" كان الهواء ثقيلاً، محشوًا بالترقب اليائس. في الردهة، لم يكن هناك صوت سوى دقات القلوب المتسارعة، التي بدت وكأنها تطرق الأبواب المغلقة من حولهم.
داخل تلك الغرفة، حيث احتُجِز "جهاد" و"جيلان"، كان المصير يتقرر، وخارجها، وقفت الأرواح معلقة في انتظار حكمٍ لا يعلمون ماهيته.
كان "مراد" يصارع أفكاره، كأنها عاصفة عاتية تقتلع كل بصيص أمل. كان يحاول عبثًا أن يقنع نفسه أن ما حدث مجرد كابوس، لكن خفقات قلبه العنيفة كانت تذكره بالواقع الأليم. كان الخوف ينهش في أعماقه، وشعور بالعجز يشل حركته.
بجانبه، كان "جاك" يستند على الحائط، يغمض عينيه بقوة، وكأنه يرفض أن يرى ما قد يأتي. كانت ملامح وجهه تتجمد في تعبير واحد: الرغبة في الاختباء من هذا الألم، من هذه اللحظات التي لا يجد فيها عزاء.
أما "ظافر"، فكان يجلس بعيدًا قليلاً، يراقبهم بانفصال غريب. لم يكن الخوف ينهش قلبه بالطريقة نفسها، ربما لأن صدمة الموقف لم تستقر بعد في داخله. كان يجد نفسه مجرد مراقب لهذا القلق الذي يلتهم الجميع، غير مدرك لعمقه الحقيقي.
فجأة، انفتح الباب. خرجت "جيلان"، وخطواتها ثقيلة كأنها تحمل عبئًا ثقيلاً.
ركض إليها "مراد" و "جاك"، وعيونهما تستجديها أن تقول أي شيء، أن تكسر حاجز هذا الصمت المميت.
كانت هي تنزع نظارتها الطبية ببطء، وعيناها تحملان نظرة صامتة من الحزن العميق، كأنها تقول كل شيء دون كلمة واحدة.
"إيه اللي حصل؟"
صوت "مراد" كان يرتعش، لا يجرؤ على سماع الإجابة. أخذت "جيلان" نفسًا عميقًا، ثم جاءت كلماتها كطلقة مباشرة لم تخطئ الهدف: "للأسف، السم انتشر في جسمه."
تراجع "مراد" خطوة إلى الوراء، وكأن الكلمات كانت صفعة قوية ألقت به في هاوية اليأس.
"والعمل؟" قال 'جاك' بصوت خافت، كأنه يهمس بالكلمات الأخيرة المتبقية له.
نظرت "جيلان" إلى ظافر بضيق، وتابعت بنبرة مليئة بالإحباط: "الدواء ده خطير جدًا، نادرًا لما ينجو منه أحد. و للأسف، انتشر بسرعة كبيرة في جسم جهاد."
"بس مفيش أعراض ظاهرة عليه..." حاول 'ظافر' التمسك بأي بصيص أمل، و صوته يحمل نبرة حزينة لم يألفها أحد منه.
"ممكن الحقنة اللي خدها ما تكونش الدوا ده؟" توسل 'مراد'، وعيناه تلمعان بالدموع.
هزت 'جيلان' رأسها بأسى،.:- "مراد، التحاليل بتثبت عكس كده. ويا ظافر... الأعراض مش بتظهر فورًا. محتاجة وقت."
"أعراض إيه؟" سأل 'مراد'، وعيناه متسعتان من الرعب.
نظر "ظافر" إليه بصمت، بينما أكدت "جيلان" بأسى، "هتشوف بنفسك."
"جيلان... لو سمحتي... مفيش علاج؟" توسل 'جاك' برجاء.
هزت "جيلان" رأسها بحزن عميق، "مافيش أي حاجة زي دي اتسجلت. الحل الوحيد دلوقتي إن جهاد يستحمل، إرادته ممكن تنقذه."
سقط "مراد" على أقرب كرسي، وكأن كل قوته قد خارت فجأة. همس بصوت مكسور..:- "هو... هيموت؟"
نظرت "جيلان" إلى "ظافر"، ودموعها تلمع في عينيها..:-"إن شاء الله ما فيش حاجة زي كده."
ثم توجهت نحو غرفة جون. "أنا رايحة أطمن على جون... عن إذنكم."
غادرت مسرعة، تاركة خلفها فراغاً يائساً. لم تكن تعرف كيف تواسي أولئك الذين يواجهون أسوأ كوابيسهم. الوضع كان أكبر من أن تستوعبه الكلمات، فذهبت إلى حيث يوجد بصيص أمل وحيد.
كان "جون" أفضل حالاً، فرصاصته لم تصب مكاناً خطيراً، لعل هذا كان الأمل الوحيد وسط هذا الظلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
...في صباح اليوم التالي...
استيقظ "جهاد" على إحساسٍ بالثقل يطبق على رأسه، وكأنها قنبلة موقوتة على وشك الانفجار. مدّ يده يمسكها، لكن الألم كان يفوق قدرته على التحمل. حاول رفع جسده، فكان كل جزءٍ منه يصرخ بالوجع، وكأن الأضلاع تتحطم والأوردة تتفجر. لم يعد جسده ملكه، بل ساحة معركة لا هوادة فيها. وضع قدميه على الأرض، فانتزع منه الألم صرخة مكتومة، اهتزّ لها كيانه كله. انسابت دموعه دون إرادة منه، وهو يحاول الوقوف، لكن جسده خانه، فارتجف وسقط أرضًا بصرخة مدوية، وكأنه هوى من أعلى قمة.
عانق جسده، وحاول كتم صرخاته التي تمزق حلقه، لكن ألمه كان أعتى من أن يُخفى. صرخ صرخاتٍ حزينة، موجوعة، راجيةً أن يتدخل أحد لإنقاذه.
في الخارج، كانت صرخاته تصل إلى آذان الجميع، تهز كيانهم.
ركضت إليه "جيلان" و "كين"، ووجوههما شاحبة من الخوف، وشفقةٌ موجوعة على حاله.
أما "مراد"، فكان يقف بعيدًا، يضع يديه على أذنيه، محاولًا حجب صوت صرخات أخيه الذي يعتصر قلبه عجزًا.
بكى دون إرادة منه، وهو يتمنى لو يستطيع أن يعانقه، أن يمتصّ كل هذا الوجع الذي أثقل روحه. لقد تحمل "جهاد" الكثير، لكن هذا الألم كان يفوق كل ما مضى.
بجوار الغرفة، كان "جاك" يقف، يشدّ على قبضتيه، يحاول الدخول ليساعده، لكن الجميع منعه. كان صراخه لا يتوقف، وكأنه يُجلَد بوحشيةٍ دون رحمة، وكل محاولة له للتحرك كانت تزيد من ألمه.
( ..جــهــاد.. )
كانت اللحظة أشبه بلوحةٍ صامتةٍ رسمها الخوف، حيث تجمدت عيون "مراد"، و "جاك"، و "ظافر" على جسد "جون" الواقف خلفهم. وجهه كان شاحبًا كجدارٍ قديم، وعيناه مثقلتان بتعبٍ يفوق الوصف. كان يتمتم باسم "جهاد"، لكنه لم يكن مجرد اسم، بل كان همسًا يائسًا يخرج من حنجرةٍ كادت أن تختنق، وكأنه يرى كابوسًا قد تجسد أمامه.
اقترب من الباب بلهفةٍ ممزوجةٍ بغضبٍ محتوم، واقتحم الصمت بسؤاله الحاد: "فين جهاد؟".
حاول "جاك" إبعاده، لكن كلماته خانته وتكسرت على لسانه: "هـ..هو جـ...".
قاطعه "جون" بقلقٍ جنوني: "جاك! ماله جهاد؟ ليه بيصرخ؟"
انفجر "جاك" بالدموع، وعيناه تفيضان بالألم: "هو جوه... السم دخل جسمه يا جون".
جمدت ملامح "جون"، وتلاشى العالم من حوله. في تلك اللحظة، لم يرَ سوى "جهاد" وهو يعانقه، وكيف أخذ الحقنة بدلاً منه.
انطلق صوته المتألم يقطع الهواء، متزامنًا مع صرخات 'جهاد' التي مزقت روحه من الداخل: "عايز أشوفه!".
اعترضه "ظافر" بنبرةٍ حازمةٍ كالجدار: "مينفعش يا جون".
نظر إليه "جون" بنظرةٍ قاتلة، لا تعرف الرحمة: "أنا ما طلبتش إذنك. أنا عايز أشوفه".
تقدم "مراد" منه، ووجهه يغلي غضبًا: "وأنا اللي بقول لأ! مش هتشوفه".
تسلل الحزن إلى صوت "جون"، وأصبح خافتًا كصدىً بعيد: "مراد، سيبني أدخل بس المرة دي".
حدّق به "مراد" بعيونٍ تشتعل بنيران الغضب: "ليه؟ مش كنت هتموته؟ إيه اللي فرق دلوقتي؟ ابعد عنه يا جون".
تجاهل "جون" كل كلمةٍ قالها، وتركيزه كله كان على "جاك" الذي كان يحدق في الأرض بأسفٍ عميق.
قال لـ مراد بنبرةٍ ثقيلة: "مراد، ابعد عني دلوقتي... خليني أشوفه".
صرخ 'مراد' بعنفٍ: "وأنا قلت لأ! ابعد أنت عنه. أنا هاخده ومش هخليك تقرب منه تاني يا جون... فاهم؟".
نظر إليه "جون" بعيونٍ غضبى، بينما كانت صرخات "جهاد" المتواصلة تزيد من حدة ألمه الداخلي.
قال بصوتٍ حادٍ يرتجف: "ابعد عني يا مراد... لا أنت ولا ألف زيك هيبعدوا جهاد عني... فاهم؟".
دفع 'جون' "مراد" بقوةٍ، وكاد أن يندفع نحو الباب، لكن "ظافر" أمسك بيده.
نظر إليه "ظافر" بنظرةٍ تحمل الكثير من الأسف والحكمة وقال بنبرةٍ هادئةٍ لكنها قاطعة: "بلاش... خليه يدخل".
أبعد "مراد" يد "ظافر" بضيقٍ وابتعد بخطواتٍ مليئةٍ بالغضب.
فتح "جون" الباب، واندفع إلى الداخل، تتصارع خطواته بين شغفٍ للقاء وخوفٍ من المجهول. جالت عيناه في أنحاء الغرفة، تبحث عن "جهاد"، لكن الفراش كان خاليًا. ثم انتبه إلى جانب الباب، حيث كان "جهاد" جاثمًا على الأرض، يضم رأسه بين ذراعيه، والصرخات تمزق صوته.
كانت "جيلان" تحاول إعطاءه مهدئًا، لكنه كان يرفض أي لمسة، يمنع الجميع من الاقتراب.
تقدم "جون" بخطواتٍ مترددة، مرّ من بين "جيلان" و "كين" اللذين كانا ينظران إليه بحزنٍ وألمٍ لا يوصف.
جلس أمامه على ركبتيه، نظر إلى "جهاد" الذي كان يتلوى من الألم، وهمس بصوتٍ حنونٍ تدمع له العيون: "جهاد".
لم يتوقف "جهاد" عن الصراخ، كانت آهاته تخرج ممزوجةً بوجعٍ يفوق كل تصور.
مدّ "جون" يده بحنان، وحاول أن يلمس رأس "جهاد" وهو يقول بصوتٍ حزين: "جهاد... أنا هنا... مش عايز تشوفني؟".
هزّ "جهاد" رأسه بقوة، وهو يصرخ: "لا... لا مش عايز أشوف حد... ابعدوا عنييييي".
أدخل "جون" يده في شعر "جهاد" وقال بصوتٍ يقطر حزنًا: "جهاد... أنا جاد... بص لي".
توقف "جهاد" فجأةً عن الحركة، ورفع رأسه الملطخ بالدموع والعرق. نظر إلى "جون" بعيونٍ حمراء متورمةٍ من شدة الألم، وقال بصوتٍ يوجع القلب: "ج... جاد؟".
في تلك اللحظة، لم تكن مجرد كلمة، بل كانت صرخة استغاثة، اعتراف بالضعف، ونداء أخير للنجاة.
اقترب "جاد" من "جهاد" بخطواتٍ ثقيلة، وكأن قلبه لا يحمل فقط ألمه، بل يحمل ثقل العالم كله. مدّ يديه لـ "جهاد"، وكأنما يحاول أن يلملم شتات روحه المبعثرة. همس بصوتٍ يخنقُه الحنان: "روح جاد..انا هنا."
انتفض جسد "جهاد"، ورفع عينيه المثقلتين بالدموع، التي تجمّعت من جديد. اهتزّ صوته بوجعٍ عميق يكاد يمزّق الهواء: "أنا تعبان أوي يا جاد... تعبان... جسمي... جسمي بيوجعني أوي."
فتح "جاد" ذراعه السليمة، وعيناه تعكسان مرآةً لألم جهاد.:- " تعالا " لم تكن دعوة، بل كانت رجاءً مُلِحًّا، أمرًا يخرج من روحٍ تتوق لانتشال روحٍ أخرى.
هزّ "جهاد" رأسه بيأسٍ وعجز، وكلماته تخرج ممزقة: "مش... قادر... جسمي مش... بيتحرك... بيوجعني."
أغمض "جاد" عينيه، وابتلع ريقه المُرّ وهو يرى هشاشة "جهاد" أمامه.
اقترب منه، واحتضن رأسه بين ضلوعه، وكأن صدره سدٌّ يمنع فيضان الألم. همس في أذنه: "ما تخافش... أنت قوي، صح؟ هتكون قوي علشاني، صح؟"
نظرت "جيلان" إليهما بدموعٍ صامتة، وتطلّعت إلى "كين" الذي كان يُشاركها نفس العجز.
انسحبا بصمتٍ، تاركين الحقنة المهدئة كخيط أمل وحيد، وغادرا الغرفة ليمنحاهما عالمهما الصغير.
شدّ "جهاد" ذراعيه حول "جاد"، وشعر وكأن كل حركةٍ سكاكين حادة تُغرز في جسده. قال بألمٍ حقيقي يمزّق روحه قبل جسده: "مش... قادر... مش مستحمل يا جاد."
وضع "جاد" قبلةً حنونة على رأسه، قبلةً تحمل كلّ معاني الرجاء والتوسل. قال بصوتٍ مفعمٍ باليأس الذي يقاومه: "لا... هنستحمل سوا... أنا معاك ومستحيل أسيبك... أنت قوي، صح؟"
هزّ "جهاد" رأسه بالنفي، وخرجت الأنينات من صدره كصوتٍ يمزق قلب "جاد"، الذي تمنى لو يستطيع أن يخلع روحه من جسده ليأخذ مكان جهاد.
قال "جاد" بنبرةٍ قاطعة: "مين قال كدا؟ أنت أقوى حدّ أعرفه في حياتي. كن كويس علشاني."
بألمٍ يكسر العظام، شدّد "جهاد" من احتضانه لـ "جاد"، وكأن خوفه يلتفّ حوله.:- "خليك معايا يا جاد."
لم يعد "جاد" يشعر بأي شيءٍ سوى بالحزن الذي غمر وجوده.
نسي جرحه الذي ينزف من شدة ضغط "جهاد"، وغمرته موجة من الخوف لم يشعر بها قط..:-"وأنا جنبك دايماً... استحمل... هتكون كويس... هعمل أي حاجة علشان تكون كويس."
هزّ "جهاد" رأسه، وشعر بوخز الإبرة، ولكنه هذه المرة لم يؤلم بقدر الراحة التي غمرته وهو بين ذراعي جاد.
نظر "جاد" إليه وهو ينزع الإبرة من ظهره، وراقب "جهاد" وهو يستكين بين يديه، كطفلٍ متعب. تطلّع إليه برعبٍ من فكرة الفقدان، ثم وضع قبلةً طويلةً على رأسه، لا ليمنح "جهاد" الأمان، بل ليمنح نفسه الأمان من هذا الخوف المُحِيط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الليل قد خيّم على المشهد في الخارج، لكنه لم يجلب معه الهدوء. وقف الجميع في حلقة من القلق، صامتون باستثناء همس الريح. كان اختفاء صوت "جهاد" من الداخل يترك فراغًا مؤلمًا في الهواء.
عندما فُتح الباب أخيرًا، ظهر "جون"، يتبعه الطبيبة "جيلان". كان وجهه يعكس مرآة من القلق، وعيناه تحكي قصة ألم لا يعرف كيف يصفه.
نظر إلى "جيلان" التي وقفت خلفه، وقال بصوت خافت، يكاد لا يسمع: "هيفضل كده على طول؟"
هزت "جيلان" رأسها ببطء، وتعبيرها الطبي الهادئ كان يخفي قلقًا عميقًا.:- "لا، الأعراض هتتغير. مش عارفة إيه هي أو إمتى بالظبط. ممكن كل ساعة، أو يوم، أو حتى عدة أيام."
سأل "جون"، وصوته يرتجف بقوة: "إيه المطلوب مننا؟"
نفت "جيلان" رأسها، وعيناها تستقران عليه: "المطلوب مش مننا. المطلوب من جهاد نفسه. لازم يتحمل المرحلة دي. دي أصعب مرحلة للسم في جسمه. مافيش حد يقدر يحدد قد إيه هياخد الوقت ده. ممكن شهور، أو حتى سنين."
تجمد "جون" في مكانه، وكلماتها كانت تضرب رأسه مثل الصواعق. نظر إليها بصدمة: "هيفضل بالشكل ده... كل الوقت ده؟"
هزت "جيلان" راسها، وعيناها كانت تلمع بحزن.عميق "جون، جهاد ممكن يموت. إحنا بنأمل إنه يقدر يقوم. أنت شفت حالته النهارده... وأنا ما أعتقدش إنه..."
أوقفها "جون" بحركة سريعة من يده، وكلماته كانت تخرج كالأمر الذي لا يلين: "جهاد مش هيحصل له حاجة. هيكون كويس، أنتِ فاهمة؟"
أومأت "جيلان" رأسها، وكأنها تستسلم أمام إيمانه. :-"فاهمة."
جلس "جون" على الأرض، وعيناه تراقبان "مراد" الذي كان يجلس على بعد خطوات، ينظر للفراغ بعيون غائمة. كان الخوف يملأ ملامحه، ودموع خافتة تلمع في عينيه. أغمض "جون" عينيه، واستسلم للخوف. لم يكن يستطيع أن يتخيل يومًا واحدًا في هذا العالم من دون وجود "جهاد".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل القصر، كانت الأنفاس المضطربة لـ "صُهيب" تملأ الغرفة. كان وجهه مُغطى بالعرق، وجسده يرتجف على الفراش.
اقتربت منه "لين"، تشعر بقلبها ينقبض خوفًا من حركاته العنيفة. كانت تعرف أن هذا مجرد كابوس، لكنه كان كابوسًا مختلفًا.
هزّته بلطف، ثم بقوة، لكنه لم يستجب. زادت من قوة هزه، حتى نهض فجأةً بذعر، وكأنه يهرب من شبح. كانت أنفاسه متقطعة.
قدمت له كوبًا من الماء، وقالت بصوت ممتلئ بالخوف: "أنت كويس؟ ده مجرد كابوس."
أخذ "صهيب" الكوب، وعيناه المُتّسعتان كانتا تنظران إلى الفراغ. قال بصوت خافت، كأنه يهمس بسر: "هو... هو مش كويس."
نظرت إليه بتعجب، وقالت: "مين اللي مش كويس يا صهيب؟"
نهض من الفراش، والقلق يملأ وجهه. "جهاد مش كويس يا لين. هو تعبان."
ارتعدت "لين" ونظرت إليه بقلق، ثم حاولت إنكار ما يقوله: "لا يا صهيب. أنت بتقول كده ليه؟ هو كويس."
هزّ رأسه بقوة، وكأنه يقاتل فكرة: "لا، أنا حاسس بيه. جهاد تعبان."
اقتربت منه "لين" وحضنته، وقالت بضيق: "صهيب يا حبيبي، جهاد بخير. أنت بتقول كده ليه بس؟"
جلس على الكرسي المقابل لها، وقال بصوت مليء بالرعب: "الكابوس... كان جهاد بيصرخ... بيصرخ من الألم يا لين. أول مرة أشوفه بالشكل ده."
جلست "لين" بجواره، محاولة إقناعه بأن هذا مجرد حلم.:- "ده مجرد كابوس يا صهيب. لو كان فيه حاجة، كنا هنعرف."
نظر إليها "صُهيب"، وهزّ رأسه بتأكيد: "أيوه، ده كابوس مش أكتر. هو كويس."
ابتسمت له "لين" وقالت: "بالظبط كده. ارجع نام بقى."
ابتسم "صهيب" وهو يهزّ رأسه ويقوم للعودة إلى الفراش. لكنه في أعماقه، كان يعلم أن هذا ليس مجرد حلم. كان قلبه يخبره أن أخاه ليس بخير. استغفر ربه، وأغمض عينيه، يحاول أن ينام، لكن قلبه كان لا يزال ينبض بقلق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الصغير "جهاد" يتسلل بحذر، يتسلل كظلٍّ هارب من كابوس، وعيناه الصغيرتان تلتهمان الظلام حوله بقلق.
خطواته الهادئة بالكاد تُسمع على الأرضية الباردة، وكأنها خطوات لصٍّ يسرق الأمان. توقف أمام غرفة "جاد"، يده الصغيرة ترتجف قبل أن يفتح الباب ببطء. دخل إلى الظلام الذي يملأها، ولفّ نفسه فيه كأنه ملاذ.
أغلق الباب خلفه، وتفقّد الغرفة بعينين بريئتين تائهتين في العتمة.
نظر إلى الفراش وابتسامة خجولة ارتسمت على وجهه. كان يظن أن "جاد" نائم، لكن الابتسامة تلاشت حينما وجد الفراش فارغاً.
عبسَ، وتملكّه شعور بالضياع، وتساءل بصوت خافت: "أين ذهب؟".
في تلك اللحظة، اخترق سكونَ الليل صوتُ "جاد" الغاضب: "جهاد!"
استدار "جهاد" برعبٍ، وقال بصوت خافتٍ: "نعم."
ألقى "جاد" نظرة باردة، وقال بنبرة مليئة بالسخرية، وكأنه يواجه مشكلة قديمة: "إيه المرة دي؟ جالك كابوس؟ تعبان؟ ولا ما بتحبش صوت المطر والرعد؟"
أشار "جهاد" بيده الصغيرة إلى الخارج، وقال بحزن: "لا، مش عشان ده كله."
تنهّد "جاد" بضيق، جلس على الفراش، وقال بنبرةٍ جافة: "أومال جاي زي الحرامي كده ليه؟"
لعب "جهاد" في يده بتوتر، وقال: "بصراحة، حاسس بالخوف."
عبس "جاد" بدهشة مصطنعة: "من إيه؟"
رفع "جهاد" عينيه ببراءة وقال: "مش عارف... بابا وحشني."
نظر "جاد" إليه باستياءٍ، وقال: "وده سبب تخاف منه؟ جهاد، روح أوضتك وبلاش لعب عيال."
انفجر "جهاد" بالبكاء وقال: "جاد، أنا مش بكذب عليك، وأنت عارف... أنا خايف بجد."
أشار "جاد" إلى الباب بسخرية وقال: "جهاد، حركاتك دي أنا عارفها كويس. بتعمل كده علشان تنام جنبي، بس لا. يلا، روح أوضتك."
رد "جهاد" بغيظ: "جاد، أنا قلتلك إني مش بكذب، وعلى فكرة أنا جيت علشان أقولك إني خايف، وأنت بتكذبني."
نظر "جاد" إليه في صمت، بينما قال "جهاد" بكلماتٍ مكسورة: "أنا طالع، ومش هاجي هنا تاني."
راقب "جاد" "جهاد" وهو يخرج من الغرفة بسرعة ويتوجه إلى غرفته، وشعر ببعض الضيق. كان يعرف جيداً أن "جهاد" لا يكذب، لكنه لم يكن مستعداً ليظهر ضعفه.
في غرفته، جلس "جهاد" على الأرض بقرب الفراش، يتنفس بقوة، وقلبه يعتصره الحزن. كان خائفاً حقاً، يشعر بالقلق بعدما رأى والدته تبكي اليوم بسبب غياب والده، لكنّه كان خائفاً أكثر من أن يكون وحيداً. بكى وهو يضم قدمه ويعانقهما بحزن شديد من معاملة "جاد" له. لقد كان يعتبره أخاه، ودرعه، وصديقه الوحيد. لكن "جاد" خذله.
عند عتبة الباب الموارب، تجمّد "جاد" للحظة. لم يفتح الباب ويدخل، بل فتحته عينيه على مشهد يمزق القلب. "جهاد"، جسده الصغير منكمش على الأرض، يحتضن قدميه بذراعين واهنتين بينما يخفي وجهه بين ركبتيه، كمن يحاول الاختباء من العالم.
شهقة حزينة أفلتت من "جاد" وهو يتقدم ببطء، يتأمل المشهد بندم. كان يعتقد أنه مجرد طفل مدلل يريد النوم في غرفته كعادته، لكنه الآن يرى خوفًا أصيلًا لم يفهمه. انحنى بهدوء، يمسح وجهه بكفه المنهكة، وجلس بجوار "جهاد" على الأرض الباردة. مد يده بحنان، يداعب خصلات شعره الأسود، ونادى بصوت هادئ يرتجف فيه الحنان: "جهاد."
"اطلع برا!" جاء الرد مهزوزًا ومخنقًا بالبكاء، وكأن الكلمات تكافح لتخرج.
هز "جاد" رأسه بالنفي، ثم وضع يده على كتف "جهاد" لينزعها برفق عن قدمه، ويجبره على رفع رأسه. "أنا آسف. بجد أنا آسف."
قالها بصوت مليء بالأسف. "كنت فاكرك بتعمل كدا زي كل يوم عشان تنام عندي في الأوضة."
نظرة "جهاد" كانت غارقة في الدموع، بينما كان وجهه شاحبًا من الخوف..:-"أنت مش بتصدقني يا جاد... أنا مش بكدب عليك... أنت صاحبي... أنا بجد كنت خايف. ماما كانت بتبكي عشان بابا وعمو جاد طولوا... أنا خفت زيها."
ابتسم "جاد" بمرارة، وضمه إلى صدره بقوة، كأنه يحاول أن يحميه من كل ما يخاف منه..:-"ما تخافش. كل حاجة هتكون كويسة. هما هيرجعوا قريب."
ثم حاول أن يغير مجرى الحديث بمزحة رقيقة،.:-"وبعدين، أنت مش كنت بتقول إنك ما بتخافش من حاجة؟ ده اسمه إيه بقى؟"
كلماته لم تخفف من خوف "جهاد"، بل زادته..:-"خايف يسبني تاني... وأفضل لوحدي." قالها بصوت أشبه بالهمس، صوت طفل يتجرع مرارة الوحدة.
نظر إليه "جاد" بحزن عميق..:- "لا هو بيحبك... ومش هيسيبك. عارف ليه؟"
أشرق وجه "جهاد" الصغير قليلًا..:- "ليه؟"
ابتسم "جاد" بخبث حنون..:- "عشان هو غبي زيك."
"جهاد" لوى فمه بغيظ طفولي..:- "ما تقولش على بابا غبي!"
"جاد" وضع يده على وجهه بضيق مصطنع.:- "جهاد أنا معاك على طول."
"جهاد" هز رأسه بالنفي، وعادت نظرة الخوف لعينيه..:-"لأ... بكرة هتزهق وتبعد."
تأمل "جاد" كلماته في صدمة.:- "أنت بتقول كدا ليه؟"
"جهاد" نظر إليه بعينين مترددتين..:- "عشان أنا مش طبيعي... عيان. وأنت بتشفق عليا عشان أنقذتك يومها. أنت دلوقتي حاسس بالذنب، وبكرة هتزهق وتمشي"
ارتجف جسد "جاد" بصدمة من كلام "جهاد". لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صرخة خوف عميقة. كان في البداية يشعر بالشفقة على هذا الطفل المريض، لكن هذا الشعور تبخر الآن ليحل محله إحساس عميق بالمسؤولية والأخوة..:- "الكلام ده مش صح... أنا مش بعمل كدا... جهاد أنت بتفكر غلط، ويا ريت ما تفكرش تاني بالشكل ده."
"حاضر." قالها "جهاد" بصوت مطمئن، كأنه يستسلم لقوة الكلمات.
نظر إليه "جاد" بضيق، وراح يفك عقد لسانه..:- "اسمعني يا جهاد... أنا جيت البلد دي مع بابا من سنين عشان يدور على عيلته. سبت مصر وكل حاجة هناك، وعشت هنا سنين طويلة ما سمحتش لأي حد يقرب مني. ما عملتش أي أصحاب أبدًا طول السنين دي. بس أنت غير... كنت بشوفك الأول شخص رخم ولئيم، بس دلوقتي لأ... أنت صاحبي الوحيد."
نور الفرح أضاء عيني "جهاد". كانت نظرة امتنان وحب صافٍ وهو يقول: "بجد؟ يعني أنا صاحبك الوحيد... زي ما أنت دلوقتي صاحبي الوحيد؟"
هز "جاد" رأسه متعجبًا من التحول السريع، من طفل غارق في البكاء إلى طفل يبتسم بسعادة غامرة..:- "أيوه."
ابتسم "جهاد" بمرح، وروح الدعابة عادت إليه..:- "يعني مش هتبعد عشان أنا واحد مريض ومش بتنفس كويس... أنت عارف، أنا هكون كويس. ماما بتقول كدا وبابا كمان، ومش هاخد البخاخ ده تاني."
انقبض قلب "جاد"، وظهر الحزن في نبرة صوته. "عارف... بس لازم تخلي بالك من نفسك وتاخد البخاخ ده دايمًا كل ما تتعب. أنت فاهمني؟"
هز "جهاد" رأسه بضيق طفولي..:- "ماشي... يلا روح نام."
هز "جاد" رأسه بالنفي، ثم حمله بين ذراعيه كأنه يحمل طفلًا رضيعًا..:- "وأنت كمان يلا."
"نزلني يا زفت!" قال "جهاد" بغيظ..:- "أنا بعرف أمشي كويس."
"جاد" هز رأسه وهو يخرج من الغرفة..:- "ما أنا عارف... بس أنا بساعدك."
صاح "جهاد" بدهشة: "أنت واخدني على فين؟ دي مش أوضتي."
هز "جاد" رأسه بالنفي وهو يمشي باتجاه غرفته..:- "لأ... من هنا ورايح، الوقت اللي تكون خايف فيه هتيجي تنام في حضني. أنت فاهم؟"
"جهاد" هز رأسه بالنفي..:- "لأ... أنا مش هروح أوضتك تاني. أنت زعقتلي."
"جاد" وضعه على الفراش بضيق مصطنع..:- "ما تزعلش... يلا نام."
"جهاد" بضيق: "أنام معاك ليه؟ حد قال لك إنك أمي؟"
"جاد" بابتسامة: "لأ... أخوك."
"جهاد" بتعجب: "لأ... إحنا أصحاب."
هز "جاد" رأسه وهو يستلقي بجانبه،.:- "لأ... غيرت رأيي. أخوك أحلى. من النهاردة أنا جاد أخو جهاد... وجهاد أخو جاد."
"جهاد" الصغير نظر إليه بذهول..:- "بس إزاي؟ أنت مامتك عشق وأنا ماما ماسة... وأنت باباك مراد وأنا بابا جهاد."
"جاد" رد بلا مبالاة: "مش مهم. أنا قولت أنت أخويا، وأي حاجة تانية مش مهمة... زي عمو جون وباباك، صح؟"
"صح." قالها "جهاد" بفرحة.
ابتسم "جاد" بحنان، ووضع رأسه على الوسادة..:- "يلا نام."
"جهاد" استلقى بجانبه، وأغمض عينيه بنعاس..:- "أنت عارف... أنا بحبك أوي... وفرحان إنك في حياتي."
ابتسم "جاد" وهو ينظر إليه، يراه ينام بسرعة كبيرة. "وأنا كمان"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في فجرٍ لم يأتِ بنوره المعتاد، بل بظلامٍ كثيفٍ كظلام القلب، كان "جاد" مستيقظًا، تنهش روحه عاصفة من القلق. لم يكن مجرد هاجسٍ عابر، بل كان شبحًا جاثمًا يختنق به صدره، يُردد في أعماقه صدى الخوف من أن يُصاب "جهاد" بمكروه.
نهض "جاد" على أطراف أصابعه، حركته خافتة كمن يتسلل في حلم. كل خطوة كانت ثقيلة، يدفعه توجسٌ مريرٌ نحو باب غرفة "جهاد". كان يتوقّع الأسوأ، لكنه كان يرفض أن يراه بعينيه.
انزلق الباب ببطء، ليكشف عن مشهدٍ هزّ كيانه:
"جهاد" لم يكن نائمًا، بل كان يجلس على حافة السرير، عيناه مثبتتان في الفراغ أمامه، كأن روحه قد رحلت بالفعل. كانت عيناه تحملان دمعًا ثقيلًا، دمعًا رفض السقوط، لكنه كان يثقل كتفيه كعبءٍ أخير.
غصةٌ أليمةٌ اعتصرت قلب "جاد"، فجلس على الأرض أمامه ليصير في مستوى واحد، وتلاشى كل شيء من حوله إلا وجه أخيه. نطق اسمه بصوتٍ متهدج: "جهاد؟"
نظر إليه "جهاد"، لكن عينيه لم تريا "جاد"، بل تريان ألمًا أعمق. امتدت يده المرتعشة، أمسك بذراع "جاد"، وقال بصوتٍ يملؤه خوفٌ حقيقي، كما لو أن ألمه لا شيء أمام ألم أخيه: "جاد... أنت كويس؟ دراعك بيوجعك؟ حاسس بإيه؟"
في تلك اللحظة، لم يجد "جاد" في داخله سوى ابتسامةٍ حزينة. أدرك أن أخاه، في أشد لحظات ضعفه، لا يزال يفكّر فيه..:- "أنا كويس... ما تقلقش عليا. جهاد، أنت اللي حاسس بإيه؟ في حاجة بتوجعك؟" حاسس بإيه؟"
في تلك اللحظة، لم يجد "جاد" في داخله سوى ابتسامةٍ حزينة. أدرك أن أخاه، في أشد لحظات ضعفه، لا يزال يفكّر فيه..:- "أنا كويس... ما تقلقش عليا. جهاد، أنت اللي حاسس بإيه؟ في حاجة بتوجعك؟"
هزّ "جهاد" رأسه وابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمت على شفتيه: "حاسس إني كويس... أنا كويس. خلّينا نمشي من هنا. عايز أروح البيت."
لكن نظرة "جاد" كانت حادة، تخترق كذبته الضعيفة..:-"أنت بتكدب عليا صح؟"
"لا والله." هزّ رأسه بنبرةٍ صادقةٍ مزّقت قلب جاد..:-"أنا كويس... عايز أروح البيت... عايز أموت هناك يا جاد."
تجمّدت الدنيا في عيني "جاد". اتسعت عيناه من الصدمة، وخرج صوته كصرخة محتجّة على القدر: "إوعى تقول الكلام ده! أنت هتكون كويس ومش هيحصل لك حاجة... أنت فاهم؟ مش هيجرى لك حاجة!"
"جاد..." قال "جهاد" بابتسامةٍ حزينةٍ: "ماسة حامل... ومش هكون معاها المرة دي كمان. هو ليه بيحصل كده دايمًا؟ هو أنا وحش للدرجة دي ومش أستاهل أفرح؟"
لم يستطع "جاد" أن يجيب. احتضنه بقوة، ودفن وجهه في كتفه. سقطت دموعه بصمتٍ على كتف أخيه، لكنها كانت تتحدث بكل ما لم يستطع قوله..:- "أنت هتكون كويس، والله العظيم هتكون بخير ومش هيحصل لك حاجة... هتشوف ابنك وتلعب معاه. أنت مش وحش... أنا السبب... أنت أحسن حد في الدنيا دي. أنا آسف."
عانق "جهاد" "جاد" بشدة، وهمس بصوتٍ متعب: " أنا عارف إنك بتكرهني... بس والله أنا بحبك يا جاد."
نظر "جاد" إليه بحزنٍ لا حدود له، وكاد أن يتكلم عندما قاطعه صوت "جهاد" وهو ينظر إلى الباب: "مراد..."
استدار "جاد"، ورمى على "مراد" ابتسامةً يائسةً حاول أن يخفي بها ألمه.
اقترب "مراد" وعانق "جهاد" بقوة، ضمه إلى صدره كأنه يود أن يمتص منه كل ألم العالم. قال بصوتٍ مليءٍ بالحنان: "جهاد... أنت كويس؟"
نظر "جهاد" إلى "جاد" الذي كان يراقبه بحزن، وقال بابتسامةٍ باهتة: "أنا كويس يا مراد، زي الصروخ."
أدرك "مراد" الكذبة وقال بنبرةٍ مليئةٍ بالحنان والحزن: "جهاد، ما تكدبش عليا..."
صرخ "جهاد" بنبرةٍ موجوعة، صوتُه يحملُ مرارةَ عجزِ العالم كله..:- "لأااا مش عارف يا مراد! مش عارف! ما فيش حد عارف أي حاجة. أنا بموت!"
أشار إلى جسده المهتري وكأنه جسدٌ غريبٌ عنه..:- "السم بيمشي فيا. عايز أشوفهم قبل ما أموت لو سمحتوا... يا جاد."
نظر "جهاد" إلى "جاد" برجاء، وعيناه تبكيان ألمًا.
كان "جاد" يشعر بقلبه يخفق حزنًا ورعبًا من فكرة موته. لم يستطع البقاء.
نهض بصمت وخرج من الغرفة، تاركًا خلفه وجعًا لا يُحتمل، وجرحًا مفتوحًا لن يلتئم أبدًا.
نظر "جهاد" إليه بندم، وقال لـ 'مراد': "مراد أنا..."
قاطعه "مراد" وهو يعانقه بشدة، وكأنه يخبره أنه لن يرحل عنه أبدًا. قال بدموعٍ كان يمنعها من النزول منذ مدة: "مش هتموت... مستحيل. أنا مصدقت رجعت لك تاني. أنا كنت بتمنى طول عمري إني أكون معاك... وأنت عايز تبعد عني؟ لأ يا جهاد، بلاش..."
قال "جهاد" بصوتٍ يحمل التعب والدموع: "أنا آسف يا مراد... أنت دلوقتي هتكون مع مليكة وتحميها زيي وأكتر، صح؟ هتقول لبابا يسامحني لأني حرمته من أخوه... تقول لماسة إني ما قدرتش أوفي بوعدي المرة دي كمان... بس والله غصب عني... وكمان صهيب... ما تسيبهوش لوحده. قله إنه ينسى كل حاجة حصلت... خليه ينساني يا مراد... وكمان تخلي بالك من جاد. هو مش هيقدر يتعامل مع العيلة لوحده..."
هز "مراد" رأسه بقوة ودموعه تسقط: "لأ... أنا مش جهاد عشان أعمل ده كله."
"أنت مراد المغرور." قال "جهاد" بضحكةٍ متعبةٍ.
"أنت هتكون كويس. والله العظيم ما هسمح للموت إنه ياخدك مني تاني. أنت فاهم؟"
خرج "مراد" بسرعة من الغرفة. أغمض "جهاد" عينيه، وشعر أن يديه تنتفضان بشدة. قبض عليهما، وشعر أن الدنيا تدور من حوله. أغمض عينيه وهو يتألم بصمت، تاركًا جسده يصارع الموت وحده، حتى لا يشعر أحد بأي شيء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الخارج، كانت الرياح الباردة تلطم وجه "جون"، لكنه لم يشعر بها. كان الصمت الذي خلفه صوت "جهاد" أقوى من أي ضجيج، يتردد في أذنه كصدى مرير لكلمات الوداع.
شعر "جون" بالضعف والعجز لأول مرة في حياته، كأن قوته كلها تلاشت أمام احتمال خسارة أخيه.
التفت "جون" خلفه، رأى "مراد" يقترب منه بخطوات متعثرة، يرمي بنفسه في أحضانه. انهار "مراد"، كانت دموعه حارة على صدر "جون" وهو يشهق ببكاءٍ مرير.:- "أنت قوي ولك سلطاتك، صح؟" قالها برجاءٍ يائس،
"ساعده... ساعد جهاد يا جون، خليه يكون كويس، ما تسمحش إنه يموت! علشان خاطري، هو أخويا الوحيد... أنت بتكرهه، صح؟ بس والله هو بيحبك! أعمل أي حاجة، أنا مستعد أعملك اللي عايزه، بس جهاد ما يموتش. أنا رجعت علشانه، علشان أحميه، بس ما قدرتش. ساعده، علشان هو... هو بيحبك رغم اللي بتعمله فيه."
لأول مرة، لم يجد "جون" في نفسه أي مقاومة. احتضن "مراد" بقوة لم تكن معهودة، وتسلل إلى صدره حنانٌ أخويٌ غريبٌ..:- "ما تخفش يا مراد، أنا هعمل كل حاجة علشان يكون كويس... بس مش علشانك." توقفت كلماته، ثم تابع بنبرةٍ تحمل ثقل السنين: "علشان جهاد مش بس صاحبي، هو روحي يا مراد... أخويا أنا كمان. أنا بحبه أكتر منك، ومش هسمح للموت إنه يقرب منه. جهاد هيكون بخير... ده وعد جاد لأخوه جهاد، مش جون."
ثم همس بصوتٍ خافت، كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف لمراد: "اللي حصل يومها بدفع ثمنه دلوقتي. ما تخفش يا مراد."
ابتعد "مراد" عن "جون"، وعيناه تحملان خليطًا من الخوف والأمل.:- "هتعمل إيه؟"
نظر "جون" إليه بتأكيدٍ لا يقبل الشك..:- "أنا اتصلت بجدّي، وهو هيتصرف ويحجز لجهاد في أكبر مستشفى هناك."
"جدّي عرف؟" قال مراد بصدمة..:-"طيب والعيلة؟"
هزّ "جون" رأسه نافيًا: "ما فيش حد يعرف حاجة غير جدّي. ما فيش حد من العيلة عرف أي شيء."
"طيب وزي ما بتقول جيلان، ما فيش علاج؟" قال مراد بقلق.
تنهّد جون بضيق. "أنا اتكلمت مع جيلان، وهي قالت إنه لازم يتجاوز المرحلة الأولى ويتغلب عليها بنفسه، وبعدين جسمه هيقبل العلاج بالأدوية."
أشرق وجه "مراد" بالأمل..:-"يعني هيكون كويس؟"
هزّ "جون" رأسه بالنفي مجددًا، ونظرة الحزن تملأ عينيه..:- "لأ. اللي هيحصل لجهاد في الفترة الجاية ما فيش حد هيتحمله."
"أنا هكون جنبه ومعاه." قال 'مراد' بتأكيدٍ.
وضع "جون" يده على كتف "مراد"، وابتسامة حزينة تلوح على شفتيه..:- "مش لوحدك."
نظر "مراد" إليه بنظرات تحمل الامتنان والأسى..:- "شكرًا يا جون."
ابتسم "جون" بهدوء، لكن قلبه كان يعتصر من الرعب. تمنى لو يستطيع أن يحلّ مكانه، لو يستطيع أن يحمل عنه كل هذا الألم، وأن يكون هو من يصارع الموت بدلًا من أخيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل