في قلب الغرفة، لم يعد الهواء ثقيلًا بالتوتر فحسب، بل صار خانقًا، محتجزًا بين جدران باردة. الكلمات لم تعد قذائف تشتعل، بل صارت شظايا متطايرة من انفجار وشيك. جلس "جون"، الذي كان هدوؤه مصطنعًا كقناع، كتمثال من الرخام الأبيض البارد، وعيناه لا ترمشان، تراقبان كل حركة لـ "ظافر"، الذي كان يتأجج غضبًا، جسده كله نار تتأهب للاشتعال.
"يعني إيه الكلام ده؟" انفجرت الكلمات من ظافر، عيناه تشتعل حنقًا، تحدقان في "جون" بنظرة حارقة كأنها تريد أن تذيب درعه الجليدي.
رد "جون" ببرود قاتل، كأن صوته يأتي من مكان بعيد لا يصله اللهب: "اللي سمعته. هنرجع البيت بكرة".
"جون، مش هسمح لك تمشي من هنا من غير إذن رؤسائي". كانت نبرة 'ظافر' حازمة، صلبة كالصخر، لكن "جون"، بحسه المرهف، استشعر فيها صوتًا خافتًا من القلق، تململًا داخليًا يكسر صلابة صوته.
حاول "مراد" التدخل بكلمات حادة، باردة كقطرات المطر على نارٍ مشتعلة: "يا ظافر، لازم نرجع. أنت شايف حالة جهاد عاملة إزاي".
"أنا فاهم حالة جهاد كويس". أصر 'ظافر' بنظرة صارمة، متمسكًا بقراره كمن يتعلق بخيط رفيع فوق هاوية: "بس جيلان موجودة معاه وفاهمة حالته".
قاطعه "جاك" بحدة، وكأنه لم يعد يستطيع كبح جماح غضبه الذي تفجّر فجأة: "فاهمة إيه؟ طول الوقت بتقول إنه لازم يتحمّل الألم لوحده! أنا مش هستنى أخسر صاحبي وأنا قاعد مكاني".
مرّر "ظافر" يده على وجهه بيأس، كأنه يرى أمام عينيه أطفالًا لا يدركون عمق الهاوية التي يقفون على حافتها. "يا جماعة، إنتوا بتتكلموا في إيه؟ جهاد الحمد لله كويس... عايزين تمشوا من هنا؟ والمافيا الصينية اللي بتدور على قاتل كيو؟ لو عرفوا إنك أنت يا جون، هيخلصوا عليك".
"ما فيش حاجة هيقدروا يعملوها". نفى 'مراد' كلامه بنظرة قاطعة، وكأنه يرى في كلمات 'ظافر' مجرد محاولة للتراجع أو الهرب من الواقع..:- "الأهم دلوقتي هو جهاد".
هنا، كان السكون أشد خطرًا من الصراخ. ضرب "ظافر" الطاولة بقوة، صوته الغاضب يملأ المكان، يرتطم بالجدران ويعود صداه: "وإيه يعني جهاد؟ قولتلك إنه كويس ومش هيحصل له زفت حاجة!".
كان صوته يحمل مزيجًا من الغضب المكبوت واليأس، كأنه يقاتل قناعاته الداخلية التي تحاول أن تنهار.
في هذه اللحظة، تغير كل شيء. تحوّل "جون" من تمثال إلى عاصفة. نهض فجأة، حركته سريعة وحاسمة. أمسك بقميص "ظافر"، وراح يحدّق في عينيه. كانت عينا "جون" المشتعلتان تعكسان غضبًا عارمًا، غضبًا تراكم في الأعماق لسنوات.
"أنا سمعت كلامك للآخر، وكلمة كمان عن جهاد ممكن أخلّص عليك دلوقتي... يمكن أنت ما تعرفش يعني إيه أخوك بيموت قدام عينك وأنت مش عارف تساعده... أنا عارف كويس إنك ما بتحبش أخوك، بس ده مش معناه إني أسيبك تتكلم عن جهاد بالطريقة دي. جهاد عندي بعمرك كله يا ظافر!".
خرجت الكلمات من فمه كالسياط، تحمل كل ما في داخله من ألم وغضب، وتجلد كل شيء في طريقها.
تدخل "توم" بسرعة، وأبعد "جون" عن "ظافر" بقلق واضح، كأنه يخشى من انفجار حقيقي: "جون، لو سمحت اهدى. ظافر ما يقصدش حاجة. هو بس متوتر من المهمة دي ومن اللي بيحصل".
نظر "ظافر" إلى "جون" بنظرة عميقة، نبرة صوته تكسر فيها بعض الحزم، كأن قلبه بدأ يلين: "يا جون، أنا فاهم إنكم بتحبوا جهاد، بس أنت بتعرّض الكل للخطر عشانه".
ترك "جون" قميص "ظافر" ببرود وقال بجمود: "وأنا مش بخاف من حد. بكرة الصبح هنكون في روسيا، برضاك أو لا". التفت إلى مراد: "مراد، جهّز كل حاجة للسفر".
أومأ "مراد" برأسه بتأكيد، كأن الأمر محسوم: "اعتبر كل حاجة جاهزة".
تدخّل "توم" بيأس، محاولًا إيقاف تيارٍ جارف: "جون، بلاش. استنى على الأقل يومين لما توصل الأوامر برجوعكم".
ردّ "جاك" بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه: "إحنا ما بناخدش أوامر من حد. أنتوا طلبتوا مساعدة وإحنا قدّمناها، أي حاجة تانية لأ".
قال "ظافر" بكلماته الأخيرة، والتي تحمل نبرة من اليأس والاستسلام، وكأنه يرفع راية بيضاء أمام إعصار: "جون، اللي بتعمله ده غلط".
ردّ "جون" بحدة، وعيناه لا تزال تحملان وميضًا من الغضب الذي لا ينطفئ: "مش مهم".
في هذه اللحظة، مزّق صوتٌ متقطع الصمت الذي بدأ يعود، صوت "كين" الذي ركض مذعورًا من الخارج: "جون، جهاد حالته مش كويسة وجيلان طلبت إنكـ..."
هرول 'جون' إلى الداخل، تاركاً كلمات 'كين' تتبدد في الهواء خلفه. عيناه المسكونتان بالقلق لم تبحثا إلا عن "جيلان" التي كانت تقف بجوار غرفة "جهاد"، ووجهها يحكي قصة خوف صامت. توقف أمامها، وهمس بصوت يمزقه الخوف: "إيه اللي حصل؟ جهاد كويس؟"
في تلك اللحظة، تقدم "مراد" بخطوات متثاقلة، كأن ثقلاً من الرعب قد استقر على كتفيه، وسأل بنفس اللهفة: "إيه اللي جرى؟"
نظرت "جيلان" إلى "جون" بنظرة فارغة من الأمل، وقالت بأسى: "فجأة بدأ يصرخ ويتحرك بهستيرية. طلبتك أنت بالذات... هو مش بيتقبل حد غيرك."
اندفع "مراد" نحو الباب، ويده على وشك أن تقتحمه: "أنا هدخل."
لكن "جون" أمسك يده بقوة، وهز رأسه بلا، ورسم على وجهه علامة من الإصرار والقلق: "لا خليك، أنا اللي هدخل."
"جون..." قالها 'مراد' بصوت يكسوه الخوف.
أجابه 'جون' بأسى بالغ: "مراد ، سيبني أدخله."
أومأ "مراد" بصمت، وفهم أن في قلب 'جون' ما يدعوه إلى مواجهة هذا الرعب بمفرده.
تقدم "جون" ببطء نحو الغرفة التي لم يغادرها "جهاد" منذ أن تناول هذا الدواء. فتح الباب، وتوقف للحظة، وكأن مشهداً من الجحيم قد تجلى أمامه.
رأى "جهاد" يرتجف بشدة، وعيناه شاخصتان في الفراغ كأنهما تبحثان عن شبح. دموعه كانت تنهمر بلا توقف، كشلال من الألم، وفي يده المرتعشة كانت قبضة على سكين. كانت شفتاه تهذيان بكلمات مقطعة، كأنها صدى لرعب قديم: "ابعد عني... ابعد عني! حد يساعدني يا بابا... أنا معملتش حاجة... ابعد عني!"
نظر "جون" إليه، وقلبه يذوب ألماً. اقترب منه ببطء، وناداه بصوت يفيض حزناً: "جهاد."
هز "جهاد" رأسه بعنف، وعيناه تدوران في محجريهما بلا هدف: "لا... لااااا... ابعد. أنا بكرهك."
جلس "جون" أمامه، ناظراً إليه وهو يتطلع إلى الفراغ، وجهه مصطبغ بالرعب. قال "جون" بذهول: "ج... جهاد... في إيه؟ أنت بتكلم مين؟"
أمسك "جهاد" يد "جون" بذعر، وأشار إلى الأمام كأنه يرى ما لا يراه غيره: "ج... جاد، أبعده عني. هو عايز يموتني. هو..."
تبع "جون" إشارته بنظره إلى المكان الفارغ، وقال بصوت مهتز: "مين اللي عايز يموتك يا جهاد؟"
أشار "جهاد" إلى نقطة معينة في الفراغ، وهمس، وكأنه يوشوش سراً: "ع... عمي... ع... عيسى... عايز يقتلني."
نظر "جون" إليه بصدمة، وكلماته تجمدت في حلقه.:- "جهاد، أنت بتقول إيه؟ ما فيش حد هنا. بابا مات."
صرخ "جهاد"، وهو يشهق بالبكاء، وعيناه تفيضان رعباً: "لا والله! هو قدامي أهو يا جاد! أنا مش مجنون! أهو هناك! أنت ليه مش شايفه؟ أبعده عني! هو بيقرب مني يا جاد!"
اقترب "جون" منه، ووضع يده على وجهه بحنان وحزن، يحاول أن يهدئ العاصفة التي تضرب داخل جهاد: "جهاد، اهدأ عشان خاطري"
تطايرت الكلمات من فم "جهاد" كشرارات محمومة، بينما كانت يداه، اللتان لا تكفان عن الارتجاف، تُحكم قبضتهما على مقبض سكين المطبخ. لم يكن يرى شيئًا، لكن عينيه كانتا تلمعان بنظرة يائسة، كأنهما تبحثان عن شبح في فراغ الغرفة.:- "أنت مش مصدقني ليه؟ والله هو هناك!"، تمتم بها بصوت خافت، شبه مسموع، وكأنه يوشك على فقدان صوته تمامًا.
تقدم "جون" خطوة، مدّ يده ببطء وحذر نحو السكين. "هات ده من إيدك"، همس، وصوته يمتزج بالخوف والإلحاح، محاولًا إزاحة غيمة الرعب التي غطت شقيقه
ولكن "جهاد" هز رأسه بعنف، وكأن الهواء في رئتيه يخنقه. "لا… لاااا… أبعده! هو بيقرب مني أكتر… بيبص لي بشر!"، صرخ، فاهتز صوته الأجش بالغرفة
تنهد "جون" تنهيدة ثقيلة، يمتزج فيها الغضب بالإحباط، ثم سحب السكين بقوة مفاجئة..:- "قلت مفيش حد!"
قال بصوت حاد، يخفي خلفه مرارة محاولته اليائسة لإيقاظ 'جهاد' من كابوس لا ينتهي.
انفجر "جهاد" في نوبة بكاء مريرة، شهقاته المكتومة تهز جسده بالكامل..:-"أنا مش بكذب، هو هناك!"، همس بين شهقاته، وعيناه تغرقان في بركة من الدموع.
نظر إليه "جون" بشعور عميق من الأسف، ورفع يديه في استسلام..:- "أنا آسف"، همس، وشعر بقلبه يتمزق ألمًا عليه
فجأة، ارتعش "جهاد"، واختبأ خلف ظهر "جون"، جسده يرتجف كالورقة في مهب الريح..:- "أبعده! هو بيقرب مني والله… عايز يقتلني زي ماما. هي هناك… ساعدها… ساعدها يا جاد!"، صرخ، وعيناه تحولتا إلى نهري دموع، تجرف معها كل بقايا عقله.
شعر "جون" بدمعة ساخنة تهرب من عينه. لا يمكنه أن يرى ما يراه "جهاد"، لكنه يستطيع أن يرى الألم في عينيه، الألم الذي يبدو حقيقيًا أكثر من أي شيء آخر. "ما تخافش، أنا هنا جنبك. مش هيقدر يقرب منك"
همس بها، وكأنه يعد نفسه قبل أن يعد صديقه.
ولكن "جهاد" ابتعد عنه، صرخ وهو يعانق جسده بخوف شديد..:- "لا، أنت مش معايا! ما فيش حد معايا! أبعد عني! ماما راحت… بابا بيكرهني… أخويا مات… وأنت كمان بتكرهني ومش عايزني في حياتك!"
صرخ، وكأن كل أوجاع العالم تجمعت في صدره وخرجت في صيحة واحدة.
حاول "جون" الاقتراب مرة أخرى..:- "جهاد، الكلام ده مش صح"، همس، وشعر أن الكلمات خانته، وأن كل محاولاته كانت عبثًا.
ولكن "جهاد" صاح برعب..:- "لاااا! صح! أنت عايزني أموت. خليه يقتلني أنا مش عايز أعيش. هو… هو جاي يقتلني ويأخدني معه، جاي ينتقم مني!"
صرخ، وكأنه يتوسل الموت أن يأتيه ويحرره من كل ماضيه.
عانق "جون" وجه "جهاد" بين كفيه، ليس ليلمسه فحسب، بل ليثبته في الحاضر، ليؤكد له أن ما يراه ويشعر به ليس حقيقة..:- "جهاد، ما تخافش، أنا جنبك. ما فيش حد هيأذيك طول ما أنا بتنفس." خرجت الكلمات من فم 'جون' كقسم، كعهد يربط حياته بحياة أخيه.
نظر "جهاد" إلى "جون" بعينين احمرتاً والدموع، عينان تحملان رعباً لا يمحوه الزمن..:- "ما تسيبنيش. أبعده عني."
تمسّك "جهاد" بجملته تلك كغريق يتعلق بقشة.:- "والله العظيم عملت كدة علشان كان عايز يموتني. دافعت... دافعت عن نفسي، أنت ليه مش مصدقني؟" كانت صرخة استجداء للثقة
أمسك "جهاد" برقبته وضغط عليها بشدة، حركات يديه بدت حقيقية وكأنه يعيد تمثيل مشهد مرعب في ذهنه..:- "أنت مسكتني كدة وخنقتني جامد... كنت... كنت هموت."
كانت الكلمات تنقطع من فمه، صوتاً مخنوقاً بالرعب..:- "أنت قلت لي موت... موت، مش عايزك."
كانت تلك الكلمات بمثابة سهام اخترقت قلب 'جون'، الذي كان يتألم بصمت.
"آسف... آسف، والله ما كنت حاسس بنفسي." انحنى "جون"، دموعه تسيل بصمت على وجهه، وهو يعترف بخطأ لا يغتفر..:- "جهاد، أنا ما أقدرش أعيش من غيرك." كان اعترافاً بالضعف، وطلباً للصفح في آنٍ واحد".
انحنى "جون" على "جهاد"، ودفن رأسه في صدره وهو يهمس بصوت حنون، لكنه مليء بالحزن: "مش هبعد أبدًا، أنا معاك."
كان جسد "جهاد" يرتجف بين ذراعيه، وكأنه ملاذ أخير من عاصفة داخلية. اختبأ في أحضانه، تتشبث أصابعه بقميصه، وعيناه تبحث عن شيء لا يراه أحد..:-
"أنا خايف... خايف منه يا جاد، أرجوك... أبعده عني."
شدد "جون" من احتضانه، وشعر بقلبه ينقبض. لم يجد ما يقوله سوى: "ما تخافش، أنا هنا."
ابتعد "جهاد" فجأة، وعيناه المليئتان بالخوف تحدقان في 'جون' وكأنهما تريان شبحًا..:- "يـ... يعني أنت بتحبني ومش هتقتلني... صح؟"
هذه الكلمات البسيطة كانت كطعنة في صدر "جون". كيف يظن 'جهاد' هذا؟
"مستحيل." قالها بصوت موجوع، لا يملك سوى أن ينفي ذلك الألم.
انهار "جهاد" باكيًا، غارقًا في موجة من اليأس..:- "أنا... أنا مش مجنون يا جاد، والله مش مجنون."
أغمض "جون" عينيه بعجز، يشعر بالخسارة تثقل صدره. كيف يمكنه أن يقنعه؟
"مين قال كدة؟ أنت أعقل حد في الدنيا."
عاد "جهاد" ليعانق قدميه، يدفن وجهه بينهما، وكأن هذه الأرض هي الشيء الوحيد الذي يمكنه الاحتماء به..:- "أنا آسف... أنا السبب في كل حزنكم. اقتلني... مش عايز أعيش. خلصني من حياتي يا جاد. خايف تتأذوا بسببي أكتر. الكل حياته بتدمر بسببي... أناااا... عاااايز أموووت!"
قبّل "جون" رأسه برقة، يغسل الدموع الساخنة بدموعه الداخلية.
"ما تقولش الكلام ده تاني. أنا ما أقدرش على فراقك. ما تخافش، الكل بيحبك."
رفع "جهاد" وجهه، وعيناه الباكيتان تحملان براءة طفل لا يعرف من الحياة سوى الألم..:- "أنا بحبك... بحبك أوي."
عانقه "جون" بقوة، كأنه يود أن يمتص كل الألم الذي بداخله...:- "وأنا والله بحبك."
وفجأة، اتسعت عينا "جهاد" بخوف وهلع، ونظر إلى الفراغ أمامه. ارتجف جسده بقوة.
"حـ... حاسب! هو... هو بيقرب منك! احميني منه!"
هنا... كان القرار الصعب. شدد "جون" من عناقه، وبيد مرتعشة أدخل تلك الإبرة المهدئة في ذراعه. شعر بقلبه ينقسم، وكأن جزءًا منه يموت وهو يرى "جهاد" يفقد وعيه بين يديه، بلا حول ولا قوة. شعر بانتظام أنفاسه التي كانت تسرع قبل قليل، فأخذه بحنان ووضعه على الفراش.
جلس أمامه، يمرر يده في شعره الأسود، ويحدق في وجهه المنهك.
نظر إليه بأسف وندم على كل ما يحدث له، وعلى الألم الذي تسبب به هو ووالده.
نهض وخرج من الغرفة، أغلق الباب خلفه وكأنه يغلق على جزء من روحه. نظر إلى "مراد" الذي نهض بسرعة من مكانه، يتقدم منه بقلق.
"هو... هو كويس؟ صوته كان بيصرخ. حصل إيه؟ طمني."
وضع "جون" يده على كتفه بثبات مصطنع..:-"ما تخافش، هو كويس."
"ندخل نطمن عليه؟" سأل 'جاك' بقلق.
"لا، هو نام دلوقتي." أجاب 'جون' بحدة.
التفت 'جون' إلى 'مراد'، وعيناه تحملان إصرارًا لا يقبل الجدال.
"حضر كل حاجة. بكرة لازم نكون في البيت."
"طيب و جهاد؟" سألت 'جيلان' بصدمة.
"عايز منك أي دواء يمنع النوبات دي تحصل معاه في البيت." قال 'جون' وهو يشدد على كل كلمة.
"بس الدواء ده مش هيفيد بحاجة، مش هيبعد السم عن جسمه." قالت "جيلان" وهي تحاول إقناعه.
"تمام." أجابها باقتضاب، وكأنه أغلق النقاش.
"لازم تعرف إن لو ما خدش العلاج والدواء ده ممكن تحصل انتكاسة." حذرت 'جيلان' بقلق بالغ.
هز "جون" رأسه وهو يغادر بعيدًا عنهم، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا وقرارًا لا رجعة فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في فجر اليوم التالي، انفتح جفنا "جهاد" على عالمٍ جديد. تحسُّنه كان مجرد خدعة، إشارة زائفة إلى أن الألم قد ولّى. لكن جسده كان يخبره بالحقيقة المريرة، فكل حركة كانت تؤلمه، وكل نفس كانت تثقل صدره. كانت المهمة قد انتهت، ولكن آثارها العميقة لا تزال باقية. كانت تلاحقهم كظلٍّ أسود، تذكيرًا دائمًا بالمعاناة التي عاشوها.
كان "سلطان" واقفًا عند مدخل القصر، يتأمل في صمت. كان قلبه ينبض بقوة، يحمل قلقًا لا حدود له. كان يحاول أن يظهر بمظهرٍ قوي، لكن ملامح وجهه كانت تروي قصةً مختلفة.
توقفت السيارات، وبدأ "جون" في النزول. كانت عيناه تلتقيان بعيني جده، ودارت بينهما لغة صامتة مليئة بالقلق والتأنيب.
لم يتحمل "سلطان" عندما رأى حفيده. شعر بقلبه ينقبض، وكأن الألم انتقل من جسد "جهاد" إلى روحه. اقترب منه ببطء، وكأنه يتأكد من أن "جهاد" حقيقي. احتضنه بحبٍّ عميق..:- "ألف سلامة عليك يا قلب جدك."
كانت الكلمات بسيطة، لكنها كانت تحمل في طياتها حنانًا وألمًا لا يمكن وصفه.
ابتسم "جهاد" ابتسامة باهتة، محاولًا أن يشد ملامحه المتعبة لتظهر طبيعية..:- "الله يسلمك يا جدي."
قالها بصوت خافت، وكأن الكلمات نفسها تستنزف ما تبقى من قوته.
اقترب "سلطان"، وهمس وكأنه يشارك حفيد سرًا يثقل صدره.:- "أنت كويس؟ حاسس بإيه؟"
كان الألم ينهش جسد "جهاد" كالوحش الجائع، يوقظه مع كل حركة. شعر ببرودة في أطراف أصابعه، وكأن الحياة تنسحب منها. لكنه، وبدلًا من الاستسلام لهذا الانهيار الداخلي، اختار أن يهرب إلى الفكاهة، إلى حصنه الأخير..:- "حاسس إني طرزان!"
"هههه، واضح. حفيدي طول عمره طرزان،" ضحك 'سلطان' ضحكة جافة، خالية من أي بهجة، لكن عينيه لم تستطع إخفاء القلق..:- "طلع لك."
