كانت روسيا تحتضن السراديب المظلمة للأعمال القذرة، وفي إحدى الزوايا المنسية من هذا العالم، حيث تتآكل جدران المصانع المهجورة، كانت تتجمع قوة خفية. في مكان تحاصره العتمة، وقف عدد كبير من الرجال المسلحين، ظلالهم ترقص على الجدران المتصدعة.
في المقدمة، كان يقف "جون"، رجلاً تخفي عيناه الزرقاوان الحادتان برودة قاتلة، وجهه خالٍ من أي تعبير.
إلى يمينه، كان "جهاد"، الرجل الوسيم الذي بدت عليه علامات الضجر، يده في جيب سترته الأنيقة، يصفر بلحن ممل.
وعلى يساره، وقف "سام" ببرود شديد، يمسك سلاحًا ضخمًا وكأنه لعبة طفل، وعيناه تراقبان العالم بشغف مرعب.
خلفهم، كان "دين" يعمل على حاسوبه بمهارة تفوق سنه، أخوه "سام" بجانبه، كظلين لا يفترقان.
ثم جاء "إدوارد"، إمبراطور الأعمال الذي تهابه روسيا، محاطًا بجيش من الحراس الشخصيين. كان يقف بهدوء مصطنع، ابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه، يرمق "جون" باستهزاء مكشوف.: "هل هؤلاء هم رجالك، سيد جون؟"
قالها بسخرية، عيناه تتفحصان ملابس "جون" البسيطة: جينز أسود، قميص أسود، وسترة بنفس اللون.: "ورفيقك هذا الذي يصفر كالأطفال؟"
نظر إليه "جاك" بجمود.: "وهل يهمك العدد؟"
ضحك "إدوارد" عالياً، يمسك سلاحًا بيده.: "بالتأكيد! ماذا لو خان رئيس المافيا؟"
رفع "سام" رأسه عن الحاسوب، ونزع نظارته.: "وهل تظن أنك تستطيع؟"
ضحك "إدوارد".: "ومن سيمنعني؟ أنت أيها الطفل؟"
ابتسم "دين" بسخرية.: "يقول عنك طفلًا."
رمق "دين" "سام" بغيظ.: "ومن أنت أيها الفأر؟ أخوه الصغير؟"
سخر "إدوارد" ، ثم ضحك "سام".: "ههه، أنا زوج أمك."
اشتعل وجه "إدوارد" بالغضب.: "كيف تجرؤ على نطق اسم أمي؟"
تساءل "جاك" ببرود.: "أليست والدتك إحدى العاهرات، سيد إدوارد؟"
رفع "إدوارد" سلاحه نحو "جون"، والغضب يعميه.: "ما هذا يا جون؟ ألا ترى عدد رجالي؟ يمكنني قتل كل رجالك في أقل من دقيقة!"
نظر "جون" بهدوء إلى رجال "إدوارد"، عيناه الزرقاوان خاليتان من أي تعبير.
ثم، في لحظة خاطفة، رفع يده وأطلق ثلاث رصاصات على رأس "إدوارد" بدم بارد وصمت مرعب.
نظر إلى "جهاد" الذي كان يرمقه بضيق.: "لقد تأخرت في إطلاق النار."
"أشار "جون" بيده، إشارة حاسمة قطعت خيوط التردد في الهواء، وقال بصوت يخلو من أي نبرة..: "انتهى الأمر."
لم يكن ذلك مجرد إعلان، بل كان ختمًا لصفحة أخرى في كتاب حياتهم الملطخ بالدماء.
نظرة "جهاد" الماكرة، التي تحمل في طياتها مزيجًا من الولاء المظلم والمتعة الخفية، أطلقت شرارة القبول: "بكل سرور."
هذا الـ'سرور' كان له مذاق خاص في عالمهم، مذاق القوة والتحكم.
صعد "جون" إلى سيارته، ملاذه الصامت، وجلس كمن يرمي حملًا ثقيلًا.
في الخارج، كانت الفوضى تتراقص. رصاصات "جهاد"، و"جاك"، و"دين"، و"سام"، ترسم لوحة من العنف المتقن. لم تكن مجزرة عشوائية، بل كانت أوركسترا مميتة يعزفونها ببراعة، كل حركة محسوبة، كل إطلاق نار قصة.
وكالعادة، انتهى المشهد دون خدش، كأنهم يؤدون روتينًا يوميًا مملًا، لا يستدعي حتى الالتفات.
صعد كل منهم إلى سيارته، وكأنهم يهربون من فراغ خلفوه وراءهم، عائدين إلى بيوتهم بحثًا عن راحة لا تأتي دائمًا.
بعد أن فرغ من 'أعماله' اليومية، التي لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، انطلق "جون" نحو قصره. الراحة بالنسبة له كانت مفهومًا معقدًا، مزيجًا من الصمت والوحدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عمق الليل، وتحديدًا في الساعة الرابعة فجرًا، يقف قصر "جون" كصرح جليدي، محاطًا بصمتٍ يخنق الأنفاس، وعدد لا يحصى من الحراس، كأنهم أشباح تحمي سرًا عظيمًا.
سيارة "جون" الفاخرة، تتبعها ثلاث سيارات رياضية أنيقة، ثم قافلة من مركبات الحراسة، اخترقت البوابة الضخمة التي انشقت على مصراعيها، وكأنها تنحني أمام قدوم سيدها.
توقفت السيارات، وهبط "جون"، هيبته لم تكن مجرد مظهر، بل كانت قوة تفرض نفسها.
خلفه، هبط "جهاد" و"سام" و"دين"، وتجمع الحراس، عيونهم معلقة به، مزيج من الخوف والترقب. نظرة واحدة من طرف عين "جون"، كانت كافية لزرع الرعب في أوصالهم، ثم دلف إلى الداخل، مخلفًا وراءه صمتًا أثقل من الجليد.
الهدوء كان سيد الموقف في الداخل، هدوء يسبق عاصفة دائمًا. صعد "جون" إلى جناحه في الطابق الثاني، تاركًا الطابق الأول لأفراد عائلته وأصدقائه، كل في عالمه الخاص، بحثًا عن نوم لم يكن هنيئًا دائمًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
'في جناح جون'
انزلق الباب مفتوحًا ببطء، كاشفًا عن عالم "جون" الخاص. جناح واسع، ليس مجرد غرفة، بل ملاذًا للروح المرهقة. صالة فسيحة، أرائكها الفاخرة تدعو للغوص في أعماق التفكير، مكتبة ضخمة تحتضن آلاف الأسرار، وشرفة تطل على حديقة سرية، كأنها واحة خفية في قلب قلعته، تتزين بأندر الزهور، وبجانبها مسبحه الخاص، انعكاس لصفاء لم يجده "جون" إلا في تلك اللحظات.
خطوتان قادت "جون" إلى غرفة ملابسه، خزينة كنوز من أفخر الأزياء والساعات، كل قطعة تروي قصة مكان وزمان.
اختار بنطالًا قطنيًا، وتوجه إلى حمامه، حيث الماء البارد يغسل عنه بقايا اليوم. ارتدى البنطال، وعاد إلى غرفته، يفتح الباب ببطء شديد، ليكتشف أميرته النائمة، كأنها زهرة نادرة تنام في سلام.
ابتسامة نادرة، ابتسامة تكسر قناع القوة، ارتسمت على شفتيه. اقترب منها ببطء، رفعها بين ذراعيه برفق بالغ، كأنها كائن هش لا يجب خدشه. وضع رأسها على صدره، احتضنها بقوة، شعر بأنها جزء منه.
فتحت نصف عينها، هامسة: "جاد."
تلك الكلمة، كانت مفتاحًا لعالمه الداخلي.
نظر إليها بغرام، ذلك الشعور الوحيد الذي كان يمنحه بعض السكينة: "صغيرتي."
احتضنته بعمق، وغاصت في نوم أعمق، بينما "جون"، احتضنها بحب، وأغمض عينيه، محاولًا أن يجد في قربها بعضًا من الهدوء الذي يفتقده في حياته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح الباكر، تسللت خيوط الشمس الذهبية لتُعانق ستائر جناح "جهاد". فتح عينيه الخضراوين ببطء، تُثقلهما بقايا إرهاق ليلة ماضية يبدو أنها حملت معها أكثر من مجرد أحلام. جالت نظراته حول غرفته الفسيحة، كل زاوية فيها تحكي قصة، كل قطعة أثاث تحمل بصمة ذوق رفيع، جمال لا يقل أبهة عن جناح "جون"، لكنه يضج ببرود يوحي بأسرار لم تُكشف بعد.
تنهد بعمق، تاركًا جسده يغرق في نعومة الفراش للحظة، قبل أن يجبر نفسه على الجلوس، تعب الليلة الماضية لم يكن مجرد إرهاق جسدي، بل كان يثقل روحه أيضًا. نهض بتثاقل وتوجه إلى الحمام، حيث أخذ حمامًا سريعًا بدا وكأنه محاولة لغسل بقايا الماضي العالقة.
بدل ملابسه، ثم اتجه نحو الباب، همهماته الخافتة تكاد تُسمع، يستعد للتوجه للأسفل، حينما لمح كتلة صغيرة عند عتبة الباب.
كانت "جاسي"، ملاكه الصغير، تحاول جاهدة الوصول إلى مقبض الباب، ساقاها الصغيرتان لا تقويان على ذلك.
ارتسمت ابتسامة دافئة على ثغر "جهاد"، ابتسامة أضاءت قسمات وجهه رغم الشحوب الخفيف، بينما انحنى ليحملها بين ذراعيه، دِفء جسدها الصغير يبعث الحياة في أوصاله.: "أهلاً يا ملاكي الصغير،"
قال بنبرة حنونة، :"لمَ لم تنادي؟ الباب سيفتح لك بسهولة، أخبرتك هذا ألف مرة."
كانت تلك العبارة تُخفي وراءها قصة اختراع فريد؛ باب يفتح آليًا بمجرد أن تتلفظ "جاسي" باسم "جهاد" وهو بداخل الغرفة، تقنية ابتكرها خصيصًا لعيون طفلته المدللة.
تحدقت عينا "جاسي" ببريق الطفولة العنيد، وهي تهتف ببراءة الواثق من نفسه: "لا أريد! أريد أن أفتحه بنفسي! لقد أصبحت كبيرة!"
ضحك "جهاد"، ضحكة رقيقة خرجت من أعماقه، وهو يرى عناد ابنة أخته الذي يشبه عناد والدتها تمامًا.: "كما تشائين يا أميرتي الصغيرة،"
قال وهو يمسد على شعرها الناعم،: "هيا بنا إذًا."
هبط "جهاد" السلالم الرخامية العريضة، يحمل طفلته المدللة التي تملأ حياته بالبهجة الصاخبة.
اقترب من والدته، "كوثر"، التي كانت تجلس بهدوء ملائكي في زاوية الغرفة، نور الصباح ينساب من النافذة ليضيء صفحات كتاب الله بين يديها.
سنوات الغربة في تلك البلاد الأجنبية لم تمحو منها إيمانها، بل زادته قوة، حتى وهي تعلم يقينًا أن يدي أبنائها غارقتان في دماء لا تمحوها المياه، دماء لطخت حياتهم وتركيزها.
اقترب منها "جهاد"، وقال بلهجته المصرية التي تعشقها الأم، وبنظرة حب عميق في عينيه: "صباح الخير يا ست الكل."
انتهت "كوثر" من القراءة وأغلقت كتاب الله بلطف، رفعت بصرها لترد: "صباح النور عليك يا حبيبي. إيه ده؟ هي القردة صحتك؟"
نظرت "جاسي" إلى "كوثر"، متحدثة بالروسية بنفي قاطع، وهزت رأسها ببرائة مصطنعة: " صباح الخير لكي أيضاً كوثر هانم وأيضاً انا، ليس لي دخل حقًا."
تنهدت "كوثر" بغيظ، وكأنها تعلم كل خباياها: "عارفة مشكلتك إيه يا بنت جاد؟ إنك مش متربية زيهم! ربنا يصبرني عليكي إنتي كمان."
ردت "جاسي" بطفولة لم تخلو من دهاء: "خلاص يا تيتا، ربيهم هُم وأنا، لما ربنا يسهل."
انفجر "جهاد" ضاحكًا: "ههههه بس يا جاسي عيب تيتا!"
ردت "كوثر" بنظرة غيظ ممزوجة بالحب: "وربنا معها حق."
انضم "سام" إلى الحوار، متحدثًا بالمصرية مثل الجميع، فهي اللغة الوحيدة التي يتداولونها داخل هذا المنزل، وكأنها حبل يربطهم بأصولهم. "أنا مش منهم أكيد يا كوكي،"
قال بنبرة بريئة مصطنعة. ردت "كوثر" بسخرية: "تصدق إنت أكتر واحد فيهم متربتش!"
ضحك "جهاد" بصوت عالٍ: "ههههه أنا مش معاكي في دي يا ماما، صهيب اكتر واحد معدوم التربية من زمان."
رفع "سام" يديه للأعلى في حركة استسلام مرحة: "الحمد لله! أخيرًا عرفتوا إني بريء! إلا هو فين بالحق؟"
ردت "جاسي" وهي تأكل الطعام من يد "جهاد"، بلقمة كبيرة ملأت فمها الصغير: "ذهب إلى الجامعة في الصباح الباكر."
تعجب "سام": "غريبة، بدري يعني على غير العادة."
جاء "دين" من الخارج، بملامح توحي بالمشاكل: "أكيد وراه مصيبة زي العادة."
ابتسم "سام" بخبث، نظرة ذات معنى في عينيه: "يعني النهارده حنشوف جون وهو بينهي امر صهيب تماماً، أليس كذلك؟"
رد "دين" بابتسامة واسعة، تكاد تكون شماتة: "والله يستاهل كل إلى بيحصل في."
نظرت "كوثر" إليهم بغيظ، قلب الأم يرتجف خوفًا: "منكم لله! حتموتوني ناقصة عمر!"
ارتعد "جهاد" من الخوف، ملامح الرعب تملأ وجهه: "ألف سلامة عليكي يا أمي! قلتلك سيرت الموت دي بلاش تجيبيها تاني."
ابتسمت "كوثر" بحزن، وهي تدرك سبب خوفه: "أنا آسفة يا حبيبي، طلعت مني غصب عني، متزعلش."
نهض "جهاد"، وقد حاول أن يخفي قلقه: "ولا يهمك."
نظر إليه "دين" بذهول: "على فين؟"
حمل "جهاد" هاتفه، وأشار لدين: "حعمل تليفون مهم."
أومأ "دين" بتأكيد: "تمام."
خرج "جهاد" إلى الخارج، قبض على هاتفه بيده، ثم وضعه في جيبه.
ظل يتنفس بضيق، وكأن الهواء لا يكفي لملء رئتيه، عاد به الزمن إلى ذكريات الماضي التي تضغط على روحه كأنها سجن لا مفر منه.
تنهد حزنًا عميقًا بينما تجول خطواته الثقيلة في أرجاء القصر، كل زاوية فيه تحمل صدى لقرار قديم، أو سر مدفون، ماضٍ ينسج خيوطه الغامضة حول حاضره ويُهدد بتمزيقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما في الأعالي، وتحديدًا داخل غرفة "جون"، كان يغط في سبات عميق، كأن أثقال العالم قد انزاحت عن كاهله للحظة.
اقتربت منه هذه التي يدعوها "الطفلة"، "مليكة"، جلست بجانبه، تتأمل وجهه بتركيز طفولي، ثم صرخت في أذنه بقوة، محاولةً إيقاظه.
لكن صرختها بدت وكأنها مجرد همس بعوضة لا تكاد تُزعجه، لم يتحرك جفنٌ واحد.
فركت يديها الصغيرتين بغيظ، وصعدت على ظهره في محاولة أخيرة، ولكن في أقل من لمح البصر، كانت أسفله، عيناه الزرقاوان الجميلتان تحدقان فيها بعمق، وصوته يخرج هادئًا، يكتنفه خبثٌ محبب: "هل انتهت أفعالك الطفولية أم لا؟"
"لا، لم أنتهِ!" هتفت "مليكة" بغيظ، محاولة التملص من قبضته.: "حتى تخبرني أين كنت البارحة! هيا!"
ابتسم "جون"، ابتسامة ارتسمت على ثغره، كاشفة عن أسنان بيضاء، وعيناه الزرقاوان تراقبان وجهها الذي يتغير غضبًا كوجه الأطفال.: "لماذا؟"
سأل، وكأنه يستمتع بلحظة استفزازها.
"لماذا ماذا؟" صاحت مليكة، وهي تكافح لتُفلت من بين يديه،: "أنا زوجتك يا جاد! ولستُ عاهرة تنتظرك هنا طوال الوقت!"
لم يرد "جون"، بل اكتفى باستنشاق عطرها بعمق، ثم سأل بهدوء مستفز: "ماذا أيضًا؟"
"جاد، أنتَ ممن تُصنع؟" قالت "مليكة"، وقد بدأ الغيظ يُسيطر عليها. "أنت تخونني، أليس كذلك؟ من هي هذه الحقيرة؟ هيا أخبرني!"
نظر إليها "جون" بخبث، وشفتيه تهمسان بكلمة واحدة: "أنتِ."
"ماذااااا؟!" صرخت "مليكة"، وعيناها تقدحان شررًا. "أيها الـ..." وقبل أن تتفوه بحرف واحد آخر، التهم "جون" شفتيها في قبلة شرسة وقوية، أخذت منها كل صوت.
ظلت تضربه بيديها الصغيرتين على صدره، لكنه لم يتزحزح، بقي ثابتًا كالجبل، حتى هدأت بين يديه، استسلمت لجنونه. نظر إليها، وعيناه تحملان خليطًا من الحب والعشق والمرح، وقال بصوته العميق: "أيتها الغبية، والطفلة التي سلبت عقلي وقلبي منذ الصغر، كيف أخونكِ وأنتِ أجمل وأروع نساء العالم؟ أنتِ ملكي وأنا ملكك، ولا أحد يستطيع أن يأخذني منك مهما حدث. هل تفهمين هذا؟"
ابتسمت "مليكة"، ابتسامة تضيء وجهها، وتعلقت في رقبته، وقالت بنبرة تحمل شرًا محببًا: "أنا أعشقك يا جاد! ومن تفكر مجرد التفكير في أخذك مني، أقسم أن أنهي حياتها وحياة كل عائلتها! هل تفهم؟ أنتَ ملكي أنا فقط يا عزيزي! هيا انهض!"
نظر لها "جون" بابتسامة خفية، ثم نهض وحملها بين ذراعيه، كأنها خفيفة كالريشة، وقال: "هيا بنا."
"إلى أين؟" سألت "مليكة" بصدمة، بينما كان جسده العاري المفتول العضلات يُظهر قوته ورجولته.
ضحك جون بخبث: "للأسفل يا عزيزتي."
نظرت "مليكة" إليه بذهول، عيناها متسعتان، وقالت بغيظ مصطنع: "جاد! هل جننت؟ هل سنهبط هكذا؟"
ضحك "جون' بصوت عالٍ، يملأ الغرفة ضحكه: "ماذا هناك؟ أنتِ زوجتي."
"أقسم أنك وقح!" قالت "مليكة"، وهي تبتعد عنه بسرعة وتعدو نحو الباب. "هيا اتركني واذهب ارتدي شيئًا حتى لا يكون قتلك على يدي، ويقول الجميع: 'جون' رئيس المافيا قُتل على يد زوجته!'"
انفجر "جون" بالضحك مرة أخرى: "ههههه لِمَ لا إذًا؟ إذا كنت سأموت بين يديكِ، فلا بأس، أنا مستعد!"
ابتعدت "مليكة" عنه بسرعة، وركضت إلى الخارج، وهي تهمس لنفسها بصوت مسموع يكاد لا يسمعه إلا هو: "ماذا أفعل؟ أحبك ولا أستطيع أن أفعل شيئًا يا عزيزي! وداعًا! أنتظرك في الأسفل!"
غادرت "مليكة"، تاركةً "جون" واقفًا مكانه، يراقبها بعينين تملؤهما العشق. ابتسم بقلة حيلة على طفلته المدللة، ثم توجه إلى المرحاض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الأسفل، هبطت "مليكة" وهي تضحك بخبث، عيناها تلمعان بمكر طفولي، لتلتقي بأخيها الذي كان يدخل للتو إلى القصر.
ارتسمت علامات الذهول على وجه "جهاد" وهو يتساءل: "ماذا هناك؟ لمَ تضحكين هكذا؟"
ردت "مليكة" بابتسامة غامضة: "كيف؟"
أشار "جهاد" إلى وجهها، تعابيره تعكس حيرته: "هكذا!"
"كيف هكذا؟ أنا لا أرى شيئًا!" قالت "مليكة"، وهي تمثل البراءة ببراعة.
تنهد "جهاد" بغيظ، مستسلمًا لعنادها: "حسنًا، لا أريد أن أعرف. أين زوجكِ هذا؟"
ضحكت "مليكة" بنفي، وكأنها تستمتع بإغاظته: " لا أعلم."
سأل "جهاد" بتشكك: "أليس في الأعلى؟"
هزت "مليكة" رأسها، وقبل أن تجيب، قلبت السؤال عليه: "أخبرني أنت أولًا، أين كان هو البارحة؟"
"لمَ؟ ألم يخبركِ هو؟" سأل "جهاد"، محاولًا التهرب.
نفت "مليكة"، وعلامات عدم الرضا ترتسم على وجهها: "لا، لم يفعل."
ضحك "جهاد"، ضحكة خفيفة كاشفًا عن معرفته المسبقة: "حسنًا، ليس لي دخل. هيا ابتعدي."
مثلت "مليكة" الحزن ببراعة، وعيناها تتلألآن بدموع مصطنعة: "أنت لست أخي! كيف تفعل هذا بي؟ أنا أكرهك!"
رد "جهاد" بسخرية، بلهجته المصرية التي لا تحتمل المزاح: "مليكة، بالمصري كده الحركات دي العبيها مع حد غيري، علشان مش هتمشي عليا!"
ضربت "مليكة" قدمها في الأرض بغيظ، وزمجرت بكلمة واحدة: "مستفز!"
أكد "جهاد" بابتسامة خفيفة: "عارف."
لحظات قليلة، وهبط "جون" من الأعلى، نظراته الزرقاء الثاقبة تستقر على "جهاد"، وقال بصوت حازم: "جهاد، أريدك."
"حسنًا، قادم،" رد "جهاد" وهو يلوح لأخته إشارة منه إلى أنها ستُترك لمصيرها.
ترك "مليكة" وتوجه خلف "جون" إلى غرفة المكتب الفسيحة.
جلس أمامه، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه وهو يقول: "أليست أختي؟ لكن أقسم لك، أحزن عليك أنتَ."
ضحك "جون"، ضحكة خفيفة تحمل في طياتها الكثير من المعرفة: " أرادت أن تعلم أين كنتُ البارحة، أليس كذلك؟"
أومأ "جهاد" بتأكيد، وعلامات الفضول على وجهه: "أكيد، بس على مين ده، أنا جهاد! المهم خير، في إيه؟"
تغيرت ملامح "جون "إلى الجدية، عيناه الزرقاوان أصبحتا أكثر حدة: "هيرا رجعت."
رد "جهاد" بنفي، وهو ينظر في ساعته: "لا، لسه خلال ساعتين."
أكد "جون" بجدية: "حسنا، هناك مهمة يجب عليك القيام بها معها اليوم."
سأل "جهاد" بفضول، نبرته تحمل بعض التوتر: "ما هي هذه المهمة؟"
تغيرت تعابير "جون" إلى الضيق، وكلماته خرجت بصوتٍ حاد: "قتل مايكل."
اتسعت عينا "جهاد" بدهشة، وتساءل: "مايكل؟ لمَ؟"
أجاب "جون" بنبرة باردة، تحمل لمحة من الشر: "أنت تعلم بوجود جاسوس بيننا في المنظمة."
صدمة كبرى ارتسمت على وجه "جهاد": "مايكل؟!"
أكد "جون" بصرامة: "أجل، أنهي أمره اليوم."
رد "جهاد" بتأكيد، لكن نبرته تحمل بعض التردد: "لكن جاد، دع هيرا تفعل هذا بدوني، لمَ أذهب أنا معها؟"
نظر إليه "جون" بنفي قاطع، لا يقبل الجدال: "لا يا جهاد، هيرا معك حسنا."
تنهد "جهاد" بضيق، مستسلمًا للأمر الواقع: "حسنًا، كما تريد."
أومأ "جون" بحسم: "اذهب."
غادر "جهاد" المكتب، يشعر بثقل يضغط على صدره، وهمس لنفسه بضيق: "يتعامل معي على أنني طفل، أوف."
وقبل أن يتوجه إلى المهمة، أضاء هاتفه باسم أخيه الصغير، أو بالأصح ابنه الذي رباه على يديه. أمسك الهاتف وأجاب بسرعة، صوته يعكس قلقه: "ألو، صهيب؟"
جاء صوت "صهيب" يرتجف برجاء: "جهاد! الحقني!"
"في إيه؟ أنت كويس؟" سأل "جهاد" بخوف، دقات قلبه تتسارع.
"لا، في مشكلة معايا،" أجاب "صهيب" بصوت خائف.
سأل "جهاد" وهو يغادر القصر مسرعًا: "مشكلة إيه؟ وأنت فين؟"
أجاب "صهيب" بتوتر، ذكر اسم المكان بصوت خافت: "في..."
تنهد "جهاد" بضيق، وقد اتخذ قراره: "حسنًا، أنا قادم على الفور."
أغلق "جهاد" الهاتف مع "صهيب"، ونفخ بضيق، ماذا يفعل الآن؟ المهمة تنتظره و"صهيب" بحاجة إليه.
في هذه اللحظة، جاء إليه "سام"، يتناول التفاح بيده مستمتعًا، وسأل بتساؤل: "ماذا هناك؟ يبدو عليك التوتر."
حكى "جهاد' له همومه بضيق، بينما كان "سام" يضحك بصوت عالٍ: " صهيب!"
نظر له "جهاد" بحدة، نظرة جعلت "سام" يتوقف عن الضحك على الفور: "سام!"
"حسنًا، حسنًا،" قال سام بجدية مصطنعة، "أنا قادم معك، وأخبر جاك أن يتولى هو المهمة."
ابتسم "جهاد" لـ "سام"، وامتنان يملأ عينيه، ثم أمسك الهاتف وضغط على بعض الأرقام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر، كان هذا الشاب يغط في نوم عميق، عاري الصدر، وبالقرب منه على الفراش كانت فتاة الليل تنام شبه عارية بعد قضاء ليلة طويلة معها، دون الاهتمام بأي شيء أو بأي أحد.
أضاء الهاتف بجواره، فنهض ونظر إلى الفتاة ببرود، ثم أمسك الهاتف وأجاب بصوتٍ خشن: "ماذا هناك؟"
"أين أنت؟" سأل "جهاد".
أجاب "جاك" بنفي، نبرته تحمل ضجرًا: "ليس من شأنك، ماذا تريد؟"
"جاك، هناك مهمة، لا أستطيع الذهاب أنا، اذهب أنتَ،" قال "جهاد" بضيق.
"لمَ؟ أنت بخير؟" سأل "جاك" بقلق مفاجئ، كاشفًا عن جانب آخر من شخصيته.
"أجل، لا تقلق، ستذهب أنت وهيرا،" أكد "جهاد".
ابتسم "جاك" بخبث عندما سمع اسم "هيرا": "هيرا؟"
"أجل،" أكد "جهاد" وهو يفتح باب السيارة، "هل أنت موافق أم لا؟"
أكد "جاك" بسرعة: "حسنًا، من وأين ولما؟"
أخبره "جهاد" بكل التفاصيل، وبمجرد الانتهاء قال: "هذا كل شيء، حسنًا؟"
أكد "جاك": "حسنًا، وداعًا."
أغلق الخط، وابتسم بخبث عندما تذكر هذه الغامضة والشرسة.
نهض بسرعة، ارتدى ملابسه، ونظر إلى الفتاة النائمة. أخرج من جيبه الكثير من المال، وألقاه لها على الفراش بجمود، وغادر على الفور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد الأماكن، كانت تقف "هيرا،" ترتدي جيبة سوداء قصيرة تصل إلى أعلى الركبة، وتيشيرت أسود بحمالات يكشف عن بطنها، وجاكيت أسود تخلعه وتضعه بجوارها.
كانت تنحني على أحد الشرفات، تحمل بيدها سلاحًا كبيرًا، وتوجهه نحو هدفها في البناء الآخر بدقة متناهية.
كانت تمضغ نوعًا من العلكة باستمتاع، وعيناها مثبتتان على الهدف بتركيز غير عادي.
في غضون ثوانٍ، استقرت الرصاصة في رأس الرجل، فسقط على الأرض غارقًا في دمائه.
حملت السلاح ووضعته داخل حقيبتها الخاصة. نهضت، وضعت يدها على الشرفة، وأمسكت بنظارتها الخاصة، وهي تنظر إلى السماء بضيق، لا تشعر بتلك اليد التي التفت حول خصرها ببطء.
أمسكت "هير"ا يد هذا الشخص، ولفتها بقوة خلف ظهره، ورفعت السلاح على رأسه، وقالت بنبرة حادة: "جاك، ماذا تفعل هنا؟"
"آه!" تألم جاك من يدها، "اتركي يدي أولًا!"
تركت "هيرا" يده، وسألت: "حسنًا، ماذا تريد؟"
أجاب "جاك" بابتسامة، وعيناه تلمعان بحب: "أنتِ."
"جاك، ماذا تفعل هنا؟" سألت "هيرا" بضيق، متجاهلة محاولاته.
"حسنًا، لدينا مهمة، أنا وأنتِ،" قال "جاك" بغيظ.
اتسعت عينا "هيرا" بذهول: "ماذا؟ ولكن جهاد..."
"لا، أنا فقط معكِ يا عزيزتي،" قاطعها "جاك" بخبث.
"حسنًا، هيا بنا،" قالت "هيرا" بضيق، وهي تتقدم.
"هيا،" أكد جاك.
في أحد المنازل الفاخرة في روسيا، كانت تقف "هيرا" و"جاك"، يراقبان عددًا هائلًا من الحراس المنتشرين حول المنزل بعناية فائقة.
ابتسمت "هيرا" لـ "جاك" وقالت: "أنا في الأمام، سأشتت الجميع، وأنت في الخلف."
"لا، أنا الأمام،" اعترض 'جاك' بنبرة حازمة.
"وهل أنت من سيشتت الحراس؟" سألته 'هيرا' بتساؤل ساخر.
نظر إليها 'جاك' بضيق، ثم استسلم: "اللعنة عليكي! حسنًا، سأذهب."
"حسنًا،" قالت 'هيرا' بانتصار. "جاك!"
استدار 'جاك'، سائلًا: "ماذا؟"
نظرت إليه بسخرية ممزوجة ببرود: "اعتنِ بنفسك عزيزي."
تنهد 'جاك' بضيق وهو يغادر: "أيتها الساحرة!"
ابتسمت 'هيرا' ابتسامة خفيفة، واقتربت من الحراس، وهي تمسك سترتها في يدها، وتتمايل بجسدها بخفة ودلال.
نظرت إلى الرجال بخوف مصطنع وقالت: "أرجوكم، ساعدوني!"
نظر الحراس إليها بإعجاب، عيونهم تلتهم جسدها: "ماذا هناك؟ هل أنتِ بخير يا عزيزتي؟"
مثلت 'هيرا' الخوف ببراعة: "لا، هناك أحد الشباب يلاحقونني، وأنا خائفة منهم كثيرًا. هل يمكنني أن أجلس هنا حتى يذهبوا؟"
أمسك أحد الحراس بذراعها، عيناه تلمعان بالرغبة: "بالتأكيد يا جميلة! هيا تعالي."
أمسك الحراس بها، وأدخلوها إلى الداخل، أفكارهم الشريرة تدور في رؤوسهم.
اقترب أحد الحراس من جسدها بخفة، حتى نظرت له "هيرا" بعيون تلمع فيها لمحة من الغضب الجليدي. طعنته بالخنجر في قلبه، وكلماتها تخرج باردة: "اذهب إلى الجحيم أيها العين!"
اقتربت 'هيرا' من الجميع، قامت بقتلهم جميعًا دون رحمة، كأنها آلة قتل لا تشعر.
أما في الداخل، تسلل "جاك" بهدوء، وصعد إلى الأعلى، اقترب من إحدى الغرف، ونظر إلى هذا الحقير وهو ينام بجوار إحدى فتيات الليل باستمتاع مقرف.
ابتسم "جاك" بسخرية، ثم أطلق عدة رصاصات على رأسه، ليُنهي حياته بلحظات.
خرج بصمت، مصدومًا من رؤية كل الحراس غارقين في دمائهم، بينما كانت "هيرا" تجلس بهدوء، تنظر إلى المرآة دون اهتمام.
نظرت له 'هيرا'، وقالت بنبرة خالية من أي انفعال: "هل انتهيت؟"
"أجل، وأنتِ؟" سأل "جاك"، وهو يحدق في الجثث.
نظرت "هيرا" إلى الجثث المتناثرة على الأرض: "ماذا ترى أنت؟"
ابتسم "جاك" بإعجاب، وكأنه يرى لوحة فنية: "كل شيء جميل حقًا."
ضحكت "هيرا"، ضحكة خفيفة باردة: "
ابتسم "جاك" بإعجاب، وكأنه يرى لوحة فنية: "كل شيء جميل حقًا."
ضحكت "هيرا"، ضحكة خفيفة باردة: " هيا لنذهب."
"هيا،" أكد 'جاك'، وخرجا من المكان وكأنهما لم يفعلا شيئًا سوى نزهة مسائية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
يارب الروايه ده تنول أعجبكم جميعاً 🦋
التؤام.. أمانى& أمل