بعد ساعات طوال حلّقت فيها الطائرة بين الغيوم، أخيرًا، لامست عجلاتها أرض الوطن. خطوا أولى خطواتهم خارج المطار، وعيونهم تجوب الأنحاء بنهم، تتوق لرؤية كل زاوية مألوفة.
في الخارج، كانت تنتظرهم قافلة من السيارات السوداء، محاطة بحراس الشركة المدربين.
صعد الأربعة إلى إحدى السيارات الفارهة، لتبدأ رحلتهم البرية.
في السيارة، تمتم "صهيب"، الذي كان يجلس بجوار "جهاد"، بلهفة: "جهاد، أنا جائع جدًا! أحتاج إلى طعام حقيقي."
أكد "جهاد"، وهو يربت على بطنه: "بالتأكيد، أنا أيضًا أشعر بالجوع الشديد."
نظر "دين" في المرآة الخلفية، وقال بهدوء: "سنتوجه إلى الفندق مباشرة، وهناك ستجدون أشهى المأكولات."
لكن "صهيب" اعترض بحماس: "لا طبعًا! أريد أن آكل أشهر أكلة شعبية هنا في مصر، شيئًا أصيلًا!"
"مايا"، بعينيها المتلألئة، أيدته: "وأنا أيضًا، بليززز!"
نظر "جهاد" بدهشة، متسائلًا: "مثل ماذا؟ سمك؟ بيتزا؟"
هزت "مايا" رأسها بسرعة: "لا، أريد كشري!"
ضحك 'صهيب': "لا يا مايا، عندي أكلة أحلى بكثير!"
توجس "جهاد"، وشعوره بالقلق بدأ يتسلل إليه: "ربنا يستر، خير؟"
نظر "صهيب" إلى "جهاد" بابتسامة غامضة على شفتيه: "ممبار!"
نظر "جهاد" إليه بعدم فهم: "نعم؟"
أكد "صهيب" بثقة: "هذه هي أحلى أكلة في مصر، صدقني!"
سأل "جهاد" بفضول ممزوج بالشك: "ومن أخبرك أنها أحلى أكلة في مصر؟"
أجاب "صهيب" بلهجة واثقة: "جواد هو من قال لي!"
صدم 'جهاد': "جواد؟ هل تحدثت معه؟"
أكد 'صهيب': "نعم، وهو من نصحني!"
نظرت "مايا" إلى "جهاد" بعيون بريئة مليئة بالرجاء: "أرجوك يا جهاد، أريد أن أجربها!"
تنهد "جهاد" بقلق: "ربنا يستر. أين هذا المكان الموعود؟"
أجاب 'صهيب': "قال لي إنه عند 'باحه تلوث'."
صدم 'جهاد': "تلوث؟ هل تريد أن تميتنا؟"
هز "صهيب" رأسه بسرعة: "لا، لا! هو اسمه هكذا، وقال إنه أفضل مكان يقدمه في مصر!"
نظر إليه "جهاد" بشك: "أنت متأكد؟"
اعترض 'دين': "في رأيي، لا يا جهاد. صهيب متهور، وسيورطنا في مشكلة."
نظر "صهيب" إلى "جهاد" بجدية: "لا والله العظيم، هذه هي الحقيقة! ولماذا أكذب عليك؟ جواد هو من قال لي!"
نظرت "مايا" بعينيها البريئة مرة أخرى: "بليز يا جهاد، بليززز!"
استسلم "جهاد" بقلة حيلة: "حسنًا، يا دين. اتجه إلى 'باحه تلوث'."
انطلق "دين" بالسيارة ووصلوا إلى منطقة تبدو شبه شعبية، تنبض بالحياة. نزل الجميع وتوجهوا إلى مطعم شعبي يضج بالناس، حيث كانت رائحة الأكل تملأ الأجواء.
داخل المطعم، نظر "جهاد" إلى المكان بقرف خفيف: "صهيب، هل هذا هو المكان الذي تحدثت عنه؟"
أكد "صهيب" بابتسامة واسعة: "نعم، هو بالظبط!"
نظر "دين" إلى طريقة أكل الناس بشغف: "وهذه هي أشهر أكلة في مصر؟"
ضحك "صهيب" ضحكة مستفزة: "أه، حلو صح؟"
قالت "مايا" بحماس: "الله! أنا حقًا متحمسة جدًا! هيا بنا!"
نظر "جهاد" إلى "دين" بقلق: "هيا يا دين."
بادله "دين" نظرة القلق نفسها: "هيا."
توجه الجميع إلى الداخل وجلسوا بجوار بعضهم. جاء النادل إليهم وسأل بابتسامة: "تطلبوا إيه يا باشا؟"
قال "صهيب" بابتسامة عريضة: "عايزين من كل الأكل اللي عندكم!"
أكد النادل: "تحت أمرك يا باشا، عن إذنكم."
غادر النادل وعاد بعد قليل بكمية هائلة من الطعام، تفوح منها الروائح الذكية: "اتفضلوا يا باشا، بالهنا والشفاء. تطلبوا أي حاجة تاني؟"
نظر "جهاد" إلى الطعام بذهول: "لا شكرًا، تقدر تمشي."
عاد النادل مبتسمًا: "عن إذنكم."
ابعتلع "جهاد" ريقه بقلق: "صهيب، كل يلا."
"صهيب"، الذي كان ينظر إلى الناس ويأكل مثلهم، قال بانبهار: "الله! طعمه والله حلو اوي!"
"مايا"، التي كانت تقلّد "صهيب" في طريقة الأكل، قالت: "أيوة، جميل جدًا! هتاكل يا دين؟"
نظر "دين" إلى "جهاد" الذي أشار له ليأكل: "حاضر."
بدأ "دين" في الأكل، وتفاجأ بمدى إعجابه بالطعام، فأكل بشهية مفتوحة.
أما "جهاد"، فنظر إليه "صهيب" وقال: "أنت مش هتاكل؟"
نظر "جهاد" إلى الطعام بشك: "لا شكرًا، كل أنت."
ظل كل من "صهيب ودين ومايا" يأكلون الطعام بإعجاب لوقت طويل.
حتى وضع "صهيب" يده على بطنه بتألم: "جهاد!"
نظر "جهاد" إليه بقلق: "حصل إيه تاني؟"
"صهيب"، وقد بدا عليه الغثيان: "عايز أروح الحمام."
نظر "دين" إلى "صهيب" بقلق: "مالك؟ أنت كويس؟"
أجاب "صهيب"، وقد بدا عليه التعب: "لا."
قال "جهاد" بسرعة: "تعال معايا، فين الحمام؟"
ساعدهم أحد الموجودين، واصطحب "صهيب وجهاد" إلى الحمام.
أما على الطاولة، نهضت "مايا" وهي تشعر بالدوار، ثم نظرت إلى "دين" الجالس ينظر باتجاه الحمام بقلق.
قالت "مايا" وهي تضع يدها على فمها: "أنا مش كويسة."
أمسك "دين" "مايا" بخوف: "مايا، مالك؟"
جاء "جهاد" من الداخل، يمسك بـ "صهيب"، ونظر إلى الطعام وقال: "هو الأكل ده فيه إيه؟"
"صهيب"، وهو يشعر بالدوار: "مش عارف."
نظر "جهاد" إلى وجه "صهيب" المتعب: "أنت السبب يا زفت!"
قال "دين"، وهو ينظر إلى "مايا" بخوف: "مش وقته يا جهاد، أنت مش شايف شكلهم؟"
نظرت "مايا إلى دين"، وعيناها مليئة بالضياع: "أنا حاسة إني بموت يا دين."
هز "دين" رأسه نفيًا: "أكيد لا! هنروح المستشفى."
سقطت "مايا" فاقدة الوعي بين يدي "دين"، الذي صرخ برعب: "مايا! مايا! ردي علي! مايا!"
صرخ "جهاد" برعب: "مايا! صهيب، بص عليا! أنت كويس؟"
حاول "صهيب" السيطرة على نفسه: "أنا بطني بتموتني يا جهاد! آآآه!"
أسند "جهاد" "صهيب"، وأشار إلى "دين" وقال: "دين، شيل مايا! هنروح المستشفى!"
هز "دين" رأسه وحمل "مايا"، وصعد الجميع إلى السيارة. انطلقوا بسرعة جنونية باتجاه المشفى.
بعد دقائق قليلة من الوصول، نزل "جهاد" وساعد "صهيب" في النزول، بينما حمل "دين" "مايا" والرعب يرتسم على وجهه، وركض بها إلى الداخل.
قال "جهاد" وهو ينظر في أنحاء المكان برعب على أخيه: "حد يساعدنا! ما فيش دكتور هنا؟"
صرخ دين: "حد يرد! ما فيش زفت دكتور هنا؟ دي مستشفى ولا إيه؟ ردوا!"
جاءت "ماسة" تركض بسرعة باتجاه "جهاد" وقالت: "في إيه؟ اهدأ لو سمحت، هما مالهم؟"
تحدث "جهاد" بتلعثم: "مش عارف، هم كانوا بياكلوا وفجأة تعبوا، ومايا أغمى عليها."
نظرت "ماسة" إلى عيني صهيب: "طيب اهدأ، إن شاء الله خير."
أشارت "ماسة" إلى الممرضين، واصطحبتهم إلى الغرفة بسرعة.
خارج غرفة الطوارئ، كان "دين وجهاد" يجلسان والقلق ينهش قلبيهما. كل دقيقة تمر كانت أثقل من سابقتها، وكأن الزمن قد توقف عن عمد.
بعد ما بدا وكأنه دهر، لا مجرد ساعة، انفتح الباب أخيرًا. خرجت "ماسة"، الممرضة، يرافقها صمت يخفي خلفه الكثير.
هرع إليها "جهاد ودين" كمن ينتشل نفسه من غرق، وكلماته خرجت متقطعة، محملة بخوف مكبوت:
"طمنيني.. هما كويسين؟ إيه اللي حصل معاهم؟"
ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتي "ماسة"، كأنها محاولة لتهدئة عاصفة الرعب في أعينهما: "متقلقش خالص، هما كويسين جدًا. واضح إنهم أكلوا أكل مش مناسب، وحصل تسمم غذائي بسيط."
اتسعت عينا "جهاد" بذهول، وارتعش صوته وهو يهمس: "تسمم؟"
"أيوة، تسمم. لكن متقلقش، هما بخير دلوقتي. الأكل كان تقيل عليهم ومش كويس لمعدتهم."
"أيوة!" هتف "جهاد" وكأن ذكرى مفاجئة ضربت ذهنه. "هما أكلوا ده.. الممـ... الممبار."
لم تتمالك "ماسة" نفسها، وحاولت جاهدة كبت ضحكة خفيفة: "ههه، ممبار حضرتك؟ أنتوا مش من هنا أكيد."
رفع "جهاد" عينيه الزرقاوين إليها، مؤكدًا: "أيوة، إحنا لسه جايين من بره البلد."
أومأت "ماسة" برأسها بتفهم: "فعلاً، عشان كدا معدتهم مقدرتش تستحمل الأكل المصري الدسم ده، وحصلت لهم مشاكل هضمية. في حد تاني أكل منه غيرهم؟"
"أيوة، دين أكل، بس محصلوش حاجة."
التفتت "ماسة إلى دين"، وفي عينيها مزيج من القلق المهني والاطمئنان: "طيب، ممكن تيجي معانا عشان نطمن عليك أكتر؟"
نظر "دين إلى ماسة"، وسؤاله يحمل لهفة الأب: "طيب، بس مايا بخير؟"
"أيوة، الحمد لله." طمأنته "ماسة".
تساءل "جهاد" بتردد: "ينفع نشوفهم دلوقتي؟"
هزت "ماسة" رأسها نفيًا بلطف: "لا، مش دلوقتي. كمان كام ساعة إن شاء الله. عن إذنكوا... اتفضل معايا يا أستاذ دين."
راقبها "جهاد" وهي تغادر مع "دين"، تاركةً إياه وحيدًا بجوار الغرفة، والصمت يلف المكان مرة أخرى.
توجه "دين" مع أحد الأطباء لإجراء الفحوصات، بينما بقي "جهاد" حبيس انتظاره، والقلب لا يهدأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في قصر الحديدي الفخم بروسيا"
كان "جون" يجلس في الصالون السفلي بجوار والدته "كوثر"، يتبادلان أطراف الحديث في هدوء غير معتاد. فجأة، انبعث صوت خطوات مسرعة من الأعلى، لتظهر "مليكة" وهي تهبط السلالم جريًا، عيناها تبحثان عن شيء ما بشغف.
توقفت أمام "جون"، تتساءل بلهفة:
"جاد فين؟ جهاد مش موجود في أوضته. كنت عايزة أعرف هو مسافر إمتى؟"
نظر إليها "جون" بتأكيد، وكلماته كالصاعقة: "جهاد دلوقتي في مصر."
اتسعت عينا "مليكة" على وسعهما، وصرخت بدهشة: "إيه! مصر؟ إزاي؟"
نظرت "كوثر" لابنها بصدمة: "جهاد سافر إمتى يا ابني؟"
"إمبارح بالليل يا أمي." أجاب "جون" بهدوء يثير غيظ "مليكة".
"أنت بتقول إيه؟ يعني إيه سافر؟" قالت "مليكة" بصدمة وكأنها لم تستوعب.
"فعلاً، إزاي الغبي ده يسافر وميقولش لحد فينا؟"
قالت "كوثر" بغضب، ولم تعتد على قرارات "جهاد" المفاجئة.
نظر "جون" إلى والدته، موضحًا: "أنتي عارفة يا أمي إن جهاد بيكره الوداع، عشان كدا محبش يقلق حد فيكم."
"يعني إيه بيكره الوداع؟ وإزاي يسافر من غير ما أشوفه هو وصهيب؟" قالت "مليكة" بغيظ، ودموع الغضب بدأت تتجمع في عينيها.
حاول "جون" تهدئة الموقف: "خلاص يا مليكة، هو مكنش قصده يزعلك."
لكن غضب "مليكة" كان قد تجاوز كل حدود، وصرخت: "وأنت كمان كنت عارف ومقولتش يا جاد؟"
أومأ "جون" برأسه بهدوء: "أيوة."
انفجرت "مليكة" بالبكاء: "ليه عملت كدا؟ أنت كان لازم تقولي يا جاد ومتسمحش إنه يسافر من غير ما أشوفه!"
"مليكة، جهاد مغلطش، وهو عمل الصح. هو خاف على زعلكوا." قال "جون" بضيق، محاولًا الدفاع عن أخيه.
"أنت ديما بتقف معه حتى في الغلط يا جون!" صرخت "مليكة"، متهمة إياه بالتحيز.
احتد وجه "جون"، وظهر الغضب في عينيه لأول مرة: "مليكة، أنتي بتقولي إيه؟ أنا مغلطش، وجهاد كمان مغلطش. هو كان عامل حساب زعلك، وكمان أنا مش بحب أقول حاجة مليش دخل فيها."
"يعني إيه ملكش دخل؟ أنت مصنوع من إيه؟ البرود اللي أنت فيه ده، حتى معايا! أنت مش حاسس بيا ليه؟ صح، نسيت، أنت رئيس مافيا، هتكون إيه يعني؟ أنت حجر مش إنسان يا جون. أنت مش بتعرف يعني إيه خوف وحب! أنا بكرهك!"
تفوهت مليكة بكلمات قاسية، تتبعثر معها بقايا الصبر.
"مليكة!" قالت "كوثر" بذهول من حدة ابنتها.
نهض "جون" في صمت، نظرة غضب عميقة في عينيه، ثم غادر القصر دون كلمة أخرى. صعد إلى سيارته وانطلق بعيدًا، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا.
أما "مليكة"، فقد ركضت إلى الأعلى، ودخلت غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم انهمرت في بكاء مرير، وكأن قلبها ينفطر من الألم والغضب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قلب القاهرة الصاخبة، وتحديداً داخل أروقة مشفى يعج بالهمس والقلق، كانت الدقائق تمر ثقيلة كأنها دهور على "جهاد". كل لحظة يراقب فيها شقيقه ترسم ألف سؤال وقلق على ملامحه الشاحبة.
حين انفتح باب الغرفة، كأن نسمة أمل دخلت مع "ماسة"، طبيبة بقوام رشيق وعينين تحملان هدوءًا يطمئن الروح.
ألقت نظرة سريعة على الغرفة، فوجدت "جهاد ودين" يجلسان على مقربة من السرير، حيث يرقد "مايا وصهيب".
اقتربت منهم بخطوات واثقة، وبدأت تفحص الاثنان بدقة وعناية، بينما "جهاد" يحدق فيها بشرود، كأنها ملاك نزل من السماء ليبدد غيوم قلقه.
وفجأة، تحركت الجفون المثقلة لـ "صهيب"، وفتح عينيه ببطء شديد، وخرجت منه كلمة بالكاد سمعها الجميع: "جهاد".
انتفض "جهاد" واقترب بلهفة، كأن روحه عادت إليه: "أنا هنا يا حبيبي، أنت كويس؟"
ابتسم "صهيب" بوهن، ابتسامة عفوية تحمل طاقة غريبة: "فل! هههه."
نظرت إليه "ماسة" بابتسامة خفيفة، مزيج من الارتياح والتعجب: "حمد الله على سلامتك."
رد "صهيب" على الفور، بنظرة مليئة بالمغازلة التي لم تكن تخلو من خفة الظل المعهودة فيه: "الله أكبر! أنا رحت الجنة ولا إيه؟"
تضايق "جهاد" من وقاحة شقيقه التي لا تتغير، وتوجه إليه بحدة: "صهيب، احترم نفسك!"
تصنع "صهيب" الحزن ببراعة: "يعني أعمل إيه؟ وحدة قمر قدامي ولا كأنها ملاك، عايزني أقول إيه؟"
زمجر "دين" بغيظ واضح، وقد فاض به الكيل: "والله أنت واحد زبالة! كل ده بسببك، وأنت بتتغزل في الدكتورة!"
أنكر "صهيب" الأمر ببراءة مصطنعة: "وأنا مالي!"
رمقه "جهاد" بنظرة تحمل وعدًا بوعيد قريب: "ده آخرة اللي يمشي ورا حيوان زيك ويروح ياكل عند باحة تلوث!"
وضعت "ماسة" يدها على فمها، كأنها تحاول كتم ضحكة بريئة لم تستطع منعها: "مين؟ هههه."
نظر إليها "جهاد" بذهول: "شوف حتى هي كمان بتضحك!"
اعتذرت "ماسة" بصدق: "أنا آسفة، مش قصدي."
نظر إليها "صهيب" بغرام واضح: "ولا يهمك يا عسل أنتِ."
ثم التفت إلى "جهاد": "وبعدين أنا مالي؟ جواد هو اللي قالي عليه، هو مش صاحبك؟ قوله! الله!"
رد "دين" بغيظ مضاعف: "لا وبيتكلم ببجاحة! يا برودك!"
نظر إليه "صهيب" بعينين ضيقتين، وعلق بنبرة سخرية: "نفسي أعرف أنت مش أكلت معانا إزاي واقف على رجليك دي؟ وكمان تعال هنا، أنا ما ضربتش حد على إيده أيوه!"
رفع "جهاد" يده ووضعها على أذنه، كأنها تحاول حجب صوت شقيقه الصاخب: "بس كفاية! ارجع نام تاني!"
رفض صهيب ببساطة: "لا."
انتقل قلق "دين" نحو "مايا" التي لم تفق بعد، وسأل "ماسة" بنبرة مهزوزة: "هي مايا ليه ما صحيتش للوقت ده؟"
هزت "ماسة" رأسها بنفي لطيف، محاولة طمأنته: "متقلقش، ده بسبب الأدوية بس، هي كويسة أهي صحيت!"
نظر "دين إلى مايا"، واقترب منها بلهفة وقلق بادٍ على كل قسمات وجهه: "مايا، أنتِ كويسة؟"
نظرت إليه "مايا" وهي ترى قلقه الواضح في عينيه، وابتسمت ابتسامة هادئة: "أنا كويسة، هو حصل إيه وأنت كويس؟"
رفع "صهيب" حاجبه لـ "مايا"، معلقًا بمزاح: "يا حنونة!"
رمقه "جهاد" بنظرة غيظ، وهمس له: "يا غبي اسكت بقى!"
ثم نظر إلى" مايا" وطمأنها بتأكيد: "أبدا، تسمم مش أكتر."
شهق "صهيب" بشهقة نسائية مصطنعة: "نعععم! يعني تسمم دي حاجة عادية؟ أنا كنت هاموت!"
ضربه "جهاد" بخفة على يده: "وأنت مستني إيه يا عنيه؟"
رد "صهي"ب بغيظ: "أنا عارف إنكم نفسكم ترتاحوا مني، بس على مين؟ أنا قاعد على قلبكم!"
ثم نظر إلى "ماسة" بتساؤل، ولسان حاله يعود للمغازلة: "ولا إيه يا سكر أنتِ؟ صح، الجميل اسمه إيه؟"
ضربه "جهاد" مرة أخرى على يده، وصاح به: "احترم نفسك شوية يا سافل! دي الدكتورة بتاعتك!"
ابتسمت "ماسة" بنفي خفيف، وقد أوشكت على الاحمرار من الخجل: "لا عادي، مفيش مشكلة، اسمي ماسة."
نظر إليها "جهاد" بابتسامة خفيفة، وقد أعجبه الاسم: "ماسة."
رفع "صهيب" حاجبه لـ "جهاد"، معلقًا بمكر: "اسم جميل مش كده؟"
تنهدت "ماسة" بحرج واضح، وحاولت إنهاء الموقف: "أحم، شكرًا."
في هذه اللحظة، دخل الدكتور "قاسم"، وتوجه مباشرة بجوار "ماسة".
قال وهو يبتسم لـ "جهاد" بابتسامة واسعة: "أهلاً بحضرتك يا جهاد بيه، شرفت المستشفى."
هز "جهاد" رأسه بإيجاز: "أهلاً بيك."
ثم اقترب "قاسم" من "ماسة"، ووضع يده على كتفها، ونظر إليها، متسائلاً بنبرة تحمل نوعًا من التملك: "إيه يا ماسة، كله تمام؟ حالة المريض إيه؟"
أبعدت "ماسة" يده بتوتر ملحوظ، وقالت وهي تحاول استجماع شتات نفسها: "ك.. كله تمام، هم كويسين حضرتك."
نظر "جهاد" إلى وجه "ماسة" المرعوب، وإلى حركة "قاسم" بضيق بدا واضحًا على ملامحه، وسأل بنبرة جافة: "أنت مين؟"
ابتسم "قاسم" لـ "جهاد" ابتسامة واسعة، وقد شعر بأهمية الموقف: "أنا دكتور قاسم، مدير المستشفى."
نظر إليه "جهاد" بلا اهتمام يذكر: "أهلاً."
نظر "قاسم" إلى "جهاد"، ثم قال: "طيب حمد الله على سلامات الكل، عن إذنكم."
غادر "قاسم"، ولم يلتفت أحد خلفه، كأن وجوده لم يكن ذو أهمية.
علق "صهيب" بقرف شديد: "مين الأستاذ تلوث ده! أنا ما حبيتش شكله."
نظرت إليهم "ماسة" وقالت بنبرة خجولة: "عن إذنكم، وحمد الله على السلامة."
ابتسم "جهاد" ابتسامة لطيفة: "الله يسلمك، اتفضلي."
غادرت "ماسة"، وظل "جهاد" يراقبها حتى اختفت من الغرفة، ثم تنهد بضيق، ونظر إلى الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر، بعيدًا عن ضجيج المشفى، كان "جاك" يقف بهدوء، يرتشف قهوته ببطء، وعيناه تتجولان في أرجاء المكان بملل ظاهر. لم يلبث طويلاً حتى اقترب منه رجل يدعى "فيكي" وجلس.
قال "فيكي" وهو يضع حزمة من الأوراق على الطاولة: "كل البيانات التي أمرت بها معي."
نظر إليه "جاك" بحدة: "تحدث فيكي."
أعطاه "فيكي" صورة فتاة صغيرة، وعلق بصوت خفيض: "هذه صورتها، كان عمرها 6 سنوات عندما مات والداها في حادث."
تغيرت ملامح "جاك" إلى حزن خفيف: "حادث؟"
أكد فيكي: "أجل، وبعد هذا، أخذها خالها الوحيد لتعيش معه، ولكن بعد مرور سنة من الجلوس معه، تزوج، وزوجته وضعتها في أحد الملاجئ. وبعد فترة، هربت من هناك، وعندما وجدتها الشرطة، وضعتها في ميتم آخر. والباقي معك."
تساءل "جاك" بفضول: "ولماذا هربت من هناك؟"
هز فيكي رأسه بنفي: "لا أعلم، السبب مجهول لدى الجميع، وهي ظلت فترة لا تتحدث مع أحد على الإطلاق. ثم وجدها جون."
اعترض "جاك" بحدة: "لا فيكي، يجب أن تعرف لماذا هربت، حسنًا؟"
هز "فيكي" رأسه وقال: "حسنًا، ولكن لمَ تريد هذه المعلومات عنها؟"
نظر إليه "جاك" بحدة لم تكن تحتمل النقاش: "ليس من شأنك، حسنًا؟ اذهب."
نهض "فيكي" قائلاً: "كما تريد، أستأذن."
غادر "فيكي"، وجلس "جاك" وحيدًا مع أفكاره، مرددًا لنفسه: "إيه هي حكايتك يا هيرا؟ إيه اللغز اللي موجود جوه قلبك؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جناح "جون" الهادئ، الذي كان ملاذًا للراحة، دخلت "كوثر" بتأنٍ، وعيناها تتفحصان الغرفة ببطء. كان قلبها يبحث عن "مليكة"، لتجدها في النهاية جالسة على كرسي في حديقة الجناح الخاصة، كأنها تحاول عزل نفسها عن العالم. اقتربت منها "كوثر"، وجلست بجوارها، والدموع تنهمر بصمت على خديها، ثم تحدثت بصوت يكسوه الحنان ممزوجًا بالألم: "مليكة حبيبتي، أنتِ عارفة إنك بنتي وأكتر، مش كده؟"
أجابت "مليكة" بصوت خافت بالكاد يسمع، وعيناها تحملان مرارة: "عارفة."
وضعت "كوثر" يدها على وجه "مليكة" بلطف، وعيناها تحملان لومًا وعطفًا في آن واحد: "وعارفة كمان إنك غلطتي في الكلام اللي قولتيه لـ جاد، صح؟"
بدأت "مليكة" تبكي، وكلماتها تخرج بصعوبة: "أنا يا ماما..."
قاطعتها "كوثر" بنبرة حكيمة، لا تقبل النقاش: "أنتِ غلطتي، ولازم تعرفي إنك أغلى حاجة موجودة في حياة جاد. وما كانش لازم تقولي له الكلام ده. هو بيحبك، ومش بيحب إن حبيبته تقول له حاجة زي كده."
نفت "مليكة" بدموع متجددة: "أنا ما كانش قصدي، بس جهاد..."
قاطعتها "كوثر" مرة أخرى، وهذه المرة بنبرة أعمق وأكثر جدية: "لا يا مليكة. علاقة جاد وجهاد حاجة تانية خالص، ولا أنتِ ولا العالم كله ممكن تدمرها. هم زي النفس والروح، لو نفسك راح روحك تروح. وهم كده، لو بعد حد عن التاني حياتهم تنتهي."
قالت "مليكة" وهي تنهار بالبكاء: "جاد هو... هو كل حياتي، وأنا ما كنتش قصدي كلامي ده."
أكدت "كوثر" بتفهم صادق: "أنا عارفة. وعشان كده بقولك إنك غلطتي ولازم تصلحي الغلط ده. جهاد كان خايف على زعلك، وجاد كمان، أنتِ فاهمة؟"
هزت "مليكة" رأسها بتأكيد، كأن ثقل الكلمات بدأ ينزاح عن قلبها: "فاهمة."
عانقتها "كوثر" بقوة، وهمست لها دعاءً نابعًا من القلب: "ربنا يهديكي يا بنتي ويخليكم لبعض يا رب."
بادلتها "مليكة" العناق بحب: "ويخليكي لينا يا ماما."
أبعدتها "كوثر" عنها، ونظرت إليها بعينين تحملان أملًا جديدًا: "حبيبتي، يلا قومي صالحي زوجك، يلا."
نهضت "مليكة"، وقد بدا عليها العزم، ولو كان خفيًا: "حاضر، أنا بحبك أوي."
ردت "كوثر" بحنان: "وأنا، ربنا يحفظكم ليا."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر، بعيدًا عن أي لمسة حنان، كان التوتر يملأ الأجواء. "جاك" يقف، بينما "جون" يجلس أمام مجموعة من الأشخاص، والغضب يسيطر على كل كلمة.
عيون الجميع كانت موجهة نحو "جون"، الذي جلس بجمود وبرود مطلق، غير مكترث للأسئلة الممزوجة بالاستفهام والتهديد.
قال المدعو "جونيور"، وهو يرمق "جون" بنظرة تحمل شرًا دفينًا: "أنت فعلت هذا يا جون! إنه من رجالنا الخاصين، لمَ قتلته؟"
قرب "جون" رأسه باتجاه هذا الغضب المتصاعد، وقال بهدوء قاتل: "أنا لا آخذ الإذن منك، أليس كذلك؟"
تدخل أحد الأشخاص الجالسين على الطاولة المستديرة، ونظر إلى "جونيور" بحدة: "اهدأ يا جونيور."
رد "جونيور" بضيق: "لكن يا سيدي..."
تطلع فيه هذا الشخص بغضب، مما أجبر "جونيور" على الصمت.
ثم رفع نظره إلى "جون"، وقد بدا عليه اهتمام ممزوج بالخوف: "أخبرني أنا يا جون."
ابتسم "جون" ابتسامة ساخرة خالية من أي معنى: "لا، أنا لا أبرر ما أفعله لأحد، لأنني لا آخذ أوامر من أي شخص. هذا مفهوم؟"
رفع "جونيور" يده أمام "جون"، وصاح بغضب محموم: "ومن أنت حتى تقول هذا يا جون؟ لا تنس نفسك!"
اقترب "جاك" من "جونيور"، وعيناه تشتعلان غضبًا: "أيها اللعين، أنت ماذا تقول؟ أقسم لك أنهي حياتك الآن!"
ضحك "جونيور" بتهكم ممزوج بالجنون: "ومن أنت؟ الكلب الخاص به؟"
رفع "جون" عينه في عين "جونيور" مباشرة، وببرود لا يصدق، أطلق رصاصة اخترقت رأسه في المنتصف، ثم قال بهدوء: "أكره الشخص الذي يتكلم بكثرة."
ابتسم الشخص الآخر، وهو ينظر إلى جثة "جونيور" الملقاة على الأرض، وقال بضحكة تحمل شراسة مريبة: "هههه، أنت سريع الغضب يا جون."
نظر "جاك" إلى "جون" بضيق، ولسان حاله يقول إنه منعه من تحقيق انتقامه: "أقسم لك أنك رحمته من يدي."
اعترض أحد الأشخاص بفزع: "ماذا فعلت يا جون؟ إنه من رجال المنظمة!"
نظر "جون" إلى هذا الذي يتحدث بضيق، وإلى باقي الجالسين بحدة لا تقبل أي اعتراض: "أنا أفعل ما أريد، ولا أنتظر أمرًا من أي أحد. من من يكون؟ أنا أكره الثرثرة كثيرًا، وأخبر هذا للجميع. أنا جون الحديدي، لست من الأشخاص التي تنفذ أوامر أي أحد. هل هذا مفهوم؟"
قال أحد الأشخاص بتوتر بالغ، محاولًا تهدئة الوضع المتفجر: "سيد جون، نحن جميعًا نعلم هذا، أنت ليس مثل الجميع. ولكن هناك من هم أكثر سلطة منك، ومن الممكن أن تتعرض للأذى أنت وعائلتك."
ابتسم "جون" ابتسامة حادة، وصوته أصبح جامدًا ومليئًا بالتهديد: "من يستطيع الاقتراب من عائلتي؟ أنا لا أمنع أحد. ولكن أقسم لك إذا خدش أحد مجرد خدش من عائلتي، سينال أكثر أنواع الموت محببة إلى قلبي."
رد أحد الأشخاص بخوف واضح: "حسنًا يا جون، هذا من أمرك، نحن نعلم أنك لست من الأشخاص التي ترحم بسهولة."
نظر "جاك" إليهم بتأكيد قاطع: "جيد أنكم تعرفون هذا."
نظر "جون" إلى الجميع، وأنهى الحديث بكلمات حاسمة: "أنا سأذهب لأن لدي الكثير من العمل."
حاول أحد الأشخاص إيقافه: "جون، لكن الحديث لم ينتهِ."
رفض "جون" بجمود: "لا، بل انتهى منذ وقت طويل. إلى اللقاء."
غادر "جون" وخلفه جاك، بخطوات قوية وثابتة تخلو من الخوف أو القلق من التهديد الواضح منهم. ظل أحد الجالسين ينظر إليه بابتسامة مليئة بالشر والغضب المكتوم، كأن حربًا خفية بدأت للتو.
أما "جون"، فقد توجه إلى الشركة، وعقله مشغول بكلمات "مليكة" القاسية التي كانت لا تزال تأكل قلبه بشدة، كأنها الجرح الوحيد الذي لا يلتئم في عالمه.:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل