البارت السابع عشر 🦋

البارت السابع عشر 🦋

35 0

في حديقة القصر الغارقة في سكون الليل، حيث يتهادى عبير الياسمين بحزن، كان "دين" يجلس وحيدًا، أسير أفكاره الشاردة. عيناه تحدقان في سواد السماء، بينما وشاح عميق من الحزن يكسو ملامح وجهه النحيلة.

خلفه، كانت "مايا" تراقبه بصمت، تشعر بالعجز يلفّ قلبها، وتتردد خطواتها عن الاقتراب منه. لم تكن تجرؤ على اقتحام عالمه الذي انهار فجأة.

بعد لحظات ثقيلة من القلق الممزوج بالألم، استجمعت "مايا" شجاعتها. اقتربت بخطوات وئيدة، ثم جلست بجواره بهدوء. رفعت عينيها المتسائلتين إليه، وصوتها يهمس بخوف: "دين، أنت بخير؟".

هزّ "دين" رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان مثبتتين في الفراغ أمامه. خرجت كلماته بصعوبة، تحمل ثقل الكون: "مش عارف".

ترددت "مايا" للحظة، ثم حثّته بلطف: "طيب... اتكلم".

أدار "دين" وجهه نحوها ببطء، وكأن أثقال الدنيا تجرّه. تدفقت الكلمات من بين شفتيه، محمّلة بمرارة الفقد والذنب: "أقول إيه... أنا حاسس إني ضعت يا مايا... جهاد، صاحب عمري، مات. مات بسببي، وقدام عيني".

هزّت "مايا" رأسها بنفي وهي تكبح دموعها، محاولة أن تمنحه طوق نجاة: "لا يا دين، أنت مالكش ذنب. جهاد..."

قاطعها "دين" وهو ينتفض واقفًا، وكأن حمم الألم تدفعه: "لا، بسببي أنا! أنا وسام كنا مع صهيب، وكنا بنضحك. وفجأة سمعناه بيتكلم مع جون. كلنا كنا مصدومين من الكلام... إن جهاد قتل عمّه. بس مش عارف إزاي صهيب خد السلاح من ورا ظهري وضرب عليه. كل اللي شفته إن جهاد كان مضروب في قلبه... كله بسببي، خد السلاح مني أنا... أنا السبب يا مايا!"

انزلق "دين" على الأرض، وكأن قواه قد خارت. دفن وجهه بين يديه، وانفجر في بكاء مرير، بكاء يمزق القلب.

اقتربت منه "مايا" واحتضنته بقوة، دموعها تختلط بدموعه. همست بصوت مخنوق وهي تربت على ظهره: "صدقني، أنت مالكش ذنب. أنت ما كنتش عارف إنه هيعمل كده. كفاية عشان خاطري".

رفع "دين" وجهه الملطخ بالدموع، وصرخ بصوت يختنقه الألم: "هو مات! جهاد خلاص مات! هو مش بس صاحبي، هو أخويا زي سام... هو وجون خدونا أنا وسام من الملجأ، وكانوا عيلتي. إزاي ما قدرتش أحميه يا مايا؟ إزاي!"

رفعت "مايا" وجهه بين كفيها الناعمتين، تحدق في عينيه الغارقتين في بحر من الدموع. بصوت حازم ممتزج بالحنّية، قالت: "قلت كفاية! هو كان أخويا أنا كمان. هو كان بيعاملني زيي زي مليكة. هو مش بس أخوك يا دين".

......(دين)....