"يا بكّاش! أنا أفضل طبعاً."
"طول عمرك متواضع يا جدي،" قالها "جهاد" بابتسامة لم تصل إلى عينيه.
تلاشت الضحكة من وجه "سلطان" بسرعة، وعادت ملامحه لتغطيها غيمة من الحزن.
أمسك بكتف "جهاد" بقوة، ضغطًا عليها وكأنه يحاول أن يتأكد من أنه حقيقي، أنه لم يفقد حفيده بعد..:- "أنت بجد كويس؟ ما تخافش، أنا حجزت في أحسن مستشفى وهتكون بخير."
هز "جهاد" رأسه برفض قاطع، نظراته تتجنب نظرات جده، وتلاحق "جون" بضيق. كان يعرف أن المستشفى تعني النهاية، تعني أن يقبل بالهزيمة..:- "لا. أنا هفضل هنا، مش عايز أروح مستشفيات."
"بس يا جهاد..."
قاطعه "جون" بهدوء، كمن يتدخل لإنهاء مشهد مؤلم. "نتكلم في الموضوع ده بعدين. يلا، زمان الكل مستنيك، وأنت لازم ترتاح."
"حد عرف حاجة؟" تسلل الخوف إلى نبرة 'جهاد'، جعل صوته بالكاد مسموعًا.
هز سلطان رأسه بـ "لا"، وهو يضغط على يد حفيده، كأن لمسته عهد مقدس على الكتمان.
تنهد "جهاد" بارتياح خفي، وكأن حملًا ثقيلًا قد أُزيح عن كتفيه..:- "الحمد لله. ياريت ما فيش حد يعرف."
اقترب "مراد" وأمسك بيد "جهاد"، كانت لمسته دافئة ومطمئنة..:- "طيب يلا عشان ترتاح شوية، الطريق كان طويل."
حمل "جاك" الحقائب، مفسحًا مجالًا للفكاهة لتخفف من حدة الموقف..:- "أنا اشتريت للكل هدايا عشان هيسألوا عليها قبلنا."
ابتسم "سلطان" بضحكة حقيقية هذه المرة، ربما لأنه رأى بصيصًا من الأمل في وجود الجميع..:- "كلهم في انتظاركم جوّا."
"طيب مستنيين إيه؟ عزومة؟" قال 'جهاد' وهو يتقدم نحو الداخل، وكأنه يفتح بابًا آخر، ليس للمنزل، بل للهروب.
هز "جون" رأسه بيأس وهو يدخل خلفه، مدركًا أن هذه اللحظات من المرح لم تكن إلا درعًا واهيًا يرتديه "جهاد"، يرفض من خلاله مواجهة الحقيقة التي تتربص به.
توقّفت أنفاسه على عتبة الباب، وتجمّدت خطواته للحظة. تطلّع "جهاد" إلى وجوههم التي تملأ الصالة، عيونهم التي تنتظره، يراهم يجلسون في أماكنهم المألوفة، وكأن الزمن لم يمر. كانت تلك اللحظة مزيجًا من السعادة والألم، فكلّ وجه يراه يضيء شعلة من الحنين في قلبه، بينما تعصره غصّة في صدره. "هل ستكون هذه المرة الأخيرة؟"
تساءل في صمت، بينما تجمّعت الدموع في عينيه. كان الخوف من أن يُفاجئهم بمرضه أشدّ من ألم المرض نفسه.
تنهّد بعمق، شعر بوجود "جون" خلفه، يتطلّع إليه بصمتٍ مدرك. استمدّ منه قوة، أطلق زفيرًا بطيئًا، وأجبر نفسه على رسم ابتسامة واسعة، وتقدّم نحوهم بخطوات ثابتة.:- "وحشتوني يا أهلي الحلوين!"
صاح بصوتٍ عالٍ مليء بالبهجة المصطنعة، وكأنه يلقي بتلك الكلمات سدًّا منيعًا بينه وبين آلامه.
وما هي إلا لحظات حتى انطلقت أجسادهم نحوه، في عناق جماعي حار.
كان "صهيب" أول من وصل، التفّت ذراعاه حول "جهاد" في عناقٍ عنيف.:- "جهااااد! وحشتني خالص، يا واطي ده كله من غيري؟"
تعلّق "جهاد" بعناق "صهيب" كالغريق، احتضنه بشدة، وكأنه يودّع جزءًا من روحه.:- "وانت كمان وحشتني، وحشتني قوي يا صهيب."
تراجع "صهيب" قليلًا، نظراته تقرأ ملامح وجه "جهاد" بعمق..:- "أنت كويس؟ تعبان؟"
تلاشت بهجته وحلّ محلّها قلق صادق.
قبل أن يجيب "جهاد،" دفعت "مليكة" "صهيب" بقوة..:- "أنت يا حيوان، تعبان إيه؟ ابعد عنه بس وهيكون بخير!"
تذمّر صهيب بغيظ.:- "والله أنتو ناس ظالمة!"
قهقه "جهاد" بصوتٍ عالٍ، وفتح ذراعيه لـ "مليكة"..:- "وحشتيني يا أميرتي."
لم تتمالك "مليكة" نفسها، انهمرت دموعها فرحًا وهي تحتضنه..:- "وأنت قوي يا جهاد."
"أنا برضه ولا جوجو حبيب القلب؟" سألها 'جهاد' بخبث، وهو ينظر نحو "جون".
تراجعت "مليكة" بضيق..:-"والله خسارة فيك! أوعى!" ثم ركضت نحو 'جون' واحتضنته بشوقٍ وحب..:- "وحشتني قوي يا جاد."
بادلها "جون" العناق بحنان، ضمّها إلى صدره.:- "وأنت يا قلب جاد."
في تلك الأثناء، اقتربت "جاسي" من "جون"، وعيناها تلمعان بالحب.:- "وأنا وحشتني قوي يا بابا."
حملها "جون" بين ذراعيه..:- "حبيبة بابا، وأنتِ أكتر."
نظرت "كوثر" إلى "جهاد" بقلق، وكأنها تشعر ببرودة غريبة تغلّف المشهد..:- "جهاد، أنت كويس؟"
تظاهر "جهاد" بالتوتر المصطنع..:-"آه كويس يا ماما، جداً كمان. حد يشوف القمر ده ويكون تعبان بذمتك؟" ثم أكمل بنبرة مرحة.:- "هو بس ما كنتش بأكل من الإيدين الحلوين دول عشان كدا."
ارتسمت ابتسامة حنونة على وجه "كوثر"..:- "ربنا يحفظك ليا يا قلب ماما. أنا عملتلك كل الأكل اللي بتحبه."
"هو ده الكلام!" صاح 'جهاد' بفرحة.
فجأة، انفتح الباب على مصراعيه، ودخل "جهاد" الصغير راكضًا وهو ينادي..:- "بااااباااا!"
توقّف قلب "جهاد" للحظة، نظر إلى ابنه، ثم إلى "ماسة" التي وقفت بجواره، عيناها مليئتان بالشوق والدموع.
انحنى "جهاد" على ركبتيه، وفتح ذراعيه ليضمّ ابنه، الذي ركض إليه واحتضنه بقوة..:- "بابا، وحشتني اوي اوي."
حمله "جهاد" وقبّله بحنانٍ عميق.:- "وأنت اوي اوي يا قلب بابا."
ثم وضعه أرضًا، واقترب من "ماسة"، واحتضنها بحبّ. تنفّس عبيرها الذي اشتاق إليه..:- "وحشتيني."
تعلّقت "ماسة" بقميصه وهي تبكي.:- "كنت فاكرة إنك بعدت المرة دي كمان."
أغمض "جهاد" عينيه، وتنفّس ألمًا من شعوره بالذنب والخوف..:-"أنا هنا يا حبيبتي، ما تخافيش."
"وحشتني اوي." همست 'ماسة' بين ذراعه.
"وأنتِ اوي اوي." قال 'جهاد' وهو يقبّل رأسها.
قاطع "جهاد" الصغير لحظتهم بغيظ.:- "أحم، أنا هنا."
صاح "صهيب" بمزاح..:- "العشق الممنوع!"
"بس يا حيوان!" قال "جهاد" ضاحكًا.
"أنا حيوان؟" سأل "صهيب" بدهشة مصطنعة.
هزّ 'جهاد' رأسه إيجابًا، "آه حيوان."
"أنت ابن كلب!" أجابه "صهيب" بغيظ، بينما امتلأ المكان بالضحكات العائلية الدافئة، التي حاولت أن تنسيهم الألم الكامن في قلوبهم.
بجوارهم، عانق "مراد" "عشق"، وكأنه يستعيد أنفاسه التي فقدها بعيدًا عنها.
دفنت وجهها في صدره، وتهامست بصوت مخنوق بالشوق: "وحشتني أوي يا مراد".
شدد "مراد" من احتضانها، وكأنه يخشى أن تكون لحظة حلم، وهمس بألم خفي: "كنت محتاجك أوي يا عشق.. كنت محتاجك".
ابتعدت عنه "عشق" بوجل، وعيناها تمسحان تعب وجهه: "أنت كويس يا مراد؟ في حاجة حصلت؟".
أجابها بابتسامة حانية، وهو يلمس وجنتها برفق: "أنا بخير يا قلب مراد.. بخير طول ما أنتِ جنبي".
وقف "جاد" الصغير يحدق في أبيه بعينين لامعتين، ثم جرى نحوه وهو يصرخ بفرح: "بابا!".
انحنى "مراد" وحمله بين ذراعيه، وضمه إليه بحنان بالغ: "يا حبيبي.. وحشتني يا جاد".
اقترب "جاك" من "هيرا"، وعيناه تعكسان خليطًا من الشوق والتعب. همس لها بحب: "وحشتيني يا أم جان".
نظرت له "هيرا" بغيظ مصطنع، وعاتبت بمرارة: "ولأني مش معاك.. تغيب الفترة دي كلها؟"
أجابها "جاك" بحزن خفي: "يا ريتك كنتي موجودة.. كنتي هتهوني عليا كل حاجة".
شعرت "هيرا" بانقباضة في قلبها، فسألته بقلق: "أنت كويس؟ في حاجة حصلت لكم؟"
هز رأسه نفيًا، وابتسم وهو يشير إلى صغيره النائم: "مفيش يا حبيبتي، المهم القرد ده عامل معاكِ إيه؟"
نظرت "هيرا" إلى طفلها بحنان، وربتت على رأسه: "ده قلب ماما.. بس على فكرة هو كان وحشّك أوي".
أمسكه "جاك" من يديه الصغيرة، وقبله بشوق: "ووحشني أنا كمان أوي يا صغير".
تحول المشهد إلى ضحكات "مايا" و "جوليا"، اللتين ظهرتا فجأة من الخلف. صرخت مايا: "وأنا كمان وحشتني يا جاك".
غمزت "جوليا" بغيظ: "ولا من لقى أحبابه.. نسي أخواته؟"
ضحك "جاك" وهو يحتضنهما بحب: "يا أولادي! والله وحشتوني أوي".
أجابتا في نفس واحد: "وإنت كمان".
أما "دين" و "سام"، فقد وقفا بعيدًا يراقبان المشهد بغيظ. همس دين: "إحنا موجودين على فكرة".
وأضاف "سام" بسخرية: "إحنا شفافين للدرجة دي؟"
اقترب منهم "جهاد" بضحكة صافية: "الصراحة.. ما أخدتش بالي منكم".
أجابه "سام" بضيق: "يا خفيف".
عانقهم "جهاد" وهو يضحك: "بس والله وحشتوني برضو".
ضمّاه إليه بشوق، وكأنهم ينسون كل شيء في هذه اللحظة.
ترك "دين" و "سام" ليُسلّما على الباقي، وتقدم "جهاد" نحو والده "يوسف"، الذي كان يجلس على مقعده يراقبه بابتسامة حنونة.
ركع "جهاد" أمامه، ووضع رأسه على فخذه، وهو يهمس: "وحشتني أوي يا بابا".
وضع "يوسف" يده على وجه ابنه بحنان: "وأنت كمان يا روح بابا.. حمد لله على سلامتك يا حبيبي".
رفع "جهاد" وجهه، وابتسم: "عامل إيه؟"
أجاب "يوسف" وعيناه تدمعان: "بقيت أحسن أول ما شفتك".
شعر "مراد" بالغيرة المرحة، وتقدم منهم: "طيب وأنا؟"
أجابه "يوسف" وهو يضم "مراد" إلى حضنه: "وإنت كمان يا حبيبي".
نظرت إليهم "ماسة"، وذهبت عيناها إلى "جهاد"، الذي كان يبدو شاحبًا ومتعبًا. سألته بقلق: "جهاد.. أنت بخير؟"
قالت "مليكة" بصوت خفيض: "في حاجة حصلت لك في الشغل؟"
نظر إليهم "جهاد" بتوتر، لكن "جون" قاطع الحوار بكلماته التي صدمت الجميع: "هو كويس.. بس حصله تسمم".
نظرت إليه "ماسة" بذعر: "ت.. تسمم؟"
أسرع "جون" بالتوضيح وهو يرى الرعب في عيون الجميع من بينهم "جهاد" الذي نظر له بذعر: "ماتقلقوش، هو مجرد تسمم غذائي من الأكل".
قالت مليكة: "طيب أنت حاسس بإيه؟"
أجابهم "جهاد" وهو يبتسم بارتياح: "أنا كويس، متقلقوش".
سأله "صهيب" بخوف: "إمتى حصل الكلام ده؟"
أكد جهاد: "التسمم حصل إمبارح.. ما قدرتش أستنى أكتر من كده، وقررت أرجع".
أسرعت "كوثر" نحوه، واحتضنته بخوف: "ألف سلامة عليك يا حبيبي.. أنا هخليك تنسى أي حاجة حصلت لك.. كل حاجة بتحبها جاهزة على السفرة".
ابتسم "جهاد" بخبث: "يعني آكل بقلب مطمن.. ومفيش مستشفى؟"
نظرت له "كوثر" بغيظ: "والله بقت كده!"
ضحك جهاد: "بمزح معاكِ يا حبيبتي، في زي أكلك؟"
قال "مراد" بمشاكسة: "يعني الأكل لجهاد بس؟"
ردت "كوثر" نافية: "لا طبعًا، كل الأكل إللي بتحبوه موجود".
تذمر صهيب: "كنت مموتنا من الجوع بسببكم".
قال "سام" بسخرية: "إنت بتعمل حاجة غير إنك بتاكل؟"
أضاف دين: "لا وبيعيط على بعد جهاد".
تظاهر "صهيب" بالغضب: "والله العظيم انتوا عايزين القتل".
تدخل "جهاد" بضحكة: "بس أنت وهو.. سيبوا صهيب في حاله".
قال "صهيب" بحب: "والله مش بحبك من فراغ".
ضحكت كوثر: "طيب يلا.. الأكل جاهز".
نهض الجميع وتناولوا الطعام كعائلة واحدة، بينما كانت السعادة تغمر قلب "جهاد"، والقلق يسيطر على "جون" الذي لم تفارقه عيناه للحظة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.."جناح جون"..
أزاح "جاد" ملابسه وكأنها أغلال ثقيلة، يلقيها عن جسد أثقلته الأيام. خرج من غرفة الملابس، وعيناه المرهقتان تخبئان وراء ابتسامة باهتة قصصًا لم تُروَ بعد.
اقتربت منه "مليكة" بخطوات حذرة، وكأنها تخشى أن تُكسر هشاشة اللحظة. انزلقت بين ذراعيه تبحث عن الملاذ، وهمست بصوت يرتعش بين الحب والقلق: "اتأخرت أوي يا جاد، كنت قلقانة عليك."
شدّها إليه، وكأنه يختبئ في حضنها من العالم الذي عاد منه للتو. صوته كان كهمس موجوع: "الشغل كان متعب، متزعليش يا حبيبتي."
رفعت "مليكة" وجهها إليه، عيناها تتساءلان عما لا يقوله..:- "جاد، حاسة إن فيك حاجة، في حاجة حصلت." كان حدسها أصدق من كلماته.
هزّ رأسه نفيًا، لكن النفي كان يشي بكل شيء. جلس على الفراش واستند على الحائط البارد، صوته كان هادئًا أكثر من اللازم: "مفيش أي حاجة يا حبيبتي."
جلست بجواره، عيناها لا تفارقه، ثم ابتسمت بخفة: "ماشي، هعمل نفسي صدقتك." وحاولت أن تخفف حدة الموقف بمزحة: "كان في بنات معاك في الشغل ده؟"
ابتسم "جاد" ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه..:-"ليه؟"
ارتفعت نبرة صوتها: "جاد، بلاش النظرة دي." كان الخوف يصارع الغيظ في صوتها.
نظر إليها بعمق، وقال بصوت مثقل: "اللي شفته في المهمة دي تعب روحي بزيادة."
كان اعترافًا موجعًا بأن ما حدث يتجاوز مجرد التعب.
وضعت يدها على خده، وقالت بصوت مكسور: "جاد... في إيه؟ أنا مش مطمنة."
أومأ بصعوبة، كأن الكلمات تثقل لسانه..:- "بس لما شوفتك، حسيت إني ارتحت، وبقيت أحسن."
عجزت "مليكة" عن كتم دموعها، فاحتضنته بقوة وهمست: "أنا بحبك يا جاد."
وفجأة، خرجت منه آهة مكتومة. ابتعدت عنه بسرعة، عيناها على ظهره.
"جاد، إنت مصاب؟" ارتجفت شفتاها وهي تسأل.
أمسك وجهها بين يديه: "هشش، اهدي يا مليكة، ده جرح بسيط."
صرخت بدموع: "بسيط إيه؟ إنت مصاب يا جاد! خليني أشوف!"
احتضنها محاولًا إخفاء آلامه..:- "أنا كويس، الإصابة من فترة، متخافيش."
نظرت إليه بشك، وهمست: "جاد..."
ابتسم لها، وقال بحب: "على فكرة، أنا كمان بحبك."
"مفيش سفر تاني..:- " كان طلبها النهائي الذي لخص كل مخاوفها.
نظر إليها، وعلى شفتيه ابتسامة خبث ومرح..:- "عشان البنات؟"
"جاد، أنا مش بهزر."
ضحك بصوت عالٍ، ثم احتضنته في صمت، خوفًا عليه، وحبًا له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غرفة "جهاد"، حيث يعم الهدوء والدفء، كانت "ماسة" تتأمل زوجها. لم تكن مجرد نظرة حب عابرة، بل كانت عينان تفتشان في ملامحه عن شيء ما. كان يجلس بجانب ابنهما الصغير الذي نام بين أحضان والده بعد إصراره على قضاء الليلة معهما.
ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها، ابتسامة امتزجت بالحب والقلق. فشيء ما في هيئة "جهاد" كان يؤرق قلبها، نظراته الشاردة التي بدت وكأنها تحمل سرًا ثقيلًا.
اقتربت منه بهدوء وجلست بجانبه، ملامسةً يده التي كانت ترتجف قليلاً.
"جهاد... أنت متأكد إنك بخير؟" سألت بصوت خافت، خوفًا من أن تكسر حاجز الصمت الذي يفصل بينهما.
ابتسم "جهاد" ابتسامة حانية، وجذبها إليه ليخبئها بين ذراعيه.
"أنا بقيت بخير... بمجرد ما شفتكم قدامي كلكم."
شعر قلبها بالاطمئنان للحظة، لكن دموعها خانتها، وسالت على وجنتيها.
"أنا حاسة إني فرحانة أوي برجوعك... لو تعرف أنا كنت تعبانة قد إيه من بعدك."
أحس "جهاد" بقلبها، ومرر يده على شعرها بحنان، وقال بصوت مثقل بالحزن:
"ماسة... بلاش تكوني كده. عايزك دايمًا قوية، تكوني مستعدة لأي حاجة."
تجمدت "ماسة" في مكانها، فصوت "جهاد" الذي حمل نبرة تحذيرية لم تكن مألوفة لها.
"قصدك إيه يا جهاد؟" سألته بصوت مرتجف.
أمسك بوجهها بين يديه، ونظر إلى عينيها مباشرة، وكأنه يريد أن يطبع كلماته في ذاكرتها.
"قصدي إنك حبيبتي وأقوى بنت شفتها في حياتي. مش عايزك تستسلمي لأي حاجة يا ماسة... مهما حصل."
في تلك اللحظة، كانت "ماسة" تتشبث بيده كأنها تخشى أن يفلت منها، ودموعها تسيل بصمت. .:-"أنت معايا؟" سألت بصوت مخنوق بالخوف.
تنهد "جهاد" بصوت يكاد يكون مسموعًا من ضيقه، وهمس: "دلوقتي بس... يمكن بكرة لأ."
توسعت عينا "ماسة" في رعب، وابتعدت عنه قليلًا: "جهاد، أنت بتقول كدة ليه؟"
حاول "جهاد" أن يبتسم، ولكنه كان ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه..:- "ما فيش حاجة يا ماسة... كل الحكاية إني مش بحبك ضعيفة أبدًا."
"جهاد... كلامك بيخوفني." قالت "ماسة" بصوت مرتعش.
وضع يده على وجهها بحنان، ومسح دموعها بأصابعه..:-
"أنا آسف يا قلب جهاد."
نظرت إليه بضيق، ودموعها تتجدد من تلقاء نفسها، "مش هتسافر تاني أبدًا."
ضحك 'جهاد' ضحكة حزينة، وهز رأسه ببطء.:- "أبدًا... أبدًا."
"أبدًا." كررتها "ماسة" بغيظ، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها وللزمان أن هذه هي الحقيقة.
وضع "جهاد" يده على بطنها المنتفخة قليلًا بحرص، وسأل لتغيير مسار الحديث: "عرفتي نوعه؟"
هزت رأسها بحب، وقالت: "لأ... حابة نعرف سوا."
نظرة حزينة ارتسمت على وجهه، ودمعة لمعت في عينيه قبل أن تسقط..:- "هتكون بنت."
نظرت إليه بتعجب.:- "ليه بتقول كدة؟"
ابتسم "جهاد" ابتسامة واسعة.:- "حاسس إنها بنت، وهتكون جميلة أوي."
ضحكت 'ماسة'..:- "ايه ده؟ جوزي طلع عراف!"
نظر إليها 'جهاد' بضحك..:-"والله... طب هسميها جنة كمان."
نظرت "ماسة" إليه باستغراب..:-"والاسم كمان؟ لا... أنا كده أقلق بجد."
أمسك "جهاد" بيدها وقبَّلها بحب..:-"أنا بحبك يا ماسة."
ابتسمت "ماسة"، ولكن قلبها كان ينبض بسرعة..:- "حاسة بحاجة غريبة فيك."
ظهر القلق في عيني 'جهاد'، "حاجة إيه؟"
هزت "ماسة" رأسها بالنفي.:- "مش عارفة... بس قلقانة عليك."
احتضنها "جهاد" بحنان..:-"أنا كويس بجد... كفاية خوف."
"مش بإيدي. أنت كل حياتي يا جهاد."
"ده حب بقى؟" سألها بخبث.
"بارد." ضحكت ماسة.
ابتسم "جهاد"، ولكن الرعب كان يمزق قلبه من الداخل. تنهد بصمت، ويداه ترتجفان بشكل لا إرادي.
نهض بسرعة وهو يقول: "ماسة، أنا هاخد حمام بسرعة وراجع."
نظرت "ماسة" إليه بتعجب: "بس أنت لسه واخد حمام يا جهاد."
"معلش... حاسس إني محتاج واحد تاني." قال بضيق.
هزت "ماسة" رأسها بدهشة، وتابعته بعينيها وهو يدخل الحمام مسرعًا.
..في الحمام:
أغلق "جهاد" الباب خلفه، ووضع يده على الحوض أمامه وهو يراقبها ترتجف. نظر إلى المرآة، فرأى وجهه الشاحب، ودماءً غزيرة تسيل من أنفه.
سحب منديلًا وكتم به الدم، ثم فتح أحد الأدراج وأخرج حقنة المسكن التي أعطتها له "جيلان". تنفس بصعوبة، وأدخل الإبرة في جسده بألم قاضٍ على روحه. رمى الحقنة الفارغة والمنديل الملطخ بالدم في سلة المهملات، ونزع ملابسه، ودخل تحت المياه الباردة التي كانت تهبط على جسده وكأنها تحاول إخماد النيران المشتعلة فيه.
بعد نصف ساعة، خرج ليجد "ماسة" قد نامت بجوار ابنهما الصغير، وقد بدا التعب على وجهها.
ابتسم بحزن، واقترب منهما، واحتضنهما بحنان، ثم وضع رأسه على الوسادة بجوارهما..:- "سامحوني لو بعدت... أنا والله بحبكم أوي."
قبل رأس ابنه الصغير، وأغمض عينيه، مستسلمًا للتعب والإرهاق ..."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جناح "مراد"، لم يكن الوجود جسديًا فقط، بل كانت روحه معلقة في مكان آخر، مكان مظلم يسيطر عليه الخوف. كان يجلس شاردًا، عيناه مثبتتان في نقطة لا وجود لها، وكأنها مرآة تعكس صراعه الداخلي. كلما حاولت أفكاره الاقتراب من صورة أخيه "جهاد"، كان الألم ينهش قلبه بقسوة، وكأنه يرفض حتى مجرد التفكير في احتمالية الفقد، خوفًا من أن ينهار العالم الذي بناه حول نفسه. هزّ رأسه بقوة محاولًا طرد تلك الأفكار، ثم التفت نحو "عشق" التي كانت تجلس بجانبه، تراقبه بصمت يضج بالأسئلة.
ابتسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه وهمس: "ليه بتبصي ليا كده؟"
أجابت "عشق" بجدية تكسر حاجز الصمت: "اتكلم يا مراد، أنا سامعاك."
انطلق "مراد" في الكلام، وصوته يكسوه الحزن الذي كان يحاول إخفاءه: "أنا تعبان يا عشق."
اقتربت منه قلقة، ونبرتها تفيض بالخوف: "في إيه؟ إيه اللي حصل هناك؟"
نظر إليها بألم عميق، وكأن كلماته القادمة ستكون ثقيلة على روحه: "فاكرة السم اللي كنا رايحين نمنع وصوله؟"
هزت رأسها بإيجاب، وعيناها تتسعان: "أيوة، وأنت قولت إنك قدرت تمنعه، يعني مفيش حد هيتأذى منه."
تجمعت الدموع في عيني "مراد"، وتحدث بصوت يكاد يكون همسًا: "جهاد أخد السم ده يا عشق."
وضعت "عشق" يدها على فمها، تكتم صرخة كادت أن تتحرر من حلقها، وتلعثمت الكلمات على لسانها: "أنت بتقول إيه؟ ج...جهاد؟ إزاي؟"
نظر إليها "مراد" بعيون تفيض بالألم، وكأنه يروي عليها مأساة حية: "في المهمة، حصل..."
حكى لها ما حدث، و "عشق" تنظر إليه بصدمة عميقة، ثم سألته: "يعني جهاد أنقذ جون وخلى السم يدخل جسمه هو؟"
أومأ "مراد" برأسه بخوف يجعله يبدو أصغر سنًا: "جهاد بيموت يا عشق. مش قادر أشوف ألمه قدام عيني وأقف أتفرج عليه وأنا مش عارف أعمل له أي حاجة."
قالت "عشق" بدموع تنزل على وجنتيها: "بس هو كان كويس لما كان تحت!"
نهض "مراد"، ووجهه يغرق في الألم: "بياخد مسكنات علشان يستحمل الوجع."
اقتربت منه خوفًا، متشبثة بأي بصيص أمل: "مفيش علاج؟"
هزّ رأسه بإنكار مرير: "مش عارف، مش عارف أتصرف. حاسس إن عقلي مشلول، مش قادر أفكر في أي حاجة."
حاولت "عشق" أن تواسيه بحزن ودموع: "اهدا يا مراد، كل حاجة هتكون كويسة."
عانقها "مراد" بخوف شديد، وكأنه يتمسك بآخر قشة نجاة: "خايف يا عشق، خايف أخسر وجوده بعد كل اللي عملته علشان أشوفه بس. خايف إنه يموت، أنا مليش غيره، هو أخويا الوحيد."
شدّت "عشق" من احتضانه، وعجزها يظهر في صوتها: "أنا آسفة، مش عارفة أساعدك."
هزّ "مراد" رأسه: "مفيش حد هيقدر يساعدني. جهاد بيتألم وأنا واقف بتفرج عليه."
قالت "عشق" بعد تفكير عميق: "اتصل بيه هو، هو ممكن يساعدك."
نظر إليها متسائلاً، وكأنها تذكرت اسمًا سحريًا: "ابن الصياد؟"
أومأت برأسها: "مفيش غيره."
جلس "مراد" على الأرض بيأس، ورفض الفكرة، متشبثًا بأسراره: "مش عارف يا عشق. مفيش حد يعرف حاجة، ومفيش حد لازم يعرف حاجة."
جلست بجواره، تحاول مواساته.:- "متخافش، مش هقول لأي حد."
ابتسم "مراد" ابتسامة حزينة، وظلّ صامتًا، بينما "عشق" تحاول التخفيف من حزنه، لكن الحزن كان يثقل كاهل الغرفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الخارج، لم يكن الصغير مجرد مستمع، بل كان شاهدًا على انهيار والده. كانت كلمات "مراد" تتسرب من تحت الباب المغلق وتتسرب معها صدمة باردة إلى قلب "جاد". وقف متصلبًا، لا يصدق ما يسمعه، وكأن الكلمات لا تستطيع أن تترجم إلى معنى حقيقي في عقله. "جهاد بيموت."
تلك الكلمات كانت صاعقة، أشعلت شرخًا في عالمه الصغير. استدار ببطء وحزن، ونظر إلى غرفة "جهاد" الصغيرة. لم تعد مجرد غرفة، بل أصبحت مكانًا يختبئ فيه شبح الموت. شعر بأسى عميق على عمه، وتخيل مستقبلًا مظلمًا بدون وجوده.
ما الذي سيحدث إذا توفى والده؟ سؤال ثقيل وقع على روحه الصغيرة. أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا استيعاب حجم الخوف الذي شعر به، ثم ابتعد عن الغرفة عائدًا إلى عالمه الخاص في صمت ثقيل، يحمل في قلبه عبئًا أكبر من عمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في فجر اليوم التالي، تسللت خيوط الشمس الذهبية لتطرز أطراف القصر، وتوقظ الحياة في أرجائه. لكن في قاعة الطعام، كانت الحياة صاخبة بالفعل.
اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار، التي تحولت إلى ساحة معركة مرحة، الكل فيها يضحك ويحتج، عدا "جون" و "مراد". كانت أصواتهم تملأ المكان، تغمرهم سعادة عائلية دافئة وهم يتابعون حركات "صهيب" المزعجة.
كان "صهيب" محبطاً، يلوح بيديه في الهواء بينما يعلن بضيق يائس: "أنا قلت اللي عندي خلاص!"
لكن "لين" لم تستسلم بسهولة. نظرت إليه بإصرار لا يتزعزع، وقالت بلهجة حاسمة: "لا، أختي هتسميها (سلا)".
رد "صهيب" بعناد أكبر، وكأنه يرفض أن يتنازل عن أي شبر من أرض المعركة: "وأنا قولت لا، أخويا هيسميها (جيا)".
ارتفعت حدة النقاش بينهما، وكل منهما متمسك برأيه، حتى تدخلت "كوثر" بغيظ، ووضعت حداً للمهزلة: "بس أنت وهي! الاثنين أحرار والبنت بنتهم."
لكن "صهيب" لم يهدأ. استدار إلى "جهاد"، الذي كان يتابع الموقف بابتسامة، وسأله بلهجة تحدٍّ: "جهاد هيسمي زي ما قولت، صح يا جهاد؟"
في تلك اللحظة، تدخلت "مليكة" بضحكة ماكرة، وأعلنت بخبث يخبئ مفاجأة: "ما فيش داعي، جهاد قرر يسميها (جنة)".
نظر إليها "جهاد"، وهو يكاد يضحك من خطتها الخبيثة، وقال بعبث: " عايزة تقلبيها حرب أنتِ، صح؟"
صرخ "صهيب" بصوت عالٍ يعبر عن احتجاجه على الاسم، وكأن العالم قد انتهى: "لااااااا! وحش، وحش! جيا أحلى، جنة مش حلو، يععع!"
لم تايده "ماسة"، وقالت ببرود: "لا، حلو، وأنا موافقة."
رد "صهيب" بغيظ: "حد قال لك إنك تدخلي؟"
نظرت إليه "ماسة" بصدمة مصطنعة، وضحكت مايا: "البنت بنتها!"
تدخلت "جوليا" بخبث لاذع: "نفسك تسمي؟ يبقى احمل أنت!"
اشتعلت شرارة الغضب في عين "صهيب"، فهدد "جوليا" مازحًا بقتلها، لكن "سام" تدخل بكلمات حازمة، نظر إليه بجدية وحذره: "فكر كدا وشوف هعمل فيك إيه."
استفزه "صهيب" بضحك: "أنت يا كتكوت، اقعد مكانك!"
حاول "جهاد" التخفيف من حدة الموقف، فضحك وقال: "بس يا صهيب، معلش يا كتكوت، أقصد سام".
رد 'سام' بغيظ: "جهاد بلاش أنت!"
نظر إليه 'جهاد' بذهول: "أنا ما عملتش حاجة!"
وهنا، استغل "دين" الفرصة وقدم لـ "سام" تفاحة بخبث، وقال: "خد كل علشان تكبر يا بيضة ههههه".
دخل "جاك" على خط المزاح، ضاحكًا: "والله لو جبت بيضة يا سام، لأزوجك ثاني!"
صرخت "جوليا" بصدمة: "جاك أنت عبيط؟ أنا أختك!"
ضحك جهاد: "يعني هو هيجيب بيضة بجد؟ أنتِ عبيطة أكثر منه!"
بعد أن خفت حدة النقاش، اقترحت 'ماسة' بخبث: "إيه رأيكم نعمل حفلة شوي؟"
رفضت لين: "لا، مش باحب اللحم."
لكن "مايا" وافقت بحماس، وكذلك جهاد.
تدخلت "كوثر"، ووضعت حداً آخر: "لا، أنت هتاكل مسلوق علشان شكلك تعبان وما عاجبني."
نظر "جهاد" إلى "كوثر" بغيظ، وقال: "لا كدا حرام!"
وافقها "جاك"، لكن ابتسامته أخفت قلقًا عميقًا في داخله: "معك حق، المسلوق حلو لجهاد."
تذمر "جهاد" بغيظ: "والله يا جاك أنت ابن كلب!"
نظرت إليه "ماسة بحنان: "معلش يا حبيبي."
انضمت "عشق" إليهم، جلست بجوار "جهاد"، وسألته بصوت منخفض وقلق لا تخفيه: "عامل إيه دلوقتِ يا جهاد؟"
نظر إليها "جهاد" بقلق، وابتسامته تتلاشى: "أنا كويس يا عشق."
قالت له بحزن، وكأنها تشاركه ثقله: "أنا عارفة كل حاجة."
نظر إليها "جهاد" بصدمة وخوف، وهمس بتوسل: "عشق، بلاش حد يعرف!"
نفت "عشق" رأسها، وأكدت له بوعد: "ما تخافش، مش هقول لأي أحد، المهم تكون كويس."
ابتسم "جهاد" بحنان، ووجه عينيه نحو عائلته، مؤكدًا لها: "ما تخافيش، أنا كويس."
سألت "كوثر" الجميع باستغراب: "أومال جون ومراد فين؟"
أجاب جهاد: "مش عارف".
تدخل "جاك"، وقال بحزن: "عندهم شغل مهم، راحوا يعملوه."
ردت "مليكة" بغيظ: "جوزي لو رئيس جمهورية ما يشتغلش كل ده!"
ضحكت ماسة: "والله معكى حق!"
بينما كانت "مليكة" تتذمر، أعطتها "هيرا" ابنها، وقالت بغيظ: "طيب اتفضلي، كملي عذاب من نوع آخر!"
نظرت "مليكة" لـ "هيرا" بقرف: "هو أنا خلفتك ونسيتك؟ مش زوجك مرزوع أهو!"
ضحك جاك: "ههههه، خلي قلبك كبير وشيلي شوية."
حمل "جهاد" الطفل الصغير بحب، وعلقت "ماسة" باستغراب: "والله غريبة، إيه الحنان ده؟"
رد 'جهاد' بغرور: "من يومي."
عندما قرر "دين" بدء حفلة الشواء، نهض الجميع بحماس. خرجوا إلى الحديقة الخلفية، حيث كانت رائحة الشواء تنتشر في الهواء، تملأهم بالسعادة والضحك.
لم يمر وقت طويل حتى عاد "جون" و "مراد"، لتكتمل الأمسية بلمة عائلية دافئة، وتختلط فيها أصوات الضحكات بقلق خفي، يذوب في لحظات من الحب والترابط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة ممتعة للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل