الله يسلمك يا حبيب جدك... خير قاعد كده ليه؟" سأل 'سلطان' بفضول.
"لا أبداً... بس حبيت أبلغك إني مسافر خلال 24 ساعة،" أجاب "جهاد" بهدوءٍ يخبئ خلفه الكثير.
"كويس جداً، أنا هبلغ المطار بتجهيز الطيارة،" قال "سلطان" بتفهم.
"تمام... بس يا ريت محدش يعرف أنا ماشي أمتى،" طلب 'جهاد'.
"تمام... بس جون يعرف إنك مسافر،" قال 'سلطان' بلهجةٍ تحمل نوعًا من التساؤل.
ضحك 'جهاد'، "أكيد، هو لو كان رفض أنت عارف ما كنتش هسافر."
"عارف... وأكيد هو ما وافقش إنك تروح لوحدك،" قال 'سلطان' وهو يبتسم.
"فعلاً... علشان كده عين صهيب ومايا معايا في الرحلة دي،" قال 'جهاد' بقلة حيلةٍ مصطنعة.
"ههههه طيب ربنا معاك،" قال 'سلطان' بضحكةٍ خفيفة.
"يارب... تامرني بحاجة؟" سأل 'جهاد'.
"لا يا حبيبي، اتفضل،" أجاب 'سلطان'.
"عن إذنك،" قال 'جهاد'، ثم غادر.
هز "سلطان" رأسه وهو يبتسم له، ثم غادر هو الآخر إلى جناحه الخاص، ليخلد للراحة بعد يومٍ طويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
خلص البارت الحمد الله ♥️
التؤام.. أمانى& أمل