رفع "دين" نظره وجد "سام" وهو ينظر له ويشهق  بدموع شديدة فى عيونه التى تشبه كأس الدماء من كثرة البكاء "دين" وهو ينهض ويقف أمامه :- سام

"سام" وهو يعانق دين :- جهاد كان اخويا انا كمان انا كمان مقدرتش امنع موته مش انت بس جهاد مات ومش هشوفه تانى

"دين" وهو يعانق "سام" ويبدله نفس الحزن والدموع :- انت ملكش ذنب كفايه هو كدا مرتاح

"سام" بنفى :- دين انت عارف انا والله كنت بضحك وقت إللى قولت له روح للجحيم انا مكنتش عايز كدا

"دين" وهو يبعده عن حضنه وينظر له  :-  انت بتقول ايه ياسام انت غبي انا عارف ده مفيش داعى انك تفسر كلامك ليا 

"سام" وهو يضع عيونه فى الأرض :- انا مش هشوفه تانى اومال هتخانق مع مين ووقت مانروح مهمه نروح مع مين يادين

"دين" وهو يصرخ فيه بشده :- قولت كفايه ...كفايه هو خلاص مات ومش هنشوفه تانى

"سام" بصرخ :- ليه.... ليه هو ...هو اطيب وحسن واحد فينا طيب ليه هو مات ليه ..طيب. صهيب عمل كدا ازاى... ازاى يادين

"دين" بنفى :- مش عارف ياسام

"مايا" وهى تقف أمام الاثنان :- بس انتو الاثنين كفايه روحوا شوفوا جون فين هو له يومين مختفي ده حتى محضرش دفن جهاد جاك بيدور عليه روحوا دور انت وهو عليه

"دين" بتأكيد :- متخفيش جون مش طفل علشان ندور عليه اكيد مش مصدق انه خسر جهاد 

"سام" وهو يمسح عيونه بيده :- معه حق اكيد هو موجود فى مكان يطلع كل غضبه فيه جون مهما كان انسان وهو خسر حاجه مش عاديه فى حياته

"مايا" بقلق :- ربنا يستر انا هروح عند مليكة

"دين" بتسال :- هى عامله ايه

"مايا" بحزن :- هى مش بتعمل حاجه اصلا طول الوقت بتاخد مهداة وجوليا مش بتسيبها انا كمان رايح عندها

"دين" بتأكيد :- تمام 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في تلك الليلة، كانت السماء تتمزق. عاصفة هوجاء من الأمطار الغزيرة والغيوم المتلبدة، تضربها أصوات البرق والرعد بقوة عنيفة، كأن حربًا ضارية تدور رحاها في عليائها.

وفي قلب هذا الجنون السماوي، داخل أحد الملاهي الروسية الصاخبة، كان يجلس "جون".

كان يشرب بشراهة، دون رحمة أو شفقة على نفسه. حوله، كانت العاهرات يتمايلن، يملن عليه من كل اتجاه، لكنه لم يكن يعيرهن اهتمامًا.

كان يرتشف الخمر بلا توقف، عقله غارق في ذكرى ذلك الذي تركه ورحل... "جهاد"، صديق عمره منذ الصغر، أو بالأحرى، توأم روحه الذي خسره منذ ساعات قليلة. كان يشرب وهو يعيد في ذهنه صوت تلك الرصاصة التي انطلقت بسرعة جنونية من السلاح، السلاح الذي كان دائمًا الملاذ الوحيد له منذ وفاة والده. أو ربما، كان السلاح هو الشرير الوحيد في هذه القصة... ذاك الشخص الحنون، قدوة حياته. طوال الوقت، كان يفكر في الانتقام من قاتله، ولكن الآن... هو من كان يستحق القتل بلا رحمة منه.

نهض "جون" فجأة، وكأن صرخات لا تُحصى تدوي في عقله، تقتحم صمته الداخلي:

"أنا اللي قتلته..."

"هو اعتدى على أمي!"

"أنت واحد قلبك حجر..."

"جهاد قتل أبوك!"

"لو رجع بيّا الزمان برضه هقتله..."

"هو كان عايز يقتلني..."

"أنت كذاب!"

"ماسة أختك..."

"لا جهاااد!"

"سامحني جاد..."

"أنا آسفة ما قدرتش أنقذه..."

"جهاد ما ماتش!"

"جهااااااااد!"

"جاد، قول له يقوم!"

"لا يا ابني!"

"هو بيحبك أنت، قول له قوم!"

"مات..."

"جهاااااااااااااااااااد!"

خطا "جون" إلى الخارج، صعد سيارته، وتلك الأصوات تتردد في أذنيه مرارًا وتكرارًا دون توقف. ظل يقود وهو لا يشعر بشيء من حوله، لا يعلم إلى أين يذهب. يخاف الذهاب إلى المنزل، لا يريد أن يراه مرة أخرى أمامه. يريد الصراخ، لكنه لا يستطيع. يريد البكاء، لكن الدموع كانت ساكنة في عينيه دون حراك.

توقف على أحد تلال الجبال، أمام منزل كبير الحجم يحرسه عدد من الحراس. هبط من السيارة ونظر إليه بعيون غامضة، ثم تقدم بخطوات ثابتة. رغم كميات المشروب التي تناولها، فإن من ينظر إليه يعتقد أنه قادم من صالة الألعاب الرياضية، بقوته وثباته. نظر له الحراس، ولم يقو أحد على الوقوف أمامه. تنحّى الجميع من طريقه، وتقدم إلى الداخل. نظر في أنحاء المنزل، ثم رفع نظره إلى أعلى الدرج، حيث كان رجل يهبط إلى الأسفل. قال الرجل بتعجب: "جون؟"

نظر "جون" إليه بغضب، وكلماته خرجت كالشفرات: "ليه خبيت السر ده عني طول السنين دي يا سلطان؟"

نظر "سلطان" بتعجب، وقد أذهلته قوته وصدمته، حتى في هذا الوضع لم ينحنِ للضعف. نظر إليه بحزن وقال: "كنت عايز أحميه منك ومن الكل يا جون".

احتل الغضب عيني "جون"، وتجمّدت كلماته: "أنت فاكر كده أنقذته مني يا جدي؟ لا!"

هزّ "سلطان" رأسه بنفي، وحاول أن يشرح: "لا يا جون، أنا حميته لآخر لحظة، حميته منك ومن أبوه ومن أي حد. عايزني أعمل إيه غير كده؟ طفل صغير شاف أمّه وهي بتموت قدام عينه. أنا طول عمري كنت بشوف غلط عيسى والشر اللي في عينه تجاه أخوه الكبير. قتل مراد وهو عمره 16 سنة عشان ميكونش هو الوريث الكبير. كان بيضرب أمك كل يوم وهي كانت بتكرهه كل دقيقة في حياتها. اعتدى على مرات أخوه وكان عايز يقتل جهاد. ورغم ده كله مكنتش قادر أمنع أي حاجة من ده. ويوم اللي شفته غرقان في دمه ما زعلتش عليه. بالعكس، حميت طفل كان بيصرخ من خسارة أمّه وقتل عمّه ومن الخوف يا جاد".

نظر جاد (جون) إليه بشر: "ليه ماقلتش ده كله؟ ليه خبيت عني؟ أنت كنت شايف إزاي كنت بموت من حزني عليه؟ كنت شايف إزاي فكرة الانتقام كانت معمية عيني؟ ليه ما قولتش؟"

حاول "سلطان" الاقتراب منه: "ما قدرتش. أنت دائمًا شايف أبوك حاجة عظيمة في حياتك. كنت عايزني أقولك إزاي إن أبوك أسوأ حد ممكن تشوفه في حياتك؟"

ابتعد "جون" بضع خطوات عن "سلطان"، ثم عاد ليقترب منه مجددًا، وعيناه تشتعلان بغضب ممزوج بخيبة أمل عميقة: "ده مش سبب! مش سبب يا سلطان بيه! اللي زيك مستحيل يفكر كده !"

هز "سلطان" رأسه بحزن، قائلاً بصوت خافت: "معاك حق. بس جهاد مكنش خايف من الموت، هو كان خايف تعرف أبوك على حقيقته. هو منعني أقول أي حاجة تخص أبوك، حتى لو كان ده حبل نجاته. بس مرضيش. كل يوم يا جاد، كنت بشوف في عينه الحزن والخوف من فكرة إنك تكرهه، كانت بتسيطر عليه. كان بيحاول يعمل أي حاجة يكفر بيها ذنبه، بس مكنش عارف... بس طلع عيسى واحد وسخ وزبالة. اعتدى على واحدة من الخدم، ويوم ما عرف إنها حامل، حاول يقتلها. بس هي قدرت تهرب على مصر وأنقذت نفسها هي والطفل اللي في بطنها. واليوم اللي أنا عرفت فيه، قلت لجهاد وطلبت منه يسافر مصر. ومن حسن الحظ هو حبها وتزوج ماسة. بس الخوف مفرقهوش مع ذلك!"

وضع "جون" يده على رأسه، وكأن الكلمات تحاول تفجير جمجمته: "أنت غلط يا جدي! أنت فكرت إنك قدرت تحميه كده صح من الموت؟ أنا بعد ما عرفت إنه هو اللي قتل أبويا... أنت جبته خبيته هنا، مش كده؟ في البيت ده؟ ! تقدر تقولي انا إزاي جيت هنا دلوقتي؟ أنا كنت عارف إنه مستخبي هنا، بس أنا كنت مستني هو يجي ويقولي السبب!"

رفع "سلطان" صوته بغضب، محاولًا إيقافه عند حدّه: "أنت كنت هتقتله يا جون! ومكنتش هترحمه حتى،؟ مش ده كلامك؟"

هزّ "جون" رأسه بشدة نافيًا، وبدأت الدموع تتكون في عينيه للمرة الأولى منذ وفاة والده، دموع لم يعرفها منذ زمن بعيد. قال بصوت مرتجف: "مستحيل! أنا مستحيل أعمل كده! أنا مستحيل اضره ومستحيل أكرهه. هو مش بس ابن عمي يا جدي، هو كان كل حاجة بالنسبة لي! هو الشخص الوحيد اللي كان ممكن أديله روحي من غير أي مقابل حتى! هو كان الكتف اللي بسند دايماً عليها! هو كان أغلى من روحي! عارف يعني إيه شخص يحمل شخصيتين؟ جون رئيس المافيا كان مع الكل، بس مع جهاد كان بس جاد الطفل اللي كان دايماً بيضحك، الهادئ. مش الحجر يا جدي! مش القاتل اللي المسدس هو اللعبة بتاعته! مش أنتم خسرتوا جهاد بس؟!"

توقّف لبرهة، وكأن الكلمات الأخيرة تكسر قلبه: "أما أنا، خسرت أخويا وأبويا وابني وصاحبي وكل حاجة !"

حاول "سلطان" وضع يده على كتف "جون"، مناديًا إياه باسمه القديم: "جاد..."

أزاح "جون" يده بقوة، وصوت الألم يمزقه: "أبعد إيدك عني! أنا مش جااااد! جاد مات مع جهاد! أنت فاهم؟ جاد مات في اللحظة اللي نفس جهاد وقف فيه! هو خد روحي معه! أنتم غلط... أنا كان عمري ما امس ضفر منه حتى. صهيب قتل روحي يا جدي! أنا كان ممكن أندّم صهيب على اليوم اللي مسك فيها مسدس، بس مش قادر! مش قادر! ! أنا حاسس قلبي طلع من مكانه! مش قادر أتنفس! عايز أصرخ ومش قادر! أبكي ومش قادر! مش قادر أرجع البيت! فكرة موته بالنسبة لي مستحيلة! لو رجعت وشوفت مليكة أقولها إيه؟ إني ما قدرتش أحميه؟ أروح أقول إيه لأمي؟ أعمل إيه؟ أول مرة أكون عاجز كده! أول مرة أحس بضعف كده يا جدي! رد عليا! قول إنه كابوس! كابوس وهفوق منه ويكون جانبي، إنه مامتش! جهــــــاد مامتش جهااد! آآآآآآآه!"

جلس "سلطان" على المقعد بقلة حيلة، عاجزًا أمام هذا الألم. همس بصوت مكسور: "سامحني يا ابني، كله بسببي".

ضحك "جون" بوجع، ضحكة مريرة تحمل كل معاني اليأس: "! أسامحك اسامحك  إزاي؟ هو أنت خدت مني حاجة أسامحك عليها؟ أنت خدت أخويا مني! راح بسببك أنت... فكرة إنك حميته بس؟ لا هو ماااات! مات على إيد أخويا! جهاد راح بسببك! طيب أسامحك إزاي؟ تقدر ترجعه تاني وأسامحك؟ تقدر يا سلطان بيه؟ تقدر؟"

قال سلطان بصوت مكسور، وعيناه تفيضان بالدموع: "مش هقدر... مش هقدر يا جون".

صرخ "جون" بأعلى صوته، صرخة يمزقها الفقد: "جهــــــــــاد!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور عدة أشهر، لم يتغير شيء في جناح "جون".

كانت "مليكة" لا تزال تجلس في ركنها المعتاد، تحتضن صورة "جهاد"، وعيناها تحدقان فيها بدموع وحسرة. كانت شهقات القهر تمزق صدرها، وظلت هكذا لوقت طويل، حتى دخلت "كوثر".

نظرت إليها "كوثر" بوجع احتوى قلبها على حزن ابنتها وحزن الجميع الذي خيّم على القصر منذ أشهر. اقتربت منها وجلست بجوارها، ثم قالت بصوت خافت: "مليكة، لإمتى هتفضلي على الحالة دي؟"

رفعت "مليكة" نظرها عن الصورة، ودموعها لا تتوقف: "لوقت ما يرجع جهاد".

قالت "كوثر" بحزن: "بس يا مليكة، جهاد مش هيرجع تاني".

نظرت "مليكة" إلى "كوثر" بنفي قاطع، وكأنها ترفض الاعتراف بالحقيقة: "لا هو هيرجع. أنتم فاكرين إنه مات، بس هو ما ماتش. هو لسه عايش".

تألّمت "كوثر" وهي تقول: "يا مليكة، افهمي بقى!"

انتفضت "مليكة" واقفة، وصوتها يخرج صرخة مدوية: "افهموا أنتم! أنا مستحيل أصدق موته! أخويا لسه عايش! جهاد ما ماتش!"

قالت "كوثر" بألم عليها: "طيب تمام، زي ما أنتِ عايزة. بس مش كفاية الحالة دي؟ بنتك وزوجك عايزينك".

صرخت "مليكة" بشدة، وكأنها لا تسمع شيئًا سوى ألمها: "وأنا لا! أنا عايزة جهاد! عايزة أخويا! أنتِ ليه مش فاهمة؟"

في تلك اللحظة، اقترب "جون". مدّ يده وصفع "مليكة" بقوة على وجهها. سقطت بين يدي "كوثر"، بينما "جون" ينظر إليها بعينين غاضبتين: "مليكة! كفاية! أنتِ إزاي تكلمي أمك كده؟ أنتِ اتجننتِ؟"

نظرت "مليكة" إلى "جون" بدموع، صوتها يرتعش: "أيوه أنا اتجننت! وهي مش أمي! أنا أمي ماتت وإخواتي ماتوا! وأنا ليه عايشة؟ ليه؟ ليه؟"

أمسك "جون" ذراع "مليكة" بغضب شديد، محاولًا أن يوقظها من هذا الجنون: "مليكة، أقسم بالله العظيم لو الكلام ده قلتيه تاني، لأندمّك على اليوم اللي اتولدتي فيه! أنتِ فاهمة؟"

قالت "كوثر" بصدمة: "جاد؟!"

نظر "جون" لأمه بضيق، وكلماته خرجت باردة وقاسية: "أنا مش جاد يا أمي، أنا جون. جاد مات".

صرخت "مليكة"، وكأنها تحاول إيلامه بقدر ما آلمها: "أنا بكرهك يا جون! أنا بكرهك! أنت مش جاد حبيبي! أنا بكرهك! أنت السبب في بعد جهاد عني! لو كان هو عايش، مستحيل كان سمح ليك تعمل كده فيّا! أنا بكرهك! جهاد هيرجع ويندّمك!"

نظر "جون" إليها بغضب، وكلماته كانت تحذيرًا أخيرًا: "مليكة، أنا بحذّرك إنك ترفعي صوتك على أي حد تاني! أنتِ فاهمة؟"

غادر "جون" الجناح بسرعة. بينما كانت "مليكة" تصرخ بصوت عالٍ مقهور: "أنا بكرهك! بكرهك! أنت السبب في بعد جهاد! أنت السبب!"

غادر "جون" الجناح، يشعر بالغضب والحزن معًا. للمرة الأولى رفع يده على زوجته وعشق قلبه، لكنه الآن ليس "جاد"، زوج مليكة، بل "جون"، الذي يرتدي قناع القسوة.

بينما كان يهبط على الدرج، رأى "صهيب" يصعد أمامه، بوجه شاحب، ضعيف بشدة، وكأن الحزن قد تملّك منه تمامًا.

نظر له "جون" بعينين غاضبتين تملؤهما الكراهية، وبقلب يحترق من الألم.

استدار "جون" إلى الخارج بسرعة، يخشى أن تتحول هذه المواجهة إلى كارثة، فلا يضمن ألا يكون موته على يده.

أما "صهيب"، فقد شعر بالاختناق الشديد. صعد إلى غرفته، غيّر ملابسه بسرعة، وتوجه إلى الخارج. يبدو أن كليهما يبحث عن مفرّ من الألم الذي يطاردهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكان آخر، حيث الأجواء يلفها الغموض، كان يجلس رجلٌ يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وقميصًا أبيض ناصعًا، وساعة سوداء فخمة. وضع قدمًا فوق الأخرى، وعيناه تراقب بتركيز شديد شخصًا يقف أمامه، يفحص ملفًا بين يديه باهتمام بالغ.

نظر إليه الرجل الآخر بطرف عينه، وهو يتناول فنجان القهوة الذي يحمله، وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل نبرة من الترقب: "ما الأخبار؟"

أجاب الشخص الواقف بهدوء، لكن نبرته لم تخفِ توتره: "الأخبار سيئة سيدي. إن هذه الحالة مستحيلة".

وضع الرجل فنجان القهوة بجواره بضيق واضح، وقال بكلمة واحدة تعبر عن استيائه: "المعنى؟"

ازداد توتر الشخص الواقف وهو يقول: "سيدي، هذا الأمر مستحيل".

رفع الرجل نظره إليه بهدوء شديد، عيناه تخفيان عاصفة بداخله: "وما هو عملك أنت؟"

أجاب الشخص بخوف واضح، محاولًا تهدئة الموقف: "لا تقلق سيدي، بالتأكيد سوف أفعل كل ما يلزم".

نظر الرجل إلى الساعة التي بيده، وقال بتأكيد وحزم: "أنا أعلم هذا، ولكني أريد المستحيل".

اشتد خوف الشخص الواقف، فقال مذعورًا: "حسنًا، حسنًا سيدي، كما تريد. سوف أفعل المستحيل".

أشار الرجل بيده إلى الخارج. غادر الشخص وهو يرتجف من الخوف، وفي تلك اللحظة، اقتربت منه سيدة، صوتها هادئ وجميل، وقالت: "لا تقلق، سيكون كل شيء بخير".

رفع الرجل نظره باتجاه هذه الفتاة، وقال وهو يبدو عليه القلق: "أنا أعلم هذا، ولكني أشعر بالقلق".

ابتسمت الفتاة ابتسامة هادئة، وكأنها تعرف ما يدور في ذهنه: "هل حان وقت الانتقام؟"

نهض بهدوء، ووضع يده في جيب بنطاله، وقال بنبرة حملت وعدًا مخيفًا: "سوف أجعل كل من سبب الأذى لأخي يعاني بشدة، ولن أرحم أحدًا".

قالت الفتاة بهدوء، وكأنها تستوضح أمرًا محسومًا: "هل جون هو أول المقدمة؟"

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه، وقال: "بالتأكيد".

هزت الفتاة رأسها بتأكيد، وكأنها تفهم تمامًا ما يدور في ذهن هذا الرجل، وما يخبئه المستقبل من أحداث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